أ.د. نادية هناوي سعدون : إتمام النص السردي قصصيا بالتأجيل الإرجائي مسرحيا
قراءة في رواية (تسارع الخطى) (ملف/26)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن المبدع الكبير “أحمد خلف” الذي اثرى السرد العراقي والعربي بالكثير من الأعمال القصصية واالروائية المهمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء هذا الملف بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير أحمد خلف وهو يواصل مسيرته السردية بثبات وتصاعد بارز.

إتمام النص السردي قصصيا بالتأجيل الإرجائي مسرحيا
قراءة في رواية ( تسارع الخطى )
أ.د. نادية هناوي سعدون

ـ1ـ
تتسارع أحداث رواية تسارع الخطى للروائي أحمد خلف لتغدو أقرب إلى الرواية القصيرة التي تتأرجح بين الإتمام السردي والتأجيل المسرحي.
ولأنها تحاكي الواقع الحياتي بوصفه المرجع الذي ينتقي منه الكاتب قصصه لذلك لم تعتمد البناء على فصول أو التوزيع على مقاطع، بل الرواية بدت وكأنها مسرحية لا يكف القدر أن يخلق لها عقدها التي لا يسع كاتبها أن يجد عقدة مثلى أو منطقية لتفسير مفاجأتها.
وقد تداخل بناء الرواية بين البنية القصصية والبنية المسرحية وهذا التداخل هو تجريب فني وظفه الروائي ليكتب قصة ممسرحة أو يمرر مسرحية قصصية ليؤكد أن الإنسان واع وعيا حقيقيا طليعيا بطبيعته الخاصة كونه لا يواجه تعدد الأحداث التي لا تنتهج نهج حدث واحد متصل الأجزاء حسب بل تتنوع الحبكات وتتعدد المصائر.
وهذا ما يجعل الرواية تقترب من اتجاه المسرح الملحمي على طريقة برخت الذي كان قد أدرك ضرورة تقديم المسرحية عبر السرد وحاول أن تكون مسرحياته قصصية لا تعتمد على الحدث ولا تريد من المتفرج أن يكون ملاحظا؛ بل تريد إيقاظ قدرته على العمل. وقد” سخر مما تتضمنه الواقعية الاشتراكية من تشجيع للوهم الواقعي والوحدة الشكلية والأبطال الايجابيين ”
والبطل في هذه الرواية مؤلف مسرحي همُّه أن يكتب مسرحية على غرار مسرحيات غربية كمسرحية مارا ساد لبيتر فايس أو مسرحية عراقية على غرار المفتاح ليوسف العاني وتقوده هذه التمنيات إلى طريق مسدود بسبب مرارة الواقع المعيش الذي سيجعله أمام مفترق طرق لا مفر منها سوى بالجري حاثا الخطى نحو المجهول..
وقد تواتر هذا الجري المتسارع مرة بالرجال الثلاثة الذين حثوا الخطى في تسارع مطرد لخطفه ومرة بالمطاردة الدراماتيكية مع خاطفيه المسلحين الذي تتبعوه إلى حانة السعادة ومرة بتقادم الزمن وتسارع خطاه!!
وهنا تتأكد فكرة واقعية حاولت الرواية توصيلها إلى القراء وهي أهمية عدم الفصل بين الحياة والفن إذ” يكون على خطأ من يتعامل مع الفن بصورة متعالية وينظر إليه على انه ظاهرة فنية فقط” K فالحياة هي رواية تسرد ومسرحية تراجيدية فيها من جرأة الحياة وشراستها الشيء الكثير وهذا ما بينه الغلاف الأمامي الذي تصدرت نصفه الأعلى صورة لقدمين حافيتين وهما تتحركان ذهابا باتجاه الأفق في حركة توحي باستمرارية المشي المتقدم بلا توانٍ نحو المجهول وقد خلّف وقعهما ظلالا شفيفة تعتم ما تتركانه من أثر خلفهما وقد بدت إحداهما متأهبة للحركة وباطنهما ملطخ بالوحل وذرات الطين بادية عليها في حين التصقت الأخرى بالأرض في إشارة ترميزية إلى ان صاحب القدمين حاله هو حال البطل الرئيس السيد عبد الله الذي لم يكن في نيته ان يمشي الهوينى ويكون عيشه رغيدا بل هو في حالة قلق دلل عليه هذا التواتر الحركي المتسارع بلا هوادة.
وهو في واقعه الذي أرغم على العيش في خضمه ومجاراته ليس راغبا على السير بإرادته بل هو سائر بإرادة خارجية تحتِّم عليه الانصياع لها وهو ما رمزت إليه جزئية صورية متمثلة بكفة البنطال المتعجلة التي أتاحت للقدمين حركة أكثر مرونة وسرعة أما الأرض التي هي ميدان الجري ومضماره فبدت بورا عطشى متشققة خشنة قاسية على من يمشي عليها في دلالة رمزية على طبيعة المسرح الحياتي الذي ينبغي لصاحب القدمين أن يؤدي دوره فيه وقد تسارعت لحظات حياته.
وبذلك حقق الغلاف الأمامي عتبة نصية افتتاحية تأخذ بقارئها إلى فحوى العنوان ودلالاته مانحة إياه مسحة رمزية ناطقة ومتحركة لتكون السرعة هي الثيمة الغالبة التي ستتحرك عليها أرضية السرد لكنها ليست أية سرعة إنها السرعة التي أساسها السير بوتيرة متصاعدة لكن إمكانيات الواقع تحول دون امتلاك مستلزمات ذلك التسارع لتكون المفارقة أن السيد عبد الله سيجد نفسه ضحية تسير بلا اختيار وتقبع في قبضة القدر بلا دراية.
أما الاستهلال الذي اختاره الكاتب مفتاحا عتباتيا آخر يدفع بالقارئ نحو عوالم شخوص الرواية وأبعادها الزمانية والمكانية فإنه عضّد ما كان الغلاف الأمامي قد لمّح إليه من خلال تناص خارجي مقتطع من قول لسان جون بيرس فيه إشارة إلى مقصدية الفعل الكتابي الذي سينتهجه الروائي مداخلا بين المسرحية كفن إلقائي سماعي وبين الرواية كفن كتابي محكي” هذه حكاية سأرويها هذه حكاية ستسمع هذه حكاية سأرويها كما يليق أن تروى سيكون سردها لطفا يفرض الاستمتاع بها ”
ولما كان مجال الشرح والتفسير وتوثيق الصلات بين الشخصية والأحداث أوسع في القصة منه في المسرحية وان المسرحية تستوجب أن يرتبط التتابع للحدث بالشخصيات بحيث تنسجم الحركة الخارجية للأحداث مع الحركة الباطنة النفسية للشخصيات ؛فإن التداخل بين هذين الفنين سيعطي مجالا لتحقيق التكامل فنيا بالإفادة من إمكانياتهما ومن هنا وظفت الحوارية من دون أن تفقد الرواية منطقها وتعددت المصائر وتصاعدت الأحداث من دون أن يؤدي ذلك إلى تلاشي السمة المسرحية فيها..
وبذلك تشكلت الرواية كوحدة فنية هي عبارة عن مقصدية حداثية ذات نزعة تجريبية غايتها تصوير الواقع المنحل بمآسيه والمنهار بأبنائه الذين ليس بمقدورهم الهرب أو الفرار.
وإذا كانت شخصية السيد عبد الله محبوكة حبكا سرديا متقنا فإنها أيضا بدت شخصية مسرحية في رسم أبعاد تحركها الواقعي والتعمق في تصوير حالتها النفسية..
ـ2ـ
لقد نوّع الكاتب أحداث روايته تسارع الخطى عبر التضمين بين أكثر من قصة واحدة أو القصة داخل القصة، وعلى الرغم من هذا التعدد الحدثي إلا إن ذلك لم يشتت الموضوع بل حقق رباطا خفيا يركز العقدة لينكشف الواقع الاجتماعي.
ودرامية الرواية التي تلاقت فيها أكثر من قصة وأنجبت فيها القصة الأساسية قصصا داخلية كانت موزعة بقصدية متقنة جعلتها متناسقة كإيقاع سيمفوني شفاف ومنساب..
وتتساوق هذه الدرامية مراهنة على التغريب كوسيلة شعورية أساسها الدهشة والمفاجأة بغية تعميق الفكرة من جهة وعامدة إلى الحوارية التي هي أساس الحركة المسرحية من جهة أخرى.
والاختطاف هو موضوع القصة الأصل إذ يجد السيد عبد الله نفسه وقد صار مخطوفا على يد عصابة مجهولة” كانوا قد احكموا شد وثاقه عصبوا عينيه بقطعة قماش سوداء حالما ألقوه في الجحر الضيق الصغير وأحاطوه من كل جانب ووثاق عينيه بدأ يزداد ضغطا عليه .. امسك احدهم ذراعه بقوة شديدة أراد أن يصرخ به لكنه لا يعرف النتائج لو فعلها”
وتتفرع من ثم قصص أخرى عن هذه القصة الأصل استباقا أو استرجاعا كقصة هند ابنة أخت عبد الله وصديقها رياض وقصة المترجم الصامت الذي آثر الهجرة تاركا عائلته وراءه وقصة الزوجة الشابة التي لم تكن تفقه حقيقة عمله ومعنى الكتابة المسرحية بالنسبة إليه، وقصة عمله في المسرح وتطلعه إلى التأليف ثم قصة مسرحية الصرة التي صارت فكرة تراود عبد الله زمنا ..
ولا يتوانى الراوي وهو بإزاء هذا التضمين القصصي من العودة إلى القصة الأصل أو مغادرتها إلى لحظات سابقة للخطف أو لاحقة له، ليعود بنا مجددا لذلك اللقاء بين عبد الله والصوت الأنثوي/ فاطمة ودورها في إطلاق سراحه وبعدها يفارق السارد قصة الاختطاف متقدما إلى مرحلة الفرار من الخطف وما لحقته من قصص متداخلة كلقائه بصديقه أبي العز وما تبع ذلك من لقاءات بصديق آخر هو البصري.
وهذان الصديقان هما اللذان سيكونان المحذرين له من عصابة تترصد لخطفه من جديد ” الخاطفون الذين تمكنوا من اقتفاء أثرك إلى الحانة هل أنت قادر على ردعهم وما هي السبل للدفاع وبالقوة نفسها التي ستفاجأ بها من قبلهم أنت لا تدري من يقف وراء تحركهم” فيتخذ من الحانة ملاذا له ويغير اسمه من عبد الله إلى أيوب لكي لا يفتضح أمره وهذا ما يشعره بان كل من حوله يتآمر ضده ثم ينكفئ بنا مجرى السرد إلى ما حملته اللحظة الراهنة حين دوت فيها طلقة من خارج الحانة ليقتل شخص اسمه عبد الله.
وبظهور الرجل القصير يحصل انقلاب فني في العقدة حين يناديه باسمه الحقيقي ليقبض عليه بتهمة انه مطلوب للقضاء ليكون هذه المرة مطاردا كمجرم لا كمخطوف .
وليس في هذه الاشتغال الانكفائي سمة تلفيقية بل هو مقصود لاستثارة القارئ ودفعه إلى التساؤل عن الخيط الرابط بين ما كانت هند قد أخبرت به رياضا عن خالها عبد الله وانه تاجر وسيط يعمل في الشورجة ويهوى الكتابة والتمثيل المسرحي وبين السبب الذي دفع العصابة إلى الاعتقاد انه صيد ثمين وان خطفه سيؤدي إلى الحصول على فدية كبيرة من أسرته؟
وباعتماد الحوارية بين شابين يجمعهما القدر بعبد الله داخل حانة السعادة تظهر الحاجة الفنية إلى متابعة السرد لا بالتناوب القصصي بل بالسرد الدرامي” تلك الأثناء جاء شاب آخر واتخذ مكانه على المائدة حسبه عبد الله بادئ الأمر شخصا غريبا ولكن تبين أنهما أصحاب منذ زمن بعيد كما هو واضح من استقبال الشاب الأول للشاب الثاني:
ـ وأخيرا كيف ستنتهي الأمور؟
الشاب الثاني: لا اعتقد أنها ستنتهي على ما يرام؟
الشاب الأول: هل تريد أن تنهي جلستنا ونذهب إلى مكان آخر ؟
الشاب الثاني بقناعة تامة: لا اعتقد أنهم يسمحون بالخروج لأحد مهما كانت الحالة
الشاب الأول يضع قدحه على المائدة ويوزع نظراته بين عبد الله وبين الشاب الثاني يسأل مستفسرا عن الأمر كله:
ـ حتى لو ادعيت المرض الخطير؟” .
ويتداخل الفعل المسرحي مع الفعل السردي بتواز زماني ومكاني حين يأتي دور الرجل الأنيق الحسن الهندام طالبا من عبد الله أن يكتب مسرحية أو رواية تشيد بتاريخ الرجل الكبير محذرا إياه من الرفض أو السخرية
وبين أن يحقق عبد الله حلمه بتأليف مسرحية مهادنا على حساب مبادئه وبين أن يؤجل حلمه لحين استرداد كرامته؛ فان مجرى الأحداث سيتغير ليواجه عبد الله تحديا آخر لم يكن قد هيأ نفسه له ذات يوم” كان ثمة خوف لا يستطيع تجاهله مهما حاول التغاضي عنه فهو يراه يكمن في سالعمق البعيد من نفسه غير المستقرة وقال: آه لقد ضاعت فرصتي في كتابة مسرحية الصرة أو الحقيبة ولم يبق إلا الحانة وها هو ضائع في فوضاها غير المنتهية” فعبد الله المؤلف المسرحي الذي تخيل شخصياته ورسم مصائرها يتوجس الآن من” تجربة جديدة مع الآخرين أو أن تجربة كتابة مسرحية من النوع المفتوح تفرض نفسها عليه وربما لم تعد الأمور تسير بما تشتهي السفن” لهذا يرفض أن يزيف أو يزور الزمان أو المكان متسائلا في خاتمة الرواية لماذا هو بالذات يحدث له هذا كله الآن ؟وهذا التساؤل سيلتقي مع التساؤل الذي ابتدأت به الرواية: هل لي معرفة أين أنا الآن؟ ليمنحا الرواية بنية سردية دائرية تجعلها مفتوحة لمزيد من التصاعد الدرامي” اعترف أني غير قادر على مواجهة الخاطفين ولكني لا استطيع كتابة تاريخ لرجل لا اعرف عن حياته أي شيء كما أني اشك باستقامة هذا الرجل الذي تطلقون عليه بالرجل الكبير بل دعني أسالك: كيف يجيز لنفسه وعقله أن يختلق له تاريخا ولعائلته سيرة حسنة في الوقت الذي لا صلة له بالعوائل الكريمة؟”
وبدلا من تلمس حل ما لازمة عبد الله ومخاوفه من معاودة اختطافه؛ فان الكاتب سيفاجئ قارئه كاسرا أفق توقعه مغيرا ثيمة الاختطاف والمطاردة بثيمة الكتابة والتأليف التي هي حلم مركزي طالما ظل عبد الله يتطلع إلى تحويله إلى حقيقة يوما ما
وتأتي المفارقة الفنية متمثلة في رفضه الكتابة فلقد أصبح السيد عبد الله المسرحي على بينة من اللعبة التي وضعه الرجل الأنيق فيها وأنها لن تنطلي عليه وبذلك تغدو شخصية الرجل الأنيق خيطا آخر يجمع بين تعدد الأحداث وتنوع المصائر من جهة وبين درامية الفعل المسرحي وحواريته من جهة أخرى ليجعل الرواية ذات بنية درامية دائرية.
وفي الوقت الذي كان فيه الرجل الأنيق الحسن الهندام على دراية بكل ما كان قد كابد عبد الله مرارته فانه بدوره سيتعجب لهذه الصراحة التي بدا عليها المؤلف المسرحي وهو يستخف بطلبه في كتابة تاريخ الرجل الكبير .
ـ3ـ
إذا كانت صيغة السرد بضمير الغائب والمتكلم قد تناوبت على السير بالأحداث وتوجيهها فان صيغة السرد بضمير الخطاب( أنت) قد منحت السرد طاقة حوارية إضافية ستتضافر جنبا إلى جنب الحوارات الخارجية والداخلية محققة وظائف أخرى منها تمكين الراوي من استعمال الاستباقات الزمانية” هذا السكون الجليل الذي صنعته من حولك يقينا ستأتي ساعة الفرج وتطلق ساقيك للريح متخلصا من أسرك تحطم قيودك من هذا الجحر الذي لم يخطر ببالك في أي يوم مضى إذ لم يرد في عقلك أنهم سوف يخطفونك على حين غرة ”
وأدى ضمير الغائب دورا مهما في تصاعد الأحداث وشرحها وتفسيرها وكذلك وظف ضمير الغائب في الاسترجاعات التي هي بمثابة ارتدادات داخلية لقصص سابقة على قصة الخطف كقصة هند وقصة التفجيرات اليومية في الشوارع والأسواق وجماعات تعمل بما يثير الهلع في نفوس الآخرين.
هذا فضلا عن الحوارات الداخلية المونولوجيه التي استبطنت دواخل عبد الله كحديثه مع نفسه وهو يتهيأ للقاء رياض متسائلا” ترى كيف سأعرفه أليس أمرا طريفا أن يعرفني ولا اعرفه؟ سيتأملني عن بعد ويحاول تحليل شخصيتي هذا الصنف من الأشخاص اعرف الكثير من نزعاتهم بل ونزواتهم سالتقيه وأتحدث معه عن مستقبلهما المشترك ترى هل سيصغي للذي أقوله له عن هند باهتمام أم تراه سوف يسخر مما اقترحه عليه بخصوص إنقاذ البنت من وصمة عار قد تودي بحياتها؟”
وقد منح التوظيف لضمير المتكلمين اشتغالا ميتا سرديا حقق كسرا لأفق توقع القارئ مغربا المشهد المرسوم ليبدو أكثر واقعية كما في مشهد الإغواء الذي قاد هندا إلى الوقوع في المحظور فيكاشف الكاتب قارئه قائلا:” وإذا أردنا الدقة بالوصف الذي ينشده بعض القراء الذين يهمهم إلى أين استطاع بطل القصة أو الرواية الوصول مع البطلة بعد تورط الأخيرة مع حبيبها أو صديقها إذا أنشدنا التعبير الكامل للقائهما سوف نقول ان رياضا..”
وعلى الرغم من هذا التناوب الصوتي للضمائر إلا ان ضمير الخطاب يبقى هو الأكثر تحقيقا للتداخل الاجناسي الذي قصده الكاتب كما منحه قدرة على جعل الشخصية في مواجهة مع نفسها متحدثا إليها لا ككيان ورقي بل ككيان مادي يشغل حيزا واقفا وجها لوجه بإزائه كفاعل له سلطة هي ذاتها سلطة القارئ الذي لا بد له ان يخوض غمار المقروء منتجا لا متلقيا حسب فيسأل الكاتب بطله الذي ما عاد مرويا بل هو المروي له” هل يراودك الخجل ويعتريك الحياء من بؤس الحي الذي تعيش فيه؟ إذن لماذا لا تجعل منه موضوعك المفضل هل حقا أنت تعشق المسرح وتريد ان تكتب مسرحية تراجيدية أنا أدلك على تجارة رابحة وقضية محكمة البناء والتشييد ضع أوراقك على منضدة الكتابة واشرع بتسطير العبارات عن حي البياع كل ما تعرفه عن المكان الذي تعيش فيه سوف تكتشف ألف هاملت ” . وهذا ما يجعل” الشخصيات وجها لوجه أمام القارئ ويجعل من وجهة نظر هذا القارئ بديلا لوجهة نظر الراوي”
ويبقى ضمير الخطاب يتواتر داخل السرد بين الفينة والأخرى ليصنع مشاهد درامية ذات مسحة حوارية تجاورها المقاطع السردية بحواراتها الخارجية والداخلية لتتصاعد الحبكة القصصية تصاعدا دراماتيكيا محسوبا لاسيما حين يكتشف البطل ان من خطفه جالس معه فيأخذ في حالة الهلوسة التي تجعل الآخرين لا يصدقونه” حذار منهم كلهم وهم لا يخططون إلا للخلاص من الشر الذي جلبته معك منذ أسطورة اختطافك التي من الواضح أنهم لم يصدقوها حتى الآن رغم كل ما جرى أمام أعينهم وبالوضوح نفسه الذي طرحته عليهم بما عرف عنك من صراحة تصل في العديد من الحالات إلى أنهم ينظرون إليك كالمجنون أو الأبله الذي يقول ما لا يعرف أو ما لا يقدر خطورة ما يقول”
وقد يتخذ الخطاب مساحة أوسع حين يستنهض الراوي همة كتّاب المسرح في الانتفاض على الواقع وتحويله إلى مسرح حياتي” هيا اكتبوا أيها الكتاب جميعكم خاسرون ولكن ألا تعلموا أن لكم الجنة ما دمتم تحملون هموم الناس على أكتافكم وفي قلوبكم انتم سادة الندى والمدى أيها المفلسون وانتم تجترون أفكاركم ووعودكم لأنفسكم في أن تنتفضوا على واقعكم المنحرف المريض وسيكون هذا اليوم هو يومكم الموعود”
لتغدو الحانة مسرحا ومرتادوها هم الممثلون الذين سيحتل كل واحد منهم موقعه ويعاود الحوار الخارجي دوره المسرحي ..باستثناء مساحات يقتطعها الكاتب ليفسر الأحداث أو يفصل بعض الأمور .
ويكون في ظهور الرجل القصير مفاجأة تقلب النص من الطابع المسرحي إلى الطابع القصصي ليكتشف البطل أن اللعبة التي وضعه الراوي في خضمها ما هي إلا وهّم رسمه له وأوقعه في شباكه في شكل تجريب ما بعد سردي” وأنا اعلم جيدا أن ثمة من قام بهذه المبتدعات شخص آخر هو في الحقيقة مؤلف قصصي وحكايات تولع بهذه الطرائق ردحا طويلا من الزمن حتى انه كان يرى فيها ضرورة لفنه وملحا لمذاق القصص التي يؤلفها”
ولم تعد الأحلام تنفعه في بلوغ تمنياته بعالم أفضل كونها ستتلاشى بأول اصطدام مع الواقع وهذا هو سر إعجابه بهاملت” الذي تلبسه وبذل جهده في أن يتصور دخول هاملت ملك الدنمرك إلى حي البياع ” جاعلا منه موضوعه المفضل ويتدخل الراوي ليفاجئه بموضوع فيه ألف هاملت
وتأخذ بعض الحوارات الخارجية لاسيما في مطلع الرواية شكلا مونولوجيا دراماتيكيا كتلك الحوارات التي جمعت بين عبد الله وفاطمة الفتاة التي ساعدته على الإفلات من قبضة الأسر
ويكون أهم تطور درامي في حبكة القص حين يطلب البصري وأبو العز من السيد عبد الله ان يختفي” عليك أن تختفي حالا أنهم خاطفوك يحاصرون الحانة يتوزعون بين الباب والنوافذ” وفي ذلك مفارقة غرائبية تجعله يقع فريسة أوهامه فالمخطوف صار مطاردا والمجرم غدا طالبا لحق ضائع..
وبقدوم الشاب الأول والشاب الثاني إلى الحانة يتحول السرد إلى شكل مسرحي فيه المفاجأة سيدة الموقف ومن ثم يتقدم الحوار الخارجي على سائر صيغ الحوار الأخرى ومنها صيغة الحوار غير المباشر( كلام الراوي) ” أما زال الغرباء يطاردونك ؟ الكثير من متابعيك تهمهم سلامتك سيد عبد الله ”
ـ4ـ
إن الحياة الواقعية بمشكلاتها وسلبياتها ومعوقاتها كلها في كفة والإرهاب في كفة كون الإرهاب هو عدو الحياة لذلك هو لا يوازى بأي مشكلة مجتمعية أخرى مهما كانت حدودها وأبعادها فالحياة بكل شرورها لا يمكن ان يصل خطرها إلى خطر عبوة ملغمة يمكنها ان تنسف المجتمع بكامله في طرفة عين..
ولان خطر الإرهاب اكبر من أي خطر أخلاقي مجتمعي آخر لذلك يقتنع البطل بوجود تبرير منطقي يحتم عليه تأجيل حل مشكلاته الحياتية الشخصية منها والأسرية والمهنية لحين كتابة مسرحية تسفه الإرهاب وتؤشر خطره كرسالة مجتمعية تهم المجموع لا الأفراد.
فيضع الراوي بين يديّ مرويه قصة جاهزة لكي تكون مسرحية موضوعها الإرهاب وعنوانها الصرة ليسأله بعدها” ألا يصلح هذا الموضوع ان يكون مسرحية وقد تعمدنا تأجيل إعلان محتويات الصرة إلى ان يقر السيد عبد الله ان ثمة مسرحية بين يديه وسيتساءل : أين ينبغي لأحداث المسرحية ان تجري؟ ونقول له أنها ستجري في السوق الكبير الذي يفضل ان يكون على شكل فضوة واسعة مفتوحة من الجهات الأربع”
ومن هنا يبدأ البطل في التفكير بكتابة نص مسرحي كان قد مرر أحداثه إليه الراوي نفسه والنص مسرحية عراقية تراجيدية توازي في فجيعتها مسرحية هاملت وقد حدد حواراتها وعنوانها وشخصياتها
لكن المفارقة ان البطل سيظل تحت سلطة الراوي الذي سيفاجئه بحكاية قصص تحول دون إتمام نصه المسرحي فيرجئ إكمال نصه المسرحي عبر المواظبة على سرد حكاية هند وذهابها إلى بيت خالها السيد عبد الله طالبة مساعدته لها في الورطة التي أوقعت نفسها فيها وهذه الصدمة ستزيد صراع البطل مع نفسه إذ يجد المصير مجهولا وقد صار على دراية بالمآل الذي رسمه له الراوي وقد تحول إلى كيان مسرحي متمرد على كاتبه لا يقبل بالدور الذي يرسمه له واعيا لحاضره وماضيه.
ويبقى مشروع السيد عبد الله بكتابة مسرحية الصرة مرجأ إلى إشعار آخر لكن الحلم يجعله ينقد المسرحية ميتاسرديا” وابتسم لنفسه سيكتب ناقد يتناول في كتاباته الجميع دون استثناء عن حضور الخيال في مسرحية الصرة وسيتناول ناقد آخر موضوع المسرحية في مقال يقول فيه: هل تقّصد المؤلف أن يقوم بتشويه قضية إنسانية ووطنية عن عمد أم انه مولع باستخدام المخيلة إلى ابعد الحدود؟ وسيرد عليه ناقد آخر بقوله: ان مسرحية الصرة هي تعبير عن مأساة شعبنا الذي خيبته الحكومات على مر السنين والحقب”
ويقطع السرد الارتدادي بضمير الغائب هذا الاشتغال ومن ثم يعاود طرقه مجددا في شكل حوار مونولوجي عن مشروع المسرحية غير المنجز كإيهام سردي لا يقطعه إلا الاسترجاع لقصة هند التي هي إيهام آخر إيهام قابل للتأجيل على إيهام لا يقبل التأجيل وهو مشروع المسرحية” والآن عليه ان يكف عن التفكير به وبما ملأت هند أذنيه من لغو لا طائل منه عليه ان يعيد النظر بحساباته كلها خصوصا مشروع المسرحية التراجيدية كما خطط لها من قبل وان يؤجل الانشغال بقضايا ممكنة التأجيل”
ولهذا يواصل السيد عبد الله يقدم المسرحية على القصة مفكرا في عنوان صالح متحدثا بضمير المتكلم متسائلا ” لماذا لا يكون العنوان الصرة أرسلت من جهنم صحيح سيبدو العنوان مثيرا للوهلة الأولى ولكني أراه غير دقيق في الإيحاء حسنا سأتبع طريقتي في معالجة العنوان وأبقيه الصرة وسوف يقدم محتوى المسرحية عنوانها ولكن أليس هذا كلاما خارج لغة المسرح؟ تعني انك تتدخل فيما هو سياسة وليس فنا من الفنون اسمع أيها المسرحي الطيب هم يريدون ان يبعدوك عن واجبك تجاه الناس المعدمين منذ الأزل”
وما بين الاسترجاع والاستباق وبين التكلم والغياب يبقى الميتاسرد تجريبا محببا يمكّن الكاتب من إيهام قارئه عبر خطاب الراوي لعبد الله” حسنا إلا تفكر جيدا بموضوع كهذا؟ مثلا ان تبدأ مسرحيتك: بفقدان فاطمة مثلا؟ أو بالمطاردة الدراماتيكية التي حدثتنا عنها من قبل؟ ”
وبذلك يصبح لعبد الله حضور ممسرح داخل السرد متحولا من بنية المروي إلى بنية المروي له على اعتبار” أن العمل الأدبي خطاب في الآن نفسه إذ يوجد سارد يروي القصة وهناك في مواجهته قارئ يتقبلها ويهتدي إليها”
ختاما .. استطاعت رواية( تسارع الخطى) تحريف الواقع عبر المداخلة بين المتخيل السردي وتقاناته والياته وبين العرض المسرحي وما فيه من محاكاة وتشخيص وهذا ما نحا بالرواية منحى تداخل الشكل الروائي بالمسرحي مبنى ودلالة.
وهو ما كان الروائي أحمد خلف ومنذ روايته( الخراب الجميل) قد استلهم حيثياته عبر وعي فكري بالحداثة وإدراك معرفي بالتجريب السردي.

شاهد أيضاً

حسين عبد اللطيف: شاعر على الطرقات يرقب المارّة
سعد جاسم (ملف/30)

ذات مساء تموزي ساخن،غادرنا الى فردوس الابدية الشاعر الجنوبي حسين عبد اللطيف ، وكان ذلك …

باسم الأنصار: المشاكس (ملف/12)

إشارة : رحل الشاعر العراقي المبدع “وليد جمعة” في المنافي البعيدة من وطنه العراق الذي …

سمير السعيدي: وليد جمعة كرخي عتيق عاش ومات على الحرية والتهكم (ملف/11)

إشارة : رحل الشاعر العراقي المبدع “وليد جمعة” في المنافي البعيدة من وطنه العراق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *