الرئيسية » نقد » ادب » غازي سلمان : (روشير)* حسين رشيد تجسيد الحياة بصور الموت

غازي سلمان : (روشير)* حسين رشيد تجسيد الحياة بصور الموت

(روشير)* حسين رشيد
تجسيد الحياة بصور الموت
ترجع رغبة البعض الى تجربة كتابة “قصة قصيرة جدا ” الى التوهم في بساطة فكرتها وحدثها وايجازها، وبتشجيع من اتساع مجالات النشر سواء في الصحف الورقية اوفي المواقع الالكترونية والتواصل الاجتماعي التي بلغت مديات غير مسبوقة، غافلين عن ان تلك البساطة ما هي الاّ وليدة ذلك التشابك المعقد بين مكوناتها وخصائصها الذي سينتج عنه نص صعب متماسك تتمثل فيه جمالية الشعر وادبية السرد وبنائيته، فهي “القصة القصيرة جدا” كجنس ادبي مستقل بذاته تشترك مع بقية الفنون السردية الاخرى في:
(الانطلاق من الفكرة ومعالجتها عبر احداث مركزة تؤديها عوامل وشخصيات معينة وغير معينة، في افضية محددة او مطلقة او المسهبة، وفق منظور سردي معين وضمن قالب زمني متسلسل او متقاطع، وهابط سرعة وبطئا، مع انتقاء سجلات لغوية واسلوبية معينة للتعبير عن رؤية فلسفية ومرجعية معينة )1
ولأنها تميل الى الايجاز والتكثيف اللغوي فلابد وان تلتزم بالبنية السردية وتنحو نحو الحكائية متلافية لغة الشعر التجريدية التي تضمّها لفضاء قصيدة النثر معتمدة على عناصر المفارقة ، والتهكم ، والنزوع الى الأنسنة ،واللجوء الى ثراء الاساطير والعجائبية والغرائبية و الترميز ، الايحاء ، والايهام ، حتى يصل سفرُ النصّ بالمتلقي الى نهاية تتوهج ادهاشا لما فيها من طرافة ومفارقة، وحيرة ومغايرة غير متوقعة ، معتمدة ،على ثنائية عالمين متناظرين او متضادين.
غير ان الكاتب حسين رشيد في مجموعته القصصية ( روشيرو ) وهي باكورته ،قد امتلك وعيا متقدما بعالم القصة القصيرة جدا لما كشفته نصوصه عن مهارات لغوية وسردية ، فاحتوت على تلك الملامح الجمالية لها، كما اظهر براعة في الجمع بين بناء النص الغني برؤيته وخياله ، وما بين الفكرة ,الفكرة المنتخبة كهدف للتعبير، من خلال تقديمه الحدث برؤية ” الفوتوغراف ” الدقيقة للمشاهد المتحركة المتتالية ، وهي تلك اللحظات المتغيرة بأوانها وبانفعالية المعايشة الحميمة لها، فالقصة القصيرة جدا وليدة لحظات زمكانية مستلة من واقع مأزوم، مضطرب ، لحظات تنفصل عن مسار الحياة النمطي ،وتطفر الى غير مساره ، لتبقى مستقلة عن ما بعدها اوعن ما هو قبلها من احداث، فيما ينعدم نمو الشخصية فيها الى حد بعيد، هذه اللحظات التي لا تصلح الا لتكون ثيمة لقصة قصيرة جدا ، اضحت لدى الكاتب حسين رشيد ( لحظات حياة مضغوطة في كبسولة صغيرة ) تفجرّت عن احداث جسام, وقد اعتمد على التكثيف، فكرا ولغة ، رافدا إياها بدفق شعوري فائر اثرى النص بزخم من ديناميكية الايحاء وجمالية الاحالة , فجاءت (روشيرو) فضاءاتٍ، ثيماتٍ متفردات، نصوص ذات رؤى متعددة بخطاب متنوع في رصدها وانتخابها، ساعدته في ذلك مهنيته المتمرسة ككاتب صحفي يمتلك ذاكرة بصرية لما هو لحظي ومحسوس، وبالرغم من انه اشتغل على تلك اللحظات مجسّدا ايضا ما هو عادي ومألوف في سطور متفاوتة الكمّ، الا انه لم يركن الى اسلوبي السرد التقريري والتاريخي، بل تعداه الى توظيف الأسطورة والعجائبي والغرائبي أيضا ، وباستثماره اللغة المكثفة تلك، واحالته اللحظة العابرة والعادي والمألوف الى بنية قصصية، نقل المشهد السردي الى ما وراءه، بمعنى الى أكثر ما يمكن توقعه، أكثر تعقيدا من عادية المشهد ابان واقعيته، ذلك ان:
(ان الاحتفاء بالعادي والمألوف يجعل اللغة المكثفة تميل الى بنية الأسطرة والغرائبية في ثوب الواقعية السحرية، اي اسطرة الواقع من خلال نقله من حالته العادية والمألوفة الى حالة اخرى غرائبية اسطورية )2
منح الكاتب مجموعته القصصية عناوينا لأقسام اختارها لها، كما تُمنح الرواية فصولا معنونة، ومن معطف كل عنوان خرجت سرديات متواشجات بالدلالة وبجمالية الفن القصصي، باسطا فيها وقائع تلك اللحظات المثقلة بخزين ثقيل من مرارة العيش وفجائعية الموت قتلا، ولا معقوليته، مستغرقا في “اناه ” قدر استغراقه في دواخل الذوات السردية التي تنوعت وفق ضمائر روي مختلفة، كضمير المتكلم المخاطب، وضمير الانا ببعده البيوغرافي، وضمير الـ (هو)، وبالرغم مما احتوته النصوص من ايحاءات أيقظتها لغته السردية السلسة والواضحة، بصيغة الإخبار التي تتولد من عملية التفاعل بين تقنيات النص ومكوناته المختلفة فقد ظلت لغته لغة اخبارية ناقلة و:
(مهما اتخذت من صيغ بنائية، سواء أكانت جملة اسمية أم فعلية أم شبه جملة. وسواء أكانت جملة بسيطة مباشرة أم جملة شعرية تحمل انزياحات لغوية.ذلك أن أساس جملة القص يتمثل في عملية الإخبار) 3
ولكي يبعد الكاتب هذه اللغة الإخبارية عن تقريريتها الوصفية النمطية راح يرفد السرد بمشهدية الصورة والحوار والخطاب الدرامي المختزل، كما اعتمد على توظيف الجمل الفعلية لخاصيتها الحركية المتسارعة التغير المرتهنة بامتداد الزمن حيث:
(تعد فعلية الجملة من اهم الاركان الرئيسة للقصة ق. ج الى جانب مجموعة من السمات والظواهر التركيبية واللسانية الاخرى، ويعني هذا ان السرد القصصي قج سرد دينامي بامتياز يقوم على الحركة بالخصوص، سواء أكانت تلك الحركة السردية بطيئة ام متسارعة) 4
وقد تجلى ذلك بوضوح في قصص المجموعة كلها فـ (شقتان) مثلا، وكان القص بضمير المتكلم، ركن الكاتب الى توظيف فاعلية الجمل الفعلية تلك، لترسيم مشاهد متعددة لحدث واحد وإنضاج دراماتيكيته، حيث تتوالى الافعال بعبارات مقطعية قصيرة تفصل بينها الفوارز والنقاط، لالتقاط الانفاس خلال سفر التوسل لنهاية ما . بطل تلك القصة يحاول الانتحار بسبب شظف العيش والعوز المادي، فتولدت لديه فكرة الخلاص التي انتهت باختياره الموت، رحلة للبحث عن راحة أبدية وحياة بديلة، راح فطوق نفسه بحبلٍ للانتحار شنقا لكنه يلمح من خلال نافذته:
(امرأة شبه عارية تتلوى بفراشها في العمارة المقابلة …. أمعن النظر أكثر وأكثر, مرر يده بشكل عفوي على عضوه الذكري واخذ يطلقه بيده..) ص15
لكن الكرسي تهاوى وهو على وشك بلوغ ذروة الانتشاء!
وحين تخوض قصصه فيما هو واقعي ممكن الحدوث، خاضت ايضا فيما هو فنتازي غرائبي وكلاهما تنتهيان بمفارفة غير متوقعة دون ان يتخلى عن ادامة ديناميةِ تلاحقِ المشاهدِ القصيرة بتوظيف فاعلية فعلية الجمل ايضا:
فقصة (مخلوق) التي جاءت بضمير الانا، تحيلنا الى غرائبية مبتكرة، فنتازيا حلمية، يُختطف بطل القصة من قبل جنية وشريرات أربع ويتقاسمن اجزاءه:
(.. انتزعت الجنية قلبي وقالت: سأجعل كل البشر يتذوقونه علهم يتعلمون الحب منه ….) ص 17
نستشعر هنا، ان الكاتب يستفز مخيلة المتلقي بغية تهيئتها لرسم نهاية ما للحدث، الا انه يستبقه، يصدمه، بمفارقة تفرغ ذروة الحدث، تذهله لأنها مغايرة لتوقّعه، المفارقة التي تشير الى المتضادات فتحرك لدى المتلقي رغبة المشاركة في صياغة النص وتخليق ذلك المعنى المغاير المستتر وراءه. فالمفارقة هي:
(العنصر الأهم في بنية القصة القصيرة جدا، لأنها الحامل الأهم في تحريك كمون شحنة اللغة باتجاه الفعل الذي يحرك بدوره أنساق الدلالات بهدف الانتقال من الانفعال إلى الفعل، مشكلا حركة تصادمية تسعى إلى تعميق إحساس المتلقي بالأشياء المحيطة به. لذلك كان من وظائفها التقنية ، تشكيل الصدمة الإدهاشية.) 5
لم تزل ثيمة الموت هي الأكثر تضمينا في الادب السردي عموما، فان تكن حقيقة الموت في الواقع صادمة للعقل بقوة، فهي تصبح في النص السردي أكثر النهايات تعبيرا عن الذهول والدهشة. وحين يستحضر اي كاتب ثيمة الموت في عمله السردي، مستثمرا غنى مفهومه الحافل بالأسرار والألغاز، آخذا في الحسبان تعالقه كحقيقة مع الاوهام ومع فوبيا المخاوف والهواجس والتأملات، وادراكه ما ستعكسه مشاعر الكآبة والالم التي انتجتها رؤيته ككاتب لدي متلقيه ، فانه سيصل بإبداعه الى غايته في خلق عالم خاص يتعايش مع كل اشكال الموت واسبابه، بمعنى ان المؤلف يعيد خلق القتلة في النص مثلما يعيد انتاج هول وآلام الموت، فمثلما للحياة حضور في ادواتها ورمزيتها،يكون للموت حضور بمسبباته ورمزيته التي لا يمكن للعمل الادبي ان يكتمل بدونها، حتى وإن اجتهد المؤلفون في محو الخطوط الفاصلة بين الادب والواقع ، فهم كما يقول “جبران خليل جبران” : (يغمسون أقلامهم في دماء قلوبنا ثم يدعون الوحي)(..).
فالمتلقي لعوالم قصص حسين رشيد سيكتشف ان الموت الذي يجسده كلا من الإرهاب والحرب الذي يشيع الرعب اليومي علنا في واقعنا المعيش، كان ثيمة مركزية دالة لصيقة بالكثير من قصص(روشيرو)، حتى اضحت فضاء يعج بالذكريات ، عاثت فيه فجائع القتل ومشاهد القبور والجنائز خرابا واوجاعا، فبرؤية تراجيدية وتهكمية يقيم القاص بناه السردي ليبدو مثقلا برائحته الزاكمة ونكهته العلقمية وألوانه القاتمة، يتحكم في مفاصل “روشيرو”: “الوطن”، يحفر اخاديده في جسده، يمسك بخناق مفاصل السرد وشخوصه، فارضا شبحيته على حبكات النصوص ليكون دالة رئيسة فيها ، ففي قصة “ثلاجة “ص 132-133 يتجسد الموت في كل من امكنة من بقوا أحياءا وفي امكنة حفظ الموتى “الثلاجة “ايضا ، إذ تنفجر جثة قتيل مغدور ،تم تفخيخها قبلا في ثلاجات (مستشفى الحكومة) لتختلط كل الجثث ببعضها. وفي الشوارع والاسواق، وحتى المقابر ،عالم الموتى، لم يسلم من بشاعة القتل، يفجر الارهابي نفسه في مقبرة كما في قصتي ” حفلة” ص23 و” جنازة ص152 ،ذاك هو مطمح القتلة ومرادهم، هو ترهيب المجتمع ككل من اجل اخضاعه لأمرٍ واقعٍ، هو التعايش مع الارهاب وايدلوجيته . ففي قصة (خيط ):
(الطبيب لاحظ انتفاخ بطنه وهو شيء عادي كون الجثة رميت في العراء، لكن الفضول جعله، يرفع الغطاء، ويفتح أزرار القميص، ذهل، شق على طول بطنه، لحم بخيط، طلب مقصا، فتح الخيط، عقدة بعد أخرى، حتى انتهى منه. شقت البطن على الجانبين، أخرج من داخلها الرأس، واختفى الانتفاخ). ص131
ان القصص التي تضمنها الموتُ انطوت على سخرية سوداء نشأت في ظلها ،مريرة حدّ الوجع الممض جدا ، وهي سخرية واعية لجأ اليها الكاتب،بها يقلب ،محنة الوطن “روشيرو” ،هي نمط التعبير عن فوضى ولا عقلانية عالمه المعيش المتخم بالمتناقضات، وتداعي قيمه النبيلة ، والزيف والقتل الذي بقي ” ماركة مسجلة” على خشبات توابيتنا، والفساد المتوطن ،متوخيا من خلالها فضح هشاشة ذلك العالم بتشوهاته و لـ” نشر غسيله القذر” توغل بجرأة في المسكوت عنه: تابوات العادات السائدة والايمان بالغيبيات التي لم لم تزل فاعلة تقيم مجسماتها المقدسة حفرا في حياتنا، ومن اجل ان يبلور موقفه برؤية مضمرة لغاية اسمى هي الدعوة للتصحيح والتقويم ،ألا ان سخريته منحت مجموعته القصصية قيمة مضافة ساهمت في مزيد من الامتاع فالسخرية عموما تمكّن العمل الابداعي من ان يصل لغايته بسهولة ويسر ،الغاية المتمثلة في خلق عالم اخر اكثر عقلانية يحيل العجز واللاجدوى وانكسار الذات ،الى الشعور بالقوة والتسامي والانتصار، وما تضمين الموت في العمل الابداعي إلا وسيلة للكشف عن الحياة مشبعا ادواته في مداد وجعها والتي تحاول غيلان القتل كبح جماح روحها الفياضة بالنور ، فـ ( ان السخرية هي ذروة الالم) مثلما قال الراحل محمد الماغوط ،كذلك ان :
(…الموت جزء أساسي من الحياة، وإن بدا في هذه الصورة المباشرة نقيضا لها. الموت هو الوجه الآخر للحياة، ذلك حين نسلِّم أمرنا إلى فكرة الثنائيات المتقابلة التي تمنحنا قيمة الأشياء، فقيمة الحياة هي أنها ضد الموت)(6)
وبالتالي فالقصة القصيرة جدا رغم انها تكشف المستور في الواقع والمسكوت عنه ،الا انها لا تفضح كل شيء بل انها تدفع بوعي المتلقي الى معاينة كل شيء.
المصادر
* روشيرو ، مجموعة قصصية ، القاص حسين رشيد ، ط 1 / 2017 دار شهريار / دار الرافدين.
1.د. حسين المناصرة القصة القصة القصيرة جدا رؤى وجماليات، عالم الكتب الحديث، الاردن 2015 ص26. بصيغة PDF
2 د. حسين المناصرة – المصدر السابق – ص ٣٥ – ٣٦
3. محمد داني (ناقد مغربي) مقومات القصة القصيرة جدا عند مبروك السالمي “مقالة”موقع : http://www.zizvalley.com/Article/3158.html
4. جميل حمداوي لسانيات التركيب في ق ق ج – 2016 ط1 ص 33 – بصيغة pdf
5. محمد غازي التدمرني – عناصر القصة القصيرة جدا- مقالة –موقع رابطة ادباء الشام
http://www.odabasham.net
6. د. محمد المحفلي – تشكّلات الموت في الرواية (مقالة)
http://www.n-dawa.com/articles.php?cat=2&id=5806

غازي سلمان
بغداد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *