الرئيسية » فكر » مولود بن زادي : إشكالية الكتابة الأمازيغية.. بأي أحرف ينبغي أن تكتب اللغات الأمازيغية؟

مولود بن زادي : إشكالية الكتابة الأمازيغية.. بأي أحرف ينبغي أن تكتب اللغات الأمازيغية؟

 

إشكالية الكتابة الأمازيغية..
بأي أحرف ينبغي أن تكتب اللغات الأمازيغية؟

الكتابة شكل من أشكال التعبير عن الفكر والإبداع للأفراد، ومظهر من مظاهر الحضارة والرقي للمجتمعات، ووسيلة من وسائل نقل العلوم والمعارف، وسبب من أسباب ازدهار اللغة وانتشارها، وعامل من العوامل المساعدة على بقائها. من ثمّ، انطلقت عمليات «معيرة» اللغة الأمازيغية في بلدان المغرب العربي لإخراجها من الشفوية إلى مقام لغة الكتابة والمدرسة والمؤسسة، لكن سرعان ما ارتطمت بمصاعب، نذكر منها إشكالية الكتابة الأمازيغية والجدل المستمر في الحروف التي ينبغي أن تُكتَب بها، حرفها الأصلي أو اللاتينية أو العربية.
الأبجدية الأمازيغية
«ألفبية تيفيناغ» أو «حرف تيفيناغ» أو «الحرف الليبي» نظام كتابة عرفته الأمازيغية منذ القديم، وله طبيعة أبجدية صامتة. وقد عثر العلماء على منقوشات قديمة تعرف باسم «اليبيقية الأمازيغية» على ضفة البحر المتوسط وفي جزر كناري والنيجر، بعض التقارير يحصي أكثر من ألف نقش. وقد استُخدِم حرف تيفيناغ للكتابة على الصخور والمغارات والكهوف وشواهد القبور والحلي والزرابي، ووشم الجسد، والنقود… وينقسم إلى: الأصناف القديمة: نذكر منها خاصة خط التيفيناغ الصحراوي والليبي الشرقي والليبي الغربي. بيد أنّ النمط الصحراوي هو الذي بقي حيا يستخدمه الطوارق ويُدعى «تيفيناغ». أما الخط الليبي الشرقي والغربي فقد باتا منحصرين في الفنون التشكيلية مثل الزرابي والنقش على الخشب. الأصناف الحديثة: وتُدعى أيضاً الأصناف المولدة، وتم تطويرها اعتمادا على لغة الطوارق مع المحافظة على الحروف التاريخية.

اتجاه الكتابة:

وإن كانت الأمازيغية القديمة كُتبَت في اتجاهات مختلفة، حيث أظهرت المنقوشات كتابة أفقية من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين؛ وأخرى عمودية من الأعلى إلى الأسفل، والعكس، فإن الاختيار قد وقع على الاتجاه الأفقي من اليسار إلى اليمين. ولأبجدية تيفيناغ أنصار في المملكة المغربية والجزائر مثل أستاذ علوم اللّغة في جامعة مولود معمري بتيزي وزو الجزائر، سعيد عامر الذي قال إنّ «اللغة الأمازيغية يجب أن تعود إلى أصلها وحرفها الأصلي، وأن تكتب بالتيفيناغ خروجا من دائرة الخلاف الذي لا معنى له». ويفنّد الإعلامي حسان خلاص ادعاء أنصار الحرف اللاتيني أنّ هذا الحرف معقد ولا يصلح للعلوم والتكنولوجيا: «تيفيناغ أكثر سهولة ويسرا، فـ’الألفباء’ أكثر تلاؤما مع مخارج الحروف، كما أن ما يزيد الكتابة سهولة هو وجود لوحة مفاتيح تيفيناغ للكتابة في الكمبيوتر». (أصوات مغاربية)
الفنان التشكيلي الأمازيغي نور الدين تبرحة يؤيّد هذا الرأي: «الخط الأصلي للغة الأمازيغية هو الأصلح ولا يمكن استبداله بأي حرف آخر… الهوية امتداد تاريخي ولو غيرنا ذلك لفقدت الأمازيغية جل بريقها وتموقعت في حضن أيديولوجية معينة».
الأبجدية اللاتينية
الأبجدية الأمازيغية اللاتينية تتألف من 34 حرفا، ولها صدى أوسع في منطقة القبائل في الجزائر، خاصة في صفوف الكتاب والمثقفين المتأثرين بالثقافة الفرنسية، الذين غالبا ما يستشهدون بجهود الكاتب الفرانكفوني مولود معمري (1917 ـ 1989) الذي أرسى أحكامها سنة 1973. لكنّ التأثير اللاتيني سابقٌ لذلك بكثير، ويضرب بجذوره في أعماق التاريخ، حيث سعت الامبراطورية الرومانية لبسط نفوذها على القبائل الأمازيغية ولم تفلح في فرض لغتها وحرفها عليها. وقد تجلّت النصوص الأمازيغية المدونة بالحرف اللاتيني أثناء الاحتلال الفرنسي، الذي سعى لرومنة العربية والأمازيغية معا. وإن فشل في استبدال الحروف العربية المتينة، فقد وجد في الأمازيغية أرضاً خصبة.
مولود معمري نموذجاً
يعتقد أنصار اللاتينية أن الحرف اللاتيني سيحرِّر الأمازيغية من رواسب الماضي ويعجّل بتطويرها مقارنة بالحروف الأخرى. ورغم جهود مولود معمري إلاَّ أنّه لم يكن يتقن تيفيناغ ولا اللغة العربية ولم يكتب إلا بالحروف اللاتينية، ليكون استنتاجه عادلا. ثم إنّ العالم الأمازيغي شاسع ومتنوّع، فهل سيخضع مصير لغة عمرها آلاف السنين وتشترك فيها شعوب كثيرة وتُكتب بحروف متعددة، لاستنتاج فرد واحد؟ أم أنه يكون بالتشاور مع لغويي مختلف الفروع وبإجماع؟
الحروف العربية
تشترك الأمازيغية والعربية في الوسط البيئي والتاريخ. فالأمازيغية تُكتب بالحروف العربية منذ القرن الثاني عشر والثالث عشر. فقد ترجم ابن تومرت كتاب «التوحيد» إلى الأمازيغية مستخدماً الخط العربي. وفي القرن الثامن عشر، نُشرت كتابات أمازيغية بالخط العربي في منطقة سوس مثل أشعار سيدي حمو الطالب، ومنها:
«ايرحم ربي سيدي حمو طالب باب نومارك إينا
إلا أوزمز ح ياكا يان إلا أوزمزان ح إيقاي
إلا أوزمز ح يوف أومداكل ف ربي كَماتون
الموت شكرح إربي لكمي كان دلملك
ملا تكَيت بنادم سلان إجميلن دواوال…»
وكانت الزوايا الجزائرية في منطقة جرجرة تستعمل الحروف العربية لتدوين الشروح والتفاسير الدينية والأشعار عند الزواوة لأجيال.
العربية قادرة على احتواء الأمازيغية
فتدوين الأشعار والشروح والتفاسير وغيرها بالخط العربي دليل قاطع على إمكانية كتابة الأمازيغية بالحروف العربية. وهذا ما يؤيده أيضاً الباحث الأمازيغي أرزقي فرّاد: «قبل 14 قرنا كتب أجدادنا الأمازيغ الفقه المالكي بالحرف العربي، وهناك مئات المخطوطات الشاهدة.. أرى اللغة العربية قوية جدا لاحتواء اللغة الأمازيغية». مضيفاً: «شخصيا لا أتصور مستقبلا للغة الأمازيغية خارج الخط العربي لسبب بسيط وهو ظاهرة الاقتراض لأنها اقترضت الكثير من المفاهيم والمصطلحات من العربية وبقت مستمرة بفضل هذا التواصل الذي لم يكن موجودا بين الأمازيغية واللاتينية» (أصوات مغاربية)
وهذه العلاقة المتينة بين الأمازيغية والعربية جعلت الباحث اللغوي محمد سي الحاج يختار الحرف العربي لترجمة «معاني القرآن الكريم» إلى الأمازيغية في 2005. وهو من قال: «الحرف العربي يستطيع تأدية كل الأصوات الأمازيغية.. البحر يقابلها «إذبحر» أو البر يقابلها «اذبر»… وأكثر من 75٪ من كلمات الأمازيغية أصلها كلمات عربية»! الشاعر الأمازيغي أحمد سليم ايت واعلي أيضاً يؤمن بالبديل العربي: «حتى نخطو خطوة نحو الأمام يجب كتابتها بالخط العربي».

إنّ ما أفرز إشكالية الحروف في الأمازيغية هو أساساً انعدام القناعة والثقة بحروفها، وهي من أسسها وجزء منها، إضافة إلى الصراع الأيديولوجي الذي تخوضه أطراف، بعضها لا يدافع عن الأمازيغية بقدر ما يدافع عن اللغة الأجنبية التي يفكر بها. وبعضها لا يدافع عن الحروف اللاتينية إلاَّ انتقاماً من العربية التي يعتبرها «لغة غزاة»، مُؤْثرا الغزو الفرنسي على العربي، وليس لعجز العربية. رغم تعاقب القوى الغازية وسياسات الإدماج والتجنيس عبر العصور، فقد حافظت الشعوب الأمازيغية على لغاتها ونظام كتابتها الذي توارثته عن الأجداد وحمته من سهام أعظم قوة في التاريخ، الإمبراطورية الرومانية. فهل ستكون نهايته طعنة واحدة بأيدي ثلّة من الأساتذة والإعلاميين وآخرين من بني جلدته، حكموا عليه بالعقم والعجز حتى قبل تطويره واختباره؟

الإشكالية لا معنى لها لأنّ الأمازيغية تملك أبجدية خاصة منذ آلاف السنين تعفيها مشقة البحث عن بديل. وكل ما تحتاجه مزيدا من الاكتشاف والفهم والتطوير والتطبيق في الواقع. ثمة نماذج عالمية ناجحة رغم صعوبتها، أحياها أهلها ولم يستبدلوها بالحروف اللاتينية مثل العبرية واليونانية والروسية والكورية… فهذه السنوات الطويلة التي ضاعت في الجدل، كان بالإمكان استغلالها للتركيز على الخط الأصلي وإلقاء الضوء عليه واكتشاف أسراره وإدراك عبقريته وتطويره واختباره بعقول متفتّحة بدون تسرع إلى إصدار أحكام. فهذا الخط أولى لأنه خاص بهذه اللغة، ولم يختره الأجداد عبثاً وإنما لغاية ما. ولعل التجربة الصينية أفضل نموذج لإثبات إمكانية استخدام الخط الأمازيغي. فالصيني المثقف يحفظ نحو 4000 رمزاً، ولما كان من الصعب تسجيل كل هذه الرموز على الكومبيوتر، استعان الصيني بالأبجدية اللاتينية كعاملٍ مساعد وليس لتعويض رموزه التي تبقى نظام الكتابة الوحيد، يجمع كل اللغات الصينية.
سيكون من الخطأ التسرع إلى فرض حرف أجنبي بدون إجماع، في وقت يتوفر فيه خط أصلي قابل للتطوير والاستغلال. ثمة احتمال مواصلة الفروع الأمازيغية الأخرى استخدام الحرف العربي (منطقة بني مزاب والشاوية)، والتيفيناغ (الصحراء)، إضافة إلى احتمال استمرار إشكالية الحروف لأجيال، أو عودتها في الأجيال المقبلة. ثم ما الذي يمنع الأجيال القادمة من إلغاء الخط الأجنبي والسعي لاستعادة حرفها المفقود، فالتخلي عن التيفناغ لا يعني محوه من الوجود.
مولود بن زادي كاتب وباحث لغوي – بريطانيا

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *