الرئيسية » نقد » ادب » مهدي شاكر العبيدي : فخري أبو السعود رائد الدراسات الأدبية المقارنة

مهدي شاكر العبيدي : فخري أبو السعود رائد الدراسات الأدبية المقارنة

فخري أبو السعود
رائد الدراسات الأدبية المقارنة
مهدي شاكر العبيدي
اوستن – تكساس
قضى منتحرا زمن الحرب العالمية الثانية لانه لم يتحمل الصدمة المريعة نتيجة غرق باخرة في عرض المحيط موديةً بهلاك ولده هو ولداته الصغار اطفال الامة الانكليزية ، والذين انصاع ذووهم لرغبة حكومة بلادهم في توقيتهم العاهات النفسية وتجنيبهم مجتلبات الحرب ، فارتات عيشهم بصورة مؤقتة في كندا بامان وبلا خوف ، وما درت انها والقدر الظالم على وعد في التعجيل بمغادرتهم هذه الفانية.
ولو صبر مغالبا هذه الانكاد لكان له شانُ ودورُ فاعل في ازدهار الحركة الادبية اكثر ، اسوة بمعاشره واصفيائه العائدين من البعثة امثال محمد مندور ولويس عوض وعلي حافظ.
************
من الأخطاء الشائعة أن مجلة (الرسالة) لمنشئها أحمد حسن الزيات لمْ تعن في مباحثها ومقالاتها بغير الأدب العربي ولم تتعده إلى الآداب الأجنبية على سبيل تعرف موضوعاتها واتجاهاتها واسترفاد آدابنا المحدثة منها ، وما رُمِي به كـُتـابها من تقعر في قوالبهم ومبانيهم وفرط التقليد والاحتذاء في المشكلات والقضايا التي استأثرتْ بالتفاتهم وتناولهم ، يمُت كله إلى الافتيات والكذب بأوثق الآصار و الأسباب ، قدر ما يسجل لأصحابه نزوعهم إلى الإساءة حيال ناس كل جريرتهم أنـهم بلغوا قدراً مناسباً من التميز والفرادة إنْ في أساليبهم البيانية حد أنْ تستدل على شخوصهم بمجرد أنْ تقرأ بشكل عابر بعض تعابيرهم ولقياتهم في حالة حجب الاسم عنك ، أو في النصيب الأوفر من الغيرة القومية والتشبث بالأصالة والحرص على قيم التراث العريق في كل توجهاتهم نحو التماس الحلول واتخاذ المواقف إزاء مشكلات العصر ومعضلاته دون أنْ يشكل ذلك أو يحسب عليهم من قبيل التحجر والانغلاق وقصور الفهم على أي حال.

أجل نحن في أمس الحاجة إلى من يعيد إلينا ذكرى كثير من الجنود المجهولين الذين أمكن لمجلة (الرسالة) بفضل مثابرتهم وحميتهم ودأبهم على تحبير الدراسات الموضوعية وكتابة الأبحاث العميقة ، أنْ توالي الصدور طوال أكثر من عقدين ِ من الزمن كانتْ الأمية متفشية على شاكلة مريعة بين عموم سكان الوطن العربي ، فضلاً عن وقوع بعض ديارات العرب تحت حكم الانتداب بريطانياً وفرنسياً ، ثم ان النفط لم يكن مكتشفاً أو معثوراً على آباره ومصادره في معظم دول الخليج العربي ، فكان سكانها يحيون حياة العزلة والرتابة والانكماش وانبتات الصلة ببقية الأقطار العربية التي رغم ما تعنو له من ارتباط حُكـامها بالمستعمر واضطرارهم لمسايرته ومداراة رغابه في أهون حال ، فإنـها تعد راجحة عليها نسبياً من ناحية تفجر الوعي الوطني والقومي في أوصال شبيبتها وتحينهم الفرص لإظهار تطلعاتهم وأمانيهم ما وسعهم ذلك.

نحن في حاجة إلى من يعيد إلينا ذكرى مجهودات أحمد رمزي في التدليل على عروبة المدن الحدودية التي استلبتها بعض الجارات في غير حق أو دليل على عائديتها لها ، وإلى مراجعات عبد الكريم الناصري في الفلسفة ونظرية المعرفة عند الأوربيين والعرب ، وإلى دراسات محمود الخفيف حول الأدب وسير أعلامه ، ومن إمارات ذلك تقديمه تولستوي في حلقات متتابعة بوصفه من القمم الشوامخ في أدب هذه الدنيا قديمه وحديثه ، والريادة الفائقة التي اضطلع بها فخري أبو السعود في مجال الدراسات المقارنة بين الأدب العربي والأدب الانجليزي وتحديد نصيب كل منهما من السمو أو التدني في الخيال والعاطفة وغيرهما من العناصر والخصائص الداخلة في مكونات العمل الأدبي ، لك أنْ تعجب كيف اتسع صدر الزيات الذي له بعض الفقه والإلمام بالآداب الأوربية ، لم يعفه من شعور الولاء للآداب العربية والاعتقاد بنهجها واستوائها وسموقها ، نقول كيف اتسع صدره حيال نشر مقال في مجلة يقع على كاهله ما تفاجأ به قراءها من نوازع وأفكار ، هذا المقال الذي يسم الأدب العربي القديم بقصور الخيال والعجز عن التوسع والتطويل والإسهاب في الموضوعات التي يعنى بها أربابه ، وأن انجازاته في ميدان التحليق والبراعة تتلخص وتنحصر في حكم وأمثال رائعة بلغتْ الغاية من الاقتضاب والوجازة والأداء المُركز ، على خلاف ما صار إليه أدباء الغرب من الاتساع والشمول والرحابة العقلية وتناول أدق الشيات والنعوت ذات المساس والصلة بشؤونهم وملابسات حياتهم.

هذا المقال الذي ينعى على الأدب العربي افتقاره إلى الخيال ، وهو في تحديده “القدرة على انتزاع شتى الصور الذهنية من الواقع واستحضارها والتصرف فيها” ، ولا يني كاتبه في وصم شعرائه البارزين بالإحالة والنفاق ومجانبة المنطق ، يكتبه شاب عائد لتوه من بلاد السكسون إلى بلاده إبان منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي مزوداً بشهادة تقر بنبوغه واستيعابه للأدب الإنجليزي ، لكنـها لم تجعل منه ـ على أية حال ـ داعية للسياسة الانجليزية ومعجباً بالواقع المعيشي الذي يجتني الناس هناك أطايبه من وراء إمعان ساستهم في استنزاف الشعوب المغلوب على أمرها ، ذلك انـه كان يدين بنزعة مفادها أنْ ليس من سبيل لمقارعة الانجليز والتخلص من نفوذهم في مصر وغير مصر ، إلا بحذق العلوم المختلفة وإعداد المتخصصين فيها ليستكمل البلد حاجته ورصيده من هذه الطليعة المرتقبة ، وليس باللجوء إلى الإضرابات بوجه الأساتذة الانجليز ممن كان لهم وجود وشأن في عموم المدارس والمعاهد المصرية ، على ما يحيط بذلك الأستاذ رجاء النقاش في كتابه (التماثيل المكسورة) الصادر في نيسان 1963م ، عن دار المعارف ضمن سلسلة (اقرأ) ، ثم تكررتْ طبعاته بمسميات وعناوين أخرى عند كل مرة تتجمع لدى مؤلفه أو يرد على خاطره من تأملات صادقة في الأدب والحياة.

ومن البينات الحقة على تشرب فخري أبو السعود وإعجابه بالأدب الانجليزي ، لمْ تنبت معها صلته بالأدب العربي ، أنـه يكتب بلغة مشرقة وبيان فصيح لا يعهدان تزويقاً وبهرجة قدر ما يوفيان على التحديد والإحاطة بالمعنى بأدل المفردات والألفاظ عليها ، إنْ لم يرعك منه توفيقه في تلخيص وإجمال ما يتضمنه مقاله في سياقه من نظرات وانطباعات في خاتمته ، على شاكلة تنبيك أن الكاتب قد فرغ من إزجاء كل ما يمكن أنْ يقال بصدد الموضوع المتناول من لدنه ، ولم يعد في الوسع الإسهاب فيه أكثر.

على نفسه في حديقة بيته الجميل الأنيق في الإسكندرية لأنـه لم يحتمل صدمة فقدانه ولده بحادثة غرق السفينة التي تقل أطفال الأسر الانجليزية ممن رأتْ الحكومة أنْ تبعث بهم إلى كندا ريثما تنتهي الحرب ، وكان من سوء حظ الطفل المصري أنْ يكون بصحبة أمه الانجليزية المسافرة لزيارة الأهل فيقحم به مع أولئك الأطفال الأغراب ، نقول أن أروع انجاز ثقافي باهر تولى عنه هذا الدارس المجلي قيامه بتجربة رائعة الشاعر والروائي الانجليزي توماس هاردي الموسومة (تس سليلة دربرفيل) ، وتقديمه لها بما يحيط بعصر الكاتب وظروف نشأته ومكونات ثقافته ، فضلاً عن توجهه الفلسفي ومنزعه الحياتي ، إذ ينتظم في عداد المتشائمين أو المعتقدين أن القدر واقف بالمرصاد للإنسان حتى لا تستديم له في دنياه سعادة أو يستتم هناء.

ويبلغ المترجم من الاندماج والامتزاج بسريرة النابغة الانجليزية واستشفاف حقيقته حداً بالغاً من البهر والإعجاب والروعة يحكي الأسى العميق بفعل التعاطف وتلك السريرة وذلك المزاج ، فحين يأتي عبر مقدمته على نظرته للحياة ، يدع المجال لبراعته أنْ تستطرد على رسلها في تسطير تأملاته ، فيرى أنْ ليس في الدنيا ما يستحق الحرص عليه ، أو ليس فيها غير “تحول الحب وقسوته ، وسموم الغيرة وجناية الشهوة وحلول المشيب ونزول البلى ونضوب الوفاء”.

كل هذه الفجائع والشؤون تهون بجانب أنْ يطول الزمن “بالآلام وخيبة المساعي وفوت الفرص وامتناع الآمال” أقل الناس استحقاقاً لذلك ، وكذا كانتْ خسارة الأدب المقارن بانتحار رائده فخري أبي السعود من الجسامة والفداحة بشكل لا يُصدق ، فإذا توقفتْ الدراسات المعنية بهذا الجانب الحي من جوانب الأدب إثر غيابه ، إلا من قيام البعض بترجمة بعض المباحث المعرفة بخصائصه وسماته عن بعض اللغات الأوربية ، فإن اللذين قـُيض لهم أنْ يستأنفوا في الآونة الأخيرة كتابة الدراسات على منواله ويعقدوا المحافل والندوات لشرح اهتماماتهم ومناهجهم في دراسة الآداب ، أجزم أنـهم لم يشيدوا بريادته عبر خطبهم ورسائلهم ، وربما وجد بينهم من يجهل كنهه أو لم يسمع به أو عنه في آن ، وصاروا في أمس الحاجة إلى ما يوقظ ذاكرتهم الثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *