علي حاكم صالح : حوارٌ بين علي الوردي وجمال حمدان (ملف/9)

إشارة :
احتفاءً ومراجعة ونقدا للأفكار الجريئة والريادية للمفكر العراقي الدكتور (علي الوردي) الذي وصفه (جاك بيرك) في كتابه (العرب: تاريخ ومستقبل): (الوردي كاتب يحلّق إلى العالمية بأسلوبه الذي يضرب على الأوتار الحساسة في المجتمع، مثل فولتير)، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر حلقات ملفها عنه. لقد سبق الوردي بأطروحاته الكثير من المفكرين العرب، وتناول موضوعات صارت تُطرح الآن كأنها معطيات حديثة، علما أنه طرح أغلبها في مرحلة الخمسينات، وقد تجاهل الباحثون العرب أطروحاته بعد أن غرفوا منها ولم يعودوا بحاجة إلى ذكره. وهذا كتاب الباحث المعروف (هشام شرابي) الأخير (نقد الثقافة الأكاديمية) يذكر فيه أسماء وجهود باحثين في علم الإجتماع في الوطن العربي- بعضهم مغمور لم نسمع به أبداً- من المحيط إلى الخليج عدا الدكتور (علي الوردي). تحية إلى روح المفكر الثائر علي الوردي.

حوارٌ بين علي الوردي وجمال حمدان

علي حاكم صالح

على الرغم من الاختلاف البيّن منهجاً وموضوعاً بين عمل الدكتور علي الوردي الفكري في كتبه كافة وعمل الدكتور جمال حمدان في كتابه العمدة “شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان”، فموضوع الأول هو الشخصية العراقية، لا شخصية العراق، والثاني موضوعه شخصية مصر، لا الشخصية المصرية، الأول اجتماعي يتخذ من التاريخ والظواهر الاجتماعية، وحتى الحكايات الشعبية، الراسية أم العابرة، مادته، والثاني جغرافي، ولكن جغرافيته “لا تقف عند حدود وصف المكان بل تتعداه إلى فلسفة المكان”(1) (ج1، 12)، على الرغم من ذلك فإن الرجلين يلتقيان، حياتياً وفكرياً، في أشياء أساسية كثيرة، وهذه هي موضوع هذا المقال. يتوقف قطار جمال حمدان في رحلته الطويلة لفترة ليست قليلة في محطة علي الوردي. ويشتركان في مسارات، وتجمعهما هموم. والهمّ الوطني المتأسس علمياً لا آيديولوجياً صاخباً يأتي في مقدمة ما يشغل اهتمامهما المعرفي والفكري: إنهما يجليان، كل على طريقته الخاصة، خصوصية وطنيهما ضمن حيّز أوسع يشملهما معاً، أعني امتدادهما العربي والإنساني. وربما بسبب ذلك، فضلاً عمّا اتصفا به من التزام علمي أخلاقي، تشابه الرجلان من جهة ما لقياه من إهمال متعمد من طرف المؤسسة الثقافية السياسية الرسمية. لأنهما لم ينسجما مع هذه المؤسسة أو ينافقاها فيما تريد، وتفكر، وتخطط (هذا إن كانت تفكر وتخطط فعلاً).

يشدني “شيطان المقارنة” (حسب عبارة كيليطو) إلى مواجهة الرجلين وجهاً لوجه في المحطة التي التقيا فيها، وعقد حوار أديره أنا ولكن محتفظاً لهما بصوتيهما. هو حوار بين اثنين لا يخلو أحياناً قليلة من مداخلاتي.

العراق، كما يقول الدكتور حمدان، أقرب الدول العربية “شبهاً بمصر حتى ليعدا بمثابة نظائر جغرافية” (ج4، ص 642)، كما أنهما أول بلدين شهدا مولد الحضارة كما يقول الوردي، وكما يعرف الجميع.

مات علي الوردي (1913-1995)، أكبر عالم اجتماع في العراق، ولم يسر خلف جنازته “عدا القلة”، “فلم يكن للخصوم أن ينحنوا تحية واحتراماً لمفكر كبير في بلاد غابت عنها تقاليد الحوار، وبات من النادر احترام الرأي الآخر، وتحولت فيها الخلافات الفكرية إلى حافات سكاكين تقسم الناس، حتى النخبة منهم، فلم يعودوا قادرين على الإفصاح عن احترامهم لمفكرين لم يتفقوا مع أفكارهم ودعواتهم. أما محبوا الوردي وتلامذته، فعدا القلة ممن شارك في وداعه، فلاشك أن الخوف من الإفصاح عن تابعيتهم الفكرية والعاطفية له قد شلت أقدامهم عن الخروج إلى الشارع في تظاهرة الوداع التي لن تعيد نفسها مرة أخرى”(2). ومات جمال حمدان (1928-1993)، في عزلته الطوعية، متفرغاً لبحثه العلمي، وعن موته كما يقول د. خالد منتصر، اكتفت إحدى الجرائد بهذا العنوان البائس: “”انفجار أنبوبة بوتاجاز في دكتور جغرافيا”.

ليس أمراً جديداً، والغريب أنه لم يعد غريباً، أن يُنبذ المبدعون الحقيقيون، مادام مناخ الحياة الثقافية والفكرية هو مناخ الرعاة والمرعيين، والحظوة في بلاط الأمير ومؤسساته، لا تكون إلاّ لمن ينافقها، ويدغدغ مشاعر العوام. وكلا الرجلين لم يفعل هذا ولا ذاك، إنما تركا كتابات ستظل حية، ويموت الجميع.

لم تكن رحلتي مع “شخصية مصر”، في بعض مفاصلها، يسيرة، ولكنها بالتأكيد مفيدة وشيّقة؛ لأن جمال حمدان يتجول ويجول بين جميع العلوم، فيتحدث عن صخور مصر بنفس الحميمية (العلمية والشخصية سواء بسواء) التي يتحدث فيها عن النيل، عن تاريخ مصر القديم والحديث، عن الفلاح المصري، عن اقتصاد مصر، وزراعتها، عن صحراواتها، ونيلها، عن آلامها وآمالها، عن أمس مصر، وما قبله، وعن يومها، والقابل من الأيام. ولكنه كنظيره العراقي يتريث قليلاً، ولا يفصح كثيراً في حديثه عن اليوم، يومه.

كتب علي الوردي مرة: “لي كتب قد أعددتها للطبع منذ سنوات. وقد أعلنت عنها ذات مرة إعلاناً ساخراً فقلت: إنها ستصدر بعد موت المؤلف إن شاء الله. وكان سبب هذا الإعلان الساخر أني كنت لا أتوقع أن تحدث الثورة [ثورة 14 تموز 1958] عندنا في وقت قريب. والآن وقد حدثت الثورة بأسرع مما كنت اتوقع، فهل تراني قادراً على إخراج تلك الكتب العتيدة؟ كلا!”(3). وهي لم تصدر حتى الآن، بل إن الحال قاد الوردي حدّ أن كتب “كلمة وداع” في نهاية كتابه الأحلام بين العلم والعقيدة، يقول فيها: “لابد لي من كلمة وداع أودع بها القارئ في خاتمة كتابي هذا الذي هو فيما أعتقد آخر كتاب أخرجه إلى الناس. ويخيّل لي أن الكثيرين من القراء سوف لا يأسفون لهذا الوداع، ولعل البعض منهم سيفرح به”(4).

وعلى النحو نفسه بالضبط فعل جمال حمدان. فقبل أن ينهي سِفره العظيم بالباب الحادي عشر، المعنون “مصر والعرب”، كتب تحت عنوان “توضيح لابد منه للقارئ”، يقول فيه: “إلى أن يزول وجه مصر القبيح نهائياً، وكذلك وجه العرب الكالح القمئ المتنطع أيضاً، فإن من الواضح تماماً في الوقت الحالي الردئ الساقط استحالة كتابة هذا الباب كما ينبغي وكما كان في خطة هذا العمل الكبير. ليس ذلك ـ ليثق القارئ ـ حرصاً على سلامتنا أو حتى حياتنا، ولكن فقط حرصاً على سلامة وصول هذا الكتاب إليه ـ وكل لبيب بالإشارة يفهم… ورغم أن المادة الأولية والأفكار الأساسية والتخطيط العريض لهذه الفصول تم إعدادها بالفعل منذ أمد ليس بالقصير، إلا أن المؤلف بكل الأسف والأسى يستأذن في أن يقدم اعتذاره لقارئه عن عدم استحالة الكتابة والنشر في ظل الظروف الراهنة القهرية القاهرة التي يعرف، إذ لن يصل إليه حرف منها بحال من الأحوال”. (،ج4، 630).

لم يكتب الوردي كلمة الوداع اعتباطاً، فلقد جاءت متوافقة مع تغير “ذوق القارئ العراقي”، حسب تعبيره. يكتب: “ولابد لي من أن أعترف هنا فأقول بأنه كتاب إن كان يصلح لعهد مضى، فهو لا يصلح للعهد الثوري الجديد، أقول هذا من باب الاعتراف بالواقع وإن كان مرّاً. وهو اعتراف لابد من أن أبوح به لكي يكون القارئ على بصيرة من أمره حين يقرأ هذا الكتاب أو أي كتاب آخر من كتبي السابقة. هناك حقيقة لا يجوز لي أن أتناساها هي أن ذوق القارئ العراقي قد تغير تغيراً كبيراً إثر قيام الثورة. فبعدما كان القارئ يتلذذ ما أكتب ويكتب أمثالي من مواضيع اجتماعية ونفسية لا تمس السياسة إلاّ مساً خفيفاً، أصبح اليوم يريد من الكاتب أن يكتب في صميم السياسة وأن يعلن رأيه جهراً فيما هو حق أو باطل من المبادئ التي يتنازع حولها الناس… فالذي لا شك فيه أن ثورة 14 تموز كانت ثورة جذرية كبرى هزت عقول الناس وقلبت مفاهيمهم. وأعتقد أن عهد الثورة يحتاج إلى كتاب وأدباء من نوع جديد يختلف عن ذلك النوع من الأدباء والكتاب الذين اعتاد الناس عليهم في عهد مضى”(5).

الوردي يودع القارئ لأن ذوق هذا القارئ نفسه قد تغير، وتغيّرُ الذوق عندنا يعني إصدار أحكام وتنفيذها على وجه السرعة. والأحكام في بلادنا حاسمة ونهائية. بل إن الوردي يسارع، في موضع آخر، إلى إزالة أي سوء فهم، أو لبس، قد يترتب عليه أذى وضرر عظيمان، يكتب: “أرجو أن لا يفهم القارئ من هذا أني أقصد بهذا شباب حزب معين من أحزابنا المتصارعة في هذه الأيام. فالذي ذكرته يصدق على كثير من الشبان المتحمسين من كل حزب وفي كل بلد، لاسيما في هذا البلد الأمين!”(6)، وتبدو ضرورة هذا التوضيح جلية في خشيته من أن يحسب على طرف ما، أو جهة ما، فيناله القسط المستحق الذي يناله كل إنسان يرى خلاف ما يراه السائدون في هذا البلد الأمين حقاً! يكتب أيضاً: “لو أتيح لأي حزب أن ينتصر في فترة من فترات الزمن لفعل شبانه مثلما فعل شبان حزب آخر… وها أنذا الآن أسمع عن سلسلة من الاعتداءات الصارخة يقوم بها عصابات من الشبان في بعض مناطق بغداد، إذ هم يركبون الدراجات يبحثون بها عن صيد لهم في زوايا الشوارع لكي يشبعوه ضرباً وتنكيلاً. ولو أتيحت لهؤلاء فرصة كافية لما ترددوا عن القيام بأبشع الأعمال والفظائع”(7).

أما جمال حمدان، فإنه يعتذر للقارئ، لا خوفاً منه، إنما خوفاً من السلطة. ولكن خوف علي الوردي هو أيضاً خوف من السلطة. بطبيعة الحال لم تكن السلطة يوماً راضية عن علي الوردي، ولا هو كان منسجماً معها، ولكنها اتخذت بعد العام 1958 شكلاً آخر. ففي العهد الملكي لم تكن السلطة تعتمد على غير مؤسساتها البوليسية والحقوقية والسياسية في تدبير وتسيير دفة الحكم وفرض سلطاتها، ولكنها لم تحتكم يوماً إلى أتباع، أو أنصار، وغوغاء. فهذه الظاهرة الأخيرة لم تنمو وتتضخم إلاّ في العهد الجمهوري. ويبدو أن نظام الحكم في بلداننا الذي يسمى جمهورياً، لا علاقة له بهذا المفهوم السياسي إلاّ من جهة تأليب جمهور من العوام لفرض سلطة سياسية، ومن ثم حشده، واستغلاله لمآربها ضد جمهور آخر. فالأحزاب التي تسمّي نفسها جماهيرية، أو شعبية، إنما كانت تجيّش هذه الجموع، وتستغلها في أوقات الصراعات، والمنازعات التي يكون الميدان العام ساحتها. يكتب علي الوردي: “لم تنصب المقاصل في ثورتنا كما نصبت في الثورة الفرنسية، إنما استخدمت فيها الحبال والخناجر والهراوات والقناني. ولو استمرت فترة الحماس في ثورتنا مدة أطول لربما شهدنا فيها أشياء أخرى لا يعلمها إلاّ الله.”(8).

وخلف الاختلاف الظاهري بين تصريح الرجلين، فعلي الوردي يخشى الجمهور لأن الجمهور يريد كتابة تمس السياسة، حسب تعبيره، في حين يخشى حمدان السلطة السياسية، لأنها لا تريد لأحد أن يخوض في شؤونها، أقول خلف هذا الاختلاف الظاهر وحدة عميقة. كان علي الوردي قد أعلن عن وداعه ذاك في بدايات ثورة 14 تموز في العام 1958، حيث كان الشارع صاخباً، تتوزعه انتماءات آيديولوجية مختلفة وقاتلة، لذلك صار مطلوباً من الكاتب الذي يتصدى للشأن الاجتماعي أن يتحدث في الشأن السياسي، بمعنى أن يفصح عن انتماءاته الآيديولوجية. لأن الخوض في الشأن السياسي، في أيام التحولات الفائرة، لابد، كما يريد الجمهور، أن يأخذ صيغة موقف آيديولوجي ما؛ “وأن يعلن رأيه جهراً فيما هو حق أو باطل” حسب تعبير الوردي نفسه. في حين أن جمال حمدان كتب توضيحه بعد سنوات طويلة على استتباب الوضع السياسي لمصلحة سلطة سياسية واحدة وحيدة، حرفت توجهاتها الأصلية نحو اتجاه معاكس تماماً، ففقدت جمهورها الذي يفترضه حمدان، ويوجه إليه كتابه. في حالة الوردي كان الحديث في السياسة يعني، إذّاك، الحديث المتحزب، أما في حالة حمدان فكان الحديث في السياسة يعني نقد نظام السلطة السياسية القائمة فعلياً، ونقد توجهاتها التي تشيع في نفسه الألم والمرارة.

كان علي الوردي يصف في كتابه “وعاظ السلاطين”، الصادر في فترة الحكم الملكي، القيّمين على دار الإذاعة العراقية بـ”جلاوزة الإذاعة”، ويضيف هامشاً إلى عبارته هذه يكتب فيه: “حقّ على المذيع آنذاك أن ينادي: هنا بلد الجلاوزة. هنا بغداد”(9). وما كان له أبداً أن يجرؤ على هذا القول في كل الفترة التي تلت العام 1958. بل ما كان ليجرؤ حتى على أن يقول ما قاله الدكتور جمال حمدان في تبرير عدم نشره الباب الأخير من كتابه حينما يوجه كلامه مباشرة إلى القارئ.

ولكن الجمهور الذي يخشاه علي الوردي لا يعبر دائماً عن توجهات السلطة السياسية القائمة، إنما يعبر عن سلطته الخاصة، فتحت فقرة بعنوان “أنا والغوغاء”، يكتب الوردي: “لقد خبرتُ خطر الغوغاء وأدركت مبلغ دناءتهم عندما أخرجت كتاب وعاظ السلاطين عام 1954. كنت أبتغي… تنقية الدين مما لحق به من أدران سلطانية آثمة… فهاج الغوغاء على كاتب هذه السطور هياجاً عجيباً، وهددوه بالقتل غير مرة وثلبوه ثلباً قبيحاً. ولم يتردد بعضهم عن رؤيته في أحلامهم يساق إلى نار جهنم مصحوباً بلعنة الله وملائكته أجمعين… ومن العجيب حقاً أن أرى أفراداً من أولئك الغوغاء الذين كانوا يرومون قتلي في ذلك الحين سائرين الآن في الاتجاه المعاكس، إذ هم يرومون قتل خصومي، ولست أدري ماذا سوف يفعلون في الأيام المقبلة؟ أرجح الظن أنهم سيحاولون عندئذ قتلي وقتل خصومي في آن واحد”(10).

الفارق بين الرجلين هو، كما لا يخفى، الفارق بين مجتمعيهما، ونوعي السلطة الجمهورية التي سادت على رقاب الناس. ليس هذا تجميلاً للسلطة الملكية أبداً، ولكنه بكل تأكيد تمييز لها. وردود الأفعال التي استشعرها الرجلان، أو واجهاها فعلاً، من كتابتهما، هي نفسها. يقول جمال حمدان: “لا يمكن لكاتب أو عالم أو مفكر أن يوجه إلى مصر نقداً موضوعياً بنّاءً صادقاً ومخلصاً إلاّ وعدّ على التو والفور والغرابة والدهشة: عدواً بغيضاً أو حاقداً موتوراً إن كان أجنبياً، وخائناً أعظم أو أحقر إن كان مصرياً” (ج1، ص 28). أما الوردي فيقول: “والغريب أن الكثيرين منهم كانوا يقرؤون كتبي ويشتمونها في آن واحد. ويصح أن يقال عن كتبي من هذه الناحية كما قيل عن لحم السمك: مأكول مذموم”(11).

ومع ذلك، فإنهما لا يختاران غير الخوض في موضوعيهما إلى نهاية الطريق، بالحد الواقعي المتاح، إنها قضية تتعدى كونها رغبة فكرية بحتة، إنما هي همّ وطني بالمعنى الدقيق للكلمة. يقول الدكتور حمدان “إننا قط لم نكن أحوج مما نحن الآن إلى فهم كامل معمق موثق لوجهنا ووجهتنا، لكياننا ومكاننا، لإمكانياتنا وملكاتنا، ولكن أيضاً لنقائصنا ونقائضنا ـ كل أولئك بلا تحرج ولا تحيز أو هروب… نقول في هذا الوقت تجد مصر نفسها بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة النظر والتفكير في كيانها ووجودها ومصيرها بأسره… وبالعلم وحده، لا الإعلام الأعمى ولا الدعاية الدعية ولا التوجيه القسري المنحرف المغرض، يكون الرد” (ج1، 219-20)، أما الوردي فيقول “أرجو أن يعلم القارئ إني حين أذكر مساوئ القيم التي كانت سائدة في مجتمعنا في العهد العثماني، والتي مازالت بقاياها موجودة فيه حتى الآن، لا يعني ذلك أني أقصد ذمّ هذا المجتمع. فالواقع أن كل مجتمع في هذه الدنيا لا يخلو من عيوب ومساوئ خاصة به. ومن واجب الباحث الاجتماعي أن يبحث في تلك المساوئ من أجل معالجتها أو محاولة إصلاحها”(12).

ومن الكتب التي أعدها علي الوردي للطبع، ولكنها لم تُنشر، هو كتاب “أخلاق أهل العراق”. وفي هذا الكتاب يقول علي الوردي كشف عن “عيوب المجتمع العراقي وما فيه من قيم سيئة وتطرف قد لا تحمد عواقبه أحياناً. وكل من يدرس الأوضاع السياسية والاجتماعية التي مر بها الشعب العراقي في عهوده البائدة لابد أن يستنتج منها مثلما استنتجته. ولكني مع ذلك واثق بأني لو أخرجت هذا الكتاب لقابله كثير من القراء بالنفور. ولا لوم على القراء في هذا، فهم يطلبون من الكاتب في هذه المرحلة الثورية أن يكتب للشعب فيما يشجعه ويمجِّد أفعاله، لا أن يثبطه ويحصي عليه عيوبه”(13). ويقول حمدان واصفاً ما يصدر، أو ما يمكن أن يصدر، من مواقف تجاه كتابته: إنه “موقف خطر للغاية، يصل إلى حد الإرهاب الفكري والمصادرة على المطلوب مسبقاً. وهو ببساطة مفجعة أكبر ضمان بالتدهور والانحدار الوطني والتجمد والتخثر والتعثر القومي، لأننا بمنطقة مطلوب منا ببساطة أن نصور مصر والمصريين كيوتوبيا على الأرض، كفردوس أرضي. فالخطر كل الخطر في وجه هذا الموقف أن قد يُصبح خط المقاومة الدنيا هو الطريق السهل، خط الديماجوجية والنفاق الوطني وتملق ودغدغة غرائز الشعب وإرضاء غروره بتزيين عيوبه وتضخيم محاسنه” (ج1، 28).

ويلتقي الرجلان أيضاً في تشخيص أحد جوانب هذه المواقف المتعصبة العمياء. يقول حمدان واصفاً شكل الكاتب الذي تريده هذه المواقف: “حينئذ يمسي الكاتب، كشاعر القبيلة في الجاهلية، صناجة الوطن وبوق الشعب كيفما كانت حقيقتهما ومهما كانت هذه حقاً أو باطلاً. وبذلك يفقد الكاتب تواً وظيفته الاجتماعية ومبرر وجوده الوطني” (ج1، 28). فكتابه “شخصية مصر”: “ليس دفاعاً بالحق والباطل عن مصر، ولا هو هجوم عليها أيضاً. وإنما هو تشريح علمي موضوعي يقرن المحاسن بالأضداد على حد سواء، ويشخص نقاط القوة والضعف سواء بسواء. وبغير هذا لا يكون النقد الذاتي، بل ولا يكون العلم” (ج1، 31). أما الوردي فيقول: “يؤسفني أن أقول إن العقلية الشعرية المسيطرة على أذهان متعلمينا قد أضرت بنا كثيراً. فمن طبيعة العقلية الشعرية إنها تقف موقفاً جدياً تجاه المجتمعات أو الأفراد. فالمجتمع أو الفرد في نظر تلك العقلية أما أن يكون حسناً كله أو قبيحاً كله… ولا حاجة بنا إلى القول إن هذا المنهج الشعري لا يلائم المنهج العلمي الحديث. فالعلم الحديث لم يتقدم هذا التقدم العظيم الذي نراه إلاّ بعد ما تخلص من التحيز العاطفي وأخذ ينظر إلى الأمور نظرة موضوعية حيادية”(14).

ما الذي أراد جمال حمدان كتابته ولم يكتبه، فاعتذر لقارئه؟ وما الذي كان علي الوردي يريد قوله، فحبسه في صدره، وأخذه معه إلى القبر؟

في كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، الصادر في العام 1965، وتثبيت التاريخ مهم هنا، تحدث الوردي عن مسألة الديمقراطية. ويطرح سؤالاً بالغ الدلالة والأهمية أمس واليوم مفاده: “هل نترك الشعب العراقي يتورط في التجارب القاسية مرة بعد أخرى حتى يتعظ بها من تلقاء نفسه، أم ينبغي أن نأخذ بيده ونرشده إلى الطريق الصحيح؟”(15)، ويجيب: “يمكن القول إن الوضع الراهن في العراق يحتاج إلى تخطيط ومعالجة موضوعية بمقدار ما تتحمله ظروفه المحلية. ويخيل لي أن من الوسائل المجدية في ذلك هو أن نحاول تعويد الشعب العراقي على الحياة الديمقراطية ونجعله يمارسها ممارسة فعلية، حيث نتيح له حرية إبداء الرأي والتصويت دون أن نسمح لفئة منه بأن تفرض رأيها بالقوة على الفئات الأخرى. إن هذه فرصة يجب علينا انتهازها، فالعراق الآن يقف على مفترق الطريق، وهذا هو أوان البدء بتحقيق النظام الديمقراطي فيه، فلو فاتت هذه الفرصة من أيدينا لضاعت منا أمداً طويلاً…”(16).

بعد تحديد العلاج، يختم كتابه بالعبارة الآتية: “ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية، وهذا هو أوان الاعتبار! فهل من يسمع؟!”(17) بطبيعة الحال لم يستمع أحد، وكفّ الرجل بعد ذاك عن التطرق لهذا الحديث مع تصاعد مجريات العهد الجمهوري إلى مديات من التعسف غير مسبوقة. وعن صدى كلمات الوردي هذه عبّر الدكتور محمد جابر الأنصاري خير تعبير بقوله: “ولكن صوته (أي علي الوردي نفسه) ما لبث أن ضاع في غمرة الضجيج الأيديولوجي الصاخب حينئذ يساراً ويميناً، بحيث لم يتحول إلى تيار فكري أو مدرسة يشارك فيها آخرون”(18). وعن عبارة الوردي السالفة نسأل: كيف يستجيب عراقي يقرأ كلمات الوردي هذه بعد كتابتها بعشرة أعوام، عشرين عاماً، ثلاثين عاماً، أربعين عاماً؟ بالتأكيد سيدرك، من بين ما يدرك، أن كلمات هذا الرجل البسيطة جداً، ولكن العميقة، والمباشرة جداً، والصريحة جداً، رجل كان مختبره التاريخ، والزقاق الشعبي، والمقهى، وعلاقات الناس اليومية، هي أعمق وأصدق من كلّ ما قيل.

واليوم هناك الكثرة الكاثرة من مثقفي العراق، ممن عاشوا حياتهم بين طيات الكتب (في جميع ألوانها) يبدون استغرابهم مما يسود المجتمع العراقي من ظواهر بربرية، وإلى هؤلاء المثقفين أنفسهم كان علي الوردي قد أهدى كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي): “أقدم كتابي هذا إلى الذين يشغفون بالأفكار العالية فيحاولون تطبيقها في مجتمعهم بغض النظر عن طبيعة المجتمع وظروفه. لقد آن لهم أن ينزلوا عن أبراجهم العاجية وأن يأخذوا بعين الاعتبار مقتضيات الواقع الاجتماعي الذي يعيشون فيه”(19).

وشأن نظيره العراقي يرى جمال حمدان أن المشكلة الأهم التي تواجه المجتمع المصري هي الديمقراطية كما يقول حمدان بوضوح شديد، وبصوت يريده أن يكون مسموعاً. لنستمع إلى كلماته المتأسية ولكن الصادقة والحقيقية،: “لقد تغيرت مصر الحديثة والمعاصرة في جميع نواحي الحضارة المادية واللامادية… غير أنها من أسف لم تكد تتغير من ناحية الحكم والسلطة والدولة، التي هي بالتحديد المقياس والمحك الوحيد للتطور الحضاري عموماً والتقدم الإنساني الحقيقي. ففي هذا لا جديد تحت شمس مصر: فمصر سنة 1984 ميلادية هي سياسياً كمصر سنة 1984 قبل الميلاد، والفرعونية المحدثة لا تختلف جوهرياً عن الفرعونية العتيقة وإذا كانت مصر اليوم دولة متخلفة تكنولوجياً، نصف متخلفة حضارياً، فإنها متخلفة مرتين سياسياً: داخلياً وخارجياً، كمواطن وموطن. وفيما بين الطرفين، تظل الديمقراطية هي مشكلة مصر الأولى والأم. فهي وإن لم تكن مشكلتها الوحيدة أو الأخيرة، فإنها مفتاح جميع مشاكلها الأخرى بلااستثناء. لا شيء يسبقها، ولكنها تسبق الجميع. جميع مشاكل مصر وأزماتها وكوارثها الداخلية والخارجية، في الانتاج والحضارة والتقدم، مع العدو الإسرائيلي والأشقاء العرب، مع القوى العظمى والصغرى، كل انحدار أو سقوط مصر في الحرب أو في السلم، كافة عيوبها ونقائصها وسلبياتها في المجتمع والفرد كما في السياسة والاقتصاد مصدرها وسببها الرئيسي هو الاستبداد الداخلي الغاشم والطغيان الفرعوني المقيم المستديم… إنها هي أصل مشكلة مصر كلها: شخصية مصر، مصير مصر، رخاء مصر، بل وبقاء مصر، شخصية المصري، كرامة المواطن المصري، نفسية الانسان المصري، إعادة بناء الإنسان المصري والشخصية القومية… في كل هذا وغيره فتش عن الديمقراطية أو غيابها، فإنها هي حاكمها ومقرها وضابط إيقاعها مثلما هي حلها جميعاً” (ج4، 612).

* * * *

إنّ علي الوردي إذ كان يكتب عن الحاضر ويكشف عيوبه القاتلة إنما كان يحذر من المستقبل الكامن. أما جمال حمدان فكان أشد تفاؤلاً بهذا الصدد، وهو يرسم صورة مصر المستقبلية. فعلى المستوى الاقتصادي ستكون مصر في “سنة 2000… دولة عصرية غالباً وقطعة من أوروبا نسبياً كما أن اليابان قطعة من أمريكا تقريباً” أما على المستوى التاريخي “فإن كل الفترة الحديثة منذ محمد علي حتى سنة 2000 هي مرحلة الانتقال من العصور الوسطى إلى العصر الحديث تماماً وبكامل المعنى”، أما على المستوى الجغرافي “فإن خط التقسيم التاريخي بين الشرق والغرب يتحرك ويتزحزح تدريجياً وببطء شديد، ولكن بالتأكيد نحو الشرق، بحيث ستنتقل مصر سنة 2000 إلى الغرب عموماً بعد أن ظلت طويلاً معلقة بين الشرق والغرب. وستكون مصر بذلك أول دولة هامة في الشرق بعد اليابان تنتقل جغرافياً إلى الغرب… وبالمثل سيتزحزح خط التقسيم بين الشمال والجنوب لتعبر مصر البحر المتوسط وتصبح بصورة نهائية دولة شمالية بعد أن ترددت طويلاً أو قليلاً بين الدولة الشمالية والجنوبية” (ج4، 619).

وإذ يرسم جمال حمدان هذه الصورة الوردية لمصر، فإنه بالتأكيد لا ينسى أن يدمج معها الدول العربية، أو سائر العرب. يقول: “وجهة التغير هي مصر “كأوربا المسلمة” أي باعتبارها “أوربا الإسلامية” (وذاك مع سائر العرب أو معها العرب وكسائر العرب)، هذه، ولا سواها، هي وصفة كما هي بوصلة المستقبل، المستقبل المصري كالعربي، أو باختصار المستقبل المصري العربي. (626).

ولكن واقع حال العام 2000، وما بعده حد الآن من سبع سنوات عجاف، لا يصادق على أمنيات جمال حمدان، رغم أنه لم يكن ليراها مجرد أمنيات، إنما هي كما يرى طبيعة نسق الحياة العالمية تسير في هذا المسار، فهي ستتغير حتماً، ورغماً عنها، وبعبارة يصفها حمدان “بالمباشرة والوضوح” فإن “مصر قلما تتغير بإرادتها في العادة، وإنما هي بالرغم من إرادتها تتغير، إنها تتغير بالرغم منها تقريباً، وتغيرها بالقسر أكثر منه بالاختيار نسبياً… والأصل بعد هذا أن الأشياء في مصر… تميل إلى أن تبقى على ثباتها وفي خطها إلى أن تواجه قوة مضادة لها في الاتجاه، مساوية أو فائقة لها في القوة، فتفرض التغير حتماً. ولقد كانت الحضارة الأوربية الغربية الحديثة وحدها هي تلك القوة المضادة التي تفوقت ففرضت فغيرت” (ج4، 620). ووجهة التغير عند جمال حمدان واحدة، لا بديل لها، وقد شخص تجليات هذه الوجهة في يومنا الحاضر الذي هو طريق سائر إلى غد محتوم: “فأولا وابتداء، فكما أننا تاريخيا وجنسياً أشباه أوربيين… فإننا اليوم حضارياً نصف أوربيين على الأقل أو على الأرجح، فنصف المصريين الآن تقريباً قد تبنى وانخرط في نمط الحياة العصرية الحديثة التي نسميها أحياناً الحياة الغربية والتي هي أصلاً وببساطة الحياة الأوربية والحضارة الأوربية. فلاجديد في هذا إذن، لاجديد في تقريرنا أننا حضارياً أنصاف أوربيين من قبل. ولا جديد كذلك إن أضفنا منطقياً أن النصف الآخر سائر بالضرورة والحتم على الطريق نفسه وإن تخلف زمنياً وتأخرت سرعة تطوره، وكمجرد مؤشر أو مقياس، سيتم تحول هذا النصف المتخلف تدريجياً مع، ومن خلال، التحول المطرد من سكان الريف إلى سكان الحضر والمدن. فحين يتم تحول مصر من نصف القرية نصف المدينة التي هي الآن إلى مدينة كاملة واحدة كما يتوقع خلال القرن القادم عموماً، فلسوف تكون مدينة مصر هذه هي ببساطة مصر الأوربية، مصر القطعة من أوربا” (ج4، 626-627).

غير أن هذه الوجهة المأمولة يجب ألاّ تغير، والقول لحمدان دائماً، غير وجه واحد من العملة. فالوجهة نحو أوربا حضارية، وليست ثقافية كما يميز هو. يقول: “إلا أن مصر… وكشقيقاتها العربية والإسلامية، ستظل أساساً وبطبيعة الحال أوربا المسلمة، أو أمريكا الإسلامية. ذلك أن تأورب أو تأمرك مصر إنما ينصرف إلى، ويقتصر على، البعد الحضاري فحسب. أما البعد الثقافي، الثقافة العربية الإسلامية، فإنها بداهة وبطبيعة الحال خارج العملية برمتها، وخارج الموضوع والمناقشة أصلاً وأساساً، وبصيغة قاطعة ووضوح أقطع: الثقافة هي الثوابت، والحضارة المتغيرات، الأصالة للثقافة، وللحضارة المعاصرة”. (627-628).

وشأن البعض من مثقفي العرب يقيم حمدان هذا الشق الجيويولوجي، إن صح التعبير، بين الحضارة، التي تعني هنا كما هو واضح الجانب المادي، والثقافة التي تعني الجانب الروحي والقيمي. فيوصف الأول بالمعاصرة، والثاني بالأصالة. يُنسب التغير للأول، ويُنسب الثبات للثاني. إنها نفس الثنائية التي اخترمت، ومازالت، العديد من الخطابات النهضوية والاصلاحية أمس واليوم. ونحن هنا لسنا في معرض مناقشة ما ذهب إليه جمال حمدان، إنما نقول بكلمة عابرة، إن عدم تحقق ما توقعه كان سببه ربما هذا التمييز الديكارتي غير المسوّغ بين المادي والروحي في سيرورة مجتمع ما. إذ يصعب تصور ثبات مكوّن من مكونات شخصية مجتمع وتغير مكون آخر في الوقت نفسه. ومادامت الحضارة الغربية نموذجاً ينبغي محاكاته، كما يُفهم من كلام جمال حمدان، فإننا يجب أن ننوّه هنا إلى أن المستوى الحضاري الذي بلغه الغرب عموماً، لم يأت إلاّ بعد أن أحدث هذا الغرب نفسه تغييراً جذرياً في مكوناته الثقافية. ولعل هناك من يرد على هذه الملاحظة بالقول إن هناك بلداناً، اليابان مثلاً، لم يقف احتفاظها بثقافتها، أو ثوابتها الثقافية، حائلاً دون تطورها الحضاري الهائل. وهذا كلام سليم إلى حد كبير، لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن “الديمقراطية”، التي كان يراها كل من علي الوردي وجمال حمدان المفتاح الرئيس لجميع مشكلاتنا، هي أيضاً مكتسب ثقافي وحضاري، ولغرض تبيئة هذا المكتسب لابد من خلخلة جوهرية في صميم ثوابتنا الثقافية، اللاهوتية على وجه الحصر والتحديد. فالديمقراطية تعني من بين ما تعني قدرة العقل الإنساني على إدارة شؤونه الزمانية، وتطويرها بشكل عقلاني وهادف وإنساني. وأظن أن هذا التحديد الأخير يتقاطع إلى حد كبير مع نوعية العقلية اللاهوتية التي مازالت إلى الآن تعلن، أو تضمر القول إن أحسنت الداعية السياسية، أن العقل الإنساني عاجز عن ذلك. والمتأمل في جوهر جميع الحركات الإسلامية، سيجد أنها متفقة على هذا المبدأ رغم اختلافاتها العديدة في تفصيلات أخرى كثيرة.

* * * *

قلنا إن الدكتور جمال حمدان يعتذر للقارئ عن عدم نشره لما خطط له أن يُنشر، وقلنا أيضاً إن اعتذاره هذا جاء نتيجة “استحالة الكتابة والنشر في ظل الظروف الراهنة القهرية القاهرة” حسب تعبيره. ولكنه يعيد “نشر الفصل الأصلي كما ورد في طبعته الأخيرة سنة 1970” (ج4، 620). والموضوع الذي كان حمدان يريد الخوض فيه يدور حول البنود الثلاثة الآتية: “بين الوطنية المصرية والقومية العربية”، و”مصر في عالم عربي متغير”، و”مستقبل مصر والعرب”. (ج4، 630). ونعرف أن تفكيره في هذه الموضوعات يختلف جذرياً عن تفكير السلطة السياسية القائمة، من جهة علاقتها بالشعب، وتوجهاتها الراهنة، والمتوقعة، وآليات اشتغلالها، وخطابها الوطني والقومي. يقول:

“الآن لا يعرف تاريخ مصر من ينكر أن الطغيان أو الاستبداد، الباطش أحياناً غير الإنساني دائماً، هو كظاهرة واقعية موضوعياً وبعيداً عن كل تفسير شخصي أو تنظير أكاديمي نغمة دالة أساسية بل النغمة الحزينة فيه وأسوا خط في دراما الشعب المصري، وقد لا تكون مصر أكبر سجن في العالم، ولكنها أقدم سجن في التاريخ” (ج2، 580). ويضيف “غير أن الحقيقة التاريخية التي تثبتها مراراً وتكراراً، تجربة ألفي عام مازالت مستمرة معنا حتى اليوم، الحقيقة التاريخية هي أن كبرى الآفتين ليست الاستعمار الأجنبي ولكن الطغيان المحلي… ليس هذا فحسب، وإنما الحقيقة بعد هذا أن مسئولية الطغيان الحاكم تتضاءل بدورها أمام مسئولية الشعب نفسه ولا أوهام في هذا ـ هو المسئول الأول والأخير، الأصلي والأصيل، حتماً وبالضرورة، فإذا كان الحكم في مصر مأساة أو ملهاة، كارثة أو مهزلة، فإن سببها الشعب وحده نظرياً وعملياً… فالطغيان لا يصنعه الطاغية، وإنما الشعب هو الذي يصنع الطاغية والطغيان معاً” (ج2، 595).

ولئن لم نجد في كتابات علي الوردي التعبيرات نفسها التي يستخدمها حمدان في تحميل الشعب مسؤولية رضوخه لطغيان الحكام، فإنّ لبّ تفكيره يسير بهذا الاتجاه، وبتأويل معقول، يمكن القول إن المجتمع المنقسم على نفسه، وهو أمر وصفه الوردي بقوله: “إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب آخر ـ باستثناء لبنان ـ وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الإنشقاق أجدى من تطبيق النظام فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية”، أقول إن مجتمعاً بهذا التوصيف سيكون أكثر من غيره عرضة لسيادة الأنظمة الدكتاتورية وبطشها. ذلك إن هذه الانقسامات الحادة، يمكن أن تستغل ظاهرياً لصالح هذه الفئة أو تلك، ولكنها في حقيقتها وجوهرها تكون لصالح الطاغية نفسه. فليس أسهل على زمرة عسكرية من سيادة مجتمع سيادة غاشمة غير أن يكون هذا المجتمع هو نفسه مهيأً لذلك، ليبذر فيه الحاكمون بذوراً تعمّق انقساماته، وتقوّي من سلطة الحاكم.

* * * *

ليس كتاب شخصية مصر عن الشخصية المصرية تحديداً، إنما هو صورة بانورامية، مفعمة بالتفصلات الدقيقة، عن مصر، إنه “دراسة عن شخصية مصر، لا المصريين، عن شخصية مصر لا شخصية المصريين” (ج1، 32) فهو “مسح كامل شامل لكل شبر، لكل حجر، لكل حبة رمل، في أرض مصر. إنه الأساس، ألف باء الجغرافيا، بل هو في نهاية الأمر جوهر شخصية مصر الطبيعية” (ج1، 47).

“إن هذا ليس كتاباً في التاريخ أو السياسة، أكثر مما هو محاولة في التفسير الجغرافي التاريخي السياسي المصري” (ج1، 56). إنه دراسة لروح المكان. ولتفسير هذا المصطلح الأخير يكتب جمال حمدان: “والحقيقة أن الملاحظ أحياناً أن الجغرافي قد يدرس على البعد أو على الورق إقليماً ما دراسة أكاديمية مستفيضة، يحدد خطوط التضاريس والجيولوجيا ويحلل المناخ والنبات والتربة ويصنف ملامح الإنسان ويصف معالم السكان والانتاج والاقتصاد… حتى إذا ما أتاه زائراً على الطبيعة وجد نمطاً من الحياة الجارية اليومية يرتبط بصميم البيئة الجغرافية ولكنه هو شخصياً يجهله ولا تسعفه فيه دراسته السابقة تلك. هذه الحلقة المفقودة هي بالدقة روح المكان وجوهر الإقليم” (ج1، 17)

ويرى الدكتور حمدان “أن موضوع شخصية الإنسان في أي مكان، تلك التي تتداخل بشدة مع فكرة الطوابع القومية، هو موضوع لا زال حتى الآن في دائرة الدراسة الشخصية أو الذاتية البحتة ولا يقوم بعد على أساس علمي موضوعي وثيق أو مقنع… الموضوع إذن ما زال علمياً في مرحلة جدلية عنيفة، ولا نقول هلامية، وقد لا يمكن التوصل فيه الى انتهاءات علمية يقينية إلى الأبد. وعلى أية حال، فهو في الأساس مجال الأنثروبولوجي والإثنولوجي وعالم الاجتماع والنفس أكثر مما هو مسئولية الجغرافي أو مشكلته” (ج1، 33)، وفي موضع آخر يقول: “واختصاراً، فتلك دراسات إن لم تكن انطباعات شخصية بحتة، فإنها على الأكثر قيم تحكمية أو أحكام تقييمية صرف” (ج4، 518).

ويشترك الرجلان في تشخيص سمة تتسم بها الكتابة عن الشخصية الوطنية، قد تثير من ردود الأفعال الغاضبة والمتشنجة القسط غير القليل. إذ “يعاني” علي الوردي في جميع ما يكتب من “مشكلة الموضوعية والحياد في الدراسة”(20)، لأن الكتابة عن الشخصية الاجتماعية تستفز الناس، فهي تواجههم بما لا يعرفونه، أو لا يريدون معرفته، عن أنفسهم. “وهذا هو الذي يجعل مهمة الباحث المحايد ـ أو الذي يحاول أن يكون محايداً ـ عسيرة جداً، إذ هو يمسي مكروهاً من الجميع”(21) ، كذلك يشخّص حمدان المشكلة نفسها: “إذ لا يخفى أن كل قارئ يحب أن يقرأ عن نفسه كل تمجيد وإطراء مهما شعر بزيفه ومغالطته، وبنفس القدر والقوة ينبذ أدنى كلمة يستشعر فيها الإساءة أو التجريح مهما استشعر في قرارته من صحتها أو حقيقتها” (ج4، 518).

ولكن الدكتور حمدان، مع ذلك، ورغم جميع التحوطات المنهجية، بما فيها قوله: “غير أن الأسوأ من هذا كله بالتأكيد هو مشكلة أو مأساة حرية القول والكلمة حين وحيث يعني الأمر السلطة والحكم والنظام بالتحديد” (ج4، 519)، أقول رغم ذلك كله لا يهمل مسألة الشخصية. فإذ يتوصل إلى أن يعد “التوسط والاعتدال من أبرز السمات العامة الأساسية في شخصية مصر والشخصية المصرية” (483)، ويستنتج أنه “إن يكن التوسط صفة جوهرية في شخصية مصر، فإن الاعتدال من جانبه أدخل في الشخصية المصرية… وبعبارة أوضح، إذا كان التوسط ألصق بالأرض المصرية، فإن الاعتدال يتصل مباشرة بالإنسان المصري نفسه، نفسيته، عقليته، شخصيته، خامته ومعدنه، جوهره وروحه… أي تلك الجوانب الداخلية الجوانية الدفينة، والدخائل الغائرة الخفية غير المادية غير المنظورة أو الملموسة بصورة مباشرة” (ج4، 517-518).

ويظل الدكتور حمدان أشبه بالمتردد المتوجس من الخوض عميقاً، وبثقة في هذا الجانب الملتبس. لذلك نجده في الصفحات التي يعقدها عن هذا الموضوع كمن يستأنس بما هو شائع من نظرات وآراء ومواقف بصدد الشخصية المصرية. يقول: “رغم سديمية الفكرة أصلاً، ورغم كل ما يكتنفها من الشكوك والتحفظات المبدئية والمنهجية، تميل جمهرة المفكرين والدارسين إلى الاعتقاد بوجود الشخصيات القومية والطوابع القومية كنتاج طبيعي منطقي معقول ووارد ـ لم لا؟ ـ لتعايش وتفاعل مجتمع ما في بيئة مادية وبشرية خاصة عبر تاريخ ألفي سنة” (ج4، 519)، ويمحض الدكتور حمدان هذه الفكرة الصدقية، والموضوعية، التي كان في بادئ الأمر يخشى عليهما من الضياع. يقول: “ألا يصنع هذا كله في النهاية نمطاً أو شبه نمط متميز نسبياً من الإنسان والسلوك والطبيعة والقيم والعادات المكتسبة. أو تضفي لوناً عاماً أغلب عليه كمتوسط أو كنموذج أكثر تواتراً وحدوثاً في المتوسط؟” (ج4، 519).

* * * *

يغربل الدكتور حمدان جميع ما تذكره الدراسات عن الشخصية المصرية وطباعها، فيخرج بقائمة هي أيضا معتدلة، تمثل ما يسميه “خصائص أساسية تعد أركان أو اقطاب تلك الشخصية” (ج4، 524) وهي “أولها دائماً التدين، وثانيهما حتماً المحافظة، وثالثهما باستمرار الاعتدال، ورابعها غالباً الواقعية، وخامسها أحياناً السلبية” (ج4، 524). وبنود هذه القائمة تترابط بعضها ببعض، ويؤدي بعضها إلى بعض، وتتفرع عنها سمات فرعية: “فالمصري العادي أو المتوسط أميل في الغالب إلى الوداعة والهدوء والدماثة والبشاشة، وإلى الشخصية الاجتماعية الودود، السلسة السهلة المنطلقة، غير المنغلقة أو المعقدة، كما كان أجنح إلى التعاون منه إلى التنافس، وفي الوقت نفسه أبعد شيء عن العنف والقسوة والدموية والمزاج الحمراوي الدموي” (ج4، 526)… “وهو من ثم مطيع بالضرورة، أكثر مما هو متمرد بالطبع. فإذا ما عجز عن تغيير الواقع فإنه في العادة أو في النهاية يخضع له ويرضخ للأمر الواقع، إلا أنه حينئذ قد يسخر منه للتعويض والتنفيس” (ج4، 526).

ويترتب على مجمل هذه الخصائص خاصية “التسامح الديني” كما يسميها الدكتور جمال حمدان. يقول: “ولعل هذا يتضح في سهولة وانسيابية تحول مصر تباعاً من وإلى الأديان الثلاثة” (ج4، 531) فالـ”محقق أن مصر… لم تعرف التعصب الديني منذ البداية وإلى النهاية، ولا عرفت الحروب الدينية الدموية أو المذابح الطائفية”(ج4، 532). بيد أن هذا الاعتدال نفسه، أو لنقل المغالاة فيه، كان يمثل لدى جمال حمدان سمة سلبية على المدى البعيد، وليست إيجابية. يكتب: “لقد أصبح التغيير شرط البقاء نفسه، إن لم يكن لفصد الدم الفاسد، فلتجديد الدم الصحي. وفي الحالين، فإن آفة مصر وجريرة الشخصية المصرية هو الاعتدال المفرط، وفرط المحافظة التي تفضل الحلول الوسطى ومساوماتها الجزئية على الحلول الجذرية، والتطور على الطفرة، والإصلاح على الثورة. (ج4، 616).

أما علي الوردي، فإن كرّس مجمل نتاجه لدراسة المجتمع العراقي، والشخصية العراقية، ولقد أدخله هذا في سجالات عديدة مع نقاده من الجهات كافة. وهو يرى في الشخصية العراقية خاصية أساسية يسميها “الازدواج الشخصي”، ومن هذه الخاصية تنتج، أو على أساسها تنبني، خصائص وسمات أخرى تدمغ شخصية الفرد العراقي. إن العراقي، كما يقول الوردي في عبارة يصادق عليها الزمان تلو الزمان: “أقل الناس تمسكاً بالدين، وأكثرهم انغماساً في النزاع بين المذاهب الدينية. فتراه ملحداً من ناحية وطائفياً من ناحية أخرى. وقد يلتهب العراقي حماسة إذا انتقد غيرُه في ما يخص المبادئ السامية أو رعاية العدل والعفو والرحمة، ولكننا نراه من أسرع الناس إلى الاعتداء على غيره ضرباً ولكماً، حالما يرى الظروف المناسبة”(22). وهذه الازدواجية حتمتها ظروف في مقدمتها، وأساسها سيادة نظامين من القيم الاجتماعية: “قيم البداوة الآتية… من الصحراء المجاورة، وقيم الحضارة المنبعثة من تاريخه الحضاري القديم”، لذلك يصف الوردي الشعب العراقي متجوزاً: “بأنه شعب حائر، فقد انفتح أمامه طريقان متعاكسان وهو مضطر أن يسير فيهما في آن واحد. فهو يمشي في هذا الطريق حيناً ثم يعود ليمشي في الطريق الآخر حيناً آخر”(23) .

ولكن هذه الازدواجية ليست مقتصرة على الشخصية العراقية، إنما تشمل الشخصية العربية عموماًَ، وإن كانت لدى العراقيين أظهر من غيرهم. يقول: “وقد لاحظت بعد دراسة طويلة إن العرب مصابون بداء ازدواج الشخصية أكثر من غيرهم من الأمم. ولعل السبب في ذلك ناشيء من كونهم وقعوا أثناء تطورهم الحضاري تحت تأثير عاملين متناقضين: هما البداوة والإسلام”(24).

أما وجه المقارنة بين العراق ومصر في هذه النقطة تحديداً، نقطة البداوة والحياة القبلية، فإنها تتخذ شكلاً آخر. يقول حمدان: “صحيح أن التعريب، وأكثر منه التبشير بالإسلام، مضى أبطأ وأقل مدى في مصر منه في بلد كالعراق يظل هو أقرب موقعاً إلى البلد الأم وأدخل موضعاً للبدو والرعاة” (ج4، 632).

ويقول الوردي: “يمكن القول إن الصراع بين البداوة والحضارة يختلف في نمطه وشدة تفاعله من قطر إلى آخر في الوطن العربي”(25). ويصنف الأقطار العربية من هذه الناحية إلى ثلاثة أصناف. فهناك دول تحتوي على الحضارة والبداوة وفي مقدمتها العراق. ودول ومناطق بدوية بالكامل. أما الصنف الثالث فتكون فيه الحضارة أقوى من البداوة. ويقول: “ولعلنا لا نعدو الصواب إذا قلنا إن القطر العربي الوحيد الذي تتمثل فيه خصائص هذا الصنف، إلى حد ما، هو القطر المصري، ولا سيما الوجه البحري منه. أما الوجه القبلي، وهو الذي يسمى بالصعيد، فمن الممكن عده من الصنف الأول، وهو بذلك يشبه العراق إلى حد كبير”(26) .

وفي عبارتين ساخرتين، ولكن دالّتين، يقول علي الوردي: “ولا يخفى أن… الطبيعة البدوية تناقض روح الاسلام… والبدوي لا يستطيع أن يكون مسلماً حقيقياً إلاّ في بعض الأحيان، وذلك حين يكون المجتمع الإسلامي في حرب مع أعدائه”(27) ، أما جمال حمدان، فيعقب على حركات البدو التي شهدها تاريخ مصر، وقد تبدو في ظاهرها انفصالية، بقوله: “لعل الهدف السياسي للبدو العربان لم يكن في الأعم الأغلب “دولة انفصال” ينفردون بها، بقدر ما كان “دولة فوضى” يتمتعون فيها بحرية السلب والنهب.. الخ” (ج2، 485).

ورغم الاختلاف بين الاعتدال المصري والتطرف العراقي، فإن كلا السمتين كانتا بالنسبة لهما آفتين يجب تشخيصها ومعالجتها علمياً. وأظن أن تشابههما في التقييم نفسه لطبيعتين مختلفتين ناجم عن اختلاف الوضع التاريخي الذي يعيشانه. فجمال حمدان كان يرى، كما يبدو لي، أن الوضع السياسي الفج، رغم استقراره، بحاجة إلى زوبعة عنيفة، وثورة شعبية وذلك “بأن يأخذ [الشعب] أمره في يده مرة واحدة في التاريخ، مرة واحدة وإلى الأبد (ج4، 612) [لنفتح قوساً هنا بدلاً من الهامش ونشير في هذا الصدد إلى تناقض بين قولين للدكتور جمال حمدان فهو يقول “إن التاريخ المصري يخلو عموماً من حمامات الدم ومن سفك الدماء، رغم أنه حافل بالانتفاضات والثورات والفورات والهبات الشعبية العارمة” (ج4، 542) وفي موضع آخر يقول: “ومصر التي لم تعرف الثورة طوال تاريخها وإلى الآن، باتت مصابة تقريباً بتسمم مزمن ومتزايد في الدم” (ج4، 613).

أما علي الوردي، فإن تاريخ بلاده الحديث مختلف حتماً، فالانقلابات والثورات كانت دائماً سبباً في تردي الأوضاع العامة وسوئها. ولعلنا نقول تجوزاً إن شخصية علي الوردي أكثر حذراً وحرصاً في هذه المواضع، من جهة الجهر بهذا القول، ومن جهة ما قد يترتب على الحدث نفسه فيما لو وقع.

* * * *

هناك مسألة منهجية يواجهها كلا الكاتبين في تناولهما لموضوعهما. وهي ما يسميه من ينتقدهما بالنزعة المحلية. كان الوردي قد دعا إلى استبدال ما يسود الجامعات والأكاديميات العربية من منهج وعظي في دراسة المجتمع العربي بمنهج علمي موضوعي “أقرب إلى منهج علم الاجتماع الحديث”(28)، ولكن دعوته كما يرى ذهبت أدراج الرياح “وقد صارحني بعضهم” كما يقول “إن دراسة أي جزء من الوطن العربي كالمجتمع العراقي أو السوري أو المصري ـ بدلاً من دراسة المجتمع العربي كله في موضوع واحد ـ هي بمثابة دعوة إلى الإقليمية المقيتة، وهي تضر العرب في هذه المرحلة أكثر مما تنفعهم”(29). وعلى هذه التهمة يرد الدكتور الوردي: “يبدو على أي حال أن نكسة حزيران عام 1967 لفتت أنظار بعض مفكرينا إلى خطأ هذا النوع من التفكير”(30). ويورد بهذا الصدد مقطعاً من مقال كتبه محمد حسنين هيكل في جريدة الأهرام في 13/1/1968، يبرّز فيه خطأ ما يسميها هيكل بالقوى الثورية. ويتساءل هيكل: “إلى أي مدى يؤثر العامل القومي الذي ينبع من حقيقة أن العرب جميعاً أمة عربية واحدة؟ وإلى أي مدى يؤثر العامل الوطني الذي ينبع هو الآخر من حقيقة مضادة وهي أن شعوب هذه الأمة العربية الواحدة تنقسم إلى أوطان مستقلة لكل منها حدودها، ما هي أوجه الشبه وما أوجه الخلاف بين الشعوب العربية التي تنتمي إلى أمة واحدة؟(31).

وعلى النحو نفسه يقول حمدان: “إن البعض قد يرى أن الحديث عن الشخصية الإقليمية وما يضغط عليه أو يوحي به من تفرد في روح المكان وعبقرية ذاتية في الإقليم إنما هو أمرٌ يؤكد الفروق الجغرافية على حساب التشابهات بالضرورة ويبرز الاختلافات المحلية في وجه التجانس العام، وبالتالي قد تكون له محمولات وظلال معينة أو قد تقحم عليه تخريجات أو تأويلات سياسية بعيدة أو قريبة” (ج1، 21).

ويرد الدكتور حمدان على هذا الاتهام بقوله: “هل الحديث عن الشخصية الإقليمية لمصر أو المغرب أو العراق… يترادف مع الحديث عن المصرية والمغربية والعراقية، ويتضاد مع العروبة؟ (ج1، 22)، وعلى هذا التساؤل الاستنكاري يجيب: “إن الشخصية الاقليمية أشبه شيء بالشخصية الانسانية. فالشخصية ـ هذه وتلك ـ مركب معقد للغاية من عدد ضخم من العناصر وتوليفة معينة من السمات والصفات والملامح والمعالم. فإذا اشتركت شخصيتان في الغالبية من تلك العناصر والقسمات، ولكن اختلفتا في قلة منهما مهما تضاءلت، فليس علينا جناح أن نتكلم عن “تفرد” الشخصية في كل منهما رغم التشابه الواسع المدى، ودون أن يعني ذلك أي تنافر أو تضاد بينهما” (ج1، 23).

* * * *

لو تأملنا في ما فصلنا في أعلاه من مواقف الرجلين، حذرهما، خوفهما سواء على النفس أم على عدم وصول ما يكتبانه إلى القراء، وقلبنا الأمر على وجوهه العديدة، وفي مقدمتها الوجه الثقافي الفكري في مجتمعات، مثل مجتمعاتنا، هي أحوج ما تكون إلى المثقف العلمي الموضوعي، تأملاً لا يهدف التقريظ، وهما يستحقانه، ولا التمرغ في الرثاء، ونحن نستحقه، إنما يهدف إلى تجلية الممكن الواعد الذي انفقد في حمأة الآيديولوجيات وصخب العوام. والحديث هنا لا يشمل هذين الرجلين فقط، إنما يغطي جميع تلك الفرص المهدورة، مثل ثرواتنا الوطنية، التي جسدها مثقفون عديدون لم يجعلوا من أنفسهم ولا كتاباتهم في خدمة الحزب الواحد ولا الزعيم الأوحد أو القائد التاريخي. وكي ندرك حجم الفقد، ما علينا غير أن نرى صورة واقع البلدين اليوم. فإذا كانت مصر اليوم في وضع لا تُحسد عليه، لا وطنياً ولا عربياً ولا إنسانياً، فإن حالة العراق، اليوم وأمس خارجة عن كل توصيف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- د. جمال حمدان، شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان، دار الهلال، من دون تاريخ. وستكون إحالاتي داخل المتن على هذه الطبعة.
2- د. علي الوردي، في الطبيعة البشرية؛ محاولة في فهم ما جرى، تقديم سعد البزاز، دار الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 1996، ص 7.
3- د. علي الوردي، الأحلام بين العلم والعقيدة، دار كوفان لندن، ط2، ص 26.
4- المصدر نفسه، ص 313.
5- المصدر نفسه، ص24.
6- المصدر نفسه، 333.
7- المصدر نفسه، 323.
8- المصدر نفسه، 324.
9- د. علي الوردي، وعاظ السلاطين، دار كوفان-لندن، ط2، 1995، ص5.
10- الأحلام بين العلم والعقيدة، 322.
11- المصدر نفسه، 314-315.
12- علي الوردي، في الطبيعة البشرية،، 43.
13- الأحلام بين العلم والعقيدة، 26-27. وَعَدَنا الكاتب بمجموعة كتب لم تظهر حتى الآن رغم كل هذه السنين التي مرت، ورغم رحيل الرجل منذ سنوات، وهي العراق وقيم البداوة، أنظر هامش رقم 2 صفحة 20 من كتابه وعاظ السلاطين، وكذلك هامش رقم 31من كتاب مهزلة العقل البشري، ص203، وهامش رقم 3، المصدر نفسه، ص112؛ وكتاب آخر هو منشأ الحركات الاجتماعية في الاسلام، هامش رقم 1صفحة 23 المصدر نفسه، وكتاب بعنوان الحقيقة الغائبة في الإسلام، أنظر هامش رقم 3، من المصدر نفسه، ص 248، وكتاب أخلاق أهل العراق، أنظر ص26 من كتاب الأحلام بين العلم والعقيدة.
14- علي الوردي، في الطبيعة البشرية، 43.
15- علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، جامعة بغداد، 1965، ص 382.
16- المصدر نفسه، 382.
17- المصدر نفسه، 383.
18- (د. محمد جابر الأنصاري، التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام؛ لبمؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1995، ص55).
19- دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، 3.
20- لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ، ج1، مطبعة المعارف، بغداد، 1979، ص 5.
21- المصدر نفسه، 6.
22- شخصية الفرد العراقي، من دون تاريخ ولا مكان الطبعة، ص 38.
23- علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، 12.
24- علي الوردي، وعاظ السلاطين، ص 19.
25- علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص17.
26- علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، 20-21.
27- وعاظ السلاطين، 22.
28- علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج1، 317.
29- المصدر نفسه.
30- المصدر نفسه، 317-318.
31- المصدر نفسه

*عن الحوار المتمدن

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

2 تعليقان

  1. (اعتمدها)
    الاستاد د. حسين سرمك
    فريق عمل الموقع المحترمون

    تحية
    وبعد٬اكتب٬ نشكر صاحب المقال ٬ ،اخلاصا محترم. وعليه
    في مقابل التعليق٬ ان ما لهذا “المقال” سوى محصور نقرأه٬ بمؤكد زيف الاقوال لدى الباحثين: في المتن: نص نقض تفكير “استشرقي” بمنهج محدد. وهدا لا يعيب.
    اما لفضهما الواقع اادواته للمهملين قيامه كسالى٬ وان ترجما ذا مد فيه للحدثة.
    وبعد٬ آقول٬ متسائلة عن :
    ١. الفرض الاستيعابي “قياس الازاحة المعرفية التاريخية للعقل” بين المحدد للموضوع لكلا الباحثين والزمن في الباحث.
    ٢. الفرض الطبيعي بأنعكاس العقل الخالص في مكاكن الشعوب “الخلوصية من المطلقات والوطيفية”؟ في آن:الشعوب المجغرفة لدى “جمال حمدان٬ الوردي” في ضربهما “رياضيا” لمعرفة الازحات الدهنية في التحليل.
    لنحلق معرفيا في:
    ٣. ما سرعة الباحث لفرق التحليل على كتل الواقع المتحرك. (بضرب الكتلة “كباحث ـ ثابت” مع حجم المعلومات في مسافة بعد للحدث) تقديرا لسرعة الزمن للمعرفة. بداته.
    ٤. رابعا واخيرا٬ ما وجد فرق بين الباحث “النطري” واطرافه كموضوعين٬ بمعنى:
    كيف المجتمعات ادا تغيرت في الازحة مستقية٬ بحسب الهدف؟ كم يقاس معدل المعياري لزمن الازاحة؟؟ المعاكسة.
    بالتوفيق
    إشبيليا

  2. شعوب الجبوري

    الاستاذ د. حسين سرمك

    جهد كاتب المقال٬ مقدماته جاءت على النتائج ضوضاء تشويش ثقيلة٫ للآسف،
    شعوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *