الرئيسية » مقالات » استذكار صاحب أول نشيد وطني..فريد الله ويردي رائد الموسيقى الكلاسيكية فـي العراق (ملف/9)

استذكار صاحب أول نشيد وطني..فريد الله ويردي رائد الموسيقى الكلاسيكية فـي العراق (ملف/9)

استذكار صاحب أول نشيد وطني..فريد الله ويردي رائد الموسيقى الكلاسيكية فـي العراق
جمعة اخرى مميزة في اصبوحات بيت المدى بشارع المتنبي حين احتفت بموسيقي رائد من الموسيقيين العراقيين المهمين هو فريد الله ويردي صاحب اول نشيد وطني بعد ثورة 14 تموز 1958 . وهو من المشاركين ايضا في تأسيس فرقة الانشاد العراقية والسمفونية الوطنية العراقية . وحاول تأسيس اول اوبرا عراقية .. لكن المحاولة لم تفلح بسبب الضغوطات السياسية التي مورست ضده . ثم غادر العراق مهاجراً الى الاردن ثم ايرلندا وتوفي هناك في عام 2007 بعد مرض عضال ومعاناة شديدة من الغربة . والله ويردي من عائلة مسيحية تعد الاشهر في كركوك لكنه قضى معظم حياته في بغداد مشاركا في التأسيس لموسيقى عراقية اوركسترالية بعد ان صار من أمهر الفنانين في العزف والتاليف .

وبالرغم من تفوقه لكن العراقيين لم يعطوه حقه ولم يثمنوا دوره . بل حورب حربا لاهوادة فيها لاسباب سياسية وشخصية ، اذ حقد عليه بعض خصومه لاختلاف مدرسته الفنية عن اساليبهم وافكارهم ، خصوصا عندما لحن النشيد الوطني وهو غير السلام الوطني . وقد نال لحنه اعجاب الزعيم عبد الكريم قاسم ما حدا بالقوميين الى ملاحقته بعد انقلاب 8 شباط 1963 .
وفريد الله ويردي يمثل مدرسة بارعة في الفن الموسيقي الراقي الذي يهذب النفوس ويسمو بالانسان الى مصاف عليا لايبلغها الا المتصوفة في مناجاتهم الروحية . ولد وعاش طفولته وشبابه في العراق ، واستهوته الموسيقى وفنونها الرحبة منذ كان طفلا ، اذ تعلمها منذ نعومة اظفارة على يد والدته الارمنية القديرة والمثقفة .
وساع بلاد العالم وتعلم في ايطاليا وروسيا وفرنسا والولايات المتحدة الاميركية على أيدي امهر الأساتذة والموسيقيين الاوركستراليين العالمين . وحصل على عدة شهادات وميداليات وجوائز في الموسيقى النظرية والتطبيقية.
وعمل في العراق ردحا طويلا من الزمن وكان من المؤسسين للفرقة السيمفونية العراقية مشتركا مع ابرز واعظم الموسيقيين المبدعين العراقيين من ذوي السمعة العالية .. وكان يثني على دور الشريف محي الدين حيدر الذي يعده ابو الموسيقى المتطورة في العراق .
قدم للاحتفالية السيد حيدر شاكر اذ قال شكرا للمدى على متابعتها الثقافية واحتفائها بالرموز الثقافية العراقية . ونحتفل اليوم بموسيقي كبير اسهم في تشكيل تاريخ الموسيقى العراقية من خلال نشاطه ونتاجه وهو الموسيقار فريد الله ويردي وهو قامة سامقة في مجال الموسيقى العراقية منذ خمسينات القرن المنصرم وحتى وفاته في عام 2007 متأثرا بالمرض والغربة اذ عاش سنواته الاخيرة في دبلن بأيرلندا .

فريد الله ويردي اثناء جمع التراث الموسيقي الشعبي العراقي

علم الهارموني
** ثم انتقل الحديث الى الدكتور طارق حسون فريد الذي قال عن الله ويردي اثمن مؤسسة المدى لاستذكاراتها الدائمة لرواد الادب والفن في العراق. في عام 1958 – 1959 في الفصل الدراسي الثاني كنت طالبا في صف يدرسنا فيه الفنان فريد الله ويردي . وكانت محاضرتي الاخيرة عنده في 8/ 11/ 1958 بعدها حصلت على زمالة دراسية الى جيكو سلفاكيا .. وكان فريد يدرسنا نظريات الموسيقى العالمية ، ويتناول في محاضرته مادة علم الهارموني ومباديء هذا العلم الموسيقي الذي كنا نرغب بدراسته منذ كنا في قسم الموسيقى الغربية ايام كنت في معهد الفنون الجميلة في الخمسينات . وقد سنحت لنا الفرصة نحن طلبة الصف الرابع بالدراسة على يد الكثير من الاساتذة العائدين من الغربة بعد حصولهم على الشهادات العليا بعد ثورة 1958 ما أتاح لنا الفرصة للتعلم ومعرفة الكثير من الجديد في العلم الموسيقي من هؤلاء .
وكانت مبادئ علم الهارموني التي درسنا اياها فريد الله ويردي مادة مبسطة وجعلنا نفهمها بيسر لطريقته الجميلة في التعليم وايصال المادة للطالب . مما جعلنا نتعلم العزف العملي والتربية الموسيقية والسمع والصوت وسماع المؤلفات لكبار الموسيقيين العالميين . وقد يسر لنا ذلك معرفتنا لعلم الهارموني التي درسنا اياه فريد الله ويردي ,
بعد الانتقال الى الدراسة في جيكوسلفاكيا لم نلق صعوبات في دراسة علم الهارموني التي درسناها في اربعة كورسات عند فريد الله ويردي .
ان فريد كان احد الطلبة المبعوثين الى فرنسا لدراسة الموسيقى مع ارام تاجريان وبابوخيان الذي درس الى ايطاليا , وكذلك البعض الاخر ممن درس في اوربا . وحين عادوا كان ذلك بداية بشارة وامل لتعليم الطلبة في العراق الموسيقى على نحو جيد ، بما يشبعهم من العلم الجديد الذي تعلمه هؤلاء وسينقلوه لنا نحن الطلبة ، والإسهام في النهضة الموسيقية التي حدثت في العراق. وبالرغم من دورهم هذا فان الظروف لم تكن مهيأة كما ينبغي لغياب التخطيط وغياب الدعم الاداري والمالي لوزارة المعارف آنذاك، وكذلك لتقلب الاوضاع السياسية واشتداد الصراع بين القوى الوطنية. مما حال دون انتشار الوعي الموسيقي والتربية الموسيقية وتطورها في العراق .

مجموعة موسيقى الحجرة التي أسسها الموسيقار فريد الله ويردي

واضاف د طارق : –
بعد اكمال الله ويردي دراسته في فرنسا وعودته الى العراق درس في معهد الفنون الجميلة بالقسم الغربي المسائي لعدم وجود دراسة صباحية في المعهد . ثم ذهب الى موسكو ودرس الموسيقى ايضا, وكذلك درس في الولايات المتحدة الاميركية . وبعد عودتي من الدراسة في جيكوسلفاكيا التقيته في اكاديمية الفنون الجميلة عندما كان محاضرا للتذوق الموسيقي . ثم انتقل الله ويردي الى مديرية النشاطات الطلابية في جامعة بغداد. وقد زارني الله ويردي في منزلي لغرض التعرف على تفاصيل دراستي في جيكوسلفاكيا والتعرف على اطروحتي التي قدمتها هناك . وقد وجدت فيه اطلاعاً كبيرا على العلوم الموسيقية على نحو عام بالرغم من انه تخصص بالعزف على آلة الفيولا .
وكان احد العازفين المتميزيين منذ كان طالبا في معهد الفنون الجميلة واشترك بالعزف مع فرقة بغداد للهارمونك وذلك قبل تاسيس الفرقة السمفونية الوطنية العراقية التي تاسست من قبل اساتذة وطلبة المعهد بقيادة الفنان الروماني ( سامي اولفو ) وكنت استمع لتمارين الفرقة في الطابق الثاني من بناية المعهد في الكسرة . ولدي صور عديدة للفرقة وأعضائها وكان ويردي احدهم .
وكان في نيته فتح وتاسيس المركز الوطني للموسيقى ووضع له منهجا خاصا في تفاصيله، وكنت احد الذين كلفهم ويردي بهذا المشروع وحضرت جلسات الاجتماعاتت لكن المشروع اصطدم في الثمانينات بالادارات العقيمة التي حالت دون اكمال المشروع.

وقال الموسيقي جمال عبد العزيز :
لا يماري أحد في ان الموسيقار الراحل فريد الله ويردي كان من ابرز المؤلفين الموسيقيين العراقيين الذين عملوا على إنهاض الثقافة الموسيقية العراقية المعاصرة. وقد احتل مكانه في طليعة الحركة الموسيقية الكلاسيكية في العراق. وكان أول مؤلف موسيقي، وربما الفنان المعاصر الوحيد ، الذي حاول بالرغم من انظمة الطغيان في العراق ان يتجاوز بإرادته الابداعية حدود وطنه وان يقدم نتاجاته على الساحة الموسيقية العالمية. فعُرفت مؤلفاته في الولايات المتحدة وفرنسا واليابان وروسيا وسويسرا وسورية ومصر والعديد من بلدان الشرق الأوسط في الحفلات الموسيقية وبرامج الاذاعة والتلفزيون.
لقد كرس فريد الله ويردي جل تأملاته وجهده للبحث وكشف الاساليب المميزة للموسيقى المعاصرة بغية ليس ابداع لغته الموسيقية الخاصة به فقط، بل لأستحداث قاعدة يمكن ان تقوم عليها التوليفات الممكنة بين منظومتين مختلفتين ومجموعتي تقاليد موسيقية متباينة هما : الاشكال الموسيقية في الحضارة العربية – الاسلامية والاساليب المميزة للموسيقى المعاصرة العالمية كما ان أعماله الموسيقية تمثل محاولة لإكتشاف العناصر الجمالية والثروة الموسيقية الكامنة في الاوزان المستخدمة في مقام (الصبا) أشهر المقامات العراقية، وبعض الابعاد النصية والإيقاعية
وتمتد جذور موسيقى فريد الله ويردي عميقا في تربة الفولكلور الشعبي والتقاليد الكلاسيكية. وقال مرة “.. إنني اصبو الى أن أنجز ولو مرة واحدة عملا يمثل موسيقى عراقية معاصرة جديدة – أي ابداع شكل ذي بنية فوقية يقوم على أسس جمالية وموسيقية تتجاوز حدود السمات الوطنية. (infra-national)
وأستخدم فريد في اعماله الموسيقية المقام الاثني عشري مقترنا بمقام الربع( شكل اللحن العربي القديم)، وفترات السكون ذات الوظائف البنيوية و”دق الخشب” لاستحداث صوتين مختلفين في القرع ( محاكاة القرع في الآلات الضاربة كالطبل والدنب ) . وكان فريد الله يتمتع بحس فطري في التأليف الموسيقي للآلات الوترية،لأنه تعلم العزف منذ البداية على الكمان والكمان الكبير(الفايولا)، وشارك في العزف مع رباعي الوتريات في بغداد. ولابد من الأشارة إلى أنه بينما كان يقوم بدراساته النظرية والتطبيقية في الموسيقى واصل التعليم الجامعي في كلية الحقوق التي تخرج منها في عام 1948. وكان يتقن عدة لغات ( العربية والفرنسية والانجليزية والروسية والتركية وشيئا من اللغة الكردية). وقد نمّا هذا لديه الحس المنطقي الذي ساعده لاحقا في تشكيل افكاره الجمالية في الموسيقى العالمية. عموما وفي تقاليد الموسيقى التقليدية العراقية بشكل خاص
وكان يؤمن بأن تطور الموسيقى الجادة عموما والبعد الابداعي لها بصورة خاصة يمثلان احد اكبر التحديات التي تواجه الثقافة في الاقطار العربية، حيث اننا ما زالنا متخلفين في هذا المضمار عن ركب البلدان المتقدمة ثقافيا واقتصاديا، وذلك بالقياس الى ميادين الثقافة الاخرى كالدراما والفنون التشكيلية.
وشارك فريد الله ويردي في العديد من المحافل الموسيقية الدولية في موسكو وباريس ووارشو والقاهرة والما-آتا ودوشنبه حيث نوقشت قضايا الموسيقى التقليدية (المحلية) والمعاصرة. كما ألقى المحاضرات حول مختلف القضايا القضايا الموسيقية وبالاخص تلك المتعلقة بمشاكل التوليف بين مختلف الثقافات الموسيقية والتعددية الثقافية والأممية ذات السمات المميزة من أجل تشجيع عملية التفاهم المتبادل بين الافراد الذي ينتمون الى مختلف الحضارات.

قحطان جاسم جواد

*عن رابطة المرأة العراقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *