فرح محمود الراجح : الثار والعدالة وما بينهما.. قراءة في رواية (تمر الأصابع) للكاتب محسن الرملي

الثار والعدالة وما بينهما
قراءة في رواية (تمر الأصابع) للكاتب محسن الرملي
الباحثة والاكاديمية فرح محمود الراجح. لندن

الثأر والأنتقام موضوعان استأثرا على الأدب العالمي منذ ازمنة قديمة. فمن منا لا يتذكر رواية الكونت مونت كريستو للكاتب الفرنسي الكساندر دوما و مسرحية هاملت للكاتب البريطاني وليام شكسبير والفتاة الراحلة للكاتبة الأمريكية كيلان فلن حيث الابطال الباحثون عن الانتقام والثار خارج نطاق العدالة.هناك دائمًا مشاعر تقود الشخصية التي تسعى إلى الانتقام، سواء كانت مدفوعة بالكراهية أو الغضب أو المرارة أو حتى الحب وقد تستمد الانتقام من أي أو كل هذه الدوافع.
على غرار تلك الأعمال العالمية، تبحر رواية (تمرالأصابع) للأديب العراقي المقيم في أسبانيا محسن الرملي في فضائات النفس البشرية التائهة بين مفهومين متضادين في الحياة وهما الأنتقام والعدالة وبين التقاليد والتجديد والمهجروالوطن. ومن هنا تطرح الرواية جدليات متشابكة، يحاول الرملي تفكيك بعض خيوطها بينما يترك مواطن اخرى بين العقدة والحل معولا على مخيلة وذكاء القارئ للمشاركة في حل شباكها المتداخلة.
تدور مجمل احداث القصة حول ثلاث شخصيات وهم (الجد مطلك والابن نوح والحفيد سليم) الذين يرغبون بالأنتقام والثأر لكرامتهم من احد عناصر النظام البعثي الحاكم، بعد ان قتل افراداً من عائلتهم ظلما. تتوزع احداث الرواية على مكانين (العراق واسبانيا) وزمانين (الماضي والحاضر) كما ويركز الكاتب على محورين رئيسين يحرك بهما آليات السرد وهما محور الزمن الحاضر (في المهجر، اسبانيا) حيث تعيش الشخصيات فى دولة يحكمها القانون والعدالة ومحور الذاكرة الإسترجاعية في الوطن (العراق) حيث القرية التي يغيب فيها القانون وتحكمها القبلية ونعرات الثأر. فما ان نجد انفسنا في الزمن الحاضر للقصة بمدينة مدريد عاصمة إسبانيا، حتى يأخذنا قطارالذاكرة ألى الماضي، وبالتحديد ألى أحدى القرى النائية في مدينة تكريت الواقعة شمال العراق. يقص علينا بطل الرواية والسارد لمجمل احداثها (سليم، الذي هاجر الى اسبانيا بحثاً عن الامان والحياة الهانئة) يقص حكايا المعاناة والظلم والموت الذي اطبق كابوسا على ابناء قريته من المهمشين ومن لا حول لهم ولا قوة. يخبرنا (سليم) بان تسلط وطغيان السلطة وقتل أفراد من عائلته على يد احد منتسبيها بعد اهانتهم والتنكيل بهم، هي من جملة الاسباب التي دفعته للهجرة وهي نفسها التي خلقت فكرة الإنتقام والثار في وجدان والده (نوح) ودفعته هو الاخر للهجرة الى مدريد بحثا عن القاتل الذي ابتعثته الحكومة العراقية الى هناك املا في انزال القصاص به ثاراً لأبناء جلدته ووفاءا لعده الذي قطعه امام والده الحاج (مطلك).
يحمل (نوح) معه سلسلة مفاتيح كان قد صنعها لنفسه في العراق وعلق بها رصاصة مسدس كان قد افرغها من البارود، ترافقه في حله وترحاله. ترمز هذه السلسلة لتصميمه على الأنتقام من القاتل وهي بمثابة تذكار يحثه على التمسك بوعده وتجسيد للعصبية التي ورثها عن اباءه واجداده منذ طفولته التي يلمح لها مشهد يصوراحد اشهرالعاب الطفولة في القرية وهي لعبة الحرب، حيث يتقاتل الصبية فيها بينهم حاملين العصي والاسلحة المقلدة. من هنا يشير لنا الكاتب الرملي بأن الانتقام والثأرمشاعر قد تولد من حادثة معينة لكن التي يشير لها في روايته هي بالأساس مبادئ تعلمها الافراد واكتسبها منذ الطفولة وزرعها في دواخلهم محيطهم الأجتماعي والثقافي ومن هم اكبر منهم سنا. لكن هل من الممكن لمن عشعشت هذه النعرات القبلية في داخله ان يتجاوزها وينفتح على الأخر ويعيش حياة تسامح وصفاء ويلجأ للعدالة بعيداً عن القتل والدم وفكرة الإنتقام و مبدا العين بالعين والسن بالسن ؟ الجواب يكمن في جزء القصة الذي ينقلنا للمهجر.
إن هجرة (سليم ونوح) الى اسبانيا والإنفتاح على الثقافات واساليب الحياة الاخرى التي يحكمها القانون سهلت بدورها الإبتعاد عن اطار العائلة والتقاليد الضيقة وأسهمت بشكل كبير في فك قيود القبلية والعشائرية التي كبلت الروح الانسانية لديهما. ف(سليم) الذي هاجر لإسبانيا قبل والده (نوح) يمثل صورة الانسان القابل للتطويع والتغيير والمنفتح على ثقافات الآخرين والمتمسك بنفس الوقت بحبه وانتمائه للوطن ولكن باعتدال بعيد عن التعصب والتطرف. نعلم من وجود (سليم) في المهجر، بان الحياة رغم صعوباتها فهي تُري للقادم من قرية صغيرة يحكمها العرف العشائري ويكاد يغيب فيها صوت القانون، تريه الوجه الآخر للعدالة وحقوق الإنسان والنظام. يتغير (سليم) ويتعرف في مدريد على ( فاطمة ) الفتاة الشرقية التي تذكره بحبيته العراقية ويقررالإرتباط بها وبناء منزل جديد وحياة مختلفة لطي صفحة الماضي الأليم وهذا يؤكد اهمية المهجر في تغيير نفسية وشخصية الفرد بشكل ايجابي. في نفس الوقت، يكشف لنا (سليم) بأن تغيرات كثيرة طرأت على شخصية والده (نوح) فهو بالكاد يتعرف عليه حينما التقاه صدفة في ملهىً ليلي في مدريد. كان (نوح) قد غير من تسريحة شعرة وملابسه بشكل يتماشى مع الإسلوب الأوربي العصري وصار صاحب ملهىً ليلي فيه رقص وخمور بعد ان كان رجلاً تقليدياً متمسكاً بالموروث القبلي والعشائري. يبدو لنا من هذا التغيير في شخصية (نوح)، ان المهجر قد ترك بصمته وغير شخصيته وطريقة تفكيره وباعد بينه وبين فكرة الثأر والدم. يتأكد هذا التغيير في آخر الرواية، عندما يقرر (نوح) الإنتقال الى المانيا ويسلم ابنه (سليم) المفاتيح المعلقة بالسلسة ولكن من دون الرصاصة التي طالما كانت ترافقه. وبالفعل، يقرر (نوح) في نهاية القصة الإنتقال إلى ألمانيا مع صديقته الإجنبية ( روزا ) التي التقى بها في مدريد، لكن الكاتب يفاجئنا بان القاتل هو الاخر قد تم نقله للعمل في السفارة العراقية في المانيا حيث ينوي (نوح) الإنتقال.
عند هذه النهاية المفتوحة تكمن عبقرية كاتبها الذي يمنح القارئ مساحة للتأمل والتفكروالتساؤل: هل سيستمر (نوح) في طريق الإنتقام الذي يبدو كالقدرالأسود الي لا ينفك عن ملاحقته، كلما حاول نسيانه والإبتعاد عنه مكانيا وفكريا، لكنه يعود ليلاقيه وجهاً لوجه؟. هل تنهي صفحة الماضي التي نظن انها طويت وإن البطل قد تصالح مع ذاته وتعلم التمدن والنظام واحترام القانون وقيمة التسامح؟.
وكما هو حال الكثير من الروايات العربية، وخصوصا روايات المنفى وما بعد الحرب وسقوط الأنظمة، تركز رواية ( تمر الاصابع) الضوء على مواضيع اخرى كالحب والسلطة والحرب والهوية والشتات وحجم المعاناة النفسية التي يتطلبها بناء حياة جديدة مع الإبقاء على ذاكرة مثقلة بالهموم واحمال الوطن ونظام قمعي واحتلالات ودمار. شكلت كل تلك الأحداث ملامح وتاريخ الشخصيات ورسمت صورة الحاظر وتنبأت حتى بالمستقبل.
في الختام، ربما يتسائل القارئ عن الرابط بين كل هذه الاحداث المؤلمة والحزينة من قتل وثأر وشتات وبين عنوان الرواية (تمر الاصابع). يكمن الجواب بين ثنايا الصفحات وبين السطور، فبين الفينة والأخرى تُستحضر فاكهة التمر ذات الخصوصية التاريخية والثقافية عند سكان العراق الشهير بزراعتها والفخور بإنتاجها. يربط الرملي بين هذه الفاكهة الحلوة وبين عاطفة الشخصيات وتذكر ألعراق فهي تعمل أيضا بمثابة رمز تذكير دائم بجذور تلك الشخصيات لوطنها الأم وحبها القديم وربما هي رمز الأنتقام لأن شكل التمر يذكرنا برصاصة المسدس التي حملها (نوح) معه في رحلة الإنتقام وحلاوتها هي كحلاوة التسامح والتصالح مع الذات والآخر. في وسط هذا الكم الهائل من الصور والذكريات والأحداث البعيدة والقريبة، اجد ان الرواية هي بحق كما وصفها الشاعر والكاتب الإسباني مانويل رينا في صحيفة الآي بي ثي بانها ( رواية مشحونة بالعاطفة، بديعة بإستحضاراتها وحنانها وتمتاز بقدرة كبيرة على رسم التناقضات ونقاط الإختلاف والتلاقي بين ثقافات الغرب والشرق. انها بحق هدية للفكر والحواس).

شاهد أيضاً

عجز التّاريخ عن أن يكون معلّماً مثاليّاً
مادونا عسكر/ لبنان

يقدم الروائيّ المصري باسم جبرة في رواية “أحمس” الجزء الأوّل المعنون بـ “الوباء” رؤيته من …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (02)

احتفالـــية كـــورونا : حقيقة وليس وهْما ولا تخاريف بأن فيروس ” كورونا ” أيقظـنا من …

شكيب كاظم: عزوّ أقوال إلى قائليها

والعزو: النسبة والانتساب، جاء في (المعجم الوسيط) الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة:( عزا) فلانا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *