إيمان عبد الحسين : الاحكام القيمية في صيحة الهامة. ماما تور بابا تور مشهد مصاغ على الغرائبية (ملف/38)

إشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة القاصة والروائية العراقية “ميسلون هادي”. واحدة من أبرز سيّدات السرد العربي، ولا نبالغ لو قلنا السرد العالمي، بل النوبلية بامتياز لو توفرت الترجمة لنصوصها الفريدة. أكثر من 35 نتاجا في الرواية والقصة وأدب الأطفال. هذه الطافية بحذر بين الواقع والخيال، وبين الحلم واليقظة، الفيلسوفة الشعبية لمحنة الموت والحياة، الأمينة على خيبات محليتها التي ستوصلها حتما إلى العالمية المتزنة المحترمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقراء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي.

الاحكام القيمية في صيحة الهامة.. ماما تور بابا تور مشهد مصاغ على الغرائبية
ايمان عبدالحسين

ما لاشك فيه أن الاديب في كل زمان ومكان لم يكن لـه أن ينفصل عن الواقع السياسي والاجتماعي المحيط به أو يتجرد عن كل ما من حوله ،و لا سيما حينما يثقل وطأةِ احساسه بالظلم، وحينما سطوة رأس المال تاخذ بالنمو والتعاظم بشكل متزايد، ومايرافقها في ذلك من استغلال وهدر للانسانية ، ونتيجة لفوضى العصر وتخبط وانهيار القيم الاجتماعية، فحتما ان الاديب الملتزم بهموم الامة وقضاياها ، بما يمتلكه ويتمتع به من وضوح الرؤية الفكرية والفنية، لا بد يدين ذلك وان تبدو هذه الادانه من خلال الإيحاءات المبثوثة في ثناياها اعماله الادبية ، لا سيما ان القيم هي محور أساسي للأدب فهما لا ينفصلان بعضهما عن بعض، فكلاهما يمثلان شكلاً من أشكال الغوص في التجربة الإنسانية، وان هذا الطرح لا بد ان يعتمد على قدرة الكتاب على التجسيد وذلك تبعا لافكارهم وانفعالاتهم،واتجاهاتهم التي ترتبط باختلاف أسسهم الثقافية والفكرية والسيكولوجية والايديولوجية، التي تحكم الزاوية التي ينطلقون منها ، وهذا ما يجعل الاحكام النقدية تتخذ ألوانا وأشكالا عديدة ومتنوعة ، فمنهم من يعتمد في ابراز حكمه النقدي من خلال الشخصيات الواقعية ومنهم من يتخذ ذلك عبر الشخصيات الاسطورية بمختلف اتجاهاتها ومنهم من تكون الشحصيات الخيالية الافتراضية الخارجة من أدب الخيال العلمي منطلقاً له، وان القاصة ميسلون هادي في مجموعة المعنونة (بابا تور ماما تور) الصادرة في القطع المتوسط عن( دار الشؤون الثقافية العامة) والذي يهمنا فيها هنا القصة المعنونة (صورة حقيقية صيحة الهامة) والذي شأنها شأن بقية قصص المجموعة الاخرى تحاول القاصة المزج فيها ما بين الواقع والخيال ، وان إنتاج المعنى كما في بقية القصص يرتكز على أسس نقدية يتم فيها الانزياح عن النموذج الواقعي المتمثل بالشخصية الواقعية الى الشخصيات الرمزية ، فالقاصة من غير شك تميل في هذه القصة الى الأسلوب الرمزي والتعبيري الذي يجيء شكلاً يعبرعن الموضوعات التي تؤرقها ذلك باعتبارها كاي مثقف عربي تعاني من مرارة الإحباط وخيبة الأمل، بعد ان ارهقتها الاديلوجيات المتصارعة بما تفرزه من النتائج والعواقب وما ينجم عنها من التناقضات والازدواجيات.
قضايا انسانية
ان القاصة ميسلون هادي التي ارادت لقصصها أن تكون هادفةً, ملتزمة, ومرتبطة بقضايا إنسانية في قصص المجموعة ككل ، حاولت ان تطرح في هذه القصة مجموعة من المتناقضات لتدين باشكال وباساليب متنوعة الحالة المتردية التي تعيشها المجتمعات لا سيما العربية وتفضح تنافضاتها وتكشف عن إكراهاتها التي تنصب على الفقراء ، وهذا ما عبرت عنه القاصة في اكثر من موقع في القصة (الوازع الاخلاقي قد تململ في النهاية وخضع لاضطرابات عديدة تحت وطاة جنون الانسان وجشعه اللامتناهي)، (لا ننسى الدول العربية التي ياكل فقرائها من القمامة بينما يتفرعن الشرسون من رجالها والغادات من رقصاتها يرمين الاموال الى سلة الزبالة ويطلين الحمامات باغلى المعادن)، (مليارات الدولارات تذهب الى امير واحد من امراء الخليج وفي مكان اخر طفل يموت من اجل دولار واحد)، ولكن ذلك كله ياتي من خلال اسلوب يراد له أن يكون مغايرا عبر استخدام أشكال جديدة يجعلها منمازة عن غيرها من القصص التي قد ظهرت في الفترة الاخيرة، فالعالم الذي لا نعرف عنه شيئاً، العالم المرتبط بالخيال العلمي كان مثاراهتمام القاصة الذي وجدت فيه ضالتها المنشودة الذي تعمد من خلاله الى تدمير البنى التقليدية وإلى اختراق المألوف والخروج إلى غير العادي أو النمطي و البحث عن اساليب تجريبية من خلال اطلاق العنان لخيالها لخلق مثل هذه الاشكال المختلفة، اضافة الى ما تحدثه هذه الاشكال من أثرا لدى القارئ وتزيد في عنصر التشويق لديه ، وهذا ليس غريبا على القاصة ميسلون هادي فالتنوع يبقى حاضرا في اغلب كتاباتها سواء في القصة او الرواية، الا انه على الرغم من التنوع في القصص من خلال اشكال وافعال خيالية الا ان الحقل الدلالي فيها عبارة عن مزيج من رؤى وافكار متقاربة تتميز بوجود عناصر وملامح دلالية مشتركة تبدو تنويعا لرسالة قيمية واحدة، تجسد في اغلب الاحيان الاشكال الغرائبية الافتراضيية الخيالية أحد التحققات الممكنة فيها لنقل الرسالة التي تريد القاصة طرحها ، ولا سيما في القصة هنا التي حظيت فيها هذه الاشكال بكثير من العناية والاهتمام من قبل القاصة، اذ انها راحت القاصة تسلط الضوء وتبرز الفكرة التي تدين فيها الظلم والاستغلال من قبل كائنات صغيرة من الهوام التي لا ترى في العين المجردة ،(هذه الهوام تحيط بنا من كل مكان دون ان ندري انها موجودة) وان ما يثر التساؤل هنا لماذا اختارت القاصة هذه الكائنات الهلامية غير المرئية لتقوم بهذه المهمة ؟ وان ترشحها لأن تكون الاداة التي من خلالها تدين المجتمع، فما هو سر هذا المخلوق الصغير وما هو ما يميزه عن الكائنات الأخرى، لتجعل منها القاصة كيانات تحمل في داخلها هذه القيمة التي تبين فيه وحشية الانسان و زيف الواقع وغشه، ولتلعب دوراً فاعلاً ومؤثراً تستنطق من خلاله ما تريد طرحه و تسكب أفكارها من خلالها ، مانحة اياها القدرة على تغيير الوضع الذي أفضى إلى التفاقم ما يجعلها تتحول فيه الى راصدة ، ومصححة للاخطاء التي تقترفها البشرية وبهذا كما نرى ان الاجابة عن الاسئلة تظل مفتوحة على احتمالات عديدة وكل احتمال يعززقيمتها في القصة(قرروا التدخل لايقاف هذا الدمار الشامل للاخلاق وكان هذا التدخل سهلا عليهم للغاية لانهم يستطيعون رؤية ما مكتوب في الايميلات التي ينقلها موج الهواء المستقيم وما يوجد في فقاعاته الخفية من حوالات واوامر بنكية).
ففي ضوء ماسلف، يمكن الجزم أن القاصة عندما اعتبرت ان أنجع وسيلة لازاحة الاشياء السلبية و تصحيح المسار الاخلاقي والمحافظة على القيم والثوابت وتقييم الأوضاع السائدة ورسم الحدود الفارقة ما بين الصحيح والخطا ، من خلال الاستعانة بمخلوقات متناهية في الصغر ،(لا نراها ولا نمتلك حسها الاخلاقي الرفيع ولا نعرف ان كانت تنام او لا تنام وتضحك او لا تضحك ليس مؤكدا ان كانت مخلوقة من ماء مهين او كانت تمتلك شيئا مما نمتلك من مشاعر وافكار ولكن المؤكد انها تعرف ما هو الصحيح من الخطا وتمتلك اضعافا مضاعفة مما نمتلبكه نحن من هذه الاحساس بالخطا)، في اعتقادي ما هو إلا ادانة صريحة و صرخة ألم واحتجاج من اصغر الكائنات التي تمثل هنا ارقى من الجنس البشري وتعد عنصر يسند المغزى الذي هو الأساس الفكري الذي جعل قاصة مثل ميسلون هادي تريد طرح ما تربد طرحه من خلال هذه الاشكال و من اتخاذها التغريب أساساً ووسيلة للتعبير معتمدا على رؤية ترى في ان الواقع الراهن قد تجاوز حده، ولا يمكن حله الا من خلال اشياء غير متوقعة ومن ادوات مغايرة تتوجه فيه القاصة الى وضع حدود للتجاوزات ، وكذلك من اجل الخروج من إطار الفكرة التقليدية، وكي لا تصبح القصص عبارة عن أحكام أخلاقية تمارس فيها القاصة نوعًا من الوصاية على قارئها، مقدمة المسألة الأخلاقية على المسألة الإبداعية ، وكي لا تقع في خطاب مباشر يتضاد مع شكل القصة الذي تنشده القاصة ، ومن اجل وضع إمكانيات العلم في خدمة الادب منطلقة من التسليم بأن إمكانيات العلم لا تكف عن طرح الجانب النافع فيما اذا حاول الانسان استغلال هذا الجانب فيه، اضافة الى ان القاصة قد وجدت في هذه الاشكال نوعا من الاقنعة الفنية الرمزية، التي تساعدها على التعامل مع الموضوع بحرية كما توفر لها امكانية تحميل هذه الكائنات رؤيتها للتعبر من خلاله عن محنة الانسانية بجمالية فنية شفافة عازفة على لحن الحق, والخير فيه ، الذي يمتله الصراع في القصة ما بين الجراثيم والهوام (ما دامت الجراثيم هي المخلوقات الاخطر والاشد فتكا بنا على الاطلاق فانني سافترض ان هذه الهوام تساويها في المقدار وتعاكسها في الاتجاه فهي اذن الاشد لطفا ورفقا بنا على الاطلاق).
تلخيصا لما سبق ان القاصة ميسلون هادي عند هذه الصورة السوريالية والمشهد المصوغ على منطق الغرائبية الذي تستبطن من خلاله مجالاً رحباً لفضح الممارسات اللاإنسانية وتخلق من خلاله تجسيد ينطوي على عمق فني ودلالي يعانق رحابة الافق الواقعي الانساني الذي يلامس الخيال ما هو الا محاولة منها الى كسر افق التلقي لدى القارىء ولتحدث لديه رجة كي تفيقه على واقع منهار من حوله، (استعمل صيغة الجمع الانساني عند الاشارة اليهم فهم يستحقون ذلك بعد ان حدث ما حدث واثبتوا انهم ليسوا ادنى من البشر بل هم اعلى منهم بكثير من ذلك كما سيبدو لكم من ذلك التدخل الاخلاقي العظيم الذي قرروا حدوثه اخيرا) وفي اعتقادي ان معرفة هذا العالم وادانته ووضع حدود فاصلة له، اضافة الى طرح إشكالية الواقع من خلال الاشكال غير واقعية، ليس بالامر الهين والسهل فحسب الناقد سعيد بنكراد ان إدراك الإنسان لعالمه الخارجي ليس عملية بسيطة تكتفي بالربط بين ذات مدركة وموضوع مدرك ضمن علاقة مباشرة لا تحتاج إلى وسائط إنها، على العكس من ذلك عملية بالغة التعقيد، فهي تستدعي سلسلة من العمليات غير المرئية .

*عن صحيفة الزمان

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *