يوسف علوان : الشخوص والتقطيع في السرد في رواية “النبيذة” لإنعام كجه جي

الشخوص والتقطيع في السرد
في رواية “النبيذة” لإنعام كجه جي
يوسف علوان
مثلما تعجُ روايات انعام كجه جي بشخوصها النسائية، التي تعاني من التشرد خارج بلادها بعد ان تكون قد ذاقت مرارة العيش في العراق، بسبب الحكومات التي توالت عليه وما سببته من حروب عبثية وصراعات دموية على السلطة، والتي وضعت مصائر ملايين العراقيين بين فكي كماشة البطش أو الهجرة، أختيارين كلاهما مر! تجيء رواية “النبيذة” التي تحكي لنا عن امرأتان عراقيتان تجمعهما الصدفة في باريس. وبالرغم من انهما مختلفتان ومتناقضتان، نبتتان من تربتين مختلفتين وطقسين متعاكسين، عمر الاولى ضعف عمر الثانية جمعتهما الهجرة من العراق، إلا أنهما تصبحان لبعظهما كالظل لصاحبه.
الاولى أسمها تاج الملوك؛ رغم أنها أرتدت اسماء كثيرة. رقصت بها ثم خلعتها.. أبوها ايراني، طلق أمها بعد ان خسر أمواله ومات معدما. تزوجت أمها من موظف كبير في وزارة العدلية ببغداد، كان يتردد على مشهد فسمع أمها زينة السادات وهي تجود القرآن على مسمع زوار الأمام الرضا، أتخذها السيد زوجة له بعقد متعة. وجاء بها الى بغداد. تنقلت العائلة معه في عمله شرقا وشمالا ما بين كركوك ودهوك والعمادية والسليمانية. تعلمت العربية والفارسية والآشورية وأتقنت الانكليزية والفرنسية.
كانت تهوى الصحافة وتحلم بأن تكون لها مجلتها الخاصة بها، بدأت تنشر في بعض الصحف باسمها الصريح مقابلات مع السياسيين تتناول الشأن العام في بلد تتغطى نساؤه بالعباءة. يساعدها في تحقيق ذلك شبابها وجمالها، ومن خلال ذلك تصل الى الباشا نوري السعيد والى الوصي عبدالاله، تعشق شخصيتيهما ويساعداها في انشاء مجلتها الرحاب التي تقوم برئاسة تحريرها. تحلم بأن يحبها الوصي لكنها تعلم ان هذا بعيد عليها، ومن ثم تعمل حسب توجيهات الباشا، وتصبح مقربة للجهات الأمنية، تخالط السفراء والفنانين والمثقفين والتشكيليين. وبسبب ذلك يطلب منها بهجة العطية مدير الأمن ان تكتب له تقارير عن هؤلاء الذين تلتقيهم مقابل بعض المال. في احداث معاهدة بورت سماوث ينفجر الشارع العراقي، تبدأ بتظاهرات الطلبة تتبعها تظاهرات عامة لفئات الشعب الباقية. تشاهد الجموع المتظاهرة تستدعيها للمشاركة فتنطلق معهم، ويرفعها البعض على الكتوف فيدوي صوتها يدعو لاسقاط الاتفاقية. وتشارك في تشييع شهداء الانتفاضة فيأتي من ينصحها بالهروب خارج البلد فمسؤولي الحكومة غير راضين عنها! غير ان الصدفة تخدمها للسفر الى باكستان للعمل في اذاعة كراتشي الناطقة باللغة العربية. هناك تتعرف على منصور البادي الفلسطيني الذي قدم من بغداد ليعمل في الاذاعة العربية ذاتها. وخلال العمل في هذه الاذاعة ينشأ حب بينهما. تعود الى عبادان بعد ان تركت العمل في اذاعة كراتشي لتزور أمها في طهران التي ترملت بعد وفاة زوجها ، وهناك تعرفت على الأمير القاجاري الذي عاشت معه قصة غرام سريعة وحملت منه ابنتها التي ولدتها في باريس. سكنت لدى سيدة فرنسية، قادتها اليها راهبة تعمل في مستشفى الولادة. عجوز طيبة تؤمن بأن المسيحي الحق هو من يفتح بيته للمنبوذين. تزوجت الفرنسي سيريل شامبيون، الضابط في وحدة مكافحة التجسس الذي فك ضائقتها وداوى غربتها، والأهم أعتنى بتربية ابنتها . لم يكن يحبها، ظلت تتصور أنها هي التي سعت وراءه لكي يتزوجها. لكنه صارحها، في لحظة غضب، أنه تلقى أوامر بالتقرب منها لأن معلومات وصلت عنها من ادارة مستشفى الولادة. وان من تلقى المعلومات انفا مرهف الشم، وجد فيها صيدا ثميناً. طلب منها ان تؤدي خدمة لفرنسا مقابل حصولها على جنسية البلد. كان يطلب مساعدتها في بعض المهمات العادية، إنصات الى الإذاعات الخارجية، ترجمات من العربية والفارسية، حفلات مع قناصل وملحقين عسكريين. ثم تكبر مهماتها وتتشعب، تصبح جاهزة لعملية خطيرة، التخلص من مجرم من كبار مثيري الشغب في الجزائر، عرض عليها زوجها الفرنسي صورا للهدف، قال إن هذا الشخص في رقبته دماء كثيرة، يكره فرنسا ويعتدي مع رفاقه على نساء وأطفال أبرياء، رافقت فريق الاغتيال الى القاهرة والقائد هو زوجها، مهمتها تشخيص الهدف، والتأكد من هويته واستدراجه الى مكان من خلال اللغة العربية التي تجيدها ثم يتدخل الفريق ويكمل العمل. هي مجرد مترجمة للفريق تتبادل بضع كلمات بالعربية مع الهدف، تتأكد من لكنته وهويته. ثم تعطي لهم اشارة ان هذا الهدف هو المطلوب، غير انها لم تخبرهم بذلك بلا اكدت لهم ان هذا الشخص ليس هو المقصود، وبهذا انقذت بن بلا من عملية القتل!
الشخصية النسوية الثانية في الرواية هي وديان، عند ولادتها بشرت القابلة أمها: مبروك بنية حليوة لا ينقصها شيء، وكان ابيها يتمنى ان يأتي له ولد ليسميه على اسم جده وادي ولما شاهد المولود أنثى ورأى أخاديد صغيرة محفورة على جبينها الهش، لمع في رأسه اسم وديان! عشقت الموسيقى منذ طفولتها ولذلك ادخلها والدها مدرسة الموسيقى والباليه، في السادسة امتلكت آلة كمان صغيرة تناسب حجمها، تركت حكايات البنات ولازمت الكمان. يخبرونها اساتذتها ان لها قدرة سمعية لا تتوافر للجميع، تنتمي الى اصحاب الأذن المطلقة، موهبة تتيح لها التمييز الفوري بين النوتات. في الحرب ضد ايران تتذكر وديان خوف أمها عندما تقترب السيارات التي تنقل القتلى من الجيش الى اهاليهم وتتذكر كيف صار الأسود زياً موحدا للنساء، كان العراقيون يعومون فوق صناديق الموتى. الحرب عسكرت كل شيء في البلد: “يا حوم اتبع لو جرينا”.
هجرت كل منهما ماضياً لم يتركها، عاشت تاجي بالحب، ووديان لم ترتوي به، عرفته لكن ابن الشيخ ضيع عشقها وخطيبها يوسف، يوم أختاره، هو وآخرين من اساتذة الجامعة الذين درسوه، ندماء له يطلبهم متى يشاء وبأي ظرف، يطلب فينفذون، ليس هناك من اعتراض، متى يريدهم يحضروهم وبالاشكال والازياء التي يريدها مجرد ليضحك ويتشفى بهم، جميعهم يطلقون عليه استاذ! بينما هم تابعين او مملوكين له، ليس أمامهم سوى الانصياع لرغباته. يطلبهم فيأتون ينتظرون، انتظارهم في بعض الاحيان يدوم ساعات او يوما او اكثر، فما عليهم سوى الانتظار، وبدون تململ، إياهم ان ينبتون بحرف فالاستاذ ابن الشيخ يملكهم، وليس هذا فقط فقد يمتلك بعض عوائلهم أيضا فيستدعيهم، وعليهم ان ينفذوا الأمر، وهذا ما حصل لوديان، حين استدعاها احد اتباع الاستاذ، فذهبت مصغرة كارهة نفسها على هذه الدعوة، التي تسببت بعد ذلك بفقدانها لأعز ما يمتلكه العازف وهو حاسة سمعها.
تركها خطيبها يوسف، وهو الاستاذ الجامعي الذي يذهب لابن الشيخ عندما يستدعيه صاغرا ذليلا، بسبب ما جرى لها مع ابن الشيخ. تخدمها الصدفة عندما تستدعيها السفارة الفرنسية مع بعض زملائها العازفين لتقيم لهم دورات تعليمية في باريس، فتبقى في باريس، تجمعها صدفة أخرى بلقاء تاج الملوك، وتعتبرها وديان أماً لها. عاشت تاجي بالحب، ووديان عاشت من دونه. قطبان سالب وموجب، وديان تعشق الموسيقى الكلاسيكية وتاجي تذوب في الاغاني البغدادية التي بقيت تغنيها كلما ضاقت بها الحال. شخصيتان مختلفتان جمعتهما الغربة ووحدهما الاشتياق للماضي ولبغداد التي أمست بعيدة!

تمتاز لغة السرد في اغلب روايات انعام كجه جي، على السرد المُتقطّع الذي يُبنى على مخالفة التسلسل المنطقي لوقوع الأحداث، إذ تبدأ في تقديم الحكاية من آخر الأحداث، ثم تنتقل بعدها إلى أول حدث، مُعتمدة على تقنيات كتابية متعددة، مثل: الاسترجاع لتسليط الضوء على ما فات او غمض من حياة الشخصية في الماضي. وتعدد الرواة الذين يشاركون في عملية السرد كل من موقعه في الحدث. فيبدأ السرد من وجود تاجي في مستشفى عسكري في باريس، الذي يثير الشك والتساؤل لديها وجود شرطي على غرفة مريض ساكن في المستشفى لا تبعد غرفته عنها اكثر امتار قليلة، وعندما تسأل الشرطي عن المريض الساكن في هذه الغرفة يخبرها انه شخصية مهمة: “هاجت خفافيش ماضيها وهي تسمع الأسم. وخزها قلبها وتسارعت دقاته. لم تصدق أن نزيل الغرفة التي تقع في الطابق الخامس، على مبعدة أمتار من غرفتها في مستشفى فال دو غراس، هو بن بلة”(ص8).
في المقاطع 1 و2 و3 يتحدث لنا الراوي العليم عن حياة تاج الدين. بعد هذه الصدفة التي تجمعها في المستشفى مع الرئيس الجزائري ابن بله، الذي كان في يوم ما هدفا للاغتيال من قبل الجهات الفرنسية في القاهرة، وكانت هي الدليل الذي ستستدل فيه هذه المجموعة على بن بله! ومن خلال هذا الاسترجاع نتعرف على شخصيتها.
في المقطع 4 من الرواية تتحدث تاجي عن الصدفة التي جمعتها بوديان الشخصية الثانية: “لابد ان جنية طيبة شاءت لنا هذا اللقاء، سمعتها تقول له، انها مدعوة لكنها نسيت بطاقة الدعوة، لم يقتنع ولم يدعها تمر. لوحت لها ببطاقتي، أنها لشخصين، ويمكن ان تدخل معي”(ص24).
المقطع 5: منصور البادي الفلسطيني حبيب تاجي والذي كان يعمل معها في اذاعة باكستان يتحدث عن تلهفه للقاء تاجي عندما يجيء ضمن وفد الرئيس الفنزويلي ليلتقي بـ وديان صديقة تاجي ومن ثم يلتقي بحبيبته التي فارقها منذ زمن طويل..
المقطع 6: وديان تتحدث عن ولادتها وكيف سميت باسم وديان.. وهكذا يستمر التقطيع لتصل الرواية الى مقطعها الاخير (المقطع 43).
اضافة الى لغة السرد التي تكثرمن استعمالها الكاتبة الكبيرة انعام كجه جي في اغلب رواياتها، المطعمة ببعض الامثال والأقوال الغدادية التي تشد القارئ، والعراقي بالذات، في المهجر أو في داخل العراق فان هذه الاقوال والامثال الشعبية العراقية بدأنا نحن في العراق نفتقدها، مثلما نفتقد كل شيء عريق في بلدنا التي نهشته السياسة ورغبة أكثر دول الجوار في طمس هذه المعالم والبنى الاجتماعية التي ورثها العراقيون واعتزوا بها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عاطف الدرابسة : رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) .

رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة …

| كريم عبدالله : القناع في القصيدة السرديّة التعبيريّة قراءة في قصيدة الشاعرة : سلوى علي – العراق ( بلقيسٌ أنا ) .

تبقى القصيدة هي المرآة التي من خلالها نتمكن من رؤية العوالم الداخلية للذات الشاعرة , …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *