الدكتور علي القاسمي : مرافئ على الشاطئ الآخر روائع القصص الأمريكيّة المعاصرة (14)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ ، وفي كل يوم جمعة مباركة ، بنشر فصول كتاب العلّامة المبدع الكبير الدكتور علي القاسمي “مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة” ، وهو كتاب بانورامي نقدي شامل يضم 22 قصة لكبار الأدباء الأمريكيين في القرن العشرين مع تقديم لكل كاتب: حياته وأسلوبه. فشكرا للميدع الكبير القاسمي على تفضّله بالموافقة على نشر الكتاب متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

(14)

سوزان سونتاغ

( لُقِّبت سوزان سونتاغ Susan Sontag في الستينيّات من القرن العشرين بـ “المثَّقفة الجديدة” على إثر نشرها مقالاتٍ لفتتْ إليها الأنظار، لما تميَّزت به من معالجةٍ جديدة بأسلوبٍ مبتكَرٍ لمشكلاتٍ شائكةٍ في المجتمع الأمريكيّ مثل المخدِّرات، والأدب المكشوف، والسرطان، والثورة، وغيرها. وبالإضافة إلى مقالاتها التي تنشرها الصحف الأمريكيّة الكبرى، فإنَّ سونتاغ تكتب القصّة القصيرة والرواية. وقد تحوَّلت مؤخَّراً إلى التصوير الفوتغرافيّ وكتابة السناريو للأشرطة السينمائيّة وإخراجها.

ولِدت سونتاغ عام 1933 في نيويورك، وأمضتْ طفولتها في مدينة توسون في ولاية أريزونا، ودرستْ في مدرسةٍ ثانوية في مدينة لوس أنجلس في ولاية كاليفورنيا، وتخرَّجت في جامعة شيكاغو سنة 1951 (أي وعمرها ثمانية عشر عاماً فقط)، وواصلتْ دراساتها العُليا في جامعة هارفرد الشهيرة وجامعة باريس (السوربون)، ثمَّ أصبحتْ أستاذةً للفلسفة في جامعة كولومبيا في نيويورك.

نشرت سونتاغ أُولى رواياتها عام 1963 بعنوان “المُحسِن”. وعندما أصيبتْ بالسرطان وعولجتْ منه عام 1978، ألّفتْ كتاباً بعنوان “المرض والتعبيرات المجازيّة”. وقد نقَّحته ووسَّعته وأعادتْ نشره عام 1988 بعنوان “مرض نقص المناعة والتعبيرات المجازيّة”. ونشرتْ آخر رواياتها عام 1999 بعنوان ” في أمريكا “.

حازت سونتاغ جوائز عديدة من الدوائر الأدبيّة والأكاديميّة الأمريكيّة. والقصّة التي نترجمها لها هنا نُشِرت أوَّل مرَّةٍ في مجلّة ” النيويوركي” وظهرتْ في كتاب “أحسن القصص الأمريكيّة عام 1987” وضمّنها جون أبدايك في كتابه “أحسن القصص الأمريكيّة في القرن العشرين”. وتستخدم الكاتبة في هذه القصّة تقنية الحشد السريع للأحداث المتتابعة، والأقوال المتلاحقة، والأفكار المتدافعة في جملةٍ واحدةٍ بحيث لا مفرَّ للقارئ من الاندماج في فضاء القصّة، ولا فكاك له من الانغماس فيها، ولهذا فإنّ طول الجملة الواحدة في هذه القصَّة قد يربو على الصفحة أو الصفحتيْن أو أكثر. وهذا يذكّرنا بأسلوب الكاتب الفرنسي ّ مارسيل بروست. كما تستخدم الكاتبة في هذه القصّة تقنيَّة التوثيق، أي أنّها لا تكتفي بنسبة الأقوال إلى قائليها وإنَّما تنصُّ على مَن نقلَ الأقوال، وتذكر مَن وصف الأحداث، وتسمّي من أعرب عن الانطباعات والأفكار، وتضع أسماء مصادرها بين قوسين داخل النصِّ كما كان يفعل الباحثون الأكاديميّون الأمريكيّون في الستينيّات والسبعينيّات من القرن العشرين، وما السارد هنا إلا مؤرِّخ أمين يترك للقارئ استخلاص النتائج والعِبَر من الأحداث. والأشخاص العديدون في هذه القصّة يتناقشون عن المرض (نقص المناعة) ولكنّهم لا يسمّونه، ويتحدَّثون عن صديقهم المُصاب بذلك المرض ولكن لا يسمّونه، فهم يقولون كلَّ شيء ولا شيء في آنٍ واحد. ومن خلال الغمز واللمز واللوم المتبادل في محادثاتهم يستطيع القارئ أن يستخلص موقف الكاتبة من الطريقة التي تعيش عليها هذه المجموعة من الناس. وهذا يكشف عن المهارة الكبيرة والخبرة العميقة اللتَيْن وظَّفتْهما الكاتبة في هذه القصّة.

توفيت سوزان سونتاغ في نيويورك في ديسمبر/كانون الأول من سنة 2004.)

الطريقة التي نعيش عليها الآن

في البداية أخذَ يفقد بعض الوزن فقط، وشعرَ بأنّه مريض نوعاً ما، كما أخبر ماكسُ ألينَ، ولم يطلبْ موعداً مع طبيبه، طبقاً لما قاله غريك، لأنّه كان يستطيع الاستمرار في العمل بنفس الوتيرة تقريباً، ولكنَّه أقلع عن التدخين، كما أشارتْ تانيا، التي ألمحت إلى أنّه خائف، ولكنّها أشارتْ كذلك إلى أنّه يرغب، أكثر مما يُدرك، في أن يكون صحيحَ الجسم معافى، أو أكثرَ صحّةً، أو ربّما كان يريد أن يستعيد بضعة أرطال، كما قال أورسون، لأنّه ، كما أضافتْ تانيا، أخبرها بأنّه كان يتوقَّع أن يتسلَّق الجدران (أليس ذلك ما يقوله الناس؟)، ووجدَ، لدهشته، أنّه لم يفتقد السجائر مطلقاً، وكشفَ بابتهاجٍ عن أنَّ رئتيه تخلَّصتا من الألم لأوَّل مرّةٍ بعد سنوات عديدة. وأراد ستيفن أن يعرف ما إذا كان لديه طبيب جيّد، لأنّه سيكون من الجنون ألا يُجري فحصاً عامّاً بعد أن يكون الضغط قد خفَّ عليه عقب عودته من المؤتمر في هلسنكي، حتّى إذا كان قد شعر بتحسُّنٍ في حينه. وقال هو لفرانك إنّه سيذهب لإجراء الفحوص على الرغم من أنَّه خائف في الحقيقة، كما اعترف لجان، ولكن مَن الذي لا يخاف الآن، مع أنَّه لم يكُن قلِقاً مؤخَّراً، ولو أنَّ هذا يبدو غريباً، وكما أسرّ لكنتين، فإنّه لم يشعر بمذاقِ الهلع في فمه إلا في الأشهر الستة الأخيرة، لأنّ المعاناة من مرضٍ خطيرٍ شيءٌ يحدث لأُناسٍ آخرين كذلك، ويسبِّب هوساً طبيعيّاً، كما شرح لباولو، عِلماً بأنّه في الثامنة والثلاثين من عمره ولم يُصَب بمرضٍ خطيرٍ من قبل، وليس ممَّن يصيبهم هوسُ الخوف من المرض، كما أكَّدت جان. وطبعاً من الصعب ألا يقلق الإنسان، فكلُّ واحدٍ ينتابه القلق، ولكن لا يرقى القلق إلى مرتبة الهلع، لأنَّه، كما أوضح ماكس، ليس ثمّة ما يستطيع الإنسان أن يفعله سوى الانتظار والتعلُّق بالأمل، انتظر وكن حذِراً، كُن حذِرا وأملْ خيراً. وحتّى إذا ثبت أنَّ أحدنا مريض، فلا ينبغي أن يستسلم، فلديهم الآن أدوية جديدة من المتوقَّع أن تضع حدّاً لانتشار هذا المرض الذي لا يرحم، فالبحث العلميّ يتقدَّم. ويبدو أنَّ كلَّ واحدٍ على اتّصالٍ مع الآخرين عدّةَ مرّاتٍ في الأسبوع، فقد قال ستيفن لكيت، إنّني لم أُمضِ في حياتي ساعاتٍ طويلةً على الهاتف كما هو حالي هذه الأيام، فبعد أن ينال الإعياء منّي مبلغاً بعد مكالمتَين أو ثلاث أتلقاهما من أصدقاء يزوِّدونني فيها بآخر الأخبار، أقوم أنا، بدلاً من أن أمنح نفسي بعض الراحة، بإدارة رقم هاتفِ صديقٍ أو زميلٍ آخر لأنقل إليه الأخبار. وقالت أيلين إنّني لستُ متأكِّدة من أنَّني أستطيع التفكير كثيراً حول الموضوع، كما أنَّني أشكُّ في دوافعي الخاصّة، فثّمة شيء خبيث يستثيرني وقد اعتدتُ عليه، لا بدّ أنّه شبيه بشعور الناس في لندن خلال قصفها من الجوِّ في الحرب العالميّة الثانية. وقالت آيلين، على حدِّ علمي فإنَّني لستُ معرَّضةً للإصابة، ولكن لا أحد يدري. وقال فرانك إنَّ هذا الشيء لا سابق له على الإطلاق. وأصرَّ ستيفن قائلاً، ولكن ألا تظنُّ أنَّه ينبغي عليه أن يرى الطبيب. فقال أورسون، اسمعْ، إنَّك لا تستطيع أن تُرغِم الناس على الاعتناء بأنفسهم، وما الذي يجعلكَ تظنّ الأسوأ، فقد يكون قد أصابه مرضٌ عاديٌّ، فالناس ما زالوا يُصابون بالأمراض العاديّة، فلماذا تظنّ أنّه أُصيب بذاك المرض. وقال ستيفن، ولكن كلّ ما أريد أن أتأكَّد منه هو أن يفهم الخيارات المتاحة، لأنَّ معظم الناس لا يفهمون ذلك، ولهذا فهم لا يراجعون الطبيب ولا يجرون الفحوص اللازمة، لأنّهم يظنّون أنَّه لا يوجد ما يمكن أن يفعله الإنسان. ويُنقَل عنه أنّه قال لتانيا (طبقاً لغريك)، ما الذي أكسُبُه إذا ذهبتُ إلى الطبيب؛ إذا كنتُ مريضا حقّاً، فإنّي سرعان ما أعرف ذلك.

ويبدو أنَّ معنويّاته ارتفعتْ، عندما دخل المستشفى، طبقاً لدوني. فقد أصبح أكثر بشاشةً مما كان عليه في الأشهر الأخيرة، كما قالت أرسولا، ويبدو أنَّ الأخبار السيئة تريح الإنسان من الهمّ، طبقاً لأيرا، أو بمثابة ضربة غير متوقعة، طبقاً لكنتين، ولكنّك لا تتوقَّع منه أن يقول الشيء نفسه لجميع أصدقائه، لأنَّ علاقته مع أيرا تختلف عن علاقته مع كنتين (هذا طبقا لكنتين الذي كان فخوراً جدّاً بصداقتهما)، وربّما حسِبَ أنَّ كنتين لن ينهار إذا رآه يبكي، ولكن أيرا أصرَّتْ على أنَّ ذلك لا يمكن أن يكون هو السبب الحقيقيّ لتصرُّفه بصورةٍ مختلفةٍ مع كلٍّ منهما، وأنّه ربَّما أخذ يشعر بالصدمة بصورةٍ أخفّ، وأنّه أخذَ يجمّع قواه للدفاع عن حياته في اللحظة التي رأى فيها أيرا، ولكن غلبه الشعور باليأس عندما وصل كنتين وهو يحمل الزهور، لأنّ الزهور قد قذفتْ به في حالةٍ نفسيّة سيئة، كما أخبر كنتين كيت، لأنَّ غرفته بالمستشفى كانت غاصّة بالزهور، ولم يكُن بوسعكَ حشرَ زهرة واحدة أُخرى في الغرفة، وقالت كيت له وهي مبتسمة لا بدّ أنَّك تبالغ، فكلُّ واحد يحبُّ الزهور. فقال كنتين بحدَّةٍ ومَن ذا الذي لا يبالغ في وقت كهذا، ألا تعرفين أنَّ هذا مبالغة؟ قالت كيت بلطف، طبعاً أعرف، كنتُ أمزح فقط، أعني أنَّني لم أقصد أن أمزح. وقال كنتين والدموع في عينَيه، أعرف ذلك، وضمَّته كيت إلى صدرها وقالت حسناً عندما أذهب هذا المساء لعيادته لا أحسب أنّني سأحمل زهوراً معي، ماذا يريد؛ وقال كنتين، طبقا لماكس، إنّه يفضل الشوكولاته. وسألتْ كيت هل هناك من شيءٍ آخر، أعني مثل الشوكولاته ولكن ليس شوكولاته. فقال كنتين وهو يتمخَّط، عرق السوس. حسناً، قالت كيت، سأحمل له مجموعة أشياء، إضافةً إلى الشوكولاته وعرق السوس، وماذا بعد؟ قال كنتين، الجلاتين.

لم يُرِد أن يبقى وحيداً، طبقاً لباولو، وجاء لعيادته كثيرٌ من الناس في الأسبوع الأوّل، وقالت الممرضة الجامايكيّة، هناك مرضى آخرون في ذلك الطابق يسرّهم الحصول على باقات الزهور الزائدة، ولم يخشَ الناسُ زيارتَه، فليس الحال الآن كما كان في الأيام السالفة، كما أوضحتْ كيت لآيلين، وتخلّى المستشفى عن عزلهم عن بقيّة المرضى، كما لاحظت هيلدا، وليس ثمّةَ شيءٌ على باب غرفته يحذّر الزوّار من احتمال العدوى، كما كان الحال قبل بضع سنين؛ وفي الواقع كان هو في غرفة مزدوجة، كما ذكر أورسون، والرجل الكبير الذي في الطرف الآخر من الغرفة (والذي يبدو أنّه على وشك الخروج من المستشفى، كما قال ستيفن) ليس مصاباً بالمرض، وواصلتْ كيت كلامها قائلةً، ولهذا، ينبغي حقّاً أن تذهبي وتعوديه، وسيكون سعيداً برؤيتكِ، فهو يحبُّ أن يعوده الناس، وأنتِ لست خائفة من الذهاب إليه، أليس كذلك؟ فقالت آيلين، ولكن لا أعرف ما سأقوله له، أظنُّ أنّني سأشعر بالارتباك، ومن المحتمل أن يلاحظ ذلك، وهذا ما يجعله يشعر أسوأ مما هو عليه، فأنا لا أنفعه؛ فقالت كيت وهي تربت على يد آيلين، ولكنّه لن يلاحظ أيَّ شيءٍ، فالأمر ليس بهذا الشكل، وليس كما تتصوَّرين، فهو لا يحكم على الآخرين ولا يتحرّى دوافعهم، وإنَّما تُسِرُّه رؤية أصدقائه. فقالت آيلين، ولكنّي لم أكن صديقته حقيقةً، أنتِ صديقته، كان يودّك دائماً، فأنتِ أخبرتني أنّه تحدَّث معكِ عن نورا، أعرف أنّه يودّني، بل متعلِّق بي، ولكنّه يحترمكِ. ولكن طبقا لويسلي، فإنّ السبب في قلّة عيادات آيلين له، يكمن في أنّها لا تستطيع مطلقاً أن تنفرد به، فهي دائماً تجد آخرين عنده، وفي الوقت الذي ينصرفون فيه يكون غيرهم قد وصل. وقال دوني إنَّ آيلين كانت على علاقة غراميّة به لسنوات، وأستطيع أن أفهم شعور آيلين بالمرارة إذا كانت هناك امرأة أُخرى يحبّها حقاً، فقال فيكتور، يا إلهي، مَن كان يعرفه خلال تلك السنوات يعلم أنّه كان مجنوناً بنورا، وكانا زوجاً يُثلِج القلب، مثل ملاكَين بكلِّ تأكيد، ثم لم تشأ الأقدار أن تكون هي.

وعندما انتظرَ بعضُ أصدقائه من الذين يأتون لعيادته كلَّ يوم، الطبيبةَ في الممرّ، كان ستيفن هو الذي سألها أدقَّ الأسئلة، إذ كان يتابع ليس فقط الأخبار التي تظهر عدَّةَ مرّاتٍ في الأسبوع في جريدة التايمز (التي يعترف غريك بأنّه توقَّف عن قراءتها، لأنّه لم يحتملها أكثر)، وإنَّما يطالع كذلك المقالات في المجلات الطبيّة التي تصدر هنا وفي إنجلترة وفي فرنسا، ويعرف شخصيّاً أحد الأطباء الفرنسيِّين في باريس الذي يُجري بحوثاً عن المرض تجد لها صدىً إعلاميّاً كبيراً؛ ولكنَّ طبيبته لم تقُل أكثر من أنَّ التهاب الرئتَين لا يهدِّد الحياة، وأنَّ حرارته في انخفاض، وطبعاً فإنَّه ما يزال ضعيفاً، ولكنّه يستجيب بصورةٍ جيّدة للمضادات الحيويّة، وأنَّ عليه أن يستكملَ مدَّةَ مكوثه في المستشفى التي تتضمن على الأقل واحداً وعشرين يوماً من العلاج بـدواء (أ ف) ، قبل أن تتمكَّن من إعطائه الدواء الجديد، لأنّها متفائلة من إمكان وضعه على لائحة الذين يتلقّون العلاج الجديد؛ وعندما قال فكتور، إذا كان يواجه صعوبةً كبيرةً في تناول الطعام (لأنّه كان يقول لأصدقائه الذين يحثونه على تناول بعض وجبات المستشفى، ليس للطعام طعمٌ طيّب وأنّه يشعر بمذاق مرّ في فمه)، فليس من المفيد أن يحمل إليه أصدقاؤه كلَّ تلك الشوكولاته، ابتسمت الطبيبة وقالت إنّ معنويات المريض في مثل هذه الحالات عاملٌ مهمٌّ أيضاً، وإذا كانت الشوكولاته تجعله يشعر بشكل أفضل فلا ضرر منها؛ وقد جعل جوابُ الطبيبة ستيفن يحسّ بالقلق، كما أخبر دوني فيما بعد، لأنّهم كانوا يريدون أن يصدِّقوا وعود الطبِّ الحديث القائم على التكنولوجيا المتطوِّرة، ولكنَّ هذه الطبيبة ذات الشعر الفضيّ التي كثيراً ما تنشر الصحف تصريحاتها، تتحدَّث مثل طبيب عامٍ قرويّ يقول لعائلةٍ ما إنّ الشاي والعسل أو حساء الدجاج قد تفيد المريض مثلما يفيده البنسلين، وهذا يعني، كما قال ماكس، أنّهم في طريقهم إلى تحديد علاجه، وأنّهم لم يكونوا متأكِّدين مما ينبغي عمله، وأنّ الحقيقة، الحقيقة الحقيقيّة، كما قالت هيلدا، هي أنّ الأطباء لا يخالجهم في الواقع أيُّ أمل.

قال لويس، آه، لا، لا أحتمل ذلك، انتظروا لحظةً، لا أستطيع أن اصدّق ذلك، هل أنتم متأكِّدون، أعني هل هم متأكِّدون، هل أجروا جميع الاختبارات اللازمة، لقد بلغ بي الأمر أنَّني عندما يدقُّ جرس الهاتف أخاف أن أرفع السماعة، لأنّي أخشى أن يخبرني أحدنا بأنَّه مريض؛ فقال روبرت بحدّة، ولكن ألا يعلم لويس حقَّاً حتّى يوم أمس، أجد ذلك صعبَ التصديق، كلُّ واحدٍ يتحدَّث عنه، ويبدو أنَّ من المستحيل أنَّ لويس لم يخبره أحد هاتفيّاً، وربّما كان لويس يعرف تمام المعرفة، ولسببٍ ما يتظاهر بأنّه لا يعرف، لأنّه ، كما ذكرت جان، قد قال شيئاً ما لغريك قبل أشهر، وليس لغريك فقط، حول اعتلال صحته وأنّه بصدد فقدان وزنه، وأنّه قلق عليه ورجاه أن يراجع الطبيب، ولهذا فالخبر ليس مفاجأة بالنسبة إليه. وقالت بتسي، حسناً، إنَّ كلَّ واحدٍ قلقٌ على كلِّ واحدٍ الآن، ويبدو أنَّ هذه هي الطريقة التي نعيش عليها الآن. وبعد كلِّ ذلك فإنَّهما كانا صديقَين حميمَين، ألا يزال لويس يحتفظ بمفاتيح شقّته، وأنتَ تعرف معنى أن تترك شخصاً ما يحتفظ بمفاتيح شقّتكَ حتّى بعد انتهاء علاقتكما، لأنَّك تأمل أنَّ ذلك الشخص قد يعود إلى الشقّة، وهو ثمل أو منشرح، ذات مساء، أو على الأكثر لأنّ من الحكمة أن تدع نسخاً من مفاتيح شقّتك موزعة في المدينة، إذا كنتَ تعيش على قمة عمارة كانت في السابق مركزاً تجاريّاً، وعلى الرغم من منظرها المهيب فليس فيها حارس أو خادم أو أيّ شخص يمكنكَ أن تدعوه لمساعدتكَ إذا عُدتَ في مساء يوم من الأيام ووجدتَ أنكَ فقدتَ مفاتيحكَ والشقّة مقفلة وأنتَ خارجها. وسألتْ تأنيا، ومن لديه كذلك نسخة أُخرى من المفاتيح، إذ يجب أن يمرّ أحدهم على الشقّة قبل الذهاب إلى المستشفى ليجلب له بعض اللوحات، فقالت أبرا، لأنّه كان يشكو قبل أيام من أن غرفة المستشفى موحشة وكيف أنّه يشعر كما لو كان سجيناً في إحدى غرف الفنادق الرخيصة، وهذا ما جعل كلَّ واحد من عوّاده يروي قصصاً مضحكةً عن غرف الفنادق الرخيصة التي خبرها، وأثارتْ قصّة أورسولا عن نزل (لوكسري بوجت) في شنكتادي قهقهات عالية حول سريره، في حين كان هو يراقبهم بصمت، وعيناه لامعتان بالحمّى، وكان يلتهم الشوكولاته طوال الوقت، كما ذكر فكتور. ولكن طبقاً لما رواه جان، الذي مكنته مفاتيح لويس من التجوّل في عرين الأعزب لكي يجلب له قطعةً فنيّة تُدخِل البهجة على غرفة المستشفى، فإنّ الإيقونة البيزنطيّة التي كانت معلَّقة على الحائط فوق فراشه قد اختفت حتّى تذكَّر أورسون، أنه سبق أن روى لهم دون أن يبدو عليه أيُّ انزعاج (وقد نازع غريك في ذلك) أنَّ الخادم الذي تخلّص منه مؤخَّراً كان قد سرق الإيقونة ومعها أربع علب لتلميع الشَّعر، كما لو كانت هذه المواد يسهل بيعها في الشارع مثلما يُباع التلفزيون أو الستيريو. وقالت كيت بهدوءٍ، ولكنَّه كان كريماً دائماً؛ وقال أورسون، وعلى الرغم من أنّه كان يحبّ الأشياء الجميلة فإنّه لا يتعلَّق بها، بتلك الأشياء، وهذا طبعٌ غير عاديّ بالنسبة لرجل كان مولعاً بجميع التُّحف الفنيّة، وعندما ارتجفتْ كيت وقفزتِ الدموع إلى عينيها، وتساءل أورسون ما إذا كان قد قال شيئا سيّئاً، أشارتْ إلى أنَّهم أخذوا يتحدَّثون عنه بصيغة الماضي كما لو أنّه انتهى تماماً وأمسى جزءاً من الماضي.

لعلَّه أخذ يشعر بالتعب من كثرة عوّاده، هذا ما قاله روبرت، الذي لم تستطع أيلين إلا أن تقول عنه إنّه لم يأتِ لعيادته إلا مرَّتَين وربّما يبحث عن سببٍ لعدم مجيئه بصورةٍ منتظمة، ولكن ليس هنالك من شكٍّ، طبقاً لأرسولا، أنَّ معنويّاته انهارت ليس لوجود أخبار غير مشجِّعة من أطبائه، وأنّه يفضل الآن أن يبقى وحده بضع ساعات في اليوم؛ وأنّه أخبر دوني بأنّه بدأ يدوّن مذكراته لأوّل مرّة في حياته، لأنّه يريد أن يسجل مسارَ ردِّ فعله الذهنيّ للأحداث المُدهشة التي تشكِّل تحوُّلاً في حياته، ليفعل شيئاً موازياً لما يفعله الأطباء الذين يأتون كلَّ صباح ويجتمعون بالقرب من فراشه ليناقشوا حالته، وقد يكون ما يكتبه على قدر كبير من الأهمّيّة، وأنَّ مذكراته، كما قال لكانتين، تزيد قليلاً عن السخافات المعتادة حول الرعب والدهشة اللذَين يصيبانه، إضافة إلى اشتمالها على تقييم شامل لحياته الماضية بنوع من الشعور بالذنب، ومراجعة تصرُّفاته السطحيّة التي يمكن غضُّ النظر عنها، بحيث ينتهي إلى قرارٍ بأن يعيش بشكلٍ أفضل وأعمق وأكثر صلة بعمله وأصدقائه، وألا يهتمّ بما يظنّه الناس فيه أو يقولونه عنه، وألا ينفعل بسبب ذلك، مع تذكير نفسه بأنَّ إرادته للحياة هي أهمّ من أيِّ شيءٍ آخر في مثل حالته، وأنّه إذا كان يريد حقّاً أن يعيش ويثق بالحياة ويحبَّ نفسه بشكلٍ كافٍ، فإنّه سيعيش وسيكون استثناء؛ ولكن ربّما يكون كلّ ذلك، كما ذكر كنتين في محادثة هاتفيّةٍ له مع كيت، خارج الموضوع، فالقضيّة هي أنّ قيامه بتدوين مذكّراته سيجمع له شيئاً يمكنه قراءته يوماً ما، وبهذا يُعلِن بمكر حقَّه في المستقبل حين تكون المذكّرات مادّةً أو أثراً مقدَّساً، وقد لا يقوم بإعادة قراءتها فعلاً، لأنّه يريد أن يتناسى تلك المحنة ويتركها وراءه، ولكنَّ المذكّرات ستكون هناك في درج منضدته الرائعة ويستطيع، كما قال فعلاً لكنتين ذات نهار مشمس وهو مستلقٍ على فراشه في المستشفى وفي فمه قطعة شوكولاته تشكِّل جزءاً من ابتسامة بائسة، أن يرى نفسه في شقّته على سطح العمارة وقد تسرَّبت شمسُ أكتوبر من خلال النوافذ الصافية وليس مثلما هي عليه الآن في غرفة المستشفى، وأنّ المذكّرات، المذكّرات العاطفيّة سليمة في داخل الدرج.

وقال ستيفن (وهو يتحدث إلى ماكس)، لا تهمّ المؤثِّرات الجانبيّة الناتجة من العلاج، لا أعرف لماذا أنت قلق بشأن هذا الموضوع، فكلّ علاج قوي تنتج عنه بعض النتائج الجانبيّة ذات الخطورة، وهذا أمر لا يمكن تفاديه؛ وتدخَّلت هيلدا في الحديث قائلة، وبدون ذلك لا يكون العلاج مؤثِّراً، وواصل ستيفن كلامه قائلاً بإصرار، ولكنّ مجرّد وجود مؤثِّرات جانبيّة للعلاج لا يعني أنّه يجب عليه أن يتحمَّلها، أو يتحمَّلها جميعها، أو حتّى بعضها. وقاطعتْ تانيا كلامه قائلةً إنّها مجرَّد قائمة بالأشياء الممكن حدوثها خطأً، لأنَّ على الأطباء أن يحموا أنفسهم، ولهذا فهم يضعون أسوأ الاحتمالات، ولكن أليس هذا ما يحدث له أو لأناس آخرين عديدين؛ وعلَّقت أيرا متهكِّمةً، إنّها أسوأ مشهد ممكن، أسوأ كارثة لا يمكن تصوُّرها، شيء قاسٍ، فليس كلُّ شيء هو من المؤثِّرات الجانبيّة، فقال فرانك، وحتّى نحن من المؤثِّرات الجانبيّة، ولكنَّنا مؤثِّرات جانبيّة ليست سيّئة، فهو يحبُّ أن يرى أصدقاءه حوله، ونحن يساعد أحدنا الآخر كذلك؛ فقال خافيير مازحاً، لأنَّ مرضه يلصقنا جميعا بنفس الصمغ، وعلى الرغم من أنَّ الغيرة في الماضي جعلتنا نحذر أحدنا الآخر ونتصرّف بغرابة مع بعضنا، فإنّه عندما يحدث شيءٌ مثل هذا (تنهار السماء، تنهار السماء) وتفهم ما المهم حقّاً. وذُكِر أنّه قال له، أنا موافق على ما تقول. وقال كنتين لماكس، ولكن ألا تظنّ أن قيامنا بإيجاد الوقت لعيادته كلَّ يوم هو بمثابة محاولة منّا لتعريف أنفسنا بوضوح وبصورة لا تقبل الرجعة كذلك، وعلى هؤلاء الذين ليسوا مرضى ويظنّون أنّهم لن يصابوا بالمرض، كما لو أنَّ ما حدث له لا يمكن أن يحدث لنا، أن يتذكَّروا أنَّ الاحتمالات تشير في الحقيقة إلى أنَّه قبل أن يمضي وقتٌ طويلٌ سينتهي الأمر بواحد منا إلى حيث انتهى به، وربّما كان شعورهم هو نفس الشعور الذي كان يخالجه عندما كان واحداً من المجموعة التي كانت تعود زاك في الربيع الماضي (أنتَ لم تلتقِ بزاك مطلقاً، أليس كذلك؟)، وطبقا لما قالته كلاريس، أرملة زاك، فإنّه لم يأتِ لعيادته كثيراً، وكان يقول إنّه يكره المستشفيات وإنّه يشعر بأنّ وجوده لا ينفع زاك، وإن زاك سيرى في وجهه ملامح عدم الارتياح. فقالت آيلين، آه، إنّه واحد من هؤلاء، جبان، مثلي.

وبعد أن أُعيدَ من المستشفى إلى شقّته وتطوَّع كنتين لينتقل معه إلى الشقّة لإعداد وجبات الطعام والردّ على المكالمات الهاتفيّة ونقل أخباره إلى أُمّه في المسيسيبي لئلا تسافر جوّاً إلى نيويورك وتذرف دموعها على ولدها وتربك سير الأمور في شقّته وهي تحاول المساعدة، أصبح قادراً على العمل ساعة أو ساعتين في مكتبه، ولأيامٍ كان لا يخرج من الشقّة لتناول وجبة في مطعم أو مشاهدة فيلم في السينما لأنّ ذلك كان يُتعبه. وتبادر إلى ذهن كيت أنّه كان متفائلاً وشهيّته جيّدة، وذكر أورسون أنَّ ما قاله جواباً على نصيحة ستيفن له بالمحافظة على صحّته وهو الأهمّ، إنّه مكافح، ولو لم يكُن كذلك لما كان على ما هو عليه، وسأل ستيفن سؤالاً تقريريّاً (كما ذكر ماكس لدوني) وهل هو مستعد لمعركة كبيرة، فقال أتراهن على ذلك، فأضاف ستيفن، أنّ الأمر قد يكون أسوأ من ذلك بكثير، فقد تكون قد أُصِبتَ بالمرض قبل سنتين، ولكن الآن كثيراً من العلماء يشتغلون على هذا المرض، الفريق الأمريكيّ والفريق الفرنسيّ، وكلُّ فريق يطمع في الحصول على جائزة نوبل بعد بضع سنين، وكلُّ ما يجب عليك فعله هو أن تبقى صحيحاً لسنة أو سنتَين، ثم سيوجد علاج جيّد، علاج حقيقيّ. وقال ستيفن إنّه قال نعم، فتوقيتي جيّد. وجاءته بتسي، التي تتّبع تغذية مقنَّنة منذ عقد من السنين، بخبير يابانيّ ليفحصه، ولكن شكراً لله، كما ذكر دوني، فقد كان له الحسّ الكافي ليرفضه، ولكنّه وافق على مراجعة طبيبِ فكتور المختصّ باستعادة الصور بالذاكرة؛ وسألت هيلدا، وما الصور التي يمكنه أن يستعيدها بذاكرته، لأنّ العلاج من المرض هدفه تمكين الفرد من رؤية الشيء كوحدة ذات أبعاد وحدود هنا وليس هناك، شيءٌ محدَّد، شيء تحتويه أنتَ بنفسك، بحيث يمكنك أن تطرد المرض، كما قال ماكس. وقال غريك، ولكنَّ الشيء الرئيسي هو أن لا يسلك الطريق البيولوجيّ في العلاج الذي قد لا يكون مضرّاً لشخص سمين مثل بتسي، ولكنّه مدمِّر بالنسبة له، لأنّه نحيف الجسم دائماً، بسبب ما يدخِّنه من سجائر وغيرها من الكيميائيّات المانعة للشهيّة التي يستقبلها جسمه منذ سنوات، والآن لم يعُد وقتٌ للقلق، كما أشار ستيفن، بشأن مراجعة الطبيب والتخلُّص من الكيميائيّات والملوّنات الأُخرى التي كنّا نقتات عليها بسرور أو بدون سرور عندما كنّا نتمتَّع بصحتنا، أو نتمتّع بها قدر الإمكان، كما قالت إيرا. وقالت أرسولا بحزن، سأكون سعيدة عندما أراه يأكل اللحم والبطاطا. وأضاف غريك، والمكرونة و حساء السمك. وعجة بيض دسمة وموزيريلا، كما اقترح إيفون الذي جاء بالطائرة من لندن لعطلة نهاية الأسبوع من أجل رؤيته. وقال فرانك، كعكة الشوكولاته، فقالت أرسولا، ربما ليس كعكة الشوكولاته، لأنه قد أكل كثيراً من الشوكولاته.

وتطلَّب قبوله ضمن لائحة المرضى الذين يتلقّون الدواء الجديد مداولاتٍ كثيرة مع الأطباء خلف الستار، وبعد ذلك بثلاثة أسابيع أخذ يتكلّم بشكل أقلّ عن كونه مريضاً، طبقاً لدوني، وعُدَّ ذلك علامة طيّبة، كما شعرت كيت، علامة تدلُّ على أنَّه لا يشعر بأنَّه ضحيّة، وإنّما يشعر بأنَّ لديه مرضاً أكثر من كونه يعيش مع مرض ( تلك هي المقولة الصحيحة، أليس كذلك؟)، وقالت جان إنّ التعبير الاستشفائيّ ينطوي على وجود نوع من التعايش بين المريض والمرض، وهذا يعني أنّه شيء مؤقَّت يمكن أن ينتهي، وسألت هيلدا، ولكن كيف ينتهي، فعندما تقولين استشفائيّ ، يا جان، فإنّني أسمع مُستشفى. وأصرَّ ستيفن على أن الوضع مشجِّع، فمنذ أن اقتنع أخيراً بمهاتفة طبيبه، كان مستعدّاً للنطق باسم المرض، وبنطقه عدّة مرّات وبسهولة، كما لو كان ذلك الاسم مجرّد كلمة أخرى في اللغة، مثل ولد أو معرض أو سيجارة ٌأو نقود، وأضافت باولا، أو أمر كما في عبارة ليس بالأمر المهم، فاستمرَّ ستيفن في كلامه قائلاً إنَّ مجرّد التلفظ باسم المرض هو علامة صحيّة، علامة تعني أنَّ الفرد قبِلَ أن يكون مَن هو، كائنٌ فانٍ معرَّضٌ للمرض، وليس مستثنى، لا يوجد استثناء أبداً، إنّه علامة تدلُّ على أنَّ الفرد راغب، راغب حقاً، في الكفاح من أجل حياته. فأضافت تانيا، ويجب علينا أن نقول اسم المرض كذلك، ونقوله مراراً، ويجب ألا نتخلّف عنه من حيث الصدق والأمانة، ولا نتركه يشعر أنّ الصدق يمكن أن يُنسى وينصرف عنه الإنسان بعد أن يحاول أن يكون صادقاً. وقال ويسلي، وبهذه الطريقة يمكن أن نساعده بصورة أفضل. وقال إيفون الذي أنهى حلّ المشكلة في نيويورك وسيسافر عائداً إلى لندن هذا المساء، إنّه يُعدُّ محظوظاً، فقال ويسلي، من المؤكَّد أنَّه محظوظ، فلا أحد يتحاشاه أو يتجنّبه، واستطرد إيفون قائلاً، لا أحد يخاف من عناقه أو تقبيله بصورة خفيفة على فمه، ففي لندن نحن، كالعادة، متأخِّرون عنكم بضع سنين، فالناس، حتّى الذين لا يبدو أنهم في خطر، مرتعبون، ولكنّي معجب بهدوئكم جميعاً وتفكيركم المنطقيّ؛ فسأل كنتين، وهل تجدنا هادئين، ولكن ينبغي أن أقول إنّه نُقل عنه قوله، إنّني خائف، فأنا أجد من الصعب عليّ أن أقرأ ( وقال غريك، وأنت تعرف كم هو يحبُّ القراءة؛ فقال باولو، نعم القراءة هي تلفازه)، أو أن أفكّر، ولكن لا أشعر أنّني مرعوب بصورة هستيريّة. فقال لويس لإيفون، إنّني أشعر بالخوف بصورة هستيريّة. فأجاب إيفون، ولكنّك تستطيع أن تفعل شيئاً من أجله، وذلك رائع، كم أتمنّى أنّني أستطيع البقاء معه مدّة أطول، فهذا شيءٌ جميل، لا يسعني إلا أن أفكِّر في هذه الصداقة المثاليّة التي تجمعكم حوله (فقالت كيت، هذه الصداقة المثاليّة المثيرة للعواطف)، واختتم إيفون كلامه قائلاً، وهكذا فإنّ المرض لم يعُد هناك. فقالت تانيا، نعم، ألا تظنُّ أنَّنا جميعا نشعر بأنَّنا مع أهلنا، معه، ومع المرض، لأنّ المرض الذي نتخيله أسوأ بكثير من المرض الذي أصاب ذلك الإنسان الذي نحبّه، كلُّ واحد منا يحبُّه على طريقته. وقالت جان، من جهتي، أعرف أنَّ إصابته قد أدّت إلى توضيح ذلك المرض، فأنا الآن لا أشعر بالخوف أو أن عفريتاً يطاردني، كما كنتُ أشعر قبل أن يمرض، عندما كان المرض مجرّد أخبار عن أشخاص بعيدين من معارفنا الذين لم أرَهم بعد أن مرضوا. فقال كنتين، ولكنّكِ تعرفين الآن أنّك لن تصابي بالعار والذلّ عندما يصيبك المرض، فأجابت آيلين، ليست هذه هي القضية بالنسبة لي، ومن المحتمل أنّ ذلك غير صحيح، فقد أخبرتني طبيبتي أنَّ كلَّ واحد معرَّض للإصابة بهذا المرض، كلّ واحد يعيش حياته الجنسيّة، لأنّ الجنس سلسلة تربط كلّ واحد منّا بآخرين عديدين، آخرين غير معروفين، والآن أصبح الجنس سلسلة الوجود الكبرى وسلسلة الموت كذلك. وأصرّ كنتين قائلاً، ليس الأمر كذلك بالنسبة لك، ليس الأمر كذلك بالنسبة لك كما هو بالنسبة لي أو للويس أو لفرانك أو لباولو أو لماكس، فأنا خائف أكثر وعندي الأسباب الكافية لذلك. فقالت هيلدا، أنا لا أفكِّر ما إذا كنتُ في خطرٍ أم لا، أعرف أنّني كنت خائفة بسبب علاقتي بشخصٍ مصابٍ بالمرض، خائفة مما سأرى، مما سأشعر به، وبعد اليوم الأوّل الذي أتيتُ فيه إلى المستشفى شعرتُ بنوعٍ من الارتياح. لن أشعر هكذا مطلقاً، لن أشعر بذلك الخوف مرّةً أُخرى، فهو لا يبدو مختلفاً عني. فقال كنتين، إنّه لا يختلف عنك.

وطبقاً للويس فإنّه تكلَّم عدّة مرّات عن أولئك الذين كانوا يعودونه كثيراً؛ وهذا شيءٌ طبيعيّ، كما قالت بتسي، وأظنُّ أنَّه يحتفظ بكشفٍ بذلك. وكان من بين الذين جاءوا لعيادته أو استفسروا بالهاتف كلَّ يوم، أفراد الحلقة الداخليّة من الأصدقاء، وهم الذين كان لهم النصيب الأوفر من النقاط في الكشف، وكانت هناك منافسة أُخرى تثير أعصاب بيتسي. كما اعترفتْ لجان، وهي تلك المنافسة المتمثِّلة في التسابق غير المهذَّب على الجلوس بجانب فراش الرجل المريض، وعلى الرغم من أنَّنا جميعاً نتحلّى بفضيلة الإخلاص له (قاطعتها جان قائلة تكلَّمي عن نفسك) بحيث أنَّنا نستقطع الوقت بصعوبة من أجل زيارته كلَّ يوم، أو كلَّ يوم تقريباً، وعلى الرغم من أن بعضنا يترك دراسته، كما أشار خافيير، فهل ننال على الأقل ما ينال. فقالت جان، نعم، هل ننال شيئاً. واستمرت بيتسي قائلةً إنَّنا نتنافس من أجل أن نحظى بإشارةٍ منه تعبّر عن متعةٍ خاصّةٍ بعيادته، وكلّ واحد منّا يتلهَّف لتلك الحظوة ليشعر بأنَّه يريده أكثر من غيره وأنَّه هو الأقرب إليه والأعزّ عنده، وهذا أمرٌ محتَّم مع شخصٍ لا زوجة له ولا أطفال، ولا حبيبة رسميّة، وهذه تراتبيّة لا يجرؤ أحد على أن ينازع فيها، وهكذا أصبحنا نحن عائلته التي أنشأها، دون أن يقصد ذلك، ودون ألقاب أو رُتب (وزمجر كنتين، نحن، نحن)؛ وقال فكتور، وهل اتّضح لنا مَن الذي يفضّله من بيننا، مع أن بعضنا، مثل لويس وكنتين وتانيا وباولو وآخرين، هم عشّاق سابقون، ونحن جميعنا تقريباً أصدقاؤه ( قال كنتين بحدّة، الآن نحن)، لأنّني أحسب أحياناً أنّه يتلهَّف لرؤية آيلين التي لم تعُده سوى ثلاث مرّات، مرّتين في المستشفى ومرّة بعد عودته إلى شقّته، فهو ينتظر رؤيتها أكثر منك ومني. ولكن طبقاً لتانيا، فإنّه غضب من آيلين لأنه خاب ظنه فيها كثيراً عندما لم تعُده؛ ولكن طبقاً لخافيير، فإنّه لم يتألَّم وإنّما تقبّل الأمر بنوع من التسليم، معتبراً أنّه يستحق غياب آيلين. وقال لويس، ولكنّه يكون سعيداً عندما يرى الناس من حوله، ويقول إنّه عندما لا يجد رفيقاً معه يشعر بالنعاس، أو ينام (طبقا لكنتين)؛ ثم يفزّ منتبهاً عندما يصل شخص ما، ومن المهمّ أن لا يشعر بالوحدة أبداً. وقال فكتور، ولكن هناك واحدة لم تعُده، وهي التي يودّ أن يراها أكثر من أيِّ واحد منّا، ولكنَّها لم تذُب، حتّى بعد أن انفصلتْ عنه، وهو يعرف تماماً أين تعيش هي الآن؛ فقالت كيت، إنّه أخبرني أنَّه اتّصل بها هاتفيّاً في ليلة عيد الميلاد فقالتْ، إنّي مسرورة لسماعك، عيد ميلاد سعيد، فشعر بالانكسار، طبقاً لأورسون، وشعر بالغضب، طبقاً لأيلين ( فقال ويسلي، ما الذي تنتظره منها، إنّها كسيرة القلب)، ولكنَّ كيت تساءلتْ ما إذا كان قد هاتف نورا في منتصف ليلة لم يطاوعه النوم فيها، ما هو فرق الوقت بينهما، فقال كنتين، لا، لا أظنُّ ذلك، أظنُّ أنه لا يريدها أن تعرف ذلك.

وعندما تحسَّنت صحّته أكثر واستعاد الأرطال التي فقدها، على الرغم من أنّ الثلاجة أخذت تمتلئ ببذور القمح العضويّ، والليمون الهنديّ، والحليب المُصفّى من الدسم (فعلق ستيفن قائلاً، كان قلقاً بشأن نسبة الكولسترول في دمه) وأخبر كنتين أنّه يستطيع أن يدبِّر نفسه بنفسه الآن، وأنّه أصبح أفضل مما كان عليه قبل بضعة أسابيع، فقد أخذ يسأل كلَّ واحد يعوده كيف يبدو له، وكلُّ واحد قال إنّه يبدو عظيماً، ولم تكُن إجاباتهم تلك تتّفق مع ما كانوا يقولونه له في ذلك الوقت، ثم أصبح أصعب وأصعب أن يعرف الإنسان كيف يبدو، أو كيف يجيب على السؤال بصدق، في حين كانوا يريدون أن يكونوا صادقين، من أجل الصدق ذاته ومن أجل (كما فكّر دوني) الاستعداد لتقبّل الأسوأ، لأنّه كان يبدو هكذا منذ وقت طويل، على الأقل ما بدا لنا وقتاً طويلاً، كما لو كان هكذا دائماً، كيف كان يبدو قبل ذلك، ولكنّها مجرّد بضعة أشهر، وهل كانت كلمات ” شاحب” و” باهت اللون” و”ضعيف” تُستعمَل دائماً؟ وذات يوم خميس سأَلَتْ آيلين لويس عندما التقت به عند باب العمارة واستقلا المصعد معاً، كيف هو حقيقة؟ فأجاب لويس بحدّة، ولكن أنتِ ترين كيف هو، هو بخير، هو بصحّة تامّة، وفهمت آيلين طبعاً أن لويس لا يعتقد بأنّه في صحّة تامّة ولكن ليس أسوأ مما كان عليه، وهذا صحيح، ولكن أَلَيسَ في كلامه بهذا الشكل شيءٌ من القسوة. فقال كنتين، لا يبدو هذا الكلام قاسياً، ولكن أفهم ما تعنين، أذكر أنّني كنت أتكلَّم ذات مرَّة مع فرانك، وقد تطوَّع للعمل خمس ساعات أسبوعيّاً في مركز الأزمات (قالت آيلين، أعرف ذلك)، وكان فرانك يتشكّى من ذلك الشابِّ الذي تمَّ تشخيص حالته منذ سنة تقريباً وكان يتشكّى لفرانك عبر الهاتف من عدم اهتمام أحد الأطباء مستعملاً لغةً نابية، وكان فرانك يقول له لا داعي للانزعاج، وهذا يدلّ على أنّ فرانك لن يتصرَّف بمثل تلك الطريقة غير المعقولة، ولم أتمالك دهشتي فقلتُ لفرانك، ولكن يا فرانك إنّ لدى هذا الشابّ كلَّ سببٍ للانزعاج، فهو يموت، ولكنَّ فرانك قال، طبقا لكنتين، لا أحبُّ أن أنظر إلى الأمر بهذه الطريقة.

وحدث، عندما كان ما يزال في المنزل يستردّ عافيته ويتناول علاجه الأسبوعيّ وما زال عاجزاً عن القيام بعمل يُذكَر، أن تشكّى، ولكن، طبقاً لكنتين، كان مستيقظاً معظم الوقت، وكان يمرّ على المكتب عدَّة أيام في الأسبوع، وردتْ أنباءٌ سيّئة عن اثنين من معارفه البعيدين، واحد في هيوستن وواحد في باريس، وهي أنباء منعها كنتين من الوصول إليه على أساس أنّها لا تزيده إلا إحباطاً، ولكن ستيفن ادّعى أنّه من الخطأِ الكذب عليه، فقد كان من المهم بالنسبة له أن يعيش الحقيقة، وكانت الصراحة إحدى خصاله لدرجة أنّه كان مستعداً ليروي النكات عن المرض، ولكن آيلين قالت إنّه ليس من المستحسن أن نعطيه هذا الشعور بنهاية العالم، فهناك أشخاص عديدون جدّاً يمرضون، بحيث أصبح هذا المرض قدراً عامّاً مشتركاً، وقد يفقد جزءاً من إرادته للنضال من أجل حياته إذا كان الموت يبدو أمراً طبيعيّاً شائعاً. وقالت هيلدا التي لم تكُن تعرف شخصيّاً ذلك الشخص الذي في هيوستن ولا الذي في باريس، وهو عازف بيانو متخصِّص في موسيقى القرن العشرين التشيكيّة والبولونية: عندي تسجيلات له، إنّه رجل ذو قيمة، وعندما حدجتها كيت بنظرة، استمرتْ قائلة بشكل دفاعيّ، أعرف أنَّ كل حياة مقدسة وقيمتها مساوية لأيّ حياة أخرى، ولكن تلك فكرة، فكرة أخرى، أعني كلّ أولئك الناس الذين سيموتون لهم قيمتهم، ولكن هؤلاء الناس لا يمكن تعويضهم، وفقدانهم خسارة كبيرة للثقافة. قال ويسلي، ولكن هذا الوضع لن يستمرّ إلى الأبد، لا يمكن، لا بدّ أن يخرجوا علينا بشيءٍ ما ( تمتم ستيفن، هم،هم)؛ وقال غريك، هل فكَّرتَ في أنَّه إذا لم يمُت بعض الأشخاص، أعني حتّى إذا استطاعوا أن يبقوهم على قيد الحياة (تمتمت كيت، هم، هم،) فإنّهم سيستمرون في حمل المرض، وهذا يعني، إذا كان لديك ضمير، أنّك لن تستطيع أن تمارس الجنس أبداً، لن تستطيع أن تمارس الجنس بصورة كاملة كما كنت معتاداً ـ قالت إيرا، بطريقة عادية ـ. فقال فرانك، ولكن هذا أفضل من أن تموت. وطبقا لكنتين، فإنّه في جميع كلامه عن المستقبل، عندما كان يسمح لنفسه أن يكون متفائلاً، فإنّه لم يذكر مطلقاً احتمال أنّه حتّى إذا لم يمُت وكان من بين المحظوظين من الجيل الأوّل من الناجين من هذا المرض، فإنّه لن يسير على نفس الطريقة التي كان يعيش عليها حتّى الآن؛ ولكن طبقاً لإيرا، فإنّه لم يفكِّر في ذلك، نهاية التظاهر بالشجاعة، نهاية الجنون، نهاية الثقة بالحياة، نهاية أخذ الحياة على أنّها شيء من المسلَّمات، ومعاملة الحياة كما لو كانت شيئاً تافهاً يظنُّ نفسه أنّه على استعداد لرميها والتخلّي عنا بسهولة وبوقاحة؛ وتتذكّر كيت، وهي تتأوَّه، حواراً أصرَّت على أنَّه جرى قبل عامَين على مائدةٍ في الطابق العلويّ من مطعم (النبي) قبل انطلاقهما إلى حلبة الرقص، ولم تكُن مهتمّة جدّاً بأداء دور الأخت الكبيرة، وهو دور، تؤكّْد هيلدا، أنّه شجَّع على القيام به كثيراً من النساء، فقالت له كيت، انتبه، يا عزيزي، كُن حذراً، وأنتَ تعرف ما أعني. وتواصل كيت كلامها قائلةً إنّه أجابها بقوله، اسمعي، إنّني لا أستطيع، لا أستطيع مطلقاً، فالجنس مهم جدّاً بالنسبة لي، وكان مهمّاً دائماً ( وطبقاً لفكتور، فإنّه أخذ يتكلَّم هكذا بعد أن هجرته نورا)، فإذا أُتيح لي فإنَّني أمارسه. وقال غريك، ولكنّه لا يتكلَّم هكذا الآن، أليس كذلك؟ وقالت بيتسي، لا بُدّ أنّه يشعر بالحمق الآن، مثل مدخِّن مدمن ويقول لا أستطيع أن أقلع عن التدخين، ولكن عندما يطّلع على صورة الأشعة السيئة فإنَّ أخطر المدمنين على التدخين سيقلع عنه. فقال فرانك، ولكنَّ الجنس ليس مثل التدخين، أليس كذلك؟ وقال لويس بغضب، وبالإضافة إلى ذلك، ما فائدة أن نتذكَّر أنّه كان متهوراً، فالشيء الفظيع في الأمر هو أنّه يكفي أن تكون غير محظوظ مرّةً واحدة فقط، ثم ألا يكون أتعس لو أنّه توقَّف قبل ثلاث سنوات ومع ذلك أُصيب بالمرض، إذا كانَ من أخطر خصائص هذا المرض هو أنّكَ لا تعرف متى عُديت به، فمن الممكن أن العدوى قد حصلت قبل عشر سنوات قبل مدّة طويلة من اكتشاف المرض وتسميته، مَن يعرف متى (فقال ماكس إنّني أفكِّر كثيراً في ذلك) ومَن يعرف (وقاطع ستيفن قائلاً، أعرف ما ستقول) كم من الناس سيصابون به.

ونُقِل عنه قوله، إنّني أشعر أنّني في صحّة جيّدة، كلّما سأله أحدُهم عن حاله، وهو السؤال الذي يوجِّهه كلُّ إنسان إليه دائماً تقريباً، أو: أشعر بتحسُّن، وأنتَ كيف حالك؟ ولكنّه كان يقول أشياءَ أُخرى كذلك. ونُقِل عنه، طبقاً لفكتور، أنّه قال إنّني ألعب لعبة النطّة مع نفسي. ونُقل عنه أنّه قال لكيت: لا بُدّ من وجود طريقة للحصول على شيءٍ إيجابيّ من هذا الوضع. فقال بولو، يا لروحه الأمريكيّة، فقالت بتسي، حسناً، أنت تعرف الحكمة الأمريكيّة القائلة: عندما تحصل على ليمونة، حضّر عصير الليمون. وقالت جان، إنّه قال لها إنَّ الشيء الوحيد الذي لا أتقبَّله هو أن أمسي مشوَّهاً، ولكن ستيفن تردِّد في الإشارة إلى أنَّ المرض لم يعُد يؤدّي إلى التشويه في غالب الأحيان، ولكن من خصائصه التغيير، ففي محادثة له مع آيلين كان يبحث عن الكلمات كما لو كان مصاباً بعائق في مخِّه؛ وقالت جان، لم أفكِّر مطلقاً في وجود عائق في تلك المحادثة. وقالت آيلين، ولكنّه يجب أن لا يعرف شيئاً عن ماكس، فذلك سيؤدّي به إلى الاكتئاب، أرجوكم ألا تخبروه، فقال كنتين عابساً، سيعرف على أيِّ حال وسيغضب لأنّنا لم نخبره. فقالت آيلين، ولكن ثمّة وقت مناسب لذلك، عندما يُخرجون ماكس من غرفة التنفُّس الاصطناعيّ، وقال فرانك، ولكن أليس ذلك بالأمر الغريب، فماكس كان في صحّة جيّدة ولم يشعر بأنّه مريض مطلقاً، ثم فجأةً استيقظَ في الصباح وقد بلغت درجة حرارته مائة وخمس درجات فيهرنهايت، وهو غير قادر على التنفُّس؛ فقال ستيفن، ولكنَّ تلك هي الطريقة التي تبدأ بها الأمور، بدون سابق إنذار أبداً، فالمرض ذو أوجه متعدِّدة. وبعد مرور أسبوع آخر، وجّه سؤالاً إلى كنتين، أين ماكس؟ ولم يشكّ في حكاية كنتين عن قيام ماكس برحلة أُنس إلى جزر البهاماس، ولكن أخذ عددُ الذين يعودونه بالتقلُّص بصورةٍ منتظمة، ويعود ذلك من جهة إلى العداوات التي تُنوسيت خلال الأيام الأولى من إدخاله المستشفى ثم طفت على السطح بعد عودته إلى الشقّة، ومن جهة أخرى إلى انفجار العداء المتذبذب بين لويس وفرانك، على الرغم من أنَّ كيت قد بذلت كلَّ ما في وسعها للتوسُّط بينهما، وكذلك لأنّه هو نفسه فعل شيئاً أدّى إلى تراخي حبل المحبّة الذي كان يربط الأصدقاء حوله، حينما أخذ يعاملهم، على ما يبدو، وكأنَّ صداقتهم أمر مؤكَّد مفروغ منه، وكأنَّ من الطبيعيّ تماماً أن يضحّي ذلك العدد الكبير من الناس بأوقات كثيرة ليعودوه بين مدّة وأخرى ويولوه اهتماماً كبيراً، ويتحدَّثون عنه هاتفياًّ مع بعضهم بعضاً؛ ولكن طبقاً لباولو، ليس لأنّه أقلّ امتناناً، ولكن لأنّه أصبح أكثر تعوُّداً على قيامهم بعيادته. فمع مرور الوقت أصبح ذلك أمراً اعتياديّاً، نوعاً من الحفلة المستمرة، في المستشفى أولاً، وفي الشقّة منذ عودته إليها في الوقت الحاضر، وقلًّما يقف على رجليه؛ وقال روبرت، لقد أصبح واضحاً أنّني على القائمة ب، ولكن كيت قالت، هذا شيء سخيف، لا توجد قائمة، وقال فيكتور، ولكن هناك قائمة غير أنَّ الذي وضعها ليس هو وإنّما كنتين. إنّه يريد أن يرانا ونحن نقوم بمساعدته، وعلينا أن نفعل ذلك بالكيفيّة التي يريدها، لقد سقط أمس وهو في طريقه إلى الحمّام، ولا ينبغي أن يعلم بأمر ماكس (ولكنّه قد علم بالأمر، طبقاً لدوني)، إنّ الحال تزداد سوءاً.

ويُنقَل عنه أنّه قال عندما أكون في الشقّة فإنّني أخشى أن أنام، لأنّني أنهار كلَّ ليلة كما لو كنتُ أسقط في حفرة ظلماء، وأشعر عندما أنام أنّني أستسلم للموت، وفي كلِّ ليلة أترك المصابيح مضاءة عندما أنام؛ ولكنّني، هنا في المستشفى، أقلّ خوفاً. وقال لكنتين ذات صباح، إنَّ الخوف يتغلغل في أعماقي ويمزّقني؛ وقال لإيرا، إنّ الخوف يعتصرني ويصهر كياني. وقال لكنتين، إنّ الخوف يلقي بلونه على كلِّ شيء ويحتويه ضمن أبعاده، هذا ما أشعر به الآن، ولا أعرف كيف أقوله. والمصيبة لها أبعادها المذهلة كذلك. أشعر أحياناً أنّي بصحّةٍ جيّدة، وبقوّةٍ واضحة، كما لو كنت أستطيع أن أقفز خارج جلدي. فهل جننتُ أم ماذا؟ وهل هذا يعود إلى كلِّ هذه العناية وكلِّ ذلك الاهتمام اللذين ألقاهما من جميع الأصدقاء، مثل طفل يحلم بالمحبّة؟ هل هذا يعود إلى الأدوية؟ وقال بحياء، أعرف أنَّ ذلك نوع من الحمق، ولكنَّني أعتقد أحياناً أنَّ هذه تجربة عجيبة، ولكن هنالك أيضاً المذاق المرّ في الفم، والضغط في الرأس وفي مؤخَّر الرقبة، والقُرح الحمراء في اللثّة التي ينزف منها الدمّ، والتنفُّس الأليم، وامتقاع الوجه العاجيّ الذي صار لونه مثل الشوكولاته البيضاء. وكان من بين الذين بكوا، عندما أُبلِغوا بأنّه عاد إلى المستشفى، كيت وستيفن (اللذان أبلغهما كنتين هاتفيّاً)، وألن وفكتور وآيلين، ولويس (الذي هاتفته كيت)، وخافير وأرسولا (اللذان أخبرهما ستيفن هاتفيّاً). ومن بين أولئك الذين لم يبكوا كانت هيلدا التي قالت إنّها علمتْ لتوّها أنّ عمّتها البالغة من العمر خمساً وسبعين سنة قد توفيّت من المرض الذي أصيبت به من جراء الدم الملوَّث الذي نُقل إليها أثناء عمليّة جراحيّة ناجحة أُجريت لها قبل خمس سنين، وكذلك فرانك ودوني وبيتسي، ولكنَّ هذا لا يعني، طبقا لتانيا، أنّهم لم يتأثَّروا ولم يروِّعهم الخبر، وحسب كنتين فإنّهم قد لا يأتون حالاً إلى المستشفى وإنّما سيبعثون بالهدايا؛ وكانت الغرفة التي وُضِع فيها بالمستشفى غرفة خاصّة هذه المرّة، وهي مملوءة بالزهور والنباتات والكُتُب والأشرطة. ولقد انحسر ذلك الصخب الذي عرفته شقّته خلال الأسابيع الأخيرة إلى مجرّد عيادات عاديّة في المستشفى، مع أن عدداً منهم قد استاء من قيام كنتين بتنظيم دفتر للعيادات (وأشار لويس إلى أنّ ذلك الدفتر هو من بنات أفكار كنتين)؛ ولكي يُضمَن استمرار العيادات، أصبح الآن من المُفضّل أن لا يتجاوز عدد العائدين على اثنين في كلِّ مرَّة (وهذه القاعدة المتَّبعة في جميع المستشفيات لا تطبَّق هنا، على الأقلِّ في هذا الطابق، ولا أحد يعرف ما إذا كان ذلك مردُّه إلى التسامح والشفقة أم إلى عدم كفاءة المسؤولين في المستشفى)، وأصبح من اللازم مهاتفة كنتين أوّلاً للحصول على وقت معيَّن للعيادة، ولم يعُد يُسمَح بعيادته من دون ميعاد مسبق. ولم يعُد ممكناً منع أمه من أخذ الطائرة والإقامة في فندق قريب من المستشفى؛ وقال كنتين، ولكن يبدو أنّ حضورها اليوميّ لم يعُد يزعجه كما كان متوقَّعاً، فقالت ألين نحن الذين يزعجه حضورنا، وسألت هل تتوقعون بقاءها مدّة طويلة. وأشار دوني إلى أنَّه من الأفضل أن نتسامح هنا في المستشفى فيما يخصّ عيادته أكثر من الشقّة حيث امتعض بعضنا لعدم إمكان الانفراد به، فقالت كيت، عندما نأتي إلى هنا اثنين اثنين، فإنّه لا يوجد غموض حول طبيعة دورنا، وكيف ينبغي أن نكون متعاونين ومضحكين ومصدراً للترفيه والتسامح والخفّة، لأنّ في خضم هذا الرعب ثمّة بهجة وسرور كذلك، كما قال الشاعر. (فقال لويس، السرور في عينَيه، عينيه اللامعتَين). فقال ويسلي لخافيير، إنَّ عينَيه تبدوان قاتمتَين، مطفأتَين، ولكنَّ بيتسي قالت إنَّ وجهه، وليس عيناه فقط، يفيض بالعاطفة والدفء. فقالت كيت، وكيفما كان الأمر فإنّي لم أشعر بما في عينَيه؛ وقال ستيفن، إنّني أخشى ما تفصح عنه عيناي عندما أحدّق فيه بانفعال شديد؛ فأضاف فكتور، أو بنوعٍ زائف من اللامبالاة. وبخلاف ما كان عليه الأمر في الشقّة، فإنّهم كانوا يجدونه نظيفاً حليق الذقن كلَّ صباح وفي أيّ ساعة يعودونه؛ وشَعره المجعّد مصفَّف دائماً، ولكنّه تشكّى من أنَّ الممرِّضات قد تمّ تغييرهن منذ إقامته السابقة في المستشفى؛ وأنّه لا يحبّ التغيير، ويريد أن يبقى كلُّ واحد كما هو. وجرى تأثيث غرفته في المستشفى الآن ببعض ممتلكاته ( فقالت آيلين، وهي كلمة غريبة للتعبير عن أشياء الفرد)، وجلبت دانيا رسوماً ورسالة من ابنها البطيء القراءة البالغ من العمر تسع سنوات، والذي صار يكتب الآن منذ أن اشترتْ له حاسوباً، وجلب دوني قنينة شمبانيا وبعض البالونات الملوَّنة التي ربطها بنهاية السرير؛ وقال هو بحزن، بعد أن أفاق من غفوة ووجد دوني وكيت بجانب السرير وهما يحدّقان فيه، أخبراني عن شيءٍ يجري حالياً في المدينة، وقالت كيت فيما بعد إن دوني، الذي لم يجد ما يقول، قال له، أنت الحكاية. وجلب خافيير له تمثالاً خشبيّاً غواتماليّاً للقديس سباستيان بعينَين مفتوحتَين وفمٍ فاغر، وعندما قالت له تانيا، ماهذا؛ قال خافيير، رمز لماضي إيروس، ففي بلدتي الأصليّة يبجّلون القدّيس سباستيان ويعدّونه حامي البلدة من الطاعون. ويُرمز إلى الطاعون هناك بالسهام؟ يرمز إليه بالسهام. وكلّ ما يتذكَّره الناس هناك جسمُ شابٍّ مقيَّد إلى شجرة والسهام تخترقه (وعلَّقت تانيا قائلة، يبدو أنّه ساهٍ دائماً)، واستمر خافيير قائلاً، وينسى الناس أنّ القصّة تستمرّ، فعندما جاءت النسوة المسيحيّات لدفن الشهيد وجدنه ما زال على قيد الحياة فقمن بتمريضه حتّى استعاد صحّته. وطبقا لستيفن، فإنَّه قال لم أعرف أنَّ القديس سباستيان لم يمُت. وقالت كيت لستيفن بالهاتف، لا يُنكَر أنَّ للموت سحره، أليس كذلك. وهذا يجعلني أشعر بالخجل. وقالت هيلدا، إنّنا نتعلَّم كيف نموت، فقالت آيلين، لست مستعدّة لتعلُّم ذلك؛ والتقى لويس الذي كان قادماً من المستشفى الآخر حيث ما زالوا يحتفظون بماكس في ثلاجة المستشفى بتانيا، وهي تخرج من المصعد في الطابق العاشر، وبينما كانا يسيران معاً في الممرِّ المضاء بالأضواء اللامعة ويمرّان على الأبواب المفتوحة، محاولين أن يتفاديا النظر إلى المرضى الآخرين الغاطسين في أََسِرَّتهم وأنوفهم تخترقها الأنابيب، ووجوههم تنعكس عليها أشعّة أجهزة التلفزيون المزرقّة، قالت تانيا للويس، إنَّ الشيء الذي لا أستطيع أن أحتمل التفكير فيه هو أن يموت الإنسان وجهاز التلفزيون مفتوح.

وقالت ألين، إنّه مستسلم فاتر الهمة الآن، وهذا ما يقلقني، على الرغم من أنَّ ذلك يسهّل اللقاء به. وأحياناً كان كثير التشكّي، فقد نُقل عنه قوله، لا أحتملهم وهم يأتون لأخذ دمي كلَّ صباح، ماذا يفعلون بكلِّ ذلك الدمّ. وتساءلت جان، ولكن أين غضبه؟ كان في معظم الأحيان لطيف العشرة، وكان دائماً يقول: كيف حالك؟ كيف تشعر؟ وقالت آيلين، إنّه لطيف جدّاً الآن. وقالت تانيا: إنَّه ظريف جدّاً (وتأوه باولو قائلاً، لطيف ظريف.) في البداية كان مريضاً جدّاً، ولكنّه كان يستعيد قواه، طبقاً لأفضل المعلومات التي استقاها ستيفن، ولم يكُن ثمة خوف من عدم شفائه في ذلك الوقت، وتحدَّث الطبيب عن إمكان إخراجه من المستشفى في غضون عشرة أيام إذا سارت الأمور على ما يُرام، وأقنعوا أُمَّه أن تستقلَّ الطائرة وتعود إلى المسيسيبي، وتولّى كنتين إعداد الشقّة تمهيداً لعودته. وكان ما يزال يكتب مذكّراته ولا يُريها لأيّ شخص، ومع ذلك فعندما جاءت تانيا، وكانت أوّل من وصل ذات صباح شتائيّ، وجدته غافياً، فألقتْ نظرة على المذكّرات وارتعبتْ، طبقاً لغريك، لا بسبب أيّ شيء قرأته، بل بسبب التغيُّر الهائل في خطِّه، ففي الصفحات الأخيرة صار خطه عنكبوتيّاً غير مقروء، ومالت بعض السطور هنا وهناك. وقالت أورسولا لكنتين، كنتُ أفكّر في أنَّ الفرق بين القصّة والرسم أو الصورة هو أنّك تستطيع أن تكتب في القصة: إنّه ما زال حيّاً. ولكن في الرسم أو الصورة لا تستطيع أن تُظهر كلمة “ما زال”. يمكنك فقط أن تظهره حيّاً. فقال ستيفن إنّه ما زال حياًّ.

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (11)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (6)

ريسان جاسم عبدالكريم  هشام القيسي .. تفرد شعري بلا منافس يواصل الشاعر هشام القيسي رفد …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة نزار السلامي (5)

ريسان جاسم بعد منتصف الحريق مجموعة شعرية جديدة للشاعر هشام القيسي ، تقتحم الأفق الشعري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *