الرئيسية » مقالات » مهدي شاكر العبيدي: ( الاقتباس من القرآن الكريم في الشعر العربي )..كتاب للأستاذ (عبد الهادي الفكيكي)

مهدي شاكر العبيدي: ( الاقتباس من القرآن الكريم في الشعر العربي )..كتاب للأستاذ (عبد الهادي الفكيكي)

أذكرني كتاب الأستاذ عبد الهادي الفكيكي هذا الذي أصدره بعنوان ( الاقتباس من القرآن الكريم في الشعر العربي )   ، بالسِفر العظيم والموسوم : ( المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ) ، الذي أطلع به على العالمَين ِ العربي والإسلامي قبل سنوات قد تكون بعيدة من القرن الماضي ، العالم المصري الشهير محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله ، فقد طويَتْ حياته في غضون عام 1968م ، مبقيا ً بعده أثره الخالد الذي يعوِّل على الاستفادة منه في استذكار آيات القرآن المجيد سائر المشتغلينَ بالدراسات والمباحث الإسلامية من العلماء الحصفاء والدارسينَ المتوثقينَ الأثبات ، وحفظة التنزيل الحكيم ، دالا ً به على هـِمـَّـةٍ وجهدٍ في ضبط آياته البيِّنات ، وتعيين أرقامها في جميع سوره ، وبذلك يتكشَّف للعيان مدى ما كابده في تصنيفه من رهق وعناء ، على حين تقصر عنه كفايات أفراد مجتمعينَ ويتدنى مجهودهم ، وكذلك شأنه حِيال الحديث الشريف من تنسيقه وتبويبه ووضعه بين أيدي ملتمسي فوائده المرجوَّة ، من الاستهداء به في إيثار السلوك الحياتي المستقيم الذي يتنزَّه به المرء ولا يشينه في حياته إزراء أو ذم ، وغدا الباحث ومؤلـَّفه بموجب هذه السمات مرجعا ً موثوقا ً يأتمُّ به الباحثونَ ويروق لهم أنْ يركنوا له إنْ استعصَتْ عليهم المشكلات وداخل اليأس والخَوَر نفوسهم ، إزاء تفشِّي الأوهام والأضاليل بين بني جلدتهم ، وأحوجَهم مَن يتصدَّى لنقضها وتعرية زيفها وفضح ما تنويه من إشاعةٍ وتمكين ٍ للإفساد والهدم وسط هذه البيئات والمجتمعات الإسلامية التي ما عَـرَفتْ في حياتها غير الوفاق والألفة وسعيها لإعلاء قيمها الدينية ، متجاوزة في ذلك أيَّ استئثار وتفرُّدٍ يدلُّ به نفر أو شلة من جنس معيَّن أو عنصر بذاته منها ، بالغلبة والتسيُّد على بقية الأجناس والعناصر المنضوية تحت راية الإسلام ، أو ادِّعاء الرجحان عليها في الميزات والمؤهَّلات .

       ويكفي للتدليل على جلالة قدره أنَّ العقاد الذي اعتاد تحاشي النصّ على مصادره ومراجعه وهو يؤلف كتبه ، بل ينظر لقراءاته كلها ومجانيه منها على أنـَّها من مكوِّنات ثقافته ، وبذلك يصير ما يسوقه من رأي أو فكر في سياق مقالاته ، هو من ابتداعه ، بعد ما جهد في صياغته وإفراغه في تركيباته المعهودة والتي تحتاج لسوغها وتشرُّبها مزيدا من التركيز الذهني وفراغ البال حتى يفطن القارئ بعد فراغه منها ، أنـَّه استوعب شيئا ً جديدا ً من المعرفة والرأي والفكر ، لا يُدانيه ــ أي العقاد ــ أحد من المؤلفينَ في ثرارته وعمقه ، قلتُ أنَّ العقاد هذا الكاتب المتمكن والمعتد بكفاياته ، لا يني في الاعتراف والإقرار بدالة الفهَّامة محمد فؤاد عبد الباقي عليه ، ومراجعاته آثاره قصد الاستيثاق من صحَّة الأخبار والوقائع فيما يُنشِئ من أبحاث وفصول ، وإذا عُرفَ عن العقاد أنَّ تحصيله المدرسي لا يتعدَّى الدراسة الثانوية ، فإنَّ مؤلف المعجم المتداول في المحافل العلمية وبينَ أيدي كبار الأساطين وأرباب الرأي في الدنيا العربية والإسلامية ، يفتقر إلى الشهادة الابتدائية إذا صدقتْ وصحَّتْ رواية ( معجم الأعلام ) الذي أصدره بيت الحكمة ببغداد أواخر تسعينيات القرن العشرين .

       عذرا ً إزاء هذا الاستطراد الذي ما جرَّني إليه وساقني فيه غير وجداني كتاب الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي من جملة مصادر الأستاذ الفكيكي في تبويب مادَّته وإحسان ترتيبها ، وقوامه استدلاله على شغف شعراء العربية في مختلف العصور ، بقراءة القرآن المجيد ، وتمحيص آياته في مواضعها من سوره البيِّنات ، والانخطاف بمعانيه ومضموناته ، والتدقيق في سرِّ إعجازه في ألفاظه وتراكيبه ، مع عجز الإنسان عن محاولته تقليده والإتيان بشيءٍ من روعته وسحره ، غير أنَّ رهطا ً من البشر ــ وجرَّاء مداومتهم قراءته ــ أمكن لهم استلهامه واستيحاؤه فيما راموا التعبير عنه من نوازع وخطرات راودَتْ وجدانهم آنا ً ، فتفهَّموا قصصه وحكاياته وأحاطوا بالأسباب والدواعي التي استدْعَتْ اغتناءَه بها بقصد تذكير أولي الألباب من بني آدم بمصائر مَن اشتطوا في المكابرة والعناد أو تمادوا في الاغترار والزهو ، كي يطامنوا من نفوسهم ، ويأخذوا منها العِظة والعبرة ، فإنْ كانوا من ذوي الشاعرية وعلى قدر ودرجة من الإبداع والتفنن فيها ، تسنى لهم تضمين شعرهم وتوشيحه بالألفاظ القرآنية ، وهذا ما يدعى بـ ( الاقتباس ) ، غير أنـَّّه لا يعني إفراغها من محتواها وتجريدها من حكايتها ، بل يحرص الشاعر وقد أسلم نفسه لنجوى الربِّ واستغرقه البُهْرُ بما في التنزيل من إحكام وسلاسة معا ً ، فليُغامر بنسج شعره ، محتويا ً المفردات التي يستذكر معها القصَّة القرآنية ، وغالبا ً ما يكِل الشاعر ذلك لعجز البيت الأخير من مورده الشعري في القصيدة أنْ يوفي عليه بتمامه ، فقرنه بألفاظ من ابتداعه يستوي معها البيت الشعري ويستقيم معناه ، كأنْ يكون في معنى الزهد والتصوف والمدح النبوي ، أو التفاخر والهجو والإطراء والاستعطاف ، وما كلف به الشعراء المحدثون من مقاصد وأهداف وطنية ، فلا مراء أنْ نقـَّب في معطيات شعراء من العصر العباسي في العراق والشام ، مرورا ً بشعراء الأندلس والمغرب ، وانتهاءً بشعراء أوائل النهضة الحديثة ونهايات مرحلة الضعف والقصور الذي امتحِنتْ به الشعرية العربية في المباني والمعاني والأخيلة .

       ولنسق شواهد على إشارة الأستاذ الفكيكي إلى شاعر بعينه هو المرحوم الشيخ علي الشرقي الذي اقتبس من القصص القرآني ، نستدلُّ به نموذجا ً على ظرف المؤلف ولطافة نفسه في تعليقه على منوال الشاعر في الاقتباس ، يقول :

       (( في قصيدة الدمع ، اقتبس من القصص القرآني ، مشيرا ً إلى قصَّة نوح وقصَّتي عيسى ويوسف بقوله :
مـَا أكـثـرَ الشـَوْكَ الـمُؤَلـِّمَ للحَشـَى         فِي ذي البـِلاد وَمـَا أقـَلَّ الـشـِـيْـحـا
عـَمَّ البـلادَ فـَلـَو أنَّ طـُوفـانـا ً أتـَى        هذا الوَرَى ، لمْ يبْق مِنهم ( نـوحا )
قـَالـُوا سَيَحْيا الشعْبُ قـُلـْتُ بُشارة ٌ        فـَلـَعَـلـَّـمـَا بَـعـَـثَ الإلــــهُ مَسِـيْـحـَـا
وَتـَسَـلـَّفـُوا بـِشْـرَا ً برَجعَـة يوسف        أنْ يَـصْـدُقـُوا ، فـَلـْيَنشُقـُونِي الريحا
يا دِيْـمَـة الإصْـلاح رُشـِّي موطني        فعَسَاه يُـنـْبـِتُ مُصْـلِـحـَا ً وَنـَصُوْحَا
…………….

       في البيت الثاني إشارة إلى قوله تعالى [ وقوم نوح لمَّا كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ] سورة الفرقان ، آية ( 37 )  ، وقوله : [ سآوي إلى جبل يعصمني من الماء فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا مَن رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرَقينَ ] سورة هود ، آية ( 43 ) )) .

       وبعدُ فقد نصح طه حسين مرَّة للجيل الطالع الذي يودُّ لو ينتظم في رعيل الأدباء أو ينخرط في سلكهم ، أنْ يديموا تلاوة القرآن ، ويتأمَّلوا في قصصه والبيان الذي أفرغتْ فيه ، وما كان له من أثر في رياضة سليقتهم وتهذيب طبعهم ، واسترسل أكثر مشفعا ً كلماته بشيءٍ من الاجتراء ، أو مغالبا ً خشيته من معارضة المنطق السائد ، ومجانفة بعض الاعتقادات المتزمِّتة ، فأفاد أنـَّه إذا راودَت أذهانهم وساوس تزهِّدهم فيه وتصرفهم عنه ، فلا يوالونَ تصفحه وقراءته ، فليعتدُّه كتابا ً أدبيا ً من هاته الكتب التي يحرصونَ على تداولها ورفد مكتباتهم الخاصة بها ، ويقبلونَ عليها من آن ٍ لآن ٍ ، يجتنونَ منها نصيبا ً من هذه المتعة الفنية التي تنشرح لها النفس ويطيب الفؤاد ؛ وما بالشيء القليل أنْ يقف الأستاذ عبد الهادي الفكيكي على فصاحة القرآن ، وتتشرَّب نفسه بلاغة معانيه وفصاحة بيانه ، لأنـَّه الأساس والأصل في تكوين الأدباء .
MahdiShakerAlobadi@Yahoo.Com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *