صباح محسن كاظم : أياد خضير بين السرد والنقد

أياد خضير بين السرد والنقد

صباح محسن كاظم

ثمة رؤى،وأفكار ، وتأملات ، وتأويلات، وقراءات جماليّة بتتبع المُنجز السرديّ لبعض المبدعيين العراقيين حاول القاص والروائي “أياد خضير الشمري” فك الشفرات ،وتقصي الروايات المهمة ،والمجاميع القصصية التي تنماز بتميزها،والأداء التقني ، والبنى السرديّة ،فضلاً عن العروج على كتابنا النقديّ فنارات في الثقافة العراقية-دراسات نقديه ..إن تلك السياحة المعرفيّة والجماليّة تؤكد القدرة الفنيّة بتحليل النصوص وإحالاتها لمرجعيات ورؤى إشتغل عليها من إختارهم بكتابه المهم (نافذة على فضاءاتالحكاية قراءات نقديه في السرد قصة ورواية )الصادر في نهاية عام 2017 عن دار الجواري –بغداد 172 صفحة ..
حللّ النتاج السرديّ وفق قراءة تأويلية إقتربت من الأداء المُتناغم والمُتسق مع رسالة الخطاب الإبداعيّ بتقنياته وتكنيكه تبعاً لتجربة من شمله نقده الإنطباعي تارةً ،والتفكيكي والتأويلي تارة أخرى ،بالطبع اللعبة السردية تختلف من راو ٍ إلى آخر لذلك تعددت المناهج بالقراءة من الإنطباعية إلى السيميائية وفك الإشارات والعلامات والدلالات التي برع من تناولهم بدراسته المُنتقاة بعناية ،بالطبع لايمكن تقصي كل النتاج الروائي والقصصي الذي وصل الألف من 2003 لليوم ..
المبدع” الشمري” بكتابه غاص بتلك النصوص بفك مغاليق السرد ،وسبر أغوار تلك النماذج الإبداعية كما ورد في ص5:

((التمفصلات الزمنية الكبرى والصغرى في رواية ” شرق الأحزان” للروائي عباس لطيف يعد العنصر الزمني في الفن الروائي عنصراً جوهرياً وفاعلاً بل إنّه العنصر الحيوي الذي يستند عليه ويتشكل منه المتن الحكائي في الرواية على رأي الشكلانيين الروس لأن هذا العنصر هو الذي تدور في حيزه المتسلسل والمتداخل أو المنفصل أحداث الرواية وضمنه تتحرك شخوصها وتدب الحياة في أمكنتها ويتسارع هذا العنصر الجوهري عند الحوار و يتباطأ عند الوصف وتعدد تجليات الزمن في الرواية وتتنوع تمفصلاته، وما نقصده من الزمن في الرواية هو ليس الزمن الفيزيائي المتسلسل ( ماضي، حاضر، مستقبل ) وما يرتبط بهذا الزمن من سياقات لغوية نحوية بل هو الزمن الذي يكون ضمن المتن الحكائي ووحداته التي تختلف عن تراتبية الزمن الواقعي، بل هو زمن متشكل وفق معطيات وحركية الحدث ورؤية الكاتب وهذا الزمن متعدد الأوجه في تنوعاته حتى أن الناقد ميشيل يقدم لنا الزمن في الرواية على أنه عدة وحدات تتعالق فيما بينها فيقسم الزمن إلى ثلاثة أقسام هي : زمن الكتابة، وزمن المغامرة، وزمن الكاتب……..))..لقد حاول جاهداً فك أسرار الكتابة والإبحار مُشرعاً بجمال السرد والتمفصلات البؤرية والمركزية بالسرد كنشاط حامد السياسي وتطوعه في الجيش ؛ومحسن ومعاناته وخوفه على أخوته ؛ مرحلة حب كامل لسراب وصراعه مع الذات والمحيط وبداية نبوغه الأدبي.. ثم يقدم لنا دراسة نقدية ممتعه ،مستوفيه ،معمقه في كشف قدرة السارد “جابر محمد جبار” بروايته سلالم الصحو ..إسقاط الواقع وتداعياته المتنوعة ص23:

((السارد جابر محمد جابر رسم لنا في روايته أبعاد شخصية البطل خالد بدقة, ماذا كان يشعر؟ وماهي الأحاسيس التي كانت تعتريه؟ وعكس لنا أبعاداً قصية لاختلاجات الذات البشرية .. الهاجس الذي يؤرّقه بأنه سوف يموت لامحالة, ليدع لنا المجال في تخيل هذا الشخص البطل خالد وما يعانيه من يده اليسرى التي بدأت تتعطل في طريقها للتوقف, أدخلنا السارد إلى أعماق اللاوعي، فلقد كان الحوار الداخلي يعكس لنا صراع الإنسان المتنصر في إعماق اللاوعي المرتبطة بخيوط عرفانية في مسيرته الحياتية، فالسردية الوصفية ترسم لنا اللوحة الصورية للبطل خالد بالهاجس الذي يراوده وإخفاء السر عن زوجته …..))..وهو يُطارد المُنجز القصصي للمبدع محمد علوان يغوص في ثنايا أمواج السرد القصصي الشفيف لمجموعة لها وقعها بالسرد العراقيّ كتبت عنها ،وشاركت بشهادة بشارع المتنبي بالإحتفاء بها بالورشة الثقافية ..بمقطع من قراءة أياد خضير ص 34 :
((إن المجموعة القصصية العكاز الاخير من خلال قراءتنا التأويلية المنتجة لها اكتشفنا فيها الكثير من الفضاءات الدالة الموحية من خلال الشكل المعماري للقصة والبنى المركزية التي تشع في ثنايا النص السردي بإيحاءاتها وأيضاُ من حيث اسلوبها السلس وقراءتها الممتعة بلذة جمالية فهي تشد القارئ إلى أحداثها وتجعله في حالة ترقب دائم وفي وضع ذهني ممتع من التأهب للمفاجآت في تطور الأحداث، الحديث عن الحرب محزن لكن ينقلنا القاص بأسلوبه المفرط بالواقعية إلى درجة ملفته للنظر .. إذ يغوص في صور المجتمع العراقي وعذاباته في الحرب .. الحالة الاقتصادية والصحية والنفسية المحطمه كلّها صور حقيقية واقعية مرَّ بها المواطن العراقي في حقبة من الزمن ..))..
أما دراسته عن المبدع “حسن البصام” الذي تنوعت تجربته بين السرد والشعر يتميز بلغة ساحرة ،وخصوبة الخيال ،مع شعرية السرد درس بجمالية محموعة “البحث عن اللون ” من صفحة (37- 48) قلت: بالإحتفاء بالكتاب بمركزالجنوب الإستراتيجي للدراسات إنها دراسة مُعمقة فاقت ماكتب عن البصام ..
((طالعنا القاص حسن البصام بمجموعة قصصية عنوانها (البحث عن اللون)، يمثل العنوان عنصراً هاماً من عناصر تشكيل الدلالة في القصة وجزءاً من أجزاء تشكيل الدلالة لأي نص أدبي، والعنوان يفضح نفسه في الغالب، بعض العناوين لها وظيفة تناصية وأخرى لتشويش الأفكار وأخرى تثير القلق أو التساؤل أو السخرية أو الابتسام … لقد كانت عتبة عنوان المجموعة القصصية البحث عن اللون ذات دلالة سيميائية متوهجة ونافذة رؤيوية تمنح القارئ الواعي وعياً أولياً بما يحمله العنوان من طاقة إيحائية تشد القارئ للولوج غلى عوالم المجموعة القصصية وسبر أغوارها واكتشاف شفراتها الدلالية وهذا ما ينطبق من حيث الوظيفة التناصية على عتبات عناوين القصص التي تشكل هذه المجموعة والتي تهيئ القارئ لتشكيل مفهوم من خلال تحويل بنية العنوان إلى مستويات تفسيرية متعددة المستويات تجعله يشكل رؤيته وفق صدمته الأولى من ثم اندماج وعيه مع مجريات النص القصصي…) ..وعن رواية المبدع حميد الربيعي (جدد موته مرتين ) عن شخصية جاورتها بشارع الزيتون وتنقل بالإغتراب وقد تاولها الربيعي بروايته التي تنماز بجماليّة السرد لشخصيه حقيقية .. وقد كتب “خضير ” رأيه بالروايه في ص52((………..إنّ القراءة الواعية التي تنتج فهماً للمعنى للعتبات النصية والعنونات الفرعية تقودنا نحو تأويلية واعية فمن قراءة العنونات الفرعية نجد تعدد الرواة والساردين وهو ما يكشف أبعاد بعض الشخصيات المركزية في الروية ويستبطن أفعالها وتصرفاتها وأثرها في حركية الحدث وتنامي الصراع فمن أهم العتبات الفرعية هي شخصية (أم خليل) لها دور فعّال ومنزلة في عكد الاكراد وهي في المقابل شخصية متناغمة ومتفاعلة مع شخصية مركزية وهي شخصية نجم الفحام فشخصية أم خليل بؤرة مركزية وعتبة مهمة لإنتاج مستويات فوقية وكامنة والنص الفوقي كما يعرفه جيرار جنت ( هو كلُّ عنصر مناص غير ملحق بالنص لكنّه يتحرك بحرية وسط فضاء فيزيائي واجتماعي مضمر غير محدود ) (3) هنا كان لشخصية أم خليل طاقة إيحائية عالية وترميز متعالق مع دلالات متعددة فهي الأم بكلّ تجليات المعنى و ترتبط به بترميز ذي خطوط دلالية متشعبة بتداولية متوهجة و بها تحلُّ بها وتتحد كل رموز القوة والحنان والأرض والقداسة .
( من يعترض على إرادة ام خليل فهي السيدة المبجلة في عكد الاكراد وسائر الاحياء المجاورة اخذت منزلتها على مر الايام وبالذات بعدما صارت ام الشهيد في حادثة مشهورة في تاريخ بغداد كلها ذلك لان خليلا اعترض رتل دبابات اقتحمت المنطقة منذ عشر سنوات خلت، عطل الرتل ثلاث ايام، كان يطلق الرصاص من فوق السطوح…..))..لِينتقل بعدها لدراسة رواية “خان الشابندر” التي إكتسحت القراءات النقدية عراقياً وعربياً مايقارب ال100 دراسة بعام ونصف وهو يُحسب للمبدع “محمد حياوي” الذي أكدت على عمق تجربته الثمانينية بالقصة والرواية وإختمارها وإكتنازها ،متمنياً الإحتفاء به بمدينته الناصرية مثلما حصل بمعظم المدن داخل وخارج العراق .. في ص59 من كتابه النقدي أكد الشمري : (( إن تعدد الرواة يؤدي غالباً إلى تعدد وجهات النظر حول قصة واحدة ، وليس من الضروري أن تكون الرواية داخل الرواية مشروطة بتعدد الرواة، فبإمكان راوٍ واحدٍ أن يعقد علاقات بين مقاطع حكائية مختلفة من حيث زاوية الرؤية، وهكذا يولّد الراوي الواحد زوايا متعددة للرؤية هند لها قصة غريبه جداً، فهي مدرسة جغرافية قتل زوجها في إحدى مجازر النظام الدكتاتوري، لها بنت حاولت أن تحافظ عليها .. وبعد عام 2003 وسقوط النظام، اشتغلت في مجال الترجمة في إحدى الوحدات العسكرية النيوزيلاندية، اختطفتها إحدى المليشيات بتهمة التعامل مع المحتل، أرسلت رسالة إلى ضابط الفرقة تطالبه أن ينقذ ابنتها ويربيها لأنها سوف تقتل، سلمت الرسالة إلى أختها الصغيرة وارسلتها إلى البصرة ..
نيفين هجرها زوجها وسافر إلى استراليا، وبقيت مع أمها القابلة المأذونة المتقاعدة من مستشفى الراهبات .
الرواية متعددة الأصوات، الراوي العليم علي صحفي، يعمل باحثاً اجتماعياً، ام صبيح وهي المسؤولة عن الخان، وضويه، وهند مدرسة جغرافية، و نيفين، أبو حسنين المصري الذي قتل ابنه حسنين في الحرب العراقية الايرانية، أم نعيم العجوز وزينب بائعة الكعك، التي تعيل عائلتها، الرواية يغلب عليها طابع الحوار، قليلة السرد .. البطل في الشخصيات الأخرى يصبح منظور المكان السردي الروائي ملوناً بهذا الحوار وهذا الجدل وتصور ذات المكان الرواية تحاول تطبيع المكان بناء على الرؤية الروائية الخاصة بالنص .إن الفضاء في الرواية هو أوسع، وأشمل من المكان، إنه مجموع الأمكنة التي تقوم عليها الحركة الروائية المتمثلة في صيرورة الحكي سواء تلك التي تم تصويرها بشكل مباشر أم تلك التي تدرك بالضرورة، وبطريقة ضمنية مع كل حركة حكائية، ثم إن الخط التطوّري الزمني ضروري لإدراك فضائية الرواية بخلاف المكان المحدد، فإدراكه ليس مشروطاً بالصيرورة….)).. كما فحص المنجز الإبداعي لمهدي علي أزبين /هياكل خط الزوال بقراءة رائعة لمبدع له لغته السحريه والواقعية المُستله من مرارات وجودنا الذي يُلازمه الأسى ، إستهل القراءة النقدية بالتأكيد ص 63 :
((…….. خارج إطار التجنيس النوعي فنصّه السردي لم يتموضع ضمن القصة القصيرة أو الرواية كجنس أدبي ينتمي إلى نوع أدبي ألا وهو فن النثر الإبداعي، هنا ينبثق وعي الكاتب ليستهدف القارئ الواعي ويجعله عنصر فاعل في امتصاص النص والتفاعل معه هذا التعويم التجنيسي يجعل أمام القارئ المنتج أفق إيحائي تساؤلي عن قصدية الكاتب في هذا التعويم وهنا يبدأ النص بمغنطة وعي القارئ وجذبه للولوج في تفاصيل النص السردي ….)) .. ثم قراءة وسياحة عن المبدع السومري عبد الهادي والي من ص69-76 بكشوفات في المجموعة القصصية (امرأة وكائنات أخرى)
شعرية اللغة السردية .. وفاعلية المضامين الإنسانية
يضعنا القاص عبد الهادي والي في مجموعته القصصية (امرأة وكائنات أخرى) أمام عتبة عنوان لمجموعته القصصية ذات سيميائية عالية متعددة المستويات الدلالية لمّا لرمزية (المرأة) في كينونتنا الوجودية من علّة فاعلة تجعلُ العنوانَ مختزلاً للكثير من المعاني الكامنة في ذخيرة المتلقي المعرفية من منظومة وعي تجاه هذه الوجود المكمل لعنصر الوجود الفاعل ألا وهو (الرجل) وكان لهذا الرمز المتوهج (المرأة) كم من الإشعاعات الدلالية التي تستفز القارئ وتجعله مندمجاً بوعيه مع تجليات العنوان ومتشوقاً لسبر أعماق …..))
25 دراسة نقدية قدمها المبدع “أياد خضير” في سِفره النقديّ المهم. شمل بها نخبة من المبدعين العراقيين مثل : حسين السلمان /خضير فليح الزيدي/ د-عبد الحسين درويش/شوقي كريم/ علي الحديثي /أحمد خلف/ابراهيم سبتي/ عبد الرضا محمد صالح/ رحمن سلمان –رحمه الله-/علي السباعي /صباح محسن كاظم/ نهاد عبد جودة ..

شاهد أيضاً

روح المواطنة في مواجهة الغزاة: رواية (أضلاع الصحراء)
شكيب كاظم

يوم أدرت حديثا نقديا عن رواية (العطر) لباتريك زوسكيند، تساءلت ما أكثر ما قرأ هذا …

هلال العطية: قراءة في نص مونودراما (القُبلة الأخيرة) للكاتبة منتهى عمران

نص مسرحي من جنس (المونودراما) يسلط الضوء على حياة أمرآه تعاني من الإضطهاد والتعسف ضمن …

قراءة وتحليل لقصة هادي المياح (اللص وحكاية الطلاسم)
جاسم السماري

هنالك موروثات تاريخية وأعراف ورثناها واخذت تتبلور في واقعنا من الاجداد الى الابناء ، كذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *