تحسين علي كريدي : المسار الآخر

تحسين علي كريدي
المسار الآخر
العراق 1985
انصرمت خمسُ سنوات منذ قدومي إلى لندن، لأجل دراسة الهندسة المعمارية. مقاعدُ الدراسة وصخبُ الحياة الأوربية شغلتني نوعا ما، عن التفكير بأهلي ووضعِ البلد الذي يخوض حربا طالت كثيرا مع الجارة الشرقية، ولكن ما أن تحلُ العطلةُ الصيفيةُ حتى تستحوذ فكرة زيارة أهلي على مخيلتي، كحصان جامح، لا يكبحه سوى تضرع أمي وتوسلها بي، لعدم الاقدام على فعل ذلك. فأرضخ على مضض نزولا عند رغبتها، وكنت أجد بين أحضان صديقتي سوزان التي ارتبطت بها في مرحلة مبكرة من قدومي للندن، بعضَ التعزية.
بيد أن شعوري ب(النوستالجي)، أو الحنين إلى الوطن، تنامى، بحيث ما عاد سحر أوربا أو أحضان سوزان، يغنيني عن وجه أمي وأحضانها. أمي التي افتقدت أسئلتَها اللجوجة لي ،ولاآتها العديدة .. لا تتأخر، لا تتشاجر، لا تسبح في النهر.. أمي التي بذلتُ مجهودا جبارا حتى أقنعتها بتقبلِ مشروعَ سفَري، لأنها لم تكن تطيق فراقي، أضحت اليوم هي من يمانع وبشدة، زيارتي لهم خلال العطلة.
لذا فقد عزمت على العودة هذه المرة، دون إخطارٍ مسبقٍ لأهلي، ولاسيما أن الكثيرَ من الطلبة العراقيين فعلوا ذلك دونما مشاكل.
بعد أن تجهزت للسفر توجهت إلى المطار حيث أقلتني الطائرة ولخمس ساعاتٍ في رحلة العودة..
وبعد بضع ساعات أخرى، كنت أجلس في المقعد الأمامي لسيارةِ أجرةٍ، نوع تويوتا كراون (سوبر)، في طريقي من بغداد إلى مدينة العمارة، والتي اكتريتُها لي وحدي، لأني كنت متعجلا بلوغَ أهلي، دون هدر الوقت بانتظار قدوم ركاب آخرين.

كان قرص الشمس قد انفصل لتوه عن خط الأفق، وسيارتنا تنهب الطريق وكل شيء يسير على نحو جيد، لغاية بلوغنا مدينة الكوت، إذ أوقفتنا مفرزة انضباط عسكري وأجبرت السائق على حمل تابوت مغطى بعلم عراقي، لجندي من مدينتي، استشهد في المعركة، غير مكترثين بيمينه المغلظة بأن السيارة مؤجرة لي.. وهكذا وُضع التابوت الخشبي في الأعلى، وركب معنا في المقعد الخلفي، جندي مأمور بإيصال جثة الشهيد إلى أهله.
كان السائق يبدي تبرمه وامتعاضه من تلك المهمة رغم أنهم أنقدوه أجرة مناسبة، وعندما سألته عن سبب ذلك أجابني باغتمام :(في المرة السابقة، تسبب تدافع أهل الشهيد بخلع باب السيارة).
تابعتْ السيارة مسيرها وقد تناهبتني الرهبة ،جراء تفكيري بأن على بعد سنتمترات أعلى من رأسي، ثمة جثة ممددة في ذلك التابوت.
ثم قادني الفضول لمعرفة ذلك الشهيد، فلربما كان من معارفي. فاستأذنت من المأمور قراءة شهادة وفاته، وتبين أن سنه كان مماثلا لسني، ولكن سوء طالعه قاده إلى طريق غيرِ الذي سلكته أنا.
فتملكني شعور بالأسى البالغ حياله، ولوهلة تخيلت أني أنا المسجى في ذلك التابوت، وتراءت لي صورة أهلي وهم يحفون بتابوتي، وأمي تنوح علي، بجزع وهستيريا.
ولم أكن متنبها لنفسي بأني كنت أبكي، إلا بعدما سألني المأمور :(هل هو قريب لك أو صديق؟). فأجبته بالنفي.
وحينها فقط أدركت أن ما من شيء أحب لقلب الأم ،من أن ترى فلذة كَبَدِها تحت جَناحِها. ولكنها تفضل حر فراقه، على أن يؤتى به لها، ملفوفا بعلم..

شاهد أيضاً

عدنان عادل: جنائن ليست للنزهة

أبي كان يحلم دوماً بأن يسّرقَ الفجر من أفواه الديكة وأن يدع السُّكْر يسيل من …

عيال الظالمي: نصوص

مَدِينٌ للبَردي لِحُصْرانِ القَصَبِ لِطينِ أكواخِنا القَديمةِ أَتَحَسّسُ وجهي في مرايا الرّيحِ لا لونُ أفاقَ …

سامية البحري: لست ربي

تصدير: في عصر تتناسل فيه الآلهة. . في عصر خرج علينا بعض المخلوقات التي تشبهنا …

3 تعليقات

  1. قصة رائعة كروعة كاتبها

  2. فعلا غاية في الروعة….. سلمت اناملك

  3. ابوالحسن

    ققص رائعة جدا یا مهندس.. ابوالحسن من ایران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *