الرئيسية » ملفات » مهدي الشمسي : (يمه … يا … يمه) للراحل داخل حسن.. سمفونية الوجع العراقي (ملف/11)

مهدي الشمسي : (يمه … يا … يمه) للراحل داخل حسن.. سمفونية الوجع العراقي (ملف/11)

إشارة :
” رحل بلبل الريف العراقي ” .. هكذا وصفت وكالة رويترز رحيل المطرب العراقي الكبير “داخل حسن” الذي صار صوته وبحّته الشجية جزءا من الوجدان العراقي . يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تعد هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الكتبا والقراء غلى المساهمة فيه بالمقالات والصور والوثائق.

يمه … يا … يمه ( سمفونية الوجع العراقي للراحل داخل حسن )
مهدي الشمسي

أي وجع هذا الذي استقر في صدورنا , استوطن في قلوب امهاتنا , استعمرها , فتوارثن البكاء والحزن جيل بعد آخر , أمتزج بدرهن فشربناه لذيذاً دون ان ندري ان هذا الشهد هو فيض راشح من ينابيع الشجن العاشق لدموعهن , فحملناه كالوشم فوق جباهنا , وغدا اسما لصيق باسمائنا , نجوب به الارض , اردنا ضياعه بين المنافي وبين زيف جمالها , فتناسل حتى صار أسم صغارنا , أيهذا الوجع الجاثم فوق بقايا العمر هلا ضللت سبيلاً ,هلا سلكت دروبا غير دروبنا وآثرت الرحيلا , فبالله طور لك وطور لنا , طمعت بها فصبرا جميلا.!!!

لايخفى ما للادب وما للفن من قدرة على ان يوثقا لتاريخ الشعوب , كونهما لصيقين بحياة تلك الشعوب وشاهدين عادلين على تفاصيلها 0ويمتاز شعب العراق باصالة وعراقة آدابه وفنونه وثقافاته المختلفة والتي عاشت في بيوتهم ومنذ آلاف السنين فكيف بها لا تؤرخ لحياته وتاريخه بافراحه واتراحه الموغلة في عمق الذات العراقية ,تستطيع من خلالهم ان ترى الصورة الحقيقية لطبيعة المجتمع وعلاقاته وازماته وميوله المختلفة , فهم مرآه الشعوب العاكسة لحياته في الماضي والحاضر , كما هي تؤسس لمستقبله والذي لا حياة لها بدونه 0لم يتعرف الشعب العراقي حديثا على الاداب والفنون والعلوم المختلفة , بل هي ولدت في رحمه وعاشت وترعرعت في كنفه بعزة وشغف تراها في بيوتهم ومضايفهم ومجالسهم العامة 0 وللذي يقرا التاريخ يستشف نبوغ فلاسفته وشعرائه وادبائه , هذا النبوغ الثري والذي فاض عطائه ليصل الى شتى بقاع الارض ولا يزال مستمرا في رفده العالم بخلاصة التميز والابداع , فكان المتنبي والفارابي والحلاج والجاحظ وزرياب وأسحق الموصلي والجواهري والسياب والبياتي ونازك والنواب وغيرهم من اعلام الفكر والادب 0 وقد رافق هذه الكوكبة المعطاة وغيرهم وجع فريد من نوعه اسمه الوجع العراقي هذا الوحش الجاثم على صدور ابنائه ومنذ آلاف السنين , والذي ترجمته النخبة المفكرة والمبدعة من ابنائه فكان كتابا وكان قصيدة وكان اغنية وكان لوحة 000وكان كل الوان بكاء الكون !!! فالابداع العراقي لايكتب له النجاح ما لم يمر من بوابة الوجع العراقي ,تلك البوابة اللغز التي مررنا من عتبتها ونحن اطفال نزحف ولا نزال نمر كل يوم الفتنا والفناها , عشقتنا حتى خيل لنا ان وجعها ولد مع اوجاع امهاتنا وقمط معانا في المهود واضيف الى اسمائنا 0

فلا غروه ان نرى ابائنا وامهاتنا وهم ينتحبون لسماعهم صوت شجي يثير عواطفهم وآلامهم واحزانهم وما اكثر تلك الاصوات 0 يقول والدي رحمه الله كان الرجال ينتحبون في ( مقهى عرب ) والكائن في علاوي الحله عند سماعهم المطرب (عكار ) وهو يغني العتابة وكأنهم في مأتم , وكذلك مع المطرب الكبير محمد القبانجي وغيرهم من الذين اجادوا الاطوار الحزينة 0ولكن ماهو سر هذا الحزن وما هي جذوره ؟؟؟ هل هو متوارث ام ان طبيعة المجتمع العراقي والويلات التي مرت عليه وسمته بالحزن والوجع ؟؟؟0لا شك ان المجتمع العراقي هو مجتمع فلاحي قبلي تعاقبت على حكمه سلط كانت قاسية في تعاملها معه سواء كانت حكومية او محلية اقطاعية او عشائرية ينتمي اليها ,هو محكوم بقواعد واخلاقيات تلك السلط والتي تفرض عليه الطاعة والامتثال لاوامرها , وكان معظمها قيود وممنوعات ولدت الاحباط والحرمان في نفوس ابنائه وعمق جروحهم النازفة من العوز والحاجة ,اضافة الى الحروب والكوارث والامراض والاوبئة والتي حصدت ملايين من الارواح 0هذه وغيرها الكثير والتي لا مجال لذكرها لعبت دورا مهم في تحديد هوية الذائقة العراقية للغناء وللشعر والاداب الاخرى ترجمها وطورها نخبة بوابة الوجع العراقي , ومن الذين مروا على تلك البوابة داخل حسن , وحضيري ابو عزيز, وناصر حكيم , وسيد محمد , وجخير سلطان , وجبار عكار ,وقبلهم مسعود العمارتلي , ومدلول العبد ,ورشيد القندرجي , والكثير الكثير منهم ,ومن المجددين لفن النخبة ولكن دون شق عصا طاعة الرواد والولوج الى استحداث الوان تبتعد قليلا عن لون النخبة , فكان ناظم الغزالي , ويوسف عمر , وصديقة الملاية , وزهور حسين , وفؤاد سالم, وحسين نعمة , وفاضل عواد , وسلمان المنكوب , وعبادي العماري , وياس خضر , وسعدون جابر, وفرج وهاب , وغيرهم من الذين ابكونا واثاروا شجوننا 0ولا ننس مطربي الكرد والتركمان والذين تركوا بصماتهم على الغناء العراقي الاصيل 0

الا اني سأتوقف بعض الشيء عند الراحل داخل حسن ليكون نموذجا للحزن العراقي مجسدا بصوته الشجي العذب آلام فراق الاحبة والديار , الغربة , والهجران , الظلم , والشوق , والموت , والحب والحياة 0كان صوت داخل قد اختزل كل الاصوات , تسمع في بطونه اصوات من سبقه ومن تلاه , ياخذ بمجامع القلب , يشعرك بدفىء فردوس اخاذ , يستحوذ على ينابع العاطفة ومن ثم يفجرها , يبحر في اعماق المتلقي فيلامس الجرح وكانه يبصره 0 صوت داخل هو فعلا داخل الى القلب من تلك البوابة المشتركة والتي توقف عندها كثيرا , صوت داخل هو صوت ملايين الحيارى ملايين المعذبين والمحرومين ,فلا عجبا ان نسمع امهاتنا وآبائنا ينتحبون لشدوه 0غناء داخل فيه صدق وبساطة الكلمة وبلاغة ما تعنيه :

منو منكم عليه نشد منسال ( أي بمعنى من الذي سأل )

جفيت وبجفاي صرت منسال ( أي اصيب بمرض السل )

شعندي غير دمع العين منسال ( بمعنى يجري )

أخفف بيه مصاب الصار بيه

نلاحظ ان هذه الكلمات البسيطة بالتراكيب والعميقة بالمعنى دخلت قلوب الناس بيسر كونها قريبة من آلامهم وهمومهم يؤديها صوت عذب شجي امتزجت به كل آهات الاباء والاجداد منذ عصر سومر 0

وفي سمفونيته الرائعة ( يمه00يا00يمه) نسمع هذا النداء الضارب في اعماق التاريخ , في عمق داخل قبل اعماقنا وهو يحمل كلمات مقتضبة تفسر جسامة المأساة وعمق الجروح الغائرة في النفس يشكو المها وحرقتها لامه لحبيبته الاولى وربما الاخيرة , للتي ارضعته مضغة الالم والحرمان 0 لا احد يسمع شكواه الكل مبتلى عدا امه , جاءها شاكيا مثله مثل طفل الم به خطب 0

يمه00يا00يمه ما تمر بينه

اشعطلك شبطاك يايمه

وياك ادينه اشابكن يا حيف يا يمه

يا باقي الاحباب زين الوقت شح بيك يا يمه

دلالي انصاب

منك وعالج بيه

يمه 00يا00يمه

يتنقل هنا داخل حسن بطبقته الصوتية الدافئة بين هذه الكلمات وكانه مبحر بقاربه في عمق الوجع العراقي والذي استقر بين حطام النفوس ليصل في الاخر الى خلجات الارواح المعذبة الحائرة , يداعبها , يناغيها , فتنفجر بكاء ليختفي صوت داخل بين انينها محلقا في فضاءات الخلود الرحبة , يواصل رحلته الازلية الى عوالم بعيدة , عوالم مجهولة , شاكيا جسامة الوجع العراقي وثقل وطئته 0عاش داخل في ارياف الجنوب وبالتحديد مدينة الناصرية المتخمة بالالام والحزن والبؤس وانتهل من نبل اخلاق واخلاص اهلها طبعتة بطابع البساطة والاخلاق الرفيعة , كما عاش داخل في المدينة وتحصن من ملوثاتها , الا انها اعطته كارت الشهرة وطورت من ملكاته الغنائية , فنقل داخل معاناة الريف المسحوق الى المدينة معبرا عن واقع تلك الريف تعبيرا صادقا وباسلوب متميز مستفيدا من اطوار الغناء الريفي السائده أنذاك , كان داخل يكتب كلمات الاغاني ويقوم باختار اللحن المناسب لها ومن ثم ادائها باسلوبه العذب والشفاف أي ان ابي كاظم كان وحدة فنية متكاملة سجل المآت من الاغاني وباطوار مختلفة فمنها الابوذية ومنها البسته فاجاد شعرا ولحن واداء يدعمه فريق من المبدعين امثال حضيري ابو عزيز وناصر حكيم0

رحم الله داخل حسن , ورحم الله ادبائنا وفنانينا والذين غادرونا وهم يصارعون هذا الوحش الكاسر والذي اسمه الوجع العراقي محاولين الافلات من مخالبه النافذه والمغروسة في جسد العراق النازف

*عن مركز النور

تعليق واحد

  1. مازن مهدي الشمسي

    توفي الكاتب مهدي الشمسي والدي كاتب هذا المقال في الولايات المتحدة الأمريكية في ٢٠/٥/٢٠١٧ اتمنئ من كل من يقرآ هذا المقالة ان يقرآ سورة الفاتحة له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *