مختارات شعرية للشاعر الفلسطيني “عز الدين المناصرة” (القسم الثالث والأخير)

مذكرات البحر الميّت*
قصيدة للشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة

جدّي كنعانُ لا يقرأ، إلاّ الشعرَ الرصينْ
يلعبُ الشطرنجَ، أحياناً،
يلاعبُ أحفاده، يتشعلقونَ بفرسهِ البيضاءْ
أضِفْ، ﺇﻟﻰ ذلك… جدّتي
وهي من أصلٍ هكسوسي
لكنها، تزعمُ ﺃﻧﻬﺎ نبطيّة
ترعى بقرَ الوحشِ ﻓﻲ باديةِ الشام
تكتبُ على القرميدِ الأحمرِ، أشعاراً حزينة
تحصدُ شقائقَ النعمانِ، ﻓﻲ أولِ كلِّ ربيع
ترقصُ ﻓﻲ ملاهي واق الواق:
1. رقصةَ الثرثرة.
2. رقصةَ الفخر.
3. رقصةَ الهزيمة.
عينا جدتي زرقاوان، كالبحر الأبيض
ﻟﻬﺎ ضفائرُ لولبيةٌ شقراء، كأفاعي الماء
وكفلٌ يتماوجُ خلفها، كفَقَمةٍ ﻓﻲ بحرِ الشمال.
ﻟﻬﺬﺍ تزعمُ أحياناً،
ﺃﻧﻬﺎ تتقنُ الهيروغليفية،
تتقنُ الكنعانيةَ الفلسطينيةَ السينائيةْ
تتقنُ الأمازيغيةَ، والسُريانيةَ، والكُرديَّةْ
ولغاتٍ أُخرى، لا تُحصى، ولا تُعدّْ
رغم أنَّها، ﻟﻢ تدخلْ مدرسةَ محْوِ الأُميَّة.
جدّتي، تحوّلُ الحجارةَ ﺇﻟﻰ سجونْ
تذرذرُ الترابَ ﻓﻲ وجهِ من يديرونَ الشمسْ
تسرقُ أخطرِ الوثائقِ من خزينةِ السلطانْ.

جدّي كنعانْ
أبيضُ، مرقّطٌ، مثل أُم بريصْ
يصطادُ الحمامَ، ﻓﻲ أعالي جبالِ كنعانيا
قابلَتْهُ الكاهنةُ
ذاتُ الأنفِ الطويلِ،
الشعر المنسدل على الكتفين،
الساق الملساء، كالزبدة،
الوجه الأحمر،
الحاجبِ الكثّ،
ضحكتْ له، كاهنةُ البوادي
حتى استرختْ أعضاؤه،
شربَ نبيذَ الديرِ الجبلي،
رمتْ جسدَها البضَّ عليه،
عندئذٍ… قال ﻟﻬﺎ:
خُذي… ما شئتِ… من التراب!!!

تكبرني جدّتي بعامين
الشَعْرُ الأبيضُ ﻓﻲ رأسها، يغني ثلاثَ أغنيات:
أغنيةً للذكرى،
أغنيةً للحاضر،
أغنيةً للهزيمةِ المقبلة.
غنّيتُ لثوبها المطرّز من كلِّ عقلي
عزفتُ نصوصاً من كتابِ النبيذ
رَنْدَحَ صوتي غزلاً، لرمّان رأسِ العين
ﻓﻲ عيدِ ميلادها، ﻓﻲ حقلِ القمح
كانت الغزالاتُ، يرقُبْنَ دموعي
سكرتُ من عصيرِ السفرجلِ المُشمّس.
شربنا دنان الخمرِ، حتى قالتِ الذكرى:
ﻟﻢ أشرب ﻓﻲ حياتي، كهذه المرّة.
لعبتُ مع جدّتي، كرة السلة، وكرةَ الماء،
وألعاباً أخرى، يعرفها المحكّمون ﻓﻲ المباريات.
شبعتْ جدّتي، صرختْ ﺃﻧﻬﺎ متعبة،
رجعنا آخر النهار
وكانت تكبرني بثلاثة أعوام:
الندى كان طافحاً على حبّاتِ العنبِ البلّلورية
كريستالُ الصخور، يُشعشع دربَ الحبّ،
من بيتَ لحمَ ﺇﻟﻰ الخليل.
ﻓﻲ الطريقِ التي تؤدي ﺇﻟﻰ قلبي
رحتُ أقولُ ﻟﻬﺎ: توهّجي، توهّجي
أرقصي ﻟﻲ وحدي، رقصةَ الخَضْر،
حين طعنَ غريمه
قالت: هذه مدنُ، كلها ترقصُ، كالخنجر
ﺛﻢّ جرّتني من يدي، ﺇﻟﻰ أعالي (مادبا)
صَرخَتْ ﻓﻲ وجهي:
قُل ﻟﻲ: كيف وصلَ الكذّابُ ﺇﻟﻰ هنا
هذه ينابيعُ شعبِ مؤابَ الكنعاني
قُلْ ﻟﻲ: كيف قطعَ الصحراء
ﻟﻢ يستطعْ يا ولدي، فانظُرْ غَرْباً
نظرتُ غرباً… لكنني، ﻟﻢ ألمحِ الخليل.
عندئذٍ، خلعتْ قميصها، أركبتني على كتفها
طارتْ جدّتي، نحو فضاءٍ، لا ينتهي
قالتْ ﻟﻲ: اقرأ، اقرأ، اقرأْ،
قلتُ: ما أنا بقارئْ
صَفَعتْني بقبضتها: غداً ترون،
يا نسْلَ الأُميّين… بكيتْ.
ﻓﻲ الطريقِ ﺇﻟﻰ صفصافةِ البيت،
كان الرعاة
حاملين شبّاباتهم، وأحزانهم،
كانت تحكي ﻟﻲ عن سرقاتِ الوقواق
ذكرتْ ﻟﻲ – حرفياً – أسماء اللصوص
وعندما ذكرتْ ﻟﻲ، اسمه، انتفضتُ،
هتفتُ إذنْ، هو بعينه،
هو بعينه، مَنْ سرقَ مشابكَ الغسيل،
بخطّافه الذهبي،
ضحكتْ جدّتي، وقهقهتْ:
– ليس هو يا ولدي
إنه أحد تلامذته.

– لأمّي ضفائرُ سوداء، كليلِ الخليل
تنثرها على ظهرها، عندما يكونُ عارياً
كانت تضمّني ﺇﻟﻰ صدرها، ﻓﻲ ليالي الشتاء
أما هذه الأيام، فإنها تخافُ منّي
ﻷﻧﻬﺎ قرأتْ مسرحياتِ سوفوكليس كلها.
عسلٌ شفتاها من نحلِ الكرمِ الغربي،
نهرٌ من لبنِ نعاجِ البريّة، ثدياها،
ﻟﻬﺎ عينانِ بحريتان، كأجنحةِ الحمام،
ﻓﻲ نشيدِ النصوصِ الكنعانية،
قبل أن يسرقهُ العابرونْ.
أمّي لا تحبُّ التشبيه، وتمقتُ الكناية
تكره الكرنتينا على جبلٍ ﻓﻲ الخليل
حيث الدواءُ كلُّه أحمر.

إنني ابنُ أﺑﻲ،
واسألوا ليلةَ الزحفِ ﻓﻲ عريشةِ التين
أرسلتْ ﻟﻲ أمي مكتوباً، قالت فيه، حرفيَّاً:
ﺇﻧﻬﺎ تعشقُ ﻓﻲ هذه الأيام، ولداً يشبهني
تمنيتُ أنْ أعودَ ﺇﻟﻰ رحمها
بعد أن قطعتُ المسافةَ الأولى
من بابِ الأسباطِ… ﺇﻟﻰ بولاقَ الدكرور
أمكنةٌ لا تعنيكم، إلاّ ﻓﻲ الأزمات.
ولدتْ أمي ﻓﻲ الكرملِ العالي
ولد أﺑﻲ، قربَ سدود الملح،
ﻓﻲ قاعِ العاﻟﻢِ، أيْ، واللهْ
أما أنا، فسقطتُ فجأة، قربَ عوسجةِ الماء
كانت أمي، عائدةً من غابةِ الحطّابين
ترجّيتُها كتلميذ، أن تلدني قربَ عوسجةِ الماء
ﻓﻲ منتصفِ المسافةِ المترددة
حيث الذئبُ والدمُ وإخوتي
تمنيتُ أن أصلَ الكرملَ المعشوشب
بحقول الملحِ، ﻓﻲ البقعةِ الواطئة
قالوا ﻟﻲ: نصفكَ الآخرُ، سيقفُ كالجدار
عندها هتفتُ، بأعلى يقيني:
إنني ابنُ أﺑﻲ.
– تفكّ أمي ضفائرها، مثل كلِّ الكنعانيات
ﻓﻲ أولِ أبريل
تلبسُ ثوبها الرمادي
ﻓﻲ الثاني من تشرين الثاني، ومنتصفِ أيار، تماماً
تبحثُ هذه الأيام، عن لونٍ أشدّ حلكة
للشهرِ الذي يليه
تقرأ أمي الأشعارَ المحلية، والأجنبية،
الرواياتِ التراجيديةَ، والهزلية،
لكنها تكره الرواياتِ التاريخية
هذا هو السرّ ﻓﻲ ﺃﻧﻬﺎ تشرب
ثلاثةَ كؤوسٍ مُركَّزةٍ ﻓﻲ ليلةٍ واحدة.
وتزعمُ أن هذا، لا يُنْقِصُ من حكمتها.

– لأﺑﻲ شاربٌ أسودٌ، تعشقهُ النساء
لذا سقطت أمي، تحتَ قدميه من أوّلِ الأغنية
كنتُ أنظرُ إليهما ﻓﻲ ليلةِ العرس، من ثقبِ الباب
هل جرّبتُمْ ذلك، مثلي
حيث فقدتْ أمي، عفافها، لأولِ مرّة
لكنهم أسموه – فيما بعد – زواجاً.
رمتني أمي قربِ غزالةِ الماءِ، فأرضعتني
تمنيتُ أن أنموَ ﻓﻲ الفلكِ السابحِ ﻓﻲ بحرِ عكا
لكنني حينَ كبرتُ، وجدتُني مرمياً
بين النخيلِ، وكلابِ البحر
وبدأتُ أصرخُ، بأعلى شكوكي، والصقورُ تجرحني:
صحرا
ماء
صحرا
ماء
صحرا ماء!!!
وبطبيعة الحال: ﻟﻢ يسمعني أحدْ.!!!
ﻟﻢ يسمعني أحدٌ يا أﺑﻲ.

– (جدّي كنعانُ)… بحّار بدويٌّ،
يوزّع الحروفَ الجديدةَ، واللغاتِ غيرَ الدارجة
قيل: جاء على فرسٍ من عسير
وعلى مركبٍ أبيضَ من كريتْ
قيل: مُهرٌ من اليمن، ﻓﻲ سفينةٍ أثينية
لكنَّهُ من جنوب فلسطين، حيث الحروفْ
فسائلُها تَفَرْعَنَتْ ﻓﻲ العاﻟﻢ.
كان يخلطُ الحنينَ، بالزجاجِ والفخار
ﺛﻢ يسقيه، بدمعِ الأرجوان
يصلّي ﻓﻲ الجامعِ الأبيضِ ﻓﻲ صور
يقرأ الصحفَ الخضراءَ ﻓﻲ حيفا
يشربُ الخمورَ الفاخرة، ﻓﻲ مطعمِ البحر
حيثُ الرذاذُ، يجيءُ له بالأخبارِ العتيقةْ
النورسُ الكلبُ، ﻟﻢ يقرأ العددَ الصادرَ حديثاً.
يطلبُ الثأرَ، قدّامَ حجرِ مؤاب
يأتينا آخرُ الليلِ من غوطةِ الشام
عيناه حمراوان، بلونِ أصدافِ صيدا
شعرهُ مشعثٌ، كغاباتِ الأمازون
وإذا ﻟﻢ تصدقوني – اسألوا سهلَ البقاع.

– تتركُ (جدتي) سجّادتها، عندما تراهُ قادماً
ﻷﻧﻬﺎ فرصتها الوحيدة – تغطيهِ، تحتَ إبطها
جدّي، يقرأ ﻟﻬﺎ قصيدته:
(كنعانيا، إذا شئتِ أنْ تتطهّري من الفسادِ…).
ﺛﻢ يعرّج أمامَ مذهّبات العربْ
يقرأ ﻟﻬﺎ شيئاً من الحبِّ الرمادي
شيئاً من الكذبِ،
حتى يغدوَ كلُّ شيء، فاقعاً وملتهباً
تحمرُّ العروقُ ﻓﻲ وجنتيها،
عندئذ تطلبُ جدّتي، الثأرَ الحميم،
تسأله عن كاهنةِ البوادي،
وتحومُ ﻓﻲ أرجاءِ الغرفةِ، كالمجنونة.

توقفَ (جدّي) عن الهذيان
واستعدّ للرقادِ الشتويِّ والندم
وقال ﻟﻬﺎ يا سيّدة كنعانيا:
– سننام، حتى يأتي شهرُ حزيران،
عندئذٍ:… نتذكر موتانا.

مطرٌ حامض
قصيدة للشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة

الأغاني التي عذّبتْني هناكْ
عذّبتني هنا
النساءُ الجميلات… والأوفُ والميجنا
وابتهاجي دماً واخضراراً وبحراً
يصبُّ غِوىً في هواكْ.
الأغاني،
وما بَعْدَ هومير،
صوتي أنا.
يا حفيف الصنوبرِ يسمعَ خطْوي
على تلّة الشهداءْ
ما الذي يزعجُ الشعراءْ
يا دم المُنحنى
الأغاني التي عذّبتني هناكْ
عذَّبتني هنا
الأغاني وما بعد هومير… صوتي أنا.

هل أظلُّ أقابلُ حيفا
على صَفَحاتِ الجرائدِ،
فوقَ السحاب، وتحتَ السحابْ
غارقاً في محبّةِ جفرا ومريم، والشعراءِ الغِضابْ
أستطيعُ الذي…
عندما أشتهي أو أريدْ
هل يُضافُ لذلكَ سهلٌ،
يقابلني في البريدْ
كزجاجِ الخليلِ المُلَوّنِ بالأخضرِ العِنَبيِّ،
على الرسمِ: معركةٌ وحرابْ:
غزالٌ على السفحِ،
رمَّانةٌ وحدها،
مثل قلبي الوحيدْ
وتفاحةٌ تَتَمدَّدُ في آخر السطرِ،
أفعى،
ووحشٌ غريبٌ يطارد وَعْلاً،
نشيدٌ قديمٌ على طوبةٍ
من مقالع مَرْمَرنا القرويِّ،
ولم أستطع أن أفكَّ رموزَ النشيدْ.
إذا كنتَ تعني حجارةَ كنعانَ في المرجِ،
كيف ستكتبُ شعراً، وتلقيهِ في البرلمانْ
إذا كان من قريتي الجبليةِ،
من سفحها الأرجوانْ
وكيف ستلعبُ وحدَكَ، ألعوبةَ الأقحوانْ:
تمزّقُ أوراقها وتقولُ: رأتني
ولم تَرَني
ورأتني
ولم ترني سارحاً في غصونِ الورودْ.
إذا كنت لا تعشقُ الحجرَ البابليِّ،
فكيف تقيمُ على القبرِ شاهدةً للشهيدْ.
هل أظلُّ أقابلُ حيفا التي في النوى…
بِسلال الوعود.

– كلُّ هذي المنافي لنا
كلُّ هذي الحدودْ
دمي مونةُ الأبجديَّةِ
وزَّعتُها في فضاء الجليدْ.
وأعطيتُها شَفْرة الأسئلةْ
انظروا للشقوقِ التي في جبينِ الوطنْ
انظروا كلَّ هذا الرحيل المؤقت، والعودة الآجلةْ
وهذي البناياتُ والجامعاتُ وهذي القصورْ
عظامي أساساتُها والجذورْ
كل هذي المنافي لنا.
انظري، انظري النارَ والغارَ والزمهريرْ
المحلاَّتُ: صورتُها في الغديرْ
إنَّ هذا الزجاج، الزجاجْ:
Made in Hebron.
إنَّ هذا الحرير الحريرْ:
Made in Haifa.
إنَّ هذا البكاء الأسيرْ
يشبه الميجنا
الأغاني التي عذَّبتني هناكْ
عذَّبتني هنا
الأغاني… وما بعد هومير
صوتي… أنا.

– مرّةً… والخليلُ على موعدٍ في القرى الآهلةْ
رشقتني على القُفِّ زخَّةَ وردٍ، فقلتُ: مَطَرْ
ورآني الحصانْ
لا أكلّمُهُ عن جراحاتهِ المورقةْ
قالت الغابلةُ الغافلة:
هل سنشربُ كأساً بصحةِ هذا المنامْ
مطر المهرجانْ
غافلُ في المساءِ
وليس بِمُسْتَبْعَد أن يفيضَ الهوانْ
إذا لم يكن في يدي صولجانْ.
نقطةً نقطةً يتوهجُ عشبُ الكلامْ
من دمٍ في عيون الغريبِ،
غفى في الضجرْ.
ساحةٌ تتثاءبُ في آخر الليلِ
قبلَ هبوطِ الضبابْ
وقومٌ يُتَعْتعهمْ سحرُ هذا الشرابْ
كل هذا الكلامْ
وأنا غارقٌ في المطر
حين تبلغُ أنت رؤوسَ الجبالِ
أكونُ أنا قد لمستُ صهيلَ القِبابِ
وأمسكتُ بالريحِ
سُقْتُ الغيوم، قطيعاً من الثلجِ
أنطقتُ هذا الحجر.
وأنا ساهمٌ كالفراقِ الأكيدْ
مثل سلسالها الذهبيّ الذي ليلة البرتقالْ
لم أجدْ مثله، حين حاصرني الوحلُ
في المنحدرْ
كفضاءِ الرموزِ على صدرِ هذا المقالْ
كبكاءِ الرُعودْ
في حناجرهمْ خَنَقَتْهُ الظلالْ
بعد أن وزَّعتنا طيورُ الحديدْ
وحُرِمنا السؤالْ
عن الوردِ والضوءِ والصوتِ والدولةِ المقبلة:
حُدودي هي النهرُ والبحرُ والأُرجوانْ
كما كان يرسُمها في النصوصْ
قُبيلَ مجيء اللصوصْ
وقبل زمانِ الأسى والجُحودْ.

– مرّة كنتُ أغفو على جَبَلٍ مُشرفٍ
ويطلُّ على بحرِ ملحٍ… وكان السببْ
أنني اشتقتُ أن أتَعَفْرَتَ، أو
أحتوي نجمةً في السماءْ
تحتَ إبطي وأمشي بها مثل بحر الخَبَبْ
ثمَّ ألوي جديلتها في خَدَرْ
ثمّ أغوي الغجرْ
أنْ يدقّوا طبول مواقدهمْ
قربَ نهرِ التَعَبْ
وأنادي النواطير، ثمَّ العصافير،
ثمَّ الرذاذَ الذي يتشعبطُ في ذيلِ زيتونةٍ،
كي يكونَ دليلي إلى مخبأٍ من ذَهَبْ
ثمَّ أصرخُ في قمةٍ: أنت بحرٌ يموتْ
أنت بحرٌ بلا دولةٍ أو نشيدْ.
– مرّةً في الخليلْ
الخليلُ التي دمعها طافحٌ في عروقِ الجليلْ
الخليلُ التي تلمحُ المتوسطَ عندَ امتدادِ الحدادْ
كيف تغرقَ في الملحِ حتى السوادْ
الخليلُ التي لا يشابهها أحدٌ في الأسى
غير قلبي وهذا الرحيل الطويلْ.
مرَّةً… غيَّمتْ فامتطيتُ جوادي
وما ردّني غيرُ بابِ الخليل.
كنتُ أعرفُ أنَّ الكروم لمن غازلَ الشهداءْ
لمن ناغشَ الفأسَ والأصدقاءْ
كيف في مفرق الدربِ،
قالوا: علينا اقتسامُ الكَلامْ
واقتسامُ دم الانقسامْ
تنازلتُ عن حصّتي وحرصتُ على حصّتي
في الوصولْ.
إنني قابلٌ أن نُحكِّمَ جرحَ العنبْ
قابلٌ، فلماذا إذنْ يكثر الأعدقاءْ:
فاعِلُنْ وفعولنْ وفَعْلُنْ ومُسْتَفْعِلُنْ
والزحافاتِ لا تُحصِها، رغم أنف الخليل.

– قال أجدادنا الأوّلونْ:
يا مروجَ الأقاحي
ويا شجرَ العنفوانِ اللذيذْ
زرعنا، زرعنا، زرعنا
وهمْ دائماً دائماً يقطفونَ النبيذْ
في جِرارِ النوى والتَعَبْ:
– مطرٌ حامضٌ سوف يغسلنا باللهبْ
مطرٌ حامضٌ في السهوبْ
مطرٌ حامضٌ في القلوبْ
مطرٌ حامضٌ سوف تشربُ منه الوعولْ
مطرٌ حامضٌ في السيولْ
مطرٌ حامضٌ في صهيل الخيولْ
مطرٌ حامضٌ في الدموعْ
مطرٌ حامضٌ في العيونْ
مطرٌ حامضٌ في نواة الحَجرْ
مطرٌ حامضٌ في المطر
– بعد ذلك تأتي الأناشيدُ والتُربة الصالحةْ:
هل تصيرُ المسافات ما بيننا مالحةْ
أم تُرى تتمددُ جغرافيا الفُرقة الرابحةْ
أم تكونُ لنا دولةٌ، عَلَمٌ ونشيدْ.

– موغلٌ موغلٌ موغلٌ
في شعاب المُنى
أتدفأُ بالأوف والميجنا
شجر البحر، ملحٌ أجاجْ
أيها الأهلُ، إنَّ هواكمْ سِراجْ
ما اختلفنا على الدربِ نحو الخليلِ
فهل خُلْفُنا في اقتسام الخراج!!!.
الأغاني التي عذّبتني هناكْ
عذّبتني هنا
والأغاني، وما بعدَ هوميرَ صوتي… أنا.

يا عنب الخليل
قصيدة للشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة
سمعتُكِ عبرَ ليلِ النَزْفِ أغنيةً خليليَةْ
يردّدها الصغارُ وأنتِ مُرخاةُ الضفائِر
أنتِ داميةُ الجبينْ
وَمَرْمَرَنا الزمانُ المرُّ يا حبّي
يعزُّ عليَّ أن ألقاكِ… مَسْبِيَّهْ.
سمعتكِ عَبْر ليلِ الصيفِ أغنيةً خليليّة:
– خليليٌّ أنتَ: يا عنبَ الخليلِ الحرّ… لا تثمرْ
وإنْ أثمرتَ، كُن سُمَّاً على الأعداءِ، لا تثمر!!!
* * *
عنبٌ جَنْدليٌّ وإيقاعُهُ فاعلنْ ﻓﻲ المزادِ، وقيلَ: فعولنْ
لأن الخببْ
يرتوي من بحورِ الذهبْ.
– فيمشي الهُوينا كدحرجةٍ لقناني النبيذِ على الطاولاتْ
ﻭﻓﻲ بيتَ لحمَ التي لا تنامْ
يَحِلُّ عليه التعبْ
ينامُ على حجرٍ من صخبْ
لترعاهُ عينُ العنايةِ ﻓﻲ حضنِ بَعْلَ الذي لا ينام.
الخليلُ تفضّلهُ ﻓﻲ الصباحِ زبيباً ودبْساً،
إذا كانَ مَلْبَنُهُ صافياً كبناتِ الشآم.
سُكّراً كبياضِ خليليةٍ مثلِ شمسٍ تغارُ منَ الشمسِ،
كي لا تغارَ من الوردِ، من حمرةِ الوجنتينِ،
ولينِ القوامْ.
ونحنُ الأعاريبَ نعشقُها كرمةً تتجلّى غلالاتها ﻓﻲ المنام
نخبئها ﻓﻲ السلاسلِ، بردانةً، ﺛﻢ بينَ فروعِ النباتْ
نُمزمزها ﻓﻲ الصواني،
إذا هَلَّ هذا الصقيعُ على الكائنات.
ونقطفها ﻓﻲ ديسمبرَ،
ﻓﻲ عيدِ عيسى عليه السلامُ، عليهِ السلام.
* * *
غريبُ الدّار يا حبّي، غريبُ الدارْ
يَظَلُّ يلوبُ ﻓﻲ البلدِ البعيدِ على حدودِ النار.
رياحٌ قد تهبُّ تذيبُ أفئدةً جليديّة
وحولَ مقابرِ الموتى منَ الأحياء
تظلّ تحومُ طولَ الليلِ، جنيَّة
تغنّى الليلَ، أحلامَ الثكالى… والدجى المسكونْ
وتلعنُ من أطالوا الليلَ يا حُبّي.
* * *
عنبٌ دابوقيٌ كرحيقِ النحلِ على يافطةٍ بيضاء
عنبٌ دابوقيٌّ يتدلّى من عِبّ الداليةِ كقرطِ الماسْ
عنبٌ دابوقيٌّ لا يشبهَهُ أحدٌ ﻓﻲ الناس
عنبٌ دابوقيٌّ يصهلُ مثلَ مغنيةٍ خضراء
عنبٌ دابوقيٌّ يتمدّدُ كامرأةٍ ﻓﻲ شمسِ المسطاح.
الملبنُ كالزبدةِ كالشهوةِ ﻓﻲ الخلْوةِ مثلُ ندى التين،
كحمحمةِ الأنثى ﻓﻲ أطرافِ الكاسْ.
أثقبُ دائرةَ الكونِ ﺇﻟﻰ اللُبِّ الحسَّاسْ
أثقبُ بالإزميلِ الليلَ، يناديني البُلبلُ من قلبِ الأحجارْ
ليغنّي لقبورِ الأجداد
عنبٌ دابوقيٌّ من جبلِ الشيخ يناديني:
من جبلِ الشيخ… أيا بَرَّادْ
من دمعِ كرومِ الكنعانيينَ، صلاةُ الأسياد
من لهفةِ جدّتنا ﻓﻲ الصحراءِ على الماء
من طينِ الحوَّرِ، تعصرهُ، تنتظرُ النبعَ المتدفقَ
ﻓﻲ غربتها
من لبنِ الداليةِ سأرضعُ أحرفَ جدّي،
من حقلِ الآراميْ
من حجرِ رخامٍ ﻓﻲ مقلعِ جفرا الكنعانية
عنبٌ دابوقيّ
عنبٌ دابوقيّ
عنبٌ دابوقيّ.
* * *
سمعتكِ عَبرَ ليلِ الحزنِ أغنيةً خليليّة
تصيحُ طوالَ جمرِ الصيف:
أبو الفقراءِ والأيتامِ مرَّ يقولْ:
هنا يستيقظُ الإسفلتُ والزيتون
هنا يبكونَ خلفَ السدرِ والزقّوم.
متى ترجع!!!
وهل ﻓﻲ القبرِ من يسمع!!!
صراخَ فؤادِكِ المحموم
إذا الأحياءُ ماتوا ﻓﻲ ذرى ” أرْبَعْ “!!! *
* * *
كان نُعيميُّ ينهرُ بغلته ﻓﻲ أوَّلِ خيطٍ للفجر
كي لا تترضرضَ أثداءُ العنبِ الدابوقيْ
يشرحُ ﻟﻲ عن سلسلةٍ من نسبٍ لسلالةِ أجدادِ الكرمة
كنتُ أرافقهُ للسوقِ على ظهرِ الفرسِ الشهباء
يتغزلُ باللونِ وبالطولِ وبالطَعْمِ وبالأسماء
قال خليليٌّ من عصرِ الإحياء:
– أنتَ خليليٌّ كالعنبِ المُرِّ المتأخرِ ﻓﻲ النضجِ،
الأصلبُ عوداً ﻓﻲ الوعرِ ﻭﻓﻲ الأزمات
تبدأُ حينَ القافلةُ الخضراء
تجأرُ بالشكوى ﻓﻲ ليلِ حجريٍ موبوءْ
وتظلُّ الرمحَ الضاحكَ ﻓﻲ آخرِ نفَسٍ للشجرةْ.

كان الوسطاءُ سماسرةً يمتصّونَ النَّصرَ كدبَّورٍ،
يمتصّونَ عروقي وعروقَ أﺑﻲ.
كان أﺑﻲ يتأكدُ من خاتمةِ العنبِ الدابوقي
حتى لا تسرقَهُ الخمَّارةْ
حتى لو خسرَ جهارا بغلَتهُ وحمارهْ
– الفاسدُ يا ولدي يتخثرُ ﻓﻲ الجسدِ كجيفة
ﺛﻢ يجفّفُ نبعَ القلب.
كان يُداريني حينَ يداهمني التعبُ، وكانَ يغطّيني
بعباءتِهِ من لسعةِ بردِ سُرى الليل.
عنبٌ دابوقيٌّ كنعانيٌّ شَفَّافٌ كغلالةِ عذراء
كقناديلِ بناتِ النعشِ الفضيّ
يتدلّى فوقَ سحاحيرِ الفجرِ ملاكاً يغرقُ ﻓﻲ النومْ
عنبٌ يتدلَّى أحياناً مثلَ الأكفانْ
حين نبيعُكً، يمتلئُ القلبُ بحزنٍ أبديٍّ،
يمتلئُ الجيبُ بخسرانْ
فبأيِّ طريقٍ نحميكَ منَ البهتان!!!
* * *
سمعتكِ عَبْرَ جمرِ الصيفِ أغنيةً خليليّة
تظلُّ ترنُّ خلفَ التلِّ منسية
إذا ما استنسمتْ ريحاً بوادي الجوزِ،
غربيَّةْ
تظلُّ تنوحُ ما ناحَ الحمامُ على سواقي الحب،
فوقَ ضفائرِ الزعرورْ
ﻭﻓﻲ المذياعِ، أصواتٌ، علاماتٌ أثيريّة:
– خليليٌّ أنتَ يا عنبَ الخليلِ الحرِّ لا تثمرْ
وإنْ أثمرتَ، كن سُمّاً على الأعداءِ،
لا تثمر!! *

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *