أ.د. نادية هناوي سعدون : دوامة إخفاق الذات في تطلعها للآخر منقذا قراءة في نصوص (اسحب وجهك من مرآتي)

دوامة إخفاق الذات في تطلعها للآخر منقذا
قراءة في نصوص (اسحب وجهك من مرآتي )

أ.د. نادية هناوي سعدون
كلية التربية /الجامعة المستنصرية
ملخص البحث
يشتمل هذا البحث على دراسة نقدية لنصوص المجموعة الشعرية ( اسحب وجهك من مرآتي ) للشاعرة الأردنية ميسون جميل شقير ..
وقد أسفرت الدراسة عن قراءتين إحداهما أفقية شملت النصوص جميعها ، وثانيهما قراءة عمودية لأحد نصوص المجموعة وهو نص (سفر ) وقد وسمنا تلك القراءة بالعمودية في إشارة إلى بنائية الطرح المنهجي الذي وظف في التحليل والإجراء على صعيدي البناء والمضمون ..
Failing personality in the looking to anther one
Reading in a poetry texts

A. M. D. Nadia Hanawai Saadoun
college of Education / University of Mustansiriya

Abstract
This study includes critical readings in the poetry texts ( ashab waghak mn mraty) for Maisun Jamel Shoqer .
There are two readings one of them is horizontally and the second is a vertically by following the structural method ..ـ1ـ
العنوان والإهداء
يعد الشعر إبداعا حين يتمكن من اختزال الأفكار والإيحاء بالمراد بلا تصريح ولا تقرير. والشاعر الحق هو القادر على تنويع أساليبه الشعرية ، كأن يعمد إلى صياغة انساق بنائية مختلفة في قوالب شعرية متعددة على هيأة قصيدة النثر قصيدة النص أو قصيدة الومضة أو قصيدة الشعر أو بالمزاوجة مع الأجـــــناس النثرية كالقصة والدراما والملحمة والمسرحية وغيرها .. فـ” الشعر ليس وقــفا على شكل أو نوع معين انه رؤية للعالـــــم وتجربة روحية أكثر مما هو فــن ومجــموعة طرائق كما أن التجربة الداخلية للشاعر وموقـــفـه أمام الكـــــون، هما اللذان يحددان الشكـــل الشعري الواجب استخدامه ”
وهذا ما حرصت الشاعرة ميسون جميل شقير على ارتياده في مجموعتها الشعرية ( اسحب وجهك من مرآتي ) الصادرة عن دار بعل / دمشق في طبعتها الأولى 2009.
وتكشف نصوص هذه المجموعة ـ التي حازت على جائزة المزرعة ـ عن رغبة الذات الشاعرة في الانطلاق نحو آفاق رحبة بحثا عن الحرية في تطلعها نحو الآخر منقذا والهدف دائما هو الانفلات من قيود الزمان ، فضلا عن الولع بمقاومة قيود المكان بأشكاله المختلفة..
وغالبا ما يكون سبب هذه المقاومة ارتباط المكان ” ارتباطا لصيقا بمفهوم الحرية ومما لا شك فيه أن الحرية في أكثر صورها بدائية هي حرية الحركة ويمكن القول أن العلاقة بين الإنسان والمكان من هذا المنحى تظهر بوصفها علاقة جدلية بين المكان والحرية وتصبح الحرية في هذا المضمار هي مجموع الأفعال التي يستطيع الإنسان أن يقوم بها دون أن يصطدم بحواجز أو عقبات أي بقوى ناتجة عن الوسط الخارجي لا يقدر على قهرها أو تجاوزها ”
وقد يكون من الموجبات النفسية والاجتماعية لمثل هذا الشعور ” اعتداد الإنسان بنفسه وشعوره بالعجز إزاء ما يجهله أو يفلت إخضاعه للمنطق أو أنها محاولة كبرى للتحديد من عقل مقيد ذي أبعاد لا يستطيع أن يتجاوزها ويؤمن بأشياء ليست حتما أو شرطا في مظان منها : الطول والعرض والبداية والنهاية والولادة والفناء ” .
ولما كان للعنوان أهمية سيميائية على المستوى الكتابي فانه يعد ” من بين أهم عناصر المناص النص الموازي… فجهاز العنونة .. مجموع معقد أيضا أو مربك وهذا التعقيد ليس لطوله أو قصره ولكن مرده مدى قدرتنا على تحليله وتأويله ” ..
ولا عجب أن العنوان ليس مجرد حلية تزيينية تستهل بها النصوص إنما هو بنية قائمة بذاتها ، من هنا فان أول ما يغري في هذه النصوص ويميزها هو بنية العنوان الرئيس التي اختيرت لتؤسس بنية العناوين الفرعية الداخلية والتي حُددت لها خطوط معينة وأشكال مختلفة عن المتون المعنونة .
ولما كان عنوان ( اسحب وجهك من مرآتي ) عنوانا رئيسا بوصف هذا الأخير ” مجموعة العلامات اللسانية من كلمات وجمل وحتى نصوص قد تظهر على رأس النص لتدل عليه وتعينه تشير لمحتواه الكلي ولتجذب جمهوره المستهدف ” ، فانه أيضا كان عنوانا فرعيا لأحد نصوص المجموعة وهو كذلك سطر في متن النص نفسه ، ولعل هذا يدلل على ولع الذات بمواجهة الآخر ومقابلته أصلا وفرعا ، فالآخر بالنسبة إلى الذات هو الملهم والمؤازر في رسم صور وجدانية حالمة ..
ومن ثم نجد الإهداء محيلا إلى ارتباط الذات بنصفها الآخر / الأب :( إلى من أورثني ملامحي وكل هذا الوجع إلى والدي .. ) .
ونلحظ أن هذا الإهداء هو مناص نثري افتتاحي ونعني به ” كل ما يجعل من النص كتابا يقترح نفسه على قرائه أو بصفة عامة على جمهوره فهو أكثر من جدار ذو حدود متماسكة ” ؛ أو بعبارة أخرى هو ” تلك المنطقة المترددة بين الداخل والخارج المصاحبة لنصها والمعاضدة له شرحا وتفسيرا فالمناص نص ولكن نص يوازي نصه الأصلي …. فالمناصية هي ما تجعل من النص كتابا يقترح نفسه .. على قرائه خاصة وجمهوره المستهدف عامة ” .
ومن المعلوم أن ” الإهداء هو تقدير من الكاتب وعرفان يحمله للآخرين سواء كانوا أشخاصا أو مجموعات واقعية أو اعتبارية ” ، فيكون هذا النوع من الإهداء إهداء خاصا وليس عاما والوظيفة المتوخاة منه هي وظيفة تواصلية تداولية بين المُهدي والمهدى إليه ..

ـ2ـ
قراءة أفقية لنصوص المجموعة
إن قراءة افتتاحية لنصوص مجموعة( اسحب وجهك من مرآتي ) توحي للقارئ أنها نصوص نثرية في هيأة خطابات شعرية فيها التكثيف والاختزال الموشى بحركية درامية تشيح السكون جانبا لتتداعى الفعلية الآنية كما في نص ( اسحب وجهك من مرآتي ) إذ نجد الأفعال ( ترى ، سأحمي ، يرعى ، يعبث ، أمشط ، أجد ، ينعس ) :
يا أنت
اسحب وجهك من مرآتي
حتى أمشط شعري
كما يتآزر ظرف الزمان /الآن مع ظرف المكان /بعد ليكون الناتج المتحصل هو تآزر الطبيعة مع الأنا وكل ذلك بتأثير الآخر :
باغتني
كالأرض حين يداهمها
أول مطر في السنة
رائحتي
وشت بعطشي
وتتحول لغة الأنا التي سادت في النصوص السابقة إلى لغة لخطاب الآخر في نص (فأس) الذي تتعالق معه مفردات ( زرع /جوع / ثمر / عطش / ارتوى / الأرض / أغصان / جذع )
كما يوظف التشبيه في نص (موجع أنت) وتعلو النبرة الخطابية في نص ( لزج هو حزنك ) ونص (أنت لي ) ويطغى السرد على بعض النصوص لتكون اقرب إلى المطابقة منها إلى الإيحاء كما في نص (حبلى بك )
وقد اتخذت بعض النصوص بنية سلمية تنازلية كما في نص ( طفلاي وقرنان ينقران القلب ) والسبب أن الذات هنا تبحث عن الحرية ..
وصارت قصيدة النثر هي النوع الأكثر تأكيدا لذلك بسبب مرونتها وتنوع وسائلها وهي تطمح إلى إثارة الحقيقة أكثر من قبولها ثانيا ..
وتعمد الذات إلى توظيف التكرار على هيأة تنازلية لبنية العنوان في نص (كأني احبك) إذ تكررت أربع مرات ثم قابلتها عبارة (كأني لا احبك ) ثلاث مرات لينتهي النص بكلمة (كأني) مع نقاط الحذف ومثل ذلك نص ( أنت لي ) .
وبعض النصوص هي قصيدة ومضة ويسعى ” هذا الشكل من الشعر إلى التكثيف في التعبير إذ إن من البدهي أن الإيحاء ليس سوى الاقتصاد في التعبير وهو يعتمد على كفاءة الخيال ” كما في نصوص ( انطفاء /جناح /وجع /ظلال /شراع /ملح / خيول / ريح / عشق )
وإذا كان عنوان ( جوعٌ هرِم ) انزياحا بحد ذاته ، فان المتن هو الآخر يحفل بالانزياحات على الرغم من قصره . واقصر منه نص (حطب) الذي لم تتجاوز مفرداته تسع كلمات فهو قصيدة ومضة..
ولان الذات مثقلة بهموم الزمن فان (الخريف ) كعنوان يجعلها تكابد فعله المؤسلب فالخريف يباغتها كذئب يعوي :
أنا منذ الخريف
يباغتني الخريف
كأني لا اعرفه
كأسماء من رحلوا
بلا أسماء ….
وتنفرد قصيدة (غرق) بلمحات فنية متمثلة بمزاوجة السكون والحركة عبر توظيف الوصف جنبا إلى جنب السرد:
منخورة صورتك
تطفو على سطحي
وتتعالى ثيمة الماء في نص ( غرق) للدلالة على الحياة والبقاء والتجدد ولا مراء أن ” سطوة الماء الخالق الباهر وتأثيراته الاخصابية الحية .. تعكس في حقيقتها قدرة الإنسان على المواجهة والصمود بوجه كل العوائق والضوابط مهما كانت ضراوتها ” .
وتكون الذات الناطقة بضمير الأنا هي مصدر تلك الحياة نافية أن تكون ضلعا فحسب وذلك عبر التناص مع الميثولوجيا الأسطورية التي تروي أن الأصل هو الرجل وان المرأة خلقت من ضلع الرجل وهذا النفي للأسطورة تأكيد لعمق الذات وأصالتها؟؟
وفي هذا التناص يرتبط ” المرجع النصي .. بالتناص كنسيج لعلاقات عملية الكتابة والقراءة أما المرجع المقامي فيبدو في العلاقات القائمة بين الإنسان والواقع من خلال اللغة ”
كما تكون بعض العنوانات الفرعية مكتوبة على هيأة نكرات مثل نص ( بحر ) للدلالة على سمة الاتساع واللاتناهي من خلال تعالقه مع مفردات (شواطئ/ موج/ زبد /يغسل/ الماء/ قاع/ مرجان/ حصى /رمال/ عمق/ ريح) جاعلة النص متماهيا في بنية بحرية لتتحقق وظيفة وصفية ” لان العناوين الداخلية كبنى سطحية هي عناوين واصفة شارحة لعنوانها الرئيس كبنية عميقة ”
وترتفع حدة الأنا لتعطي إيحاء رمزيا شفيفا بأجواء رومانسية وفي الآن نفسه تمنح النص سمات سحرية ذات طابع دراماتيكي ثم تعود لتتناقص حدة هذه الدرامية .. ولتتحول إلى طابع حكائي يسرد بلسان المتكلم ( نزلت ،ارتعشت ، أيقنت ، رقصت ، أشرعت ، رقصت ) .
وفي تضمين نقاط الحذف داخل السياق الكتابي للنص دلالة على ” صمت الإرادة الإنسانية الحديدي الذي يدوي مكتوما كلما أوجعته ضربات مطارق المحن ” وهو أيضا اشتغال مقصود لتحقيق انزياح أسلوبي يصدم القارئ ويفتح له منافذ الولوج نحو اللامالوف في القول ، فنقرأ في نص (بحر) :
حين عادت …..
كانت تهجئُ رمال الشواطئ
لغة البوح
وأبجدية العمق …
ويزداد الغموض في البياض الذي يشغل مساحة صفحتين من القطع الصغير ثم يكون في الزاوية السفلي من آخر النص كلمة شجرة ..!
وهذا اشتغال سيميائي أرادت به الشاعرة أن تمنح قارئها القدرة على التفكير في ملء فراغ البياض الكتابي بما يراه القارئ مناسبا لتكتمل بذلك بنية القصيدة كلغز محير يتحدى فعل القارئ ويستفزه لإنتاج نص يبنى على ما سبقه ويفتح المجال لان يلحقه بنص آخر … ووراء ذلك كله ” الواقعية الحدسية .. التي تؤمن بوجود حقيقة فلسفية وهي .. أن وراء النصوص يختفي شيء آخر لا يمكن أن يكون مجرد نص آخر بل هو ما يضع النصوص في علاقة تناسب فيما بينها ..”
وتتقابل مفردتا دفء / شتاء في نص (الدفء) في ثمانية سطور وتدور الذات في نص (اعتراف ) مع دورة الفصول ( إذا تعريت في الخريف ) ( إذا مر الربيع ) وفي سلم كتابي تتوزع فيه سطور النص العشرة بشكل تنازلي ..
وتتآزر لغة الأنا مع لغة الآخر لتنتج نصا جماعيا بلغة ال(نحن) فيكون العنوان متنا أيضا في بنية سردية تجعل القصيدة اقرب إلى الأقصوصة منها إلى قصيدة النثر لان ” الخيالي والدعابة بعضهما لا يحكم البعض الآخر ولكنهما يتآزران لتحرير الإنسان من سيطرة العالم الذي يعيش فيه كي يسمحا له بتخطيه والحكم عليه” ففي نص ( أحلام تتدلى ) نقرأ:
تأخرنا
على الميلاد
لكنها أحلامنا
قطعت حبل سرتنا
رغما عنا ..
ولا تكاد الذات تفارق الإحساس بالطبيعة فهي صنوها وتوأمها فصورة (النهر ، البساتين ، الزقزقة ، الماء ، الناعور ) تكمل الصورة المرسومة والمطبوعة في مخيلة تلك الذات..
وعلى الرغم من أن نص (وصول ) يحفل بالانزياحات الشعرية إلا أن ذلك لم يمنع من أن يكون النص اقرب إلى قصة قصيرة جدا فالأفعال حكائية والراوي لها كلي يسرد حكايته بضمير الغائب كما نرى أن نص (شاعر ) هو الآخر قصة قصيرة جدا فالراوي فيه مشارك وزاوية الرؤية مصاحبة بضمير المخاطب وأفعال السرد تتواتر ( أدمن ، أخذت ، تنزل ، يعلقك ، يسكبك ، تقطر ، تفترش ، تنام )
ومثله قصيدة (السويداء ) التي شغلت مساحة الصفحتين ونصف الصفحة وهي تصلح أن تكون قصة قصيرة جدا لكن الاختزال ونقاط الحذف حولتها إلى صورة شعرية سردية معا واليوم ” يصح عن قصيدة النثر التي تقودها طبيعتها نفسها إلى التواطؤ باستمرار مع أجناس قريبة منها كالأقصوصة أو التدوين الفلسفي أو الوصفي على سبيل المثال ”
وأطول النصوص نص ( نبيد أيامنا والقافلة ) التي يتكرر فيها الفعل (آن ) آن للسمك.. آن للماء.. آن للحجر .. ،والزمن هنا ما زال يفعل فعل الكماشة التي تقهر القافلة في استعارة السائرين في الحاضر والماضي معا وتكون خاتمها بياضا بمقدار صفحتين وقد كتب في أقصى اليسار أسفل النص وبخط كبير جملة (بضع جمرات من حكايا شتائي) ومثله (يا أنت ) ..
وتتعالى جماليات الإيقاع الداخلي في صناعة النص الشعري في نصوص (سجود ، أصابع ، موجتان بحر ، حنين ) وتقترب قصيدة ( دمية ) النثرية من كونها قصة قصيرة جدا مكثفة بدرامية تختزل التفاصيل ..
وتتحول بنية نص (ثوب غيمة ) إلى ترسيمة كتابية سلمية تتوزع فيها المفردات في سلم تنازلي وكذلك نص (المخيم ) و(العيد ) وتتصاعد نبرة التشاؤم في نص ( عبثا ) لترسم صورة قاتمة للاتي :
عبثا تحاولين
بحرنا
أدمنه الجزر
قاعه
ابتلع السطح
وتتمازج الانزياحات الأسلوبية مع البنى الإيقاعية بصورة متداخلة غير مقتصرة على إيقاع واحد ذلك أن ” .. الترابط بين الكلمات والعلاقات الخاصة والحالة النفسية الانفعالية أوقات الإبداع لها تأثير كبير في الإيقاع الداخلي ودرجة تفوق النص الشعري ”
وتستمر النبرة التشاؤمية في نص ( في العام القادم ) حيث الجدب والبكاء فهي لن تمطر ودون المطر العطش .. ويصبح آخر سطر فيها نهبا للظنون السوداوية:
هي لن تمطر
في العام القادم


يا صديقي..
لا رأس لهذه السنة
لها
ألف ذيل
يا صديقي
كل عام
وأنت …

ـ3ـ
قراءة عمودية في نص ( سفر )
يقول جوناثان كلر :” أن القراءة تعني الاشتراك في لعبة النص وتحديد مناطق المقاومة والضعف وعزل الأشكال وتقرير محتواها ومن ثم معالجة هذا المحتوى بصفته شكلا له محتواه وأخيرا متابعة التداخل بين السطح والغلاف ” . .
وتحظى القراءة النقدية الفاحصة في نصوص مجموعة (اسحب وجهك من مرآتي ) بثيمات غنية يمكن أن تمد الناقد بزوايا نظر تأويلية متعددة ذات مستويات قرائية مختلفة..
وسنرصد واحدا من تلك النصوص ليكون موضع قراءتنا النقدية العمودية وهو نص (سفر ) الذي يشكل أول قصائد هذه المجموعة.
وبدءا فان أول ما يطالعنا في نص (سفر ) هو هيمنة الآخر/ الأب والزمان / الليل كثيمتين مهمتين في مواجهة المكان / الصحراء ، الأول بوصفه الامتداد والبداية والثاني بوصفه الفراغ الموحش والصحراء بوصفها ” الإطار المحدد لخصوصية اللحظة الدرامية المعالجة فالحدث لا يكون في لا مكان انه في مكان محدد كذا بين الشخصيات وهنا يكشف المكان عن وظيفته الأساسية في المسرحية وهي الخلفية الدرامية للنص ” .
ولان الذات ضائعة بين هاتين الثيمتين لذلك نجدها تتوجع وتتأسى متحدثة بلغة الأنا معبرة عن همومها أنها تمتعض من حالها ووجودها :
كان صحراء
ذاك الليل..
وعمري
سبع دمى بعيون خضراء
وقامتي
اصغر من حكاية أبي
لكنها في مقابل هذا التوجع والتأسي هي حالمة تريد أن تجد لها مكانا إزاء الفارس / الأب الليل فتتعالى لغة الأنا في ( دمعتي ـ راسي ـ قامتي )
وهي تتحدى الزمان الذي يخيفها كما تتحدى المكان الذي يوحشها فتهرب إلى عالم تبنيه بنفسها كحلم متخيل تماما كما كان يفعل الرومانسيون حين يعجزون عن مواجهة واقعهم المرير فيهيمون في عوالم متخيلة يعبرون فيها عن فروسيتهم وقدرتهم على الانتصار والتحدي جاعلين من ” الطبيعية بدل العقلانية والأشياء العفوية بدلا من الأشياء المدروسة والمحسوبة بدقة والحرية عوضا عن النظام الصارم ”
وقد كانت قصيدة النثر الأكثر ملاءمة لذلك بوصفها ” نوعا من التمرد والحرية .. ومظهرا من مظاهر النضال المتواصل للإنسان ضد مصيره أكثر من كونها محاولة لتجديد الشكل الشعري ” :
تدوس أقدام الفارس
القادم لإنقاذ الأميرة ……….
وتتحول البنية الفعلية الماضية إلى بنية مستمرة ترفض الرضوخ والاستسلام وهذا ما يضفي صفة الدرامية على النص التي ” تمد جذورها في الصمت والمجهول وكأن هذه الأقاصيص آتية من عالم آخر ولكنها تشهد مع ذلك على جهود الإنسان ليتحرر من هذا الكون ” :
أغفو على ركبتيه
يبعدني
يدق عينيه
بمسمار الجوع
يعلقها
على جدار دمعتي
ويرحل ..
والليل مؤسلب بسمة الوحشية يكاد أن يتحدى الموكل إليه سمة الإنقاذ فيتحول الليل إلى غرق :
كان وحشا
ذاك الليل
……..
كان غرقا
ذاك الليل
أما الأب فيصارع في مواجهة الآتي من الزمن لشراسته وعنفوانه فهو تارة تلوكه أضراس هذا الزمن الذي رمزت إليه الحافلة وأسندت إليه فعل الشبع والقضم وتارة يلفظه ذلك الزمن في ألفاظ (تطعم ، تشوي ، تكور ، لا تمتلئ ) في إيحاء إلى خضوع الإنسان أمام عجلة الزمن السائر بلا توقف :
لكن لا يزال الليل موحشا والفارس أبا:
……
وأبي
بين أضراس حافلة
ولهذا يصبح الليل لديها ألف ليل وتتماهى ثيمة الليل صورة القمر لكنه هو الآخر تحت نير الزمن :
كان ألف ليل
كل ليل
حين كانت السماء
تهبط فيه
على راسي
يموت القمر
عطشا
والثلج يهطل بغزارة ……..
إن بنية الزمن تتعدى الذات لتفعل فعلها في المكان (السماء ـ الأرض ) وبذلك ” يكشف المكان عن تواصل زمني معه فلا مكان بدون زمانه في نفس الوقت الذي تدمر الصورة الشعرية العلاقة المنطقية بين الماضي والحاضر والمستقبل وتتحول إلى زمكانية وجودية خاصة بتكوينها وهي قادرة على أن تحول الزمان إلى مكان والمكان إلى زمان بفضل ما تتميز به من قدرة على تخطي حواجز الزمان والمكان وابدالهما في وجود جديد وهي بذلك قد تخلق موقفا دراميا ” ،فإذا كانت السماء تعني العلو والفوقية فإنها بتأثير الزمان تتنازل عن تلك المعاني …..
أما الأرض فإنها تسكن وتصبح هامدة أنها شتائية وسباتها سيكون طويلا والثلج يهطل بغزارة فتكون الأرض بنية مكانية تعادل بنية مكان العالم .. ” في شكل تضاد ثنائي السماء و الأرض / العالم السفلي وتارة تأخذ شكل تدرج هرمي سياسي اجتماعي يؤكد تضاد السمات التي تقع في قمة الهرم / الرفيع وتلك التي تقع أسفل الهرم / الوضيع ”
كان شبحا
ذاك الليل …
وأمام هذا التسيد للزمان على المكان تبقى صورة الأب حاضرة في مرأى الذات الحالمة بغد مشرق :
وأبي تبتلع صوته
حكايته الأخيرة
لنعسي المرتقب
ثم تقول :
عيون أبي
لم تزل معلقة
على ذاك الجدار
وعلى الرغم من أنها قد تقدمت بالعمر فسبع دمى تتحول هنا الى تسع دمى لكن برؤوس مقطوعة لتستعيد بداية الحكاية من جديد من خلال تكرارها لسطرين :
صار عمري تسع دمى
مقطوعة الرأس
…….
اقصر بكثير
من حكاية أبي
مؤكدة استمرارية الدائرة الزمانية التي تخوض في غمارها سواء قبلت أم لم تقبل وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى ما ذهب إليه احد الباحثين من أن ” الزمن العربي ليس تطوريا .. انه حلقة كبرى تستوعب نظيرات لها صغيرات تدور في الفلك يتجلى لنا هنا الوعي من خلال اتخاذ الزمن تيمة للتفكير في كل الروايات ومن خلال شخصيات عدة .. أن التفكير في الزمن والتعبير عنه من خلال النص على صعيد الكتابة يبرز لنا ليس فقط انتقاد زمن الواقع ولكن أيضا زمن الكتابة السائد : إلغاء التسلسل التقطع الزمني اعتماد المشاهد والكتابة الشذرية ” .
إنها كماشة الزمن الذي لا يرحم فلا يكون أمام الذات الهائمة في دوامة الفراغ الزمني إلا الإحساس بالامتداد الأبوي الذي يبقى هو صورة المنقذ الوحيد في ذاك التيه لتبقى تتطلع إلى عودته إليها حاملا حكاياته :
وما زالت قامتي
اقصر بكثير
من حكاية أبي
عندما يعود
ويتداخل نسق بناء العنوان ( سفر) كعتبة استهلال ، مع النص /المتن كمناص ليحققا وظيفتين سيميائتين الأولى اختزال مدلولية الموضوع وقد جعلت الشاعرة العنوان نكرة زيادة في إضفاء سمة التيه والضياع في اللامحدد من ناحية ” أن الكاتب يصبح موجودا من خلال النص بما انه مسجل بواسطة الكتابة ويصبح الوضعان المنطلق منهما الشرح والتأويل من إنتاج القراءة ..”
وتتمثل الوظيفة الثانية في أعانة القارئ على إدراك مضمونية الشكل الشعري وبنائية الهيكل الموضوعاتي للنص في تفاعلية صميمية بين المنشئ والمتلقي كونهما يتعاونان على تلقي النص ..
وبذلك يغدو النص قابلا لمزيد من التأويل والتأمل المتفحص من منطلق أن الشعر ” لا يعرض للبديهيات تسطيحا ولكنه يضرب في أبعاد فكرة يؤطرها بجو متفرد لا يخطئه القارئ المثقف الجديد الجدير بقراءة ذلك الشعر ”
كما أن توظيف علامات الحذف يزيد من دور القارئ ويدفعه نحو التفكير في المحذوف أو بالعكس حين يدفعه نحو التسليم للفراغات الناجمة عن المحذوفات داخل المتن ..
ويضفي وجود الانزياحات الأسلوبية سمة شعرية تخرجها من القولبة النثرية وترتفع بها نحو تحقيق الوظيفة الإيحائية بتغليب النزعة العاطفية واستثمار الصور الاستعارية والتشبيهية ليتأكد البناء الشعري داخل قصيدة النثر ..
ولهذا عدت الأسلوبية الوظيفية واحدة من منهجيات الحداثة النقدية عبر قراءة ” المستويات الدلالية وامتدادات الضمائر في الزمان والمكان والاعتماد على عنصر المفاجأة المدهشة وإقامة التوازي الحر غير المقعد .. وبهذا الربط بين الملامح الأسلوبية وعناصر الشعرية تتقدم خطوة قصيرة ”
هذا ما أسفرت عنه قراءتنا لنص (سفر ) في مجموعة (اسحب وجهك من مرآتي) للشاعرة ميسون جميل شقير وقد وسمنا تلك القراءة بالعمودية في إشارة إلى بنائية الطرح المنهجي الذي وظف في التحليل والإجراء على صعيدي البناء والمضمون ..

فهرس هوامش البحث

قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ، سوزان بيرنار ، ترجمة : د. زهير مجيد مغامس، ، مراجعة د. علي جواد الطاهر ، دار المأمون للترجمة والنشر، الطبعة الأولى ، بغداد 1993 / 273.
جماليات المكان ، جماعة من الباحثين ، دار قرطبة للطبع ، الدار البيضاء ، ط2 ، 1988/ 69.
انفتاح النص الروائي(النص ـ السياق ) ، سعيد يقطين ، المركز الثقافي العربي ، بيروت لبنان ،1989 / 62 .. وذلك في تقديمها لترجمة دراسة (مشكلة المكان الفني ) ليوري لوتمان ..
المتاهات، د. جلال الخياط، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2000 / 76.
م.ن/ 65.
م.ن/ 67
ينظر :اسحب وجهك من مرآتي ، ميسون جميل شقير ،دار بعل ، دمشق الطبعة الأولى ،2009 / 66.
م.ن / 5.
عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص ، عبد الحق بلعابد ، تقديم :د. سعيد يقطين ، الدار العربية للعلوم منشورات الاختلاف ، الجزائر ،ط1 ، 2008/ 44.
م.ن/ 63.
م.ن/ 93.
اسحب وجهك من مرآتي / 66.
م.ن/ 65.
ينظر : م.ن/ 19ـ 20
قصيدة النثر / 286ـ287.
ينظر:اسحب وجهك من مرآتي / 77ـ80.
مقاربات في تجنيس الشعر ونقد التفاعلية ، د.نادية هناوي سعدون ، دار الفراهيدي للنشر والتوزيع ، بغداد ، 2011 / 57ـ 58.
اسحب وجهك من مرآتي / 24.
م.ن /96.
زمن الحكي زمن القص تقنية الحوار في الرواية العراقية ، بشير حاجم ، مركز الثقلين للدراسات الإستراتيجية ، بغداد ،ط1، 2009/ 185.
انفتاح النص الروائي(النص ـ السياق ) ، سعيد يقطين ، المركز الثقافي العربي ، بيروت لبنان ،1989/ 25.
عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص / 126ـ 127
ينظر: اسحب وجهك من مرآتي /12 .
زمن الحكي زمن القص تقنية الحوار في الرواية العراقية/ 185.
اسحب وجهك من مرآتي/ 12.
التأويل بين السيميائيات والتفكيكية ، امبرتوايكو ، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد ، المركز الثقافي العربي ، بيروت الدار البيضاء ، ط1، 2000/ 125.
ينظر: اسحب وجهك من مرآتي /18.
قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا / 254
اسحب وجهك من مرآتي /85.
م.ن/ 265ـ 266.
ينظر: م.ن/ 37ـ 38.
ينظر: م.ن/41 و63
م.ن / 51.
المتاهات / 118.
اسحب وجهك من مرآتي/ 53ـ55.
اتجاهات في النقد الأدبي الحديث ،تأليف مجموعة من الباحثين ، ترجمة :الدكتور محمد درويش طبع دار الشؤون الثقافية العامة ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد ،ط1 ، 2009 / 131.
جماليات المكان ، جماعة / 22
اسحب وجهك من مرآتي /7.
الرومانتيكية ، ليليان فيرست ، ترجمة عدنان خالد ، مراجعة وتقديم : د. عصام الخطيب ، منشورات المركز الثقافي الاجتماعي ، بغداد ، 1978/ 46.
قصيدة النثر / 288
اسحب وجهك من مرآتي/ 8.
قصيدة النثر / 287.
اسحب وجهك من مرآتي /8.
م.ن/9.
م.ن/ 8.
م.ن/ 9.
جماليات المكان ، جماعة / 22.
ينظر: جماليات المكان ، جماعة/ 69.
م.ن / 69.
اسحب وجهك من مرآتي / 7.
م.ن /10.
م.ن/ 10.
الانفتاح النص الروائي ،د. سعيد يقطين / 75.
م.ن / 28.
المتاهات / 38.
شفرات النص بحوث سيمولوجية في شعرية القص والقصيد، الدكتور صلاح فضل، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1990./ 111.

فهرس مصادر البحث
1. اتجاهات في النقد الأدبي الحديث ،تأليف مجموعة من الباحثين ، ترجمة :الدكتور محمد درويش طبع دار الشؤون الثقافية العامة ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد ،ط1 ، 2009 .
2. اسحب وجهك من مرآتي ، ميسون جميل شقير ،دار بعل ، دمشق الطبعة الأولى ،2009.
3. انفتاح النص الروائي(النص ـ السياق ) ، سعيد يقطين ، المركز الثقافي العربي ، بيروت لبنان ،1989.
4. التأويل بين السيميائيات والتفكيكية ، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد ، المركز الثقافي العربي ، بيروت الدار البيضاء ، ط1، 2000.
5. جماليات المكان ، جماعة من الباحثين ، دار قرطبة للطبع ، الدار البيضاء ، ط2 ، 1988.
6. الرومانتيكية ، ليليان فيرست ، ترجمة عدنان خالد ، مراجعة وتقديم : د. عصام الخطيب ، منشورات المركز الثقافي الاجتماعي ، بغداد ، 1978.
7. زمن الحكي زمن القص تقنية الحوار في الرواية العراقية ، بشير حاجم ، مركز الثقلين للدراسات الإستراتيجية ، بغداد ،ط1، 2009
8. شفرات النص بحوث سيمولوجية في شعرية القص والقصيد، الدكتور صلاح فضل، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1990.
9. عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص ، عبد الحق بلعابد ، تقديم :د. سعيد يقطين ، الدار العربية للعلوم منشورات الاختلاف ، الجزائر ،ط1 ، 2008.
10. قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ، سوزان بيرنار ، ترجمة : د. زهير مجيد مغامس، ، مراجعة د. علي جواد الطاهر ، دار المأمون للترجمة والنشر، الطبعة الأولى ، بغداد 1993.
11. المتاهات، د. جلال الخياط، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2000.
12. مقاربات في تجنيس الشعر ونقد التفاعلية ، د.نادية هناوي سعدون ، دار الفراهيدي للنشر والتوزيع ، بغداد ، 2011.

شاهد أيضاً

عن الآداب العربية في شبه القارة الهندية
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

من المفارقات التي ترادف صدور الكتب وأخذها مواضع من المكتبات الخاصة للأدباء في بيوتهم وللذين …

شوقي كريم حسن: جابر خليفة جابر.. سرديات الرفض وتحدياته!!

*لم تك ايام التسعينيات من قرن المتغيرات والحروب، سهلة وباذخة على من ينظر الى هاتيك …

الرواية العربية: أصول واحدة؟
هيلاري كيلباتريك*
ترجمة/ صالح الرزوق

هل للرواية العربية حضور؟. إلى أي مدى يمكن اعتبار الروايات المكتوبة باللغة العربية تنتمي إلى …

4 تعليقات

  1. إشبيليا الجبوري

    الاستاد د. حسين المحترم
    فريق عمل الموقع المحترم

    لم٬! كتت في سياق البحث السابق٬ آجمل رؤية ٬ وألمس دقة اكاديمية٬ وذائقة !!!
    فرطت توا وفرظت معية بك بغير توفيق٬ للاسف.! تيقضي.
    كوني.

    إشبيليا

  2. الغزالي الجبوري

    الاستاذ د. حسين سرمك المحترم

    للكاتبة الاحترام والتقدير

    لتغفر لي٬

    مقال٬ مركبه؛ الملخص غير المتن٬ ،و بعد الملخلاص جعل ضياعة… بل مخارج قيمته مخجله.!!
    شخصية كاتب المقال فضحت ضعفها في نصيرها٬ ترصعت بكلمات ما تريد اظهاره خلت قوتها.
    ما خرج عن كفها بعي رضوان بلوغ بصيرها. متهافت رضوانها.
    اتمنى دخولها نفس رحمتهاالحقيقة. وتعيد ثقتها بنفسها.

    الغزالي.

  3. الغزالي الجبوري

    الاستاذ د حسين سرمك المحترك
    فريق تحرير الموقع المحترم
    للكاتبة المحترمة
    تحية طيبة

    وبعد؛ كثرة تعدد المصادر اساء توكيد مد “المعنى”.
    لا بكثرة استعمال المراجع يؤكد القيمة للبحث رجاحته٬ وحل تستر اهداف البحث إن اعوج.

    اكد

  4. اكد الجبوري

    الاستاذ د حسين سرمك المحترك
    فريق تحرير الموقع المحترم
    للكاتبة المحترمة
    تحية طيبة

    وبعد؛ كثرة تعدد المصادر اساء توكيد مد “المعنى”.
    لا بكثرة استعمال المراجع يؤكد القيمة للبحث رجاحته٬ وحل تستر اهداف البحث إن اعوج.

    اكد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *