أحمد الباقري : علي السباعي: صوت البراءة في الزمن المدنس

علي السباعي:
صوت البراءة في الزمن المدنس
أحمد الباقري
ناقد ومترجم

جريدة (طريق الشعب) العدد 2002 في 10/7/2006

قد تختار العناية الإلهية أنساناً مرهف الاحساس، متمرداً على أوضاعه الإنسانية منذ تفتح وعيه بالعالم المعاش، مسكوناً بهاجس التغيير ومد الجسور الجميلة والمتينة الى الآخرين لانتشالهم من حمأة العبودية ورفع أصواتهم المعروفة في سماء صامته كي تلبس الحرية وتتهادى في امادها كي يبلغ الانسان ذلك السمو الروحي الذي وعد به الله المؤمنين به والمستشهدين في محرابه.. قد تختار العناية الإلهية مثل هذا الانسان المدجج بالألم والأمل والشجن والأسى وأفراح الحياة الصغيرة ليكون شاعراً تخر له الجبابرة صاغرينا كما قال بشار بن برد من قبل، أما عندما يتبلور الوعي الاجتماعي في إنسان غض التجربة، وينز الواقع بمآسيه وآلامه فلا يجد سوى القصة القصيرة ملاذا له ومرآة يعكس فيها وجوه الواقع العديدة.. القبيحة والجميلة.
كانت خطوات علي السباعي الاولى في طريق القصة مترددة وجلة، كان يمتلك ذخيرة كبيرة من الآلام والتطلعات والنزوات لا يعرف كيف يصيبها في وعاء أدبي.. فكانت القصة القصيرة هي ذلك الوعاء المقدس. لقد آلى على نفسه، منذ نعومة أظفاره، يكون قاصاً.. لقد راقت له شهرزاد في الالف والواحدة وأراد أن يردد صوتها بتغاير لما يسفح على أديم الادب القصصي من سرد عشوائي عن واقع ملتبس محير. عاش في ظرف يختنق فيه صوت الانسان الحر فأراد ان يسير في طرق الحق، ذلك الطريق الذي وصفه الامام علي بن ابي طالب (ع) بأن سالكيه قلة لأنه طريق موحش ووعر، أراد علي السباعي أن يتمايز عن اقرانه من قصاصي التسعينيات الذين باعوا ضمائرهم واصواتهم المبحوحة الهشة للطاغية، فجملوا العالم البشع الذي صاغه الطاغية صدام حسين بحروبه المجنونة وزاد من قسوته وبشاعته في اقفاص الحصار التي دجنت الانسان العراقي وجعلته قرداً يبارك جلاده كلما وهبه من فتات موائده الفاخرة، وقد خرج الكثير من الشرفاء من تلك الاقفاص وأشاروا الى ملابس الامبراطور الجديدة وهتفوا بجرأة: ان الامبراطور عارٍ.. لقد عرى علي السباعي ذلك الامبراطور الذي كان يقهقه فوق جثث ضحاياه ويمسد بلذة متشفية على مسدسه الذي قتل به رفاقه وابناء شعبه الذين رفعوا اصواتهم ضد ظلمه الفادح.
ماذا يفعل علي السباعي في هذا المستنقع النتن؟ كيف يعبر عن مآسي الشعب في زمن الحصار عندما كان يقرأ ترهات الكتبة وسفاسفهم التي كانوا يدبجونها كي لا يجملوا وجه الحصار وكي يجعلا مكابديه من البشر الذين تحولوا الى حيوانات مدجنة بشرا متفوقين على آفاقهم المدلهمة الجهمة وأن ينفخوا في ارواحهم شموخاً زائفاً.
عزل علي السباعي ذلك الواقع المزيف الذي أخترعه كتبة الطاغية وشرع يبني عالماً من الرموز التاريخية والاجتماعية وحكايات من التراث الشعبي التي تمتلك دلالات عميقة وتشير بجرأة وحميمية لذلك الواقع الشرس.. واقع الحصار.
لقد تفتحت عينا علي السباعي على ذلك الواقع.. راجع مسار القصة العراقية، فلم يجد فيها ما يشفي غليله من الرموز التي تفضح تلك الجرائم البشعة التي ترتكب بحق الشعب وقتئذ رجاله ونساءه وأطفاله بشعارات كاذبة واهية تتهاوى تحت مطارق الحرب والحصار. لجأ الى دروع حصينة تقيه بطش الطاغية ورقبائه الجبناء المزيفين كي يرسم بانوراما لمآسي الشعب الذين يكابدون قسوة الحصار والموت المجاني الذي ذاقوه بمرارة وشظف العيش المرير الذي حوصروا به في ذلك الزمن، وأختار من الحكايات الشعبية ما يتألف مع مجريات الواقع البشع فكانت ترجيعا تأسيانه يتردد في ثناياها أنين الوجع وآهات الاضطهاد.
كانت رموزه الدينية تعكس خيانة أولي السلطة وبشاعة أفعالهم ودنس تهاملهم اللاإنساني مع ابناء شعبهم حين ساموهم ألوان العذاب وجعلوا منهم مختبرات متأكلة يجرون فيها تجاربهم الشيطانية على نفوس اذبلتها ضراوة الجوع وأنهكها فداحة العوز، فباعت بعض النساء شرفهن لإطعام أطفالهن.. ولجأن الى الغش في الاسواق وكانت الدعارة بيرقاً مهلهلا ترفعه النساء المكابدات لقسوة الحصار، ولم ينس علي السباعي انتهاك مدينته حين رمز لها بالفتاة ناصرية التي أراد ان يغتصبها الطاغية عرودة.
ونجد في قصصه جواهر من آيات الكريم طعم بها متنه القصصي وكانت الآيات صدى صادقا وحميما لما يجري في ثنايا ذلك الواقع البائس المثقل بالمآسي والجزع والقتل والاغتصاب والموت الجاني. كان يتأسى على موت البراءة ويرفع اظلم حين جعله يرتدي اثواب الرموز المنبثة بذكاء وبحذق في متونة القصصية. لم يشأ ان ينال هبات الطاغية الفاسدة، بل أراد ان يعلق وسام الشرف على صدره حين يمنحه المضطهدون ذلك الوسام ويباركون صوته الذي جمع اصواتهم الواهنة وجعله نفيراً يقض مضاجع الطغاة. كانت رسالته التي بعثها عبر نصوصه القصصية.
ان يفضح تلك الجرائم البشعة ويكشف المستور من مكابدات ابناء الشعب العراقي كي تكون وثائق يعلقها التاريخ على بواباته الابدية. فحري بنا ان نبارك رسالته وأن نرمم صهوة المجد التي أعتلاها بمراياه الأسيانة بعد أن حجبها عنه الطاغية البغيض وكتبته المزيفين ليكون نجمةً وضاءة في سماء القصة العراقية وصوتاً شريفاً يدمج في ثناياه نواح الضحايا وعويل الثكالى والارامل واصوات المعذبين في زمن حصار شرس، لم يرحم الابرياء والشرفاء والصادقين.
في قصص علي السباعي صوت الصدق العاري وامثولاته النزيهة وألوان من مكابدات ثرة توزعت على اجساد أنهكها الحصار ونفوس غادرت مباهجها في حمأة الظلم والاضطهاد. أن لنا ان نجعله يستقيظ من كوابيسه وأن ندخله في فردوس المجد الذي صنعه بذوب أعصابه وبعرق جبينه الذي لم يسجد لطاغية، فكان وجهه ابيض بين وجوه بيض خرجت من نفق الحصار، وتألقت في سماء الادب الملتزم بعدالة حقيقية تسبغ على عوالم العراقيين وجعلت الشرف أقنوماً يحتذى به في زمن النفاق والدجل الذي حل في الادب العراقي أبان الحصار.
يكفينا فخرا أنه لم يصافح الظلم الذي احاق بأجيال العراقيين وجعل من العدالة نبراساً يضيء له دربه اللاحب.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : مناحي التميّز وطرائق اشتغال السرد في رواية “اوراق لخريف أحمر” للروائي تحسين علي كريدي .

ترتبط طرائق السرد ارتباطا وثيقاً بنظام ترتيب احداث القصة والتقنيات الزمنية المستجدة والتي تختلف طرائق …

| غانم عمران المعموري : الفعلُ الزمنيُّ ولحظة القبض على السياق في رواية ” البدلة البيضاء للسيّد الرئيس” للروائي  والشاعر والناقد علي لفته سعيد .

اتخذت الرواية العراقية التجديدية اتجاهاً حداثوياً متمرّدًا على القوالب الجاهزة والأُطر الضيقة والأفكار الغربية الدخيلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *