كريم الثوري: دق .. دق .. لاشيء غير الصمت*

* قراءة في قصيدة لا أحد … إلآكِ .. ليحيى السماوي
         لا أحَـدْ ..
خلدَ الطيرُ إلى العُـشّ ِ ..
الـنـدامى غادروا مائدة َ الليل ِ
ونامَـتْ خـضـرةُ الأشجار ِ
والشـارعُ قـفـرٌ  ..
لا أحَـدْ ….
وحـدَكَ الانَ تجـوبُ الليلَ
تسْـتجـدي من الشـمـس ِ شـروقا ً ..
نـيـزَكٌ  يسْـقـط ُ ..
بـرْق ٌ ..

منذ  البيت الأول لاستهلال  القصيدة أقفل الشاعر يحيى السماوي مسرح اللعبة  بـ  ” لا أحد  ”  ليختلي بنفسه في محاولة ثنائية الأبعاد  منه لفتح بوابة الوجد لاستدراج مشاعره المكبلة بهاجس النفي الدفين ، للتعريف على مكنون خباياها  ، ومن جهة أخرى إشراك  وشد القُراء ليكونوا على تواصل من خلال تفحص واستنطاق حركة الوجود الملاصق لنا جميعا ، كما فعلها يحيى ، ها هويخبرنا عن احوال حركة الموجودات من حوله ودرجة تفاعله النفسي معها  :
حركة الطير / خلد إلى العش
الندامى / غادروا مائدة الليل
خُضرة الأشجار / نامت في هدوة الليل
والشارع : قفر..
في – الشارع قفر –  تحديدا تهتز بنا المشاعر في مخيلة الراوي مأخوذين بنقلة – زمكانية –  جهة البعيد ،  استوعبت وامتصت كل نقمته حتى أنه لم يجد غير نابية  – القفر-  كسهم مثلث الاضلاع توغل في احشائه واستخرج دروبا وأزقة  مكتظة بالمارة بكل ضجيجهم ، فيجيبه لسان حاله على شكل زفير قوي منبعث من آخر سيكارة  في العلبة الرابعة الخاوية: لا أحد…
و – لا أحد – ليس من قلة ، وهذا موضوع إشكاليّ  فلسفي لو تناولناه بأبعاده  الوجودية سوف يخرجنا من دائرة البحث – القصيدة – ويدخلنا في حقيقة – الوجود والعدم -، ما يشعر به الكائن المنفي وهو يعاني تمزق المعنى المكبل بهما وجوديا ، بين ما ينشده في حقيقة الامر وما هو طارئ  لجوج لا يمت اليه بصلة ويفرض قوانينه عليه.
هذه التخريجة دلتنا على معنيين  اخرين منفصلين في صلب الحدث، فالجنة كما يراها غيره ، جحيم لا يطاق، فجل حضوره متكور في – وحدك – الجوالة في ليل لا ينقضي تذكرنا بمعلقة الشاعر:
الآ ايها الليل الطويل الا انجلي
بصبح وما الاصباح منك بأمثل ِ
حتى بات يستجدي من الشمس شروقا ونتساءل : أي شروق ، أشروق المنفى وروحه هناك ، ام شروق الوطن وجسده هنا ، أم هو شروق وجه حاضر في  مخيلته ولكنه غائب عن عينيه ؟؟؟
ليفيق من قيلولة احلام اليقظة على وقع الخوف المترصد به وهو يتابع نذير شؤم في جمجمته الزرقاء :
نيزك يسقط…
برق…

ثنائية الثابت والمتحول

 نادِلاتُ المـطـعـم ِ الـليلـيّ  أطـفـأنَ المصابيحَ ..
السُّـكارى غـسـلوا بالصّخبِ الشـارعَ
من ثرثرة ِ الصمت ِ..
وأنتَ الـنورسُ الشـرقيُّ
تستجْدي الفراتين ِ نميرا ً
وحبيبا ً كلما تقربُ من شـرفة ِ عـينيه ِ
ابْـتـعَـدْ !
لا أحَـدْ…

المعروف عن يحيى السماوي إمساكه  بخيوط الحدث القصصي فهو حكاء على طريقة الشعر ( كما تشير إلى ذلك د . فاطمة القرني في كتابها الموسوم ” الشعر العراقي في المنفى / يحيى السماوي نموذجا ) وهذه ميزة من اشتغل على قصيدة النمط الكلاسيكي ابتداءً  ثم تدرج  معافى في قصيدة النثر ، ومن المميزات الأساسية التي رافقته في رحلة الاكتشاف وهو ينشط  في ثنائية  – القديم ، الجديد – ، إبقاؤه على ثوابت : موسيقى اللحن الحزين ، انسيابية اللحظة الشعرية ،تدفق اللغة مع نبض القلب ، الاحساس المرهف ، معاينة المشهد بكاميرا الأبعاد الخفية ، تماسك البناء العمودي وسعيه الدؤوب لتجديد القصيدة الفراهيدية من داخلها وليس من خارجها ـ على حد تعبير الناقدة أ . إنصاف الحسني *  ، والحرص  على انتقاء المفردة المناسبة وفق مؤهلات خزينه المعرفي في اللغة وفقه اللغة ( نحوا وبلاغة واشتقاقا ) كما هو معروف عنه …
ما لاحظناه في مشهد المقطع الثاني تكرار كلمة – تستجدي – وقد وردت أعلاه مسبوقة لشروق الشمس  ، لكنها في المقطع الثاني كانت مقرونة بنهر الفرات وجاءت مُثنى  – الفراتين نميرا – والفرات كما هو معروف  يمرعبر دول ثلاث هي تركيا وسوريا  والعراق  لينتهي عبر التقائه بنهر دجلة مكونين  شط العرب ( دجلة والفرات ) ، لكنه اليوم مفرد ومُثنى، شحيح المياه ،تعصف به السنة الرياح وتموت على مقربة منه اشكال الحياة ، فما بال النورس الشرقي المهاجر  وهو يصف لسان حاله على طريقة يحيى السماوي :
وأنتَ الـنورسُ الشـرقيُّ
تستجْدي الفراتين ِ نميرا ً
وكأن النورس الشرقي المهاجر ملزوم بعطش أزلي  خرافي ، كما في النهرين ، والمضحك المبكي ، بات العراق يستجدي المياه لنهريه ، من الدولتين الاسلاميتين المحاذيتين ، تركيا وسوريا .
ثنائية الحيلولة والبقاء ترافق تدفق مشاعر الشاعر على طريقة الاستجداء  / وتكرارها هنا للضرورة فكلنا مصاب بداء الإستجداء  لتشابه منظومات المعايير /  تنعكس سلبا فيصيبه النكوص وهو يتجول وحيدا في شوارع مقفرة حتى يتحول آخر الليل لصيقاً ، فقيراً ، شحيحاً ، مقفلا ً، تطفئ المصابيح انوارها لتنظم إلى ليله المعتم ، الثرثرة هي الاخرى تنتهي بلباس الصمت ، فتتوحد بصمته ، حتى الحبيب وهو اقرب الناس لثابت اللعبة لا يكاد يلامس  – شرفة العينين – ربما من جزع تكرار المحاولة دون جدوى وربما كانت العينان  مسبلتين اصلا…  فـ… لا أحد
تعني فيما تعني ، لا ارى شيئا ،موجها سؤاله الوجودي الينا  ؟
مسرح البعد الدرامي
زخّـة ٌ أخـرى ..
ثـقـيـل ٌ مطـرُ الليلة ِ
والـرّعْـدُ أشـدْ ..
تـتـركُ الـسّـاحِـلَ
تـرمي الجـسَــدَ الـمَـبـلـول َ
فوق المقعـد ِ الخلفيّ
تـسْـتـحـضـرُ  أنثاكَ الخرافيّة َ
تـسـتـنجـدُ  بالقانتة الزهراء ِ  : بـئـري مُظـلـمٌ
مُـدّي  لمـقـتـولِـك ِ عِـشـقـا ً من مَـسَــدْ !
فيجيء الـصـوتُ :
عُـذرا ً لا أحـدْ

هو والبحر اذن لصيقان  كجبارين يتناطحان ومن فوقهما سماء مدرار.
عجلة مركونة جانبا تقف هامدة هي الأخرى بانتظار  شارة العودة.
كثرة دلالات العجز والإنطفاء  على طريقة الإستجداء ، ليتحقق نصاب الرد بالمثل وليستمر التوهج مدرارا :
تستحضر أنثاك الخرافية /  تمهيدية لتقوية العزيمة ، والأنثى  في استدعاء السماوي من أجل الليونة وكسر التخشب قالت العرب : هذه امرأَة أنثى إِذا مُدِحَتْ بأَنها كاملة من النساء، والصاقها بالخرافة استدعاء ميثولجي سحري ينفخ في روحه العزيمة الخارقة ليواجه خرافة الكون بخرافة اقوى تعضده .
 تستنجد بالفاتنة الزهراء /  ذات دلالة لها صلة بالنص القراني في سورة مريم جاءت متزاوجة على طريقة الزهراء لخلق ألفة روحية ، ولهذه الأنثى عند السماوي صفة القداسة والطهر في قصائده الأخيرة كقصيدة ” حلم ولا أبهى ” حيث يصفها بكونها ” معصومة النهدين ” وهي ذات الصفة ل، ” القانتة ” في قصيدته هذه مما يعني أن القصيدتين تنهلان من معين واحد .  
لكن كل المحاولات تسقط مرمية وقد أجهدها التعب فهي لم تغنِّ فالجسد المبلول يسقط اخيرا منهارا- مغشيا عليه – عند المقعد الخلفي للسيارة المبلولة كحالة من حالات التشظي التي يعيشها الشاعر في عشقه الصوفي الذي أضحى ملمحا بارزا من ملامح تجربته الشعرية .  

خصوبة اللغة من تراقص الصور
اللغة عند يحيى السماوي غير متكلفة  فهي نابعة من سهل ممتنع وحرية كبيرة تؤهله للإمساك  بمعاجم الألفاظ المناسبة  ، وكما  يرتّب معلم البناء المحترف احجاره المتراصة في بناء اهراماته ، راح شاعرنا يعيد توليف اذهاننا ليتجيش بنا ومن خلال تناصه ، من هنا القارئ المتتبع لا يعاني كثيرا وهو يسترسل مع فسيفساء التشكيل والتلوين ، يسير مخدرا متراقصا مع عذوبة الشدو ، وهذه ميزة تحسب لصالح الشعراء المتصالحين مع انفسهم ، الذين لا تسرقهم ما يعرف حداثويا بالتفجير اللغوي على حساب شاعرية النص ، حتى أن كل مقطع يأتي متطامنا ومنسجما  مع نفسه لدرجة يمكن الاكتفاء بخبره الوارد ، وما تلاصقه مع ما سبق وما لحق ،سوى حلة من الالفاظ والمعاني والصور لها خصوبة الإثراء  دون أن تفقد خصوصيتها ، هي معزوفات اذن ، وكل معزوفة تأتيك  لحنا :

أيـهـا الـمُـبـحِـرُ  في
ليلِ الأبـدْ
يا طريدَ الجـنـة ِ العذراء ِ
ياناطورَها الصّـوفيَّ :
مابينكَ والمحـبـوبِ  سَــدْ
والدراويـشُ ..
المـتـاهـاتُ ..
لصوصُ الفـرح ِ الأخضر ِ..
حِـيـتـانُ الـبَـلـدْ ..
كلُّ بـحْـر ٍ ولـهُ جَـزرٌ
ومَـدْ
وفـنـاراتٌ على الـسـاحِل ِ
إلآ
لـيـلـكَ المـمـتـدُّ من مـسْـغـبَـة ِ الأمـس ِ
إلى مـرثاة ِ غـدْ
من هو المبحر في ليل الأبد على لسان الشاعر : تجربة اليسار العراقي  المطرود من حتمية التاريخ  ، الوطن وهو يتمزق محاصصات طائفية وعرقية ، فقر وجوع ، قتل وتشريد ، وجنته المخزونة في باطن الأرض معين لا ينضب ، انهار الدماء التي لم تتوقف منذ كان البلد مرصودا في أعين الدول الكبرى ، الرياح الصفراء في زحفها التتري وهي تقتص ضريبتها التاريخية ؟؟؟؟
إستوقفتنا  هنا الجنة العذراء وناطورها الصوفي ، والناطور في اللغة حافظ  الزرع والتِّمر والكرْم ،فكيف به وهو يرى – الدراويش المتاهات – يسرقون ويعبثون بمقدرات – الجنة العذراء – دون أن يحرك ساكنا ، ماذا بقى من تصوفه ؟ ذلك هو السد اذن – ما بينك والمحبوب سَد –

وصلة الختام
عليه أن يتنحى عن ظهر الجواد مادامت الامور على هذه الشاكله ، نعود ثانية وثالثة وعاشرة حتى منقطع النفس لسيرة البطل المخصي في التاريخ العروبي ، وهي خصلة ملازمة مرت علينا والمصيبة أننا  وجدنا انفسنا نتغنى بها على طريقة الشرق المتوسط لعبد الرحمن منيف ، ووليمة لأعشاب  البحر لحيدر حيدر  ، والخبز الحافي لمحمد شكري ، والقلعة السابعة لفاضل العزاوي … والسلسة لا تنتهي …
 تنحَّ  أيها الجواد ، فقد بلغت من العشق  عتيا ، إحتفظ بأحلامك ، انهار دموع على شارفة الطرقات بددها ، على مشارف البحار والمحيطات ، إمزجها  بزبد البحر مع الخردوات الطافية  ، شئت أم لم تشأ ،  فما أنت سوى ، مجرد هنا ، مجرد هناك :

أنتَ مـحـكومٌ بـهـذا الـعِـشْـق ِ
لكـنْ
لـنْ ترى من نـهـرهـا الصـوفيِّ
إلآ :
حَـجَـرَ الصّـدِّ
وكأسـا ً من زبَـدْ
فاطبق ِ  الـجـفـن َ على جُـثـمـان ِ أحـلامِـكَ
جَـهِّـزْ  لِـلـرّبابات ِ مـراثـيـكَ
فـقـدْ  شـارَفـتَ أنْ تـنـزلَ
عن سَـرْج ِ حِصـان ِ الأرض ِ
يا هـذا الـجَـسَـدْ

 *الناقدة أ . إنصاف الحسني * في دراستها لنيل شهادة الماجستير في النقد الأدبي والموسومة ” شعر يحيى السماوي بين الرؤيا والإبداع .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أحمد شحيمط : الرواية العربية المعاصرة وأسئلة النقد .

يتحول الإبداع من الرواية والسرد إلى مجال النقد الأدبي، وإثارة تساؤلات عن واقع الرواية العربية …

| عباس محمد عمارة : شفة الأوركيد ديوان هايكو للشاعر علي محمد القيسي .

الشاعر والهايكست علي محمد القيسي في مجموعته الشعرية “شفة الاوركيد” يحرك بركة “باشو” الراكدة ويؤرخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *