الرئيسية » نقد » ادب » رحمن سلمان الشمري : قراءة لمجموعة القاص علي السباعي 1-2 زليخات يوسف
قصص دونت بصمت لم يطلها الرقيب

رحمن سلمان الشمري : قراءة لمجموعة القاص علي السباعي 1-2 زليخات يوسف
قصص دونت بصمت لم يطلها الرقيب

قراءة لمجموعة القاص علي السباعي 1-2
زليخات يوسف قصص دونت بصمت لم يطلها الرقيب

رحمن سلمان الشمري
قاص وروائي

جريدة (الزمان) الدولية العدد 2330 في 13 / 2 / 2006

المدينة التي احتضنت اطفالها حتي كبروا وصاروا، هي ذاتها التي تحملت عقوقهم. المدينة التي احتضنت كل من هب ودب وكل من وجد فيها له مأوي ، هي ذاتها التي تنكروا لها وشتموها. المدينة التي كانت حماية لكل بذرة تجمع وطني سري ولد وترعرع علي اديمها وتحت سقوف بيوتاتها، هي ذاتها التي جاروا عليها وحاربوا ابناءها المخلصين. المدينة التي احتضنت أول مؤتمر لأطياف المعارضة العراقية بعد سقوط النظام، لم تحظ منهم بذلك الدعم الذي يعيد لها نضارتها المسلوبة. أما هي فصابرة مسامحة في كل الاوقات. هذه المدينة التي كانت تبكي شهداءها بدموع من دم، لم تنل تقديرها او مكانتها المرموقة لكل تأريخها المتميز، والنظام الذي كانت اول محطة لإنبثاقه ولما قوي عوده انكر جميلها فاصبحت له وكأنها السم الزعاف ليطمس حتي إستحقاقها التاريخي كون تربتها حاضنة أول حضارة في التاريخ فيؤسس لمهرجانه السنوي علي ارض بابل بدل ارض سومر نكاية مقصودة بنا، وكان هذا من حسن حظها ان لا يسيء الي مكانتها تهريج من هرجوا، وما زال بعضهم يتوق الي إعادة هذه المهازل من جديد لذا علنيا ان نطالب بإقامة مهرجاننا الوطني السنوي علي ارض سومر الارض التي باركها نبينا إبراهيم (عليه السلام) لتنال حقها المسلوب وتستعيد موقعها المتقدم الذي سرقوه منها زمنا طويلا.
لكل ما تقدم مما ذكرته ومما سأذكره لاحقا، صافحت عيون الناصرية اول مجموعة قصصية متميزة للقاص الشاب علي السباعي بعنوان (زليخات يوسف) وهي اول لبنة لرد إعتبارها بملاحقة الحقائق الدفينة وكشف ماتعانيه، لعلها تكون بعض بلسم لمداواة جراحها، هذه القصص دونت بصمت في مدد متعددة لم يطالها الرقيب في تلك الايام السود والا لكان مصير كاتبها لا يحسده عليه أحد، في الوقت الذي كان فيه المطبلون يعلنون وفاءهم اللامحدود لهذا الرقيب ليحصلوا علي منافع رخيصة هي كل ما يستحقون.
الأديب رسالة – هذا ما نسيه بعضهم، والادب جمال – هذا ما يعرفه هؤلاء – واذا ما توسخ الادب، فهو فعل فاعل. الادب بهجة، وطريق نحو الصفاء، ونحو ترويض النفس والمكاشفة لإحراز مكانة علي مدرجات السمو نحوا لكمال، وإذا ما إبتعد الادب عن غايته – وهي دائما إنسانية بحتة- وانحراف عن الطريق السليم، فهو ايضا بفعل فاعل ، وهذا الفاعل المحرف لأهدافه النبيلة هو فيروس قاتل، وعلي من يحمل في داخله هوية ناصعة لازيف فيها، أن يتصدي لهذا الفيروس قبل استفحاله ويفضحه ليحد من إنتشاره، لأن مهمة الادب وغايته التنوير لجدار الظلمة الذي يقيمه من هم أبعد من ان يكونوا حاضنة لجلال مواقعه.
كان بودي ان يكون عنوان قصة (إحتراق مملكة الورق) هي قلادة المجموعة بدلا من عنوان قصة (زليخات يوسف) ، لأنني اعدها القصة البداية لمجموع هذه القصص وسبب كل المصائب التي تطرقت اليها، ذلك لأنها تكشف اوراق (حجاج) هذا العصر، وتمتاز سلوكيته هنا بالاخصاء – والكلمة تعني احط انواع التسلط وأحقره- فهو يخصي الجميع، فهو لا يحب احدا(كل من يريد اعضاءه الذكورية يجلب مقابل وزنها كتابا ص114. ماذا تعني الكتب، إنها العقول التي مازالت بقاياها مخصية الي اليوم، هذا هو الغطاء العام لنيات السوء، بعضهم لبسه بكل فخر! وتمشدق به آخرون، وقد رفضه بكل كبرياء من لم يرتض. الرقص علي أنغام نظام الحجاج مهما كانت النتائج المبطنة والمعروفة- هذا الواقع الذي عشناه ومازالت آثاره مبثوثة في كل مكان ومحفل، لتنطبق عليه كل مفردة نقيضة لما نصبوا اليه في وضعنا الحالي- وكل مقطع تناوله ليكون السرد اللغز ومهره بميقاته ورهن الاحداث المتعاقبة ككوابيس أحلام لا تفارق المخيلة، فإذا ما إستذكرت بعض الاسماء المقيتة فذلك لدلالة أفعالها وربطها مع صنو الحاضر والتذكير بماهيتها، فالحجاج، الممهور بالقسوة والبطش، خلف لنا اكثر من حجاج في الزمن القريب والمعيش، امام المدينة فقد ابتليت بكل داء، وها هي الناصرية أنموذجا حيا مازالت تلعق جراحها دلالة الاجحاف وطمس الهوية والتنكيل المستمر، رمز القاص لكل هذا، شميطرة الاطفال بفوضويتها وعدم استقرار اماكن وصولها، فالهدف هو الغلبة لا غير ومهما كانت المتاهات التي تسلكها فهي وباختصار لعبة غير نظامية كما هو زمن القهر الذي يفتقد الي النظام الذي داسه بأقدامه منذ امد بعيد، فالمدينة وبرغم كل هذا المصاب، صاغرة، وصابرة ياتري هل تنهض اليوم لتزيح عنها رمادها الذي تخلف مما اشتعلت به من نار الحاجج الطاغية، ام ان ابالسة القلم والثقافة مازالوا يهينونها باقلامهم وألسنتهم العوجاء، ستبقي هذه المجموعة القصصية ذخيرة حية للرد والادانة.
منذ ان ولدنا، كانت البندقية هي القلم، وهي النشيد المدرسي (انا جندي عربي.. بندقيتي بيدي) ص 89، حتي في اعيادنا فإننا نفرح ان كانت هديتنا بندقية لنلهو بها( عسكر وحرامية) وهي من افضل الهدايا التي يقدمونها للكبار في المناسبات الخاصة او لرؤساء الدول بدل الورود، وهي الثقافة التي نتحاور بمستجدياتها ونمتحن قدراتنا العقلية في حفظ اسمائها ومصادر تصنيعها وتزييتها والتبجح بامتلاكها، ونتدافع للانخراط بوظائف تبيح لنا حمل الاسلحة والتشدق بها وربطها بالاحزمة العريضة علي خصورنا ونحرص علي الاهتمام بها اكثر من غرس الحب في قلوب اطفالنا، ويهنئ خادم التصنيع مخدومة كل يوم بالتوصل الي أكتساب اسلحة الدمار مدي ابعد وقنابر لا تبقي ولا تذر، وقبور جديدة، هذه مسيرة الحرب (نحن مشينا للحرب) منذ تسميتها (الزاماما) كما ذكرتها قصة حملت هذا الاسم عنوانا لها، وكان للحرب إله يسمي عزيزو، وسنوا لها قوانين وخدمة أجبارية ونفيرا عاما وأنذارات بمراتب متعددة، وصلاة علي الغائب كل دقيقة ولا يكفي النهار لهذا الصلاة وعلي البقية ان ينتظروا الصلاة علي جثامينهم ليوم آخر، ولم يعد القوس الفقير لنصب الجندي المجهول كافيا لتمثيل الجنود الشهداء المجهولين فقد أزدادت أعدادهم ولم يعد يسع المكان لهذه الاعداد الهائلة ولنفتخر امام العالم المتحضر والمتخلف علي السواء بما وصلنا اليه من قرابين فداء لعزيزو العصر، اتجهت العقول الي تشييد صرح يظل باقيا ما دام من غابوا ظلوا غائبين، وان يقام علي مساحة كبيرة تضاهي مساحة العمليات العسكرية التي تنتج قوافل الضحايا، وان يكون الصرح علي مقربة بحيث لا يتجشم عزيزو عناء الوصول اليه لإزدحام الطرق باليتامي والارامل، ليقرأ – هذا ما صرح به حارسه- الفاتحة علي ارواح ضحاياه ويطلب لهم السلام في قبورهم، فالسلام آخر خياراته (لكننا في النهاية سنخضع للأمر الواقع. السلام ص90، وبرغم أن المناهج لم تتغير فـ(نحن) نحارب في الداخل ونغتال في الخارج وعلي كل الاصعدة، (نحن) لم نتغير ايضا الا بالموت فالموتي يصنعون السلام لانفسهم، (نحن) نخضع لارادة سلام الموتي، نبكي عليهم، مرة شوهد إله الزاماما العربي علي شاشة التلفزيون أمام الشعب – (نحن) لانخفي عليهم شيئا- يمسح دمعة بمنديل حريري وضع علي منصته أستعدادا لهذه اللحظة التاريخية، والتي سالت علي اجفانه عند ذكره لضحاياه ، وصنع لهم يوما أحتفاليا مهيبا وكل عام نحمل علي صدورنا شاراته الانسانية ، وبذل اموال ميراثه علي ذويهم، وكأنه يغلق افواههم ولا يفتحها الا بالدعاء له بالعمر المديد والنصر المبين، علي من؟ وهم بأنتظار دورهم ليركبوا قطاره في يوم آخر ليلبوا نداء الواجب، والواجب (وطني) حتما لأن الوطنية تنبع من أذنيه وهو يحمل بندقيته ليجربها في كل تجمع قسري لتكتمل روعة المشهد بالخوف الدائم (أعيد انتاج نفسي في صنع السلام للموتي) ص 108 ويقصد من تجمع حوله.
لا يهم ما يذكره النهر، فالنهر لا يذكر تاريخه الا متي نضب ماؤه،وما دام في حوضه رطوبة فهو لا يزال حيا، كالانسان لا يذكر شبابه اسفا علي ضياعه الا متي غزا الشيب رأسه ليستأنس بذكرياته ويتحدث عنها ويفاخر بما قام به للآخرين. وها هو النهر الذي جف ومازالت ذاكرته تعلن أن لا حياة إلا بوصاله وتدفق مياهه، ليبحثوا داخل ما يحفرون عن ماء لايسد (عطش ذاكرة النهر) – في قصة هكذا عنوانها-، فالنهر لا يرتوي من الآبار التي يحفرها من سلبوا مياهه وبددوها ولم يفيقوا من غيهم الا بعد ان وجدوا انفسهم بأن لا حياة لهم بدون هذا النهر الذي دنسوه وأهانوه وغيبوه، إنهم لا يحفرون سوي قبورهم. وحدها متسولتهم، الشاهدة علي إنحدارهم من تمج سيكارتها كمن تمج آلامها وكمن تجتر سنوات قحط وشمتها بوشم لافكاك منه.. القهر : (توبوا ، اطلبوا التوبة يا خطاة) ص 120 إنها لا تدعي ثارا ولا تعويضا عما لحق بها في سنينها العجاف، هذه المدينة المتسولة، أحن عليهم من أنفسهم، تطالبهم بالتوبة لينقذوا أنفسهم من الهلاك وليتطهروا، وهم الذين بخلوا عليها حتي بقبر ما يحفرون(قبرا لفقيرة!!) ص123 ، لترتاح فيه مما ألم بها من جحودهم، لتجمع فيه ما تبقي من عظامها (مساكين أهل الاوهام يحفرون قبورهم) ص123 وهم سادرون بغيهم آملون ان يتفجر جسد النهر المكدود بماء يعيد اليهم حياتهم التي اضاعوها هدرا، واضاعوا مدينتهم التي مازالت تشحذ منهم كرامتها التي إنتهكوها وديمومتها لإيوائهم. (لقد جري .. جري، احفروا) ص 124 هذا ما حلموا به متأخرين فلم يحصدوا سوي (غرفة دم.دم ساخن وفائر) ص125.
نلاحظ في قصة (مومياء البهلول) جدية السخرية ولاشك فإن حمأة السخرية في ظلمات الكلمات وصعوبة التدخل في تجاوز الخطر المجهول ولربما يقيم له التشاؤم جدارا، وليست الجدية مدعاة لهذا التشاؤم ولكن بدافع الشك في النيات وعدم توفر الارض الصلدة لحل العقد التي تكونها فظاعة الحقول التي يسير علي ألغامها من يحاول ان يبتعد ذهنيا عن الولوج في عمق المأساة الإنسانية وما تحمله من ثيمات داخلية حائرة في النفس والتي تحاول ان تقلل من عمق المصاب الذي يحياه اهل هذه المدينة المبتلاة بسيطرة الشعوذة علي الكثير من أبنائها، لزرع النسيان في دواخلهم والأمل في الرسو عند ضفة أمان لا بد من إبتكارها والتمسك بأذيالها. إن البهلول الذي نسينا مومياءه كان يعطي أملا في النجاة مما هم فيه من ضياع وقد زرع في عقولهم تحذيرا لما سوف تعلنه عليهم العرافة من تنبؤات تضيع عليهم آمالهم وتقتل طموحاتهم، برغم إنه بالتالي يشاركها في اللعبة إياها بقصد أو بدونه فلم يصلح لامنقذا ولا عونا في تخطي أزماتهم، البهلول، هل هو مضلل او يحمل ضغينة ما ، فلم يكن الساحر ولا مؤنس الليالي الملاح، فهل هو الدليل السيء الذي يقع في متاهته وليتدارك الناس انفسهم في البحث عن طريق بعيد عن عرافة مقطوعة الاذنين، وهذا يدلل علي أنها تتكلم لهم ولا تسمع منهم، تريد ان يصدقوها ولا تعترف إلا بسطوتها عليهم وأنهاكهم لإبعادهم عن قوة أصالتهم الي قوة زائفة لا يستسيغون حملها وهي قوة المراد منها الإسفاف والعجز لا التماسك( وماذا نصنع بهذه القوة) ص 41. واذا كان ما تعنيه من فقدان الذئاب لأنيابها بذات البلسم الموعود الذي حاولت ان تسقيه للمحاصرين بعد فشلها في جرهم الي هدفها العليل (لاذئب بعد اليوم)، (انتم الآن آمنون) ص46 ما هو إلا مناورة اخري لتحجيم صلابتهم والوقوع في حبائل تصديق كلماتها. هذا الانسان المبتلي بانواع الحبائل ، حبائل حصارهم له ، وحبائل اكاذيب وطرق ملتوية في إضفاء وجه ناصع لبراءة ذئابهم من دماء الضحايا، لكن إناث الرصاصات لا تقتل سوي الذئاب ومشعوذة القهر، تعجز مهمة البهلول في تغيير مسارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *