ميس داغر : تحدُث

تحدُث
في مدينته الباردة، مدينة المسارات المنتظمة والمواعيد الدقيقة، لم يكن قبل ذلك الصباح الربيعيّ يشغل همّه أيّ شيء، فلم يكن من شيء يستدعي الهمّ بشأنه. كل ما سيحدث متوقّعٌ، كل ما ستؤول إليه الأمور معروفٌ للجميع، كل الحسابات محسوبة، وكل الاحتياطات مأخوذة. هذه الدقة الروتينية ليس يصعب تخيلها في مدينةٍ يتحرك فيها الناس كما الآلات. حتى هو نفسه، كان إحدى هذه الآلات، حتى حان هذا الصباح الذي فكّكك في مخيلته الآلات كلها.
ففي الصباح هذا، وعلى غير عادته، لم تتدفق الطاقة في جسده كآلة مُجبرة على النهوض للعمل، بل استيقظ بإحساس عصفورٍ برّي نام مواسم ومواسم، وصحا براحته. وبرغم لخبطة نهاره في دقيقته الأولى وإدراكه لتأخره عن موعد قطار الثامنة لأول مرة في سنوات عمله، إلاّ أنّ انسياباً غير معهود كان يستشعره في حركته، وسكوناً أخّاذاً كان يقبضُ إليه نفسَه. حتى إنه لم يود البحث في سبب توقف ساعة المنبه عن العمل بشكلٍ مفاجىء هذا الصباح بالذات، بل وكأنه راقه انسحابه العفويّ المباغت هذا خلف توقيتٍ لا هو دقيق ولا مقصود.
جهّز نفسه للذهاب إلى العمل، كما يفعل في مطلع كل نهار، مع فارق ساعة كاملة هذه المرة. وعندما وصل إلى المحطة، وخطا خطواتٍ قليلة إلى داخل قطار التاسعة، وقعت عيناه على بطاقة هوية شخصية مُلقاة أمام قدميه، فانحنى من غير تفكير والتقطها. بمجرد أن نظر إلى الصورة في البطاقة قفزت من قلبه ضحكة مُفاجَأة حلوة، كتمها في صدره وابتسمت شفتاه. فقد وجد نفسه ينظر إلى عينين زرقاوين تحت غُرّة حمراء مموّجة، ووجنتين منمّشتين. هذه هي ملامحه الصهباء النادرة ذاتها، تشاطره إياها الفتاة التي يراها في البطاقة. رفع عينيه عن البطاقة والفضول يشتت حركة رأسه يميناً وشمالاً، بحثاً عن صاحبة الصورة.
خلال هذه الثواني القليلة كانت فتاة صهباء مقابله في القطار تُغلق محفظتها بقلقٍ بعد أن اكتشفت أنها ضيّعت بطاقتها. وعندما رفعت رأسها تنظر إلى أيّ زاويةٍ يقودها حدسُها التقتْ عيناهما مثلما تلتقي عينا توأمين. ليس أنهما متماثلان إلى هذا الحدّ في مظهرهما الأصهب الفريد، وإن كانت صُهبتهما جعلتهما متشابهين إلى حدٍ كبير، لكنهما بَدَوَا لبعضهما متماثلين فيما أبعد من هذا؛ فهذا الذي حدث للتو بينهما لم يتوقف عند التقاء زوجين من العيون المتشابهة، بل تجاوزه إلى إحساسٍ أشبه بسقوطٍ حُرّ لحدقتي كل منهما في أعماق الآخر. سقطتان متوافقتان في الأبعاد كلها، كهربتا روحيهما في تناغمٍ عجيب.
ويا لمحاسن الصُدَف، كان المقعد بجانبها فارغا. لكأنّ هذا المشهد مُقتطعٌ من رواية تفنن الكاتبُ في سحرها. تقدّم منها مُبرزاً البطاقة بين يديه، وهي استأنست به وبالبطاقة. شكرته، فرحّب بها، وهالةٌ مغناطيسيةٌ على الكرسي الفارغ بجانبها جذبته إليها.
مغتبطاً عرّفها بنفسه، بعنوانه ووجهة سفره. وعرّفته هي بنفسها. لم تخبره عن نفسها أكثر من اسمها ومن أنها ستُضطر هذا الصباح للتنقّل بين ثلاث محطات للقطار للوصول إلى وجهتها، بعد تأخرها بالصدفة عن قطار الصباح المباشر. وهذا القطار الذي يستقلانه هو الثاني في محطاتها.
بعد أن أدرك أنه لم يجمع بينهما في هذه اللحظة سوى صدفتين طارئتين، لم يعد هذا المشهد بالنسبة إليه كأنما هو مُقتطع من رواية تفنن الكاتبُ في سِحرها، بل فكّر أنّ هذا المشهد هو السحر ذاته الذي سيحاول الرواةُ لاحقاً الكتابة عنه. اللعنة! أية صدفتين وأيّة طارئتين! هذا التنميق المدهش للأقدار منذ الصباح جعله يُعيد النظر بنظرية الصدفة ثمّ يلقيها كاملةً تحت عجلة القطار. وعندما بدآ يتحدثان في مواضيع تخص المنبّهات ومحطّات السفر، صار يحفرُ لنظرية الصدفة هذه مدفناً أبدياً لها تحت الأرض.
كانت تتحدث كلاماً عادياً ليس فيه ما هو مهم، لكنّ هذا العاديّ هو ما كان يستفز حواسه باتجاهها، ويجعله يظن أنه يحادث النصف الآخر لنفسه، فكل كلمة كانت تقولها بدت له أنه إمّا سمعها في وقت ما، أو أنها كانت على وشك أن تصدر عن لسانه، لا عن لسانها. هذه الألفة المتسارعة بحرارة مع هذه الفتاة الغريبة جعلته يفكّر بتفسيرين لا ثالث لهما لسرّها؛ فإمّا أنّ هذا صدىً كونيّاً متأخراً للقيا طويلةٍ تمّت بينه وبينها في حياة سابقة، أو أنه هجسٌ مُسبقٌ بما سيكون بينهما.
لم يستسخف نفسه أن فكّر بهذه التفسيرات التي تُناسبُ بوذيّ أكثر مما تناسبه، كما أنه لم يذهب ذهنه بعيداً في التأمل بها. فالتفسير، مهما كان، ليس هو المهم، بل الحالةُ نفسها؛ هذا الشعور العميق بالتوحّد مع هذه الصهباء، التي تبدو، بلونها المختلف الذي لا يُشبه راكباً سواه، كأنما سقطت إلى جواره من فُرجةٍ في سقف القطار.
ليس من كلامٍ كثيرٍ ليُقال بين غريبين على متن قطار خلال نصف ساعة، أمّا ما لا يُقال بينهما، فلا أحد يجزم بمقداره. وعلى فروع شجيرات الحدائق التي بدأت بالنمو من حول مقعديهما منذ أن انطلق القطار، كان يحطّ كلام كثير. أكثر من أسراب طيورٍ ترتوي عند شط بحيرة، أكثر من حفنات نجوم تُضىء ليل صحراء صافٍ.
بوصول قطارهما إلى المحطة التالية كان عليه أن يمضي صوب عمله، وكان عليها أن تمضي إلى محطة ثالثة. أخذت معها البحيرة وحفنات النجوم، وتركت له أسراب الطيور وليل الصحراء. لكنه لم يحزن لهذه المغادرة، بل وعندما كان يراقبها تبتعد في الاتجاه المعاكس أخذ يخبطُ بقدميه فوق الأرض مراراً ليؤكد لنفسه أنّ نظرية الصدفة ما زالت هناك، مدفونة تحت الأرض؛ الأرض نفسها التي نبت منها أمله الشفاف بلقاء الصهباء من جديد. بالأحرى لم يكن أملاً، لم يكن شفافاً، كان يقيناً بصلابة الحديد، بكثافة الأزرق في حدقتي عينيها. من أين أتاه كل هذا اليقين؟ من المكان نفسه الذي خطف كوكبين سيّارين من مداريهما إلى مقعدين متجاورين في قطار.
لم يندم على عدم طلب رقم هاتفها أو سؤالها عن عنوانها، لأنّ يقينه أخبره أنه سيلتقيها ثانية، لم يعلم متى ولا أين، لكنه كان على يقينٍ تام بأنّ هذا اللقاء آت عندما يحينُ أوانه. أقنعه يقينه أنّ هذه العذوبة الحقّة لا يمكن لها أن تنتهي إلى سراب. وأنّ المنبّهات المقيتة والمسارات الدقيقة، المسبوقة بألف مخطط كي تُتمّ أعمالها، لا يمكن أن يكون مُقدّراً لها امتلاك ناصية حُلُمه، بينما لا يكون مُقدّراً لهذه الحدائق، التي برعمت وحدها تحت قدميه من ظهر الغيب، فعل هذا.
وعندما كانت تذهب أيام، وتجىء أخرى، ثم تذهب هذه الأخرى، ويجيء ما بعدها، ولم تظهر الصهباء، أو يظهر أي أثر لها، كان يقينه ما يزال على حاله، حارّاً في فؤاده، كأنما انبجس للتوّ. لكنّ هذا التوالي للأيام كان في حقيقته يلتفّ حول عنقه مثل حبلٍ طويل، لم يحسّ بوجوده إلا عندما بدأ يضيّق عليه الخناق. فصار يدفع بيقينه إلى قمة روحه، التي دونها القلب، دونها النَفَس. قمّةٌ ظلّت تأبى، رغم انهيار الجسد تحتها، أن تُسوّى بالسهول.
لم تظهر الصهباءُ ثانيةً في حياته. بقيت في ذاكرته صورتُها الأخيرة وهي تغادر في الاتجاه المعاكس مثلُ شفقٍ أعقب وهجاً جميلا، ما وُجِدَ إلا لينقشع قبل ليلٍ طويل. وتحجّر اليقين في قمة روحه بمرور الوقت مُستحيلاً إلى سؤالٍ قاسٍ. سؤالٌ ظلّ يضربُ في روعه مثل مدقّةٍ لا تضعف ولا تستكين. سؤالٌ كان يبدو له استثناءً عن كل الأسئلة، لحالةٍ هي استثناء عن كل الحالات … “كيف يحدث للطيور الظمآى ألاّ تعود إلى البحيرة! كيف يحدث للنجوم ألاّ تعود إلى ليل الصحراء الصافي! … بل كيف يحدث لكوكبين فُكّ إسارهما على حين غفلةٍ في لحظةٍ ما ألاّ تغويهما العودة إلى السباحة الحُرة من جديد!”
قد يكون فاته في ذلك الصباح الأول والأخير في القطار أن ينتبه إلى ما لا يُحصى من أنقاض الحدائق بين المقاعد، حول حديقتهما إذ كانت تدبّ فيها شهقة النَفَس الأول، كي يُصدّق أخيراً أنّ كل هذه اللاعَودة الاستثنائية، هي غالباً ما تحدُث.

شاهد أيضاً

بشار ساجت: انعتاق..

تمضي بنا الأيامُ، رتيبةً تسيرُ بنا، نحو أفقٍ غائرٍ، تَجرُّنا خلفَها ممزّقين والهين، تعصرُ وجوهَنا، …

سلسلة مسرحيات كوميديا الصحفي (برقوق) وجده العالم (ماركة صيني)
تأليف أحمد إبراهيم الدسوقي الجزء الأول

( حمايا بيه الكوبانية ) مسرحية عامية ملهاة كوميدية من أدب الخيال العلمي شخصيات المسرحية …

لالة فوز احمد: الغريق يبقى جسدا

كلما جرجرني الزمان الى مقامه الرفيع تغير وجهي مثل شجرة اغتصبها الخريف عنوة اتحسس جسدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *