الرئيسية » ملفات » فرج ياسين : أنا وحدي أفتخر وأباهي بأنني كاتب واقعي حاوره: أسامة محمد صادق (ملف/5)

فرج ياسين : أنا وحدي أفتخر وأباهي بأنني كاتب واقعي حاوره: أسامة محمد صادق (ملف/5)

حوار مع القاص الدكتور فرج ياسين
د . اسامة محمد صادق
من كتاب مبدعون

• (أنا من أقل الأدباء حضوراً على صعيد النشر والانتشار، وارتياد المؤتمرات والندوات والمهرجانات، كما أنني لم أتقدّم إلى نيل جائزة ولم أصطنع علاقات وأمهّد لها مجازفاً بشرف الكلمة، وليس لي دعاة سوى أصدقائي وتلامذتي، أما علاقتي بالسياسة والسياسيين وماكناتهم الإعلامية المسيسة فهي ضئيلة إلى حد التلاشي).

• أنا وحدي أفتخر وأباهي بأنني كاتب واقعي، انتقادي بصورة ما، منطلقاً من أن كل كتابة هي انتقاديّة حتماً.

• أنا معلم نقد في الجامعة ولستُ ناقداً.

فرج ياسين ( هو أسم الشهرة كما يقول عن نفسه1، هو الاسم الذي اتخذه منذ أول أبيات شعرية نشرت له، وهو طالب في الصف الرابع الثانوي، منزّها نفسه عن أي انحياز يميل به عن الصفة الإنسانية، كالانحياز إلى المدينة أو لقب العائلة أو العشيرة . ولد في لحظة تاريخية هي نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدء صفحة الرعب جراء إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناكازاكي، وكان والده قد منحه هذا الاسم قبل ولادته بيوم واحد حين سجل اسمه في قائمة العائلة ( وكان وكيل تموين ) مستشرفا حالة يكتنفها التشوّق والرجاء والتفاؤل، لأن الأسرة رزقت بأربع إناث قبله، وكانت هذه التسمية تشكل تماهيا عادلا مع حلمه الأبوي .

نشأ الفتى حالما مدلّلا خجولا عليلا، لا يحب المدرسة، لكنه كان يلتقط الورقة الملقاة في الطريق ويقرأ ما فيها، وفي الصف الرابع الابتدائي انتزع في مرسم المدرسة ورقتين تحتويان على قصة وقصيدة من مجلة أهل النفط التي أصبحت تسمى بعد ذلك العاملون في النفط . وبعد سنين طويلة اعتذر من معلم الرسم، فأطرى تلك السرقة، ولاشك في أنه كان يقصد الحمولة الرمزية لتلك الواقعة، وهذه أول وآخر سرقة في حياته كما يقول .

. توفى والده وهو في سن الخامسة عشرة، فنعم برعاية ثلاثة أعمام وأخت كبرى أصبحت معلمة منذ عام 1959 وفي تلك الفترة أورقت بوادر التشكل النفسي الأول، إذ جعل صدى ارتطامه بالعالم في النمو . وقوف شخص على درابزين نادي الموظفين في تكريت وهو يرفع يده بقطعة لحم آدمي وينادي هذا لحم الوصي عبد الآله من يريد أن ( يشيّش ويشّوي) ، هذا الفعل جعله يرتد إلى منطقة السلام والحب والفضيلة في أعماقه، فما احتقر شيئا ً كاحتقاره للعنف وتدمير الروح الإنساني، ثم انسحب ذلك على السياسة فلم يشتغل بها ولم ينتم ِ إلى حزب، ولم يستجب لوعد ما، وصدق حدسه (إذ كان الساسة العراقيون أحد فئتين، أما هواة أنصاف متعلمين محمولين على غواية السلطة والوجاهة، وأما مناضلين حقيقيين عصاميين واعدين ولكن من دون جماهير حقيقية)

منذ أواسط الستينيات ثم السبعينيات اتصل برؤى وفلسفات العصر وقضاياه ومناهجه (الماركسية والوجودية وأدب المقاومة و بزوغ صفحة ما بعد الحداثة) راصدا التطورات في فنون الشعر والرواية والقصة والفن التشكيلي والمسرح والسينما، وكان أحد الشعراء الذين قدمتهم مجلة الكلمة في عددين من أعدادها بوصفهم شعراء ما بعد الستينيات والسبعينيات .وحين انتهى فصل وجوده القصير في بغداد وانتقاله للعمل في سلك التعليم الثانوي في إحدى قرى تكريت منذ عام 1975 بدأت علاقته مع القصة .

الشاعر الذي تحول الى قاص

يقول الدكتور القاص فرج ياسين عن بداياته:

– البداية كانت مع الشعر ومنذ المرحلة الابتدائية، أما مع النشر فقد بدأت مع ملحق جريدة الجمهورية الأدبي 1967 – 1968، إذ كانوا ينشرون لي قطعا شعرية في بريد القراء (وقد أشار سامي مهدي في كتابه الموجة الصاخبة إلى أن بعض الذين كانت تظهر أسماؤهم في بريد القراء أصبحوا من أدباء العراق المعروفين)، وحين كنت طالبا في كلية الآداب أرسلت قصيدتين إلى مجلة ألف باء وبعد قرابة شهر ذهبت إلى المجلة فاستقبلني رئيس القسم الثقافي الذي عرفت بعد ذلك أنه فاضل العزاوي وقال لي أن قصيدتي (وجه القوة) ستنشر في الأسبوع القادم أما الأخرى فأني لا أعرف معنى كلمة فيها وهي (السعوط ) فشرحتها له قائلا أنه (النشوق)، وهو مسحوق التبغ الذي يوضع في الأنف، فضحك وأكد لي أنها ستنشر لاحقا أيضا .

حين شاهدت قصيدة (وجه القوة) على صفحة مجلة ألف باء، أخذني الزهو وخيل إليّ أن كل الناس قد قرؤا قصيدتي وتعرفوا علي . ثم نشرت لي بعدها مجلة الإذاعة والتلفزيون وصوت الطلبة وألف باء لعدة مرات ومجلة الكلمة في عددين ومجلة الأقلام ضمن ملف الشعراء السبعينين وجريدة الجمهورية والطليعة الأدبية وكتاب شعراء الطليعة العربية الذي أعده الشاعر علي جعفر العلاق .

أمّا كيف يمكن أن يتحول الشاعر إلى قاص كما حدث مع القاص فرج ياسين فيعزو ذلك الى ان في البطانة النفسية والذوقية والثقافية لكل أديب يوجد شاعر كامنٌ متوثب يمتلك الحق والشرعية في أن ينطلق ويتريث أو يتراجع أو يتحول وأنا تحول على إنه لم افقد هذه البطانة (الخلفية) و الدليل أن الشعر موجود في قصصه و بمستويات كثيرة موضوعية وفنية تناصّية وبلاغية وأسلوبية ، وأن بنيات النصوص الأدبية أخذت تتساقى مكوناتها فلم يعد للنوع المنفرد خصوصية مطلقة في أطار الجنس الذي ينتمي إليه، أو أطار الجنس الجامع أي الفن.

في عام 1974 اشترك مع صديقه غالب المطلّبي في كتابة مسرحية عنوانها (المسد) نشرتها مجلة الأديب المعاصر، ومن بوابتها دخل حوزة السرد، بعد عامين كتبت قصة الأولى (الصرّة) وأرسلها بالبريد إلى غالب فقدمها إلى مجلة الأديب المعاصر ونشرتها في عددها الجاهز للطبع، فلقيت استحسانا كبيرا من مجموعة أصدقاء ومعارف مقهى البرلمان . وبعد شهرين نشرت مجلة ألف باء ومجلة الإذاعة والتلفزيون قصته (الحبل والرجل )، وما أن حل عام 1981 حتى أصدرت دار الشؤون الثقافية العامة مجموعته القصصية البكر (حوار آخر)، وقد اختار منذ ذلك الحين أن يتفرغ لكتابة القصة من دون أن يفرّط بقوة الشعر الحيوية في لغته أو حياته .
نصيحة للكتاب المبتدئين

وعن نصيحته للكتاب المبتدئين في كتابة القصة

يقول فرج ياسين :

– كُنت صبيّاً في الصف الأول المتوسط . وكان درس اللغة الإنكليزية من أثقل الدروس عليّ وعلى غيري من الطلاب . وأذكر أنني لحقت بمدرس المادّة بعد الانتهاء من أحد الدروس وقلت له كيف أتعلم اللغة الإنكليزية وأصبح مُتمكناً من الدرس .. فقال لي :Read and read and read .

وأنا ما عتمتُ أقول لمن يحيط بي من الشباب المتطلعيّن إلى تطوير أدواتهم هذهِ الجملة أبعد أن أروي لهم هذهِ القصة أيضاً، وهي إحدى الدروس المبكرّة في حياتي، على أن القراءة التي أدعو إلى زحزحة مفهومها ليستغرق كل وسائل الاتصال أن تتصرف إلى ملامسة نوعين من المعرفة السردّية، الأول يشمل النصوص من أي ثقافة خرجت والثاني يشمل الإحاطة بأسرار هذا الفن وقوانينه ومناهجه ومبادئه وموجهاته .

على أنني أدعو إلى نوع من الكدح والشغف ؛ لأنه من دون هذا الكدح وهذا الشغف لا يستطيع المبتدئ أن يصل إلى هدفه . واليوم وأنا أراقب أداء بعض المواهب الحقيقية أحياناً، أحزن كثيراً لأن أصحابها لم يأخذوا أنفسهم بالشدَةِ والصرامة، وهكذا، يضيعون فرصة شخصيّة نادرة .

اختيار الشخوص ورسمها

للقاص الدكتور فرج ياسين منطلق يختاره لشخوصه ورسمها إذ يقول :

– لست من يختار شخصيات القصص، الشخصيّات توجد بقوّة حضورها الذاتي عند احتكاكها بذائقي واصطدامها بإرادة الخلق، دعوني أروي لكم هذهِ الحكايّة، في عام 1988 التقيت صديقاً من الحلّة، وسألتهُ همساً عن زميل دراسة من أبناء عمومته، لم أسمع عنه شيئاً منذ افتراقنا بعد التخرّج في عام 1972، وقد هالني أن رأيت علامات الإحراج باديةً على وجهه، ثم أنه اكتفى بأن نفض كفّه في وجهي قائلاً (راح…) ثم أنصرف مسرعاً، لم يستغرق هذا المشهد سوى دقيقة واحدة، ولم تكن قبلها لذلك الصديق الغائب أية مزيّة لكي يكون موضوعاً لقصة أكتبها بعد تخطيط وتدقيق، كما أن القصّة حين ولدت بعد ذلك بأشهر، ليس لها أية صلة بتلك الواقعة مع أبن عمه، والقصّة لم تستجب للاستفزاز التي تثيره كلمة (راح) التي قيلت في أطار خوف وتحسّب وكتمان، إذ إن أول ما تبادر إلى ذهني أن زميل الدراسة ذاك ربما هو قتِل أو مسافر وإذا كان مسافراً فلا بد أنه سياسي وجد الفرصة للهرب وهو مطلوب الآن وأبن عمه لا يريد أن يتداول أخباره مع أحد. القصّة التي ولدت بعد ذلك لا علاقة لها بهذهِ الحكاية لا من حيث الشخوص ولا الزمن ولا الواقعة ولا المكان، ولكن تلك الدقيقة المصادفة كانت هي التي حرّضت على كتابة قصّة (شمس في الغبار). شخوص القصّة إذاً لا يتم اختيارهم اختياراً واعياً إنهم يولدون بطريقتهم الخاصة، أما الذين نلتقيهم ونتحدث معهم ونتأثر بمواقفهم وأساليب حياتهم فإنهم حتى إذا وجدوا في القصص على نحو ما فلا يعني هذا أنهم مُمَثلوَّن كما هم بل كما تقترحه إرادة الخلق في مختبر الأديب.. وأرجوكم أن تقرؤوا هذهِ القصّة، في عالم النت الفسيح إن لم تكن بحوزتكم مجموعة (واجهات برّاقة) لكي تكتشفوا بأنفسكم أن بطل القصة هو أنا. وأن الحكاية التي رويتها لك لم تكن سوى مرجعيّة نفسيّة لها.

من شعر فرج ياسين

أنا إن عشتُ لست أعدم قوتاً

وإذ متُّ لست أعــدم قبــراً

همّتي همة الملوك ونفسي

نفس حُرِّ ترى المذّلة كُفراً

وإذا ما رضيتُ بالعيش (حُرّاً)

فلماذا أزور زيداً وعمــراً)

فرج ياسين
الإنسان لأنه يعيش كما يكتب ويكتب كما يعيش

للقاصة والروائية العراقية رشا فاضل تعريف خاص بالقاص الدكتور فرج ياسين2 (و اذا أردت تعريف هذا الإنسان وانتقاء التعريف الأجمل سأقول انه إنسان بسيط يحتفي بالتفاصيل الصغيرة ولا يأبه لضخامة الأشياء ، يقدس (الشاي) الذي يدعوه مقدسا وغالبا ما يستمتع بمجالسة الناس البسطاء الذي لا يعرفون عن الأدب شيئا ، يفتح بابه بيته وقلبه للصغار والكبار.. يهتم بمنجزهم على بساطته ويقوّم مسيرتهم كصديق لا يتقن أن يكون أستاذا ..

حين يتحدث لا يكاد صوته يبتعد عن حنجرته غير إننا لا يمكن ونحن في وسط الضجيج إلا أن نمعن الإنصات له لأنه تعود أن يقول الصدق في الأدب والنقد والحياة ..يحتفي بكل مقومات الجمال ومفرداته من موسيقى وضوء ولون وله في كل شيء وجهة نظر لا يطلعك عليها إلا لو أمعنت في سؤاله ويحترم كل وجهات النظر بلا ادعاء أو تكلف..

يبتعد عن التجمعات والمؤسسات بكافة أشكالها لإيمانه بأنها لا تخدم النص بل الكاتب ولأن الكاتب عابر مثل سحابة نجده يؤمن بالولاء للمطر فهو الذي سيفترش الأرض بالخصب والنماء ..

يكتب نصه ويطلقه في الهواء ويسعد حين يرى أن لنصه أجنحة طالت المدى غير أنه يبقى محافظا على روح الطفل فيه التي لا تحتفي إلا بالتفاصيل الصغيرة البعيدة عن تضخم الأنا والمغالاة بتقدير الذات ..لا يمكن الحديث عن القاص فرج ياسين القاص بمعزل عن فرج ياسين الإنسان لأنه يعيش كما يكتب ويكتب كما يعيش ..يربكه المديح والمحبة.

الاحتفاء بفرج ياسين امتياز وطعم خاص

يقول الناقد كفاح الألوسي عن فرج ياسين في كلمة القاها بمناسبة الاحتفاء به في القصر الثقافة والفنون في صلاح الدين 3(الاحتفاء بفرج ياسين امتياز وطعم خاص . فالحميمية التي جمعتني به عبر السنين جعلتني أقرب من الكثير إلى تجربته الإبداعية التي لطالما أطلعت عليها ودرستها بتمعن مستكشفا بعين الناقد والقارئ المتذوق مواطن الإبداع التي تميز تجربته بفرادتها وخصوصيتها…… لذا اسمحوا لي ان أحدثكم وبعجالة عن ذكرياتي ونص (ذهاب الجعل إلى بيته) هذا النص الذي هو أقرب إلى جنس الرواية القصيرة . إذ شرفني صديقي القاص فرج ياسين بقراءة مسودته الأولى في صيف عام 1993 ومنذ ذلك اليوم وهذا النص يطاردني ، في حينها كتبت عنه مقالا طويلا وكتب جمال نوري أيضا ونسينا ما كتبناه لأن صديقنا فرج ياسين انشغل وقتها بإصدار مجموعته القصصية ( واجهات براقة ) وبعدها انشغل بالتحضير لرسالة الماجستير وظل النص لثمان سنوات في أدراج مكتبه ولم يرى النور إلا في نهاية عام 2000 حيث نشر كاملا في مجلة الأقلام ولكن بحروف صغيره عصيه على القراءة مما فوت الفرصة على الكثير من القراء للاستمتاع بهذا النص المتميز . بعدها بشهور قررت السفر إلى الأردن للقاء بأخي بديع الألوسي المقيم في فرنسا وكانت مجلة الأقلام أحدى أهم الهدايا التي قدمتها له حين إذ . وقتها لم يتسع الوقت لنتحدث عن نص (ذهاب الجعل) لكنني أتذكر جيدا باني قلت له : في هذه المجلة ستجد نصا أدبيا جديرا بالقراءة وجديرا بالتأمل أيضا ، لذا أتمنى عليك ان تقرأه بتأني لأنه لا يقل أهمية عن كل ما قرأته في حياتك الماضية . وعاد بديع إلى فرنسا … وعدت أنا إلى العراق ، وكتب لي بعد حين رسالة أشار فيها لذلك النص متسائلا : ماذا يريد ان يقول فرج ياسين بهذا النص القصصي الطويل !؟ فكتبت له رسالة مطوله أحثه فيها بإعادة القراءة كاشفا له بعض مغاليق النص ، من دون أن افسد عليه متعة القراءة الثانية .كون عمل القاص ليس عملا في التاريخ بل في الاحتمال لأنه لا يروي ما وقع بل ما يجوز وقوعه ، وكون ( الأدب كذبة تقول الحقيقة ) كما يقول كوتر . واستمر الحوار بيننا عبر عشر رسائل مطولة كان يشغل الجانب الأهم فيها هذه الرواية التي بذرت فينا القلق وأثارت فينا الكثير من الأسئلة . نعم هكذا كنت افهم العمل المبدع فهو لا يمنح الراحة والمتعة حسب بل يتجاوز ذلك إلى الاستفزاز والقلق والتحرش بالحقيقة الجميل في الأمر إني كنت اقرأ لصديقي فرج كل تلك الرسائل الإخوانية وما تحمله من انطباعات لفك شفرة النص ، وكان هو من ناحيته حريصا على سماعها بفرح ومحبه . على هذا النحو ورغم بعد المسافات احتفينا بنص (ذهاب الجعل ) ذلك الاحتفاء ألائق به حد الانبهار… يوم لم يحتف به أحد . اليوم ونحن نحتفي بصديقنا القاص فرج ياسين قاصا مبدعا ، ادعوكم – أيها الأصدقاء – والفت انتباهكم لقراءة هذا النص المخاتل . خاصة وانه قد صدر مؤخرا عن دار رند في كتاب مطبوع أنيق وأصبح في متناول أيدينا . كلمة أخيرة يمكن أن أسركم بها : إن نص ( ذهاب الجعل إلى بيته) لم يكتب للعامة من الناس بل كتب خصيصا لعشاق القراءة ، وانه على صعيد الإبداع أجمل وأطول واخطر نص كتبه فرج ياسين ، لذا اعتقد إن قراءة واحدة غير كافيه أبدا لفتح مغاليق أسراره ، لأنه بحق نص مخاتل يظهر غير ما يبطن ، وانه ينفتح على تأويلات وقراءات عدة .

الرجل المتخم بالتواضع والبساطة والحب

القاص والإعلامي أسامة محمد صادق كانت له شهادة أخرى4 يقول فيها :

(يقال إن الحياة في نظر الجائع رغيف خبز، وفي نظر الفيلسوف، مهزلة، وفي نظر الفنان مسرح ،وفي نظر الطفلة الصغيرة: لعب ،ولهو، وفي نظر المرأة زواج .

في حين أن الحياة في نظر فرج ياسين هرم كبير يجب أن يملئ بالقصص التي يعيشها ثم يكتبها …لتكون جديرة بالخلود…أنه يعتبرها ابتسامة الشمس ، واستراحة الربيع ، وجمال الطبيعة وسكون البحيرة ، وهو الاعتبار ذاته الذي سبقه (جوته) وراح يرتشفها حتى الثمالة ..هكذا هو فرج ياسين متعدداً ، ومتنوعاً كثيف كالسحب حافل بالجد والمثابرة ، حريص أن لا يترك أي مفردة مهما كانت صغيرة في حياته إلا ويترجمها بقصة أو ابتسامة ؛يصغي مهما كانت نوعية وحجم الثقافة عند الآخر صغيراً كان أو كبيراً ..أنه مضيئ كالنجوم في ليالي الشتاء الصاخبة ، وهو ميدان وحلبة سباق في آن واحد ..

إما الدكتور الشاعر سعد الصالحي ،

بدأ القاص فرج ياسين حياته الأدبية شاعراً أفرد صوته في منتصف السبعينيات من القرن الماضي واعداً بمشروع يحفل بالكثير، لكنه آثر الانتقال إلى القصة القصيرة حاملاً معه مؤونته الشعرية ليتفرد بخطاب قصصي يتميز بشعرية تنسجم مع تلك البدايات وتشكل امتداداً طبيعياً لها….

ولفرج ياسين الفضل الأول في تنمية وتبني الكثير من المواهب الشباب من بينها القاص والشاعر المسرحي (ناشد سمير ) الذي افرد عن هذا البني بمقال بعنوان (أول من يتكلم عن فرج ياسين / ناشد سمير الباشا)

بلا مقدمات، في توجهي الأدبي ومعانقتي للكلمة حتى ساعتي هذه بتلذذ ومسؤولية يصلان إلى تخوم اللا معقول، لقد عرفت الشعر أول الأمر من (خالي فرج) ولمّا أكمل العقد من العمر وتلقفت هذا السحر منه مع تفتح بواكير الحياة عندما كنت أعيش شبه عيشة متواصلة في بيت جدي في منطقة الحارة بتكريت إبان السبعينات وكنت وقتها أتوق إلى حاجيات خالي من هذه الرزم الورقية التي كانت تزدحم بها مكتباته الصغيرات المتفرقات، ثمة كتب ومجلات ولفافات في مكتبتين تغور في حائط إحدى الحجرات لها رفوف من جص ويغلقها باب خشبي رقيق الحواف ما زلت لم أنس أن خالي كان في كل مناسبة مستجدة يقوم بتجميع ما عتق وقدم من أوراقه المستلة من هاتين المكتبتين الحائطيتين وغيرهما ويضرم فيها النار وكم من مرة وددت لو أحظى بالملونات من هذه الأوراق إلا أنه قليلاً ما كان يستجيب، ثم أنه كان يطلب مني أن أكتب الشعر ويقوم هو بتصحيحه وضحكاته تجلجل في وجهي المبتسم إزاء خالٍ محب، لا أدري لم كنت أحس أنه في نفس عمري آنذاك، وكنت أعقد مشابهة بينه وبين الفنان عبد الحليم حافظ، وربما هذا ما سيفاجؤه، لا أنسى منظره في أماسي الصيف الحارة وهو يجلس معرياً ساقيه حدَّ الركبة ومركباً إحداها فوق الأخرى وسيجارته لا تفتأ تلامس شفتيه بأوقات متباعدة، ولمّا تعلم قيادة السيارة كانت سيارته (النصر) بيضاء اللون أجمل السيارات التي تسير في شوارع تكريت قاطبة في نظري، وما زلت أحتفظ بصورة فوتوغرافية لها، في نهاية نفحة التذكر هذه أسجل أن خالي الدكتور الأديب فرج ياسين مكتمل الإنسانية مثلما نسعى الآن إلى أن نثبت حقيقة اكتمال تجربته الأدبية بنجاح باهر .

يذكر أن فرج ياسين حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب الحديث والنقد وعمل أستاذ مساعد في كلية التربية للبنات /جامعة تكريت، وهو متقاعد حاليا – عضو اتحاد الأدباء العراقيين، وعضو مؤسس لاتحاد الأدباء فرع صلاح الدين، وأول رئيس له – عضو اتحاد الأدباء والكتاب العرب – عضو الهيئة الاستشارية للتأليف والترجمة والنشر في وزارة الثقافة العراقية – رئيس الهيئة الاستشارية لقصر الثقافة والفنون في محافظة صلاح الدين ، له من المؤلفات :

أ‌- المجاميع القصصية – 1حوار آخر 1981 – 2عربة بطيئة 1986 – 3 واجهات براقة 1995 – 4 رماد الأقاويل 2006 – 5 ذهاب الجعل إلى بيته 2010 – 6 بريد الأب 2013 .

ب. الكتب النقدية

• توظيف الأسطورة في القصة العراقية الحديثة 2000

• أنماط الشخصية المؤسطرة في القصة العراقية 2006

ج . مقالات نقدية، وكتابات في التجربة القصصية، ومقابلات معه في الصحف والمجلات.

• مؤلفات عن تجربته القصصية

• المغامرة السردية، جماليات التشكيل القصصي، رؤية فنية في مدونة فرج ياسين القصصية . الكتاب الفائز بجائزة الشارقة للإبداع العربي / المرتبة الثانية 2009 / تأليف الدكتورة سوسن ألبياتي. 2-الرؤية السردية في قصص فرج ياسين، رماد الأقاويل انموذجا / لكوثر محمد علي صادق / البحث الفائز بالمرتبة الأولى بين بحوث الطلبة الخريجين في الجامعات العراقية عام 2010 .

• الغرائبية والطفولة في قصص فرج ياسين / رسالة ماجستير للطالبة ثمار كامل البيضاني، نوقشت في جامعة واسط 2011 .

• رماديات، رؤى الخيال والماضي والغياب، قراءة في مجموعة فرج ياسين القصصية رماد الأقاويل . تأليف مصطفى مزاحم، إصدار دار تموز/ دمشق 2011 .

• الفضاء السردي في قصص فرج ياسين، رسالة ماجستير للطالب صلاح نبو، كلية التربية / جامعة تكريت .

• ما يزيد عل ستين بحثا ودراسة ومقالة نقدية بأقلام باحثين ونقاد عراقيين وعرب تناولت منجزه القصصي ،من بينهم د. مالك المطلبي وياسين النصيّر ود. محمد صابر عبيد ود. صالح هويدي و د. قبس كاظم الجنابي ود. رفقة دودين وجاسم عاصي وعباس عبد جاسم وعبد الجبار البصري وآخرون..

الهوامش

1- مؤسسة المثقف العربي في سيدني / أستراليا تكرم المبدع الكبير القاص فرج ياسين. www.almothaqaf.com

2- رشا فاضل روائية , قاصة وصحفية عراقية

3- كفاح الألوسي / ناقد عراقي

4- انطباعات نقدية / عامر الفرحان / أسامة محمد صادق / دار الإبداع للطباعة والنشر والتوزيع /2015
د . اسامة محمد صادق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *