ناطق خلوصي : التنويع السردي في رواية ” لماذا تكرهين ريمارك ؟ “

التنويع السردي في رواية ” لماذا تكرهين ريمارك ؟ “

  ناطق خلوصي

  تشكّل رواية ” لماذا تكرهين ريمارك ؟” ـ في رأينا  ـ نقلة نوعية ونقطة تحول ايجابي في المنحى السردي لـ ” محمد علوان جبر ” ، ويتجلى ذلك ، بين ما يتجلى في التنويع السردي المتمثل  في تعدد وتنوع الأصوات والتنقل المتواتر في المكان تبعا ً لطبيعة الأحداث التي تدور فيها والخروج على أطر السرد التقليدي ، فضلاً على كونها مكتوبة بلغة سينمائية  تتحول معها إلى سيناريو لفيلم سينمائي  ،  

 صدرت هذه الرواية عن  دار الحكمة في لندن وجاءت في 180 صفحة من القطع المتوسط توزعت على ثمانبة عشر فصلا ً قصيرا ً تستهل بصوت الراوي وهو يعلن عن حضور ثريا ( ولنلاحظ دلالة الاسم ) إلى مجرى الأحداث . وهي واحدة من أربع نساء ( إذا استثنينا شخصية ” رندا بعلبكي” التي لم بلق الروائي مزيدا ً من الضوء لإنارة صفحة واسعة من صفحات حياتها ، وسحبها إلى هامش الأحداث ) : نساء استحضرهن الروائي ،وقد اختارهن من بيئتين مختلفتين ، وصرن يحضرن  ولكن بمستويات حضور متفاوتة ،غير أن حضور ثريا توفر على درجة واضحة من التميز .فهي أخت بطل الرواية برهان نوري وابنة البيئة الشعبية التي نشأت فيها وتأثرت بقيمها وتقاليدها ( قطاع 18 في مدينة الثورة ) و كانت تعيش الوحدة بعد أن غادر القريبون منها ( يلتقط الروائي تفاصيل من حياته الشخصية والعائلية ومن تجاربه الحياتية ويوظفها في نصه الروائي فيشير مثلا ًإلى استشهاد إخيه رزاق في الحرب  العراقية ـ الايرانية  وهو حدث ظل محفورا ً في ذاكرته ، لكنه يتوقف هنا عند حدود  الاشارة فقط ومن باب الاستذكارولا يتوسع في التفاصيل  لأن أخاه كان خارج  دائرة الأحداث التي تناولتها الرواية ).  تعيش  ثريا الوحدة لكنها لا تشعر بالضعف ، تتشبث ببيتهم على الرغم من كونه قديما ًبما ينطوي عليه هذا التشبث من ايحاء وتعاني من مرارة غياب القريبين منها . تقول لجارتها أم سمير: ” صدقيني .. ما زالت روائحهم تنبعث من كل مكان في البيت (أجل .. المكان الذي مات به أبي وأمي ، والمكان الذي وضع فيه تابوت رزاق ، الذي حاول أن يسد الكثير من فراغ خلّفه سفر  برهان، لولا الحرب التي أخذته منذ أيامها الأولى ) ” ( ص 11 ) . يضع الروائي ثريا في موقع تتميز به عن شخصياته النسائية  ليس فقط لأتها ترتبط ببطل الرواية بآصرة العلاقة الأخوية  بخلاف الشخصيات الأربع الأخرى (و قد ارتبط مع بعضهن بعلاقة جسدية )، وانما أيضا ًلكونها تتفانى في  خدمة أخيها وصديقه أكرم عبد الرحمن ( وهذه شخصية حقيقية استعارها الروائي من واقعه الشخصي وارتبط به بعلاقة امتدت طويلا ً) فليس غريبا ً أن يمنحه هذا الموقع المتميز في نصه الرو ائي. كما كان لها دور مؤثر في مسار حياتهما وبالرغم من فارق السن بيتها وبين أكرم فقد انتهت علاقتهما المتميزة  انسانيا ً  بالزواج  بعد أن امتدت لسنوات قدمت خلالها نموذجا ً للتضحية ونكران الذات .

تعرّف بطل الرواية على شخصية ” هالة عبد المحسن” ( ولنلاحظ دلالة الاسم هنا أيضا ً ) عندما تم تعيينها معاونة له حين كان أمينا ً لمخزن حكومي للمواد الغذائية غرب بغداد وارتبط معها بعلاقة حب ، أكتشف من خلالها ميلها  لقراءة الأعمال الروائية وصار يزودها بما يوفره  لها من روايات عالمية  مما يشي بحالة التوافق القائمة في اهتماماتهما ويفتح آفاقا ً أوسع لتطور العلاقة بينهما ، كان ينتظر ( صباح الخير ) منها ” بلهفة عاشق مراهق ، يحاول أن يقيم أول علاقة مع امرأة كأنني لست برهان ذا العلاقات العاطفية التي يحسدني أصدقائي عليها . ” (ص 33 ) .لقد أحدث حلولها معه في مقر عمله انقلابا ً في نمط حياته اليومية السابق . لكن علاقته بها قي بغداد لم تدم طويلا ً لأته وجد نفسه مضطرا ً للهرب خارج العراق بسبب ما عاناه  من مضايقات ليس فقط في الدائرة التي يعمل فيها ، وانما أيضاً في بلده الرازح تحت هيمنة نظام حكم تتعارض توجهاته مع فكره اليساري . واذا كان قد ترك هالة وعمله وبلده مضطرا ً ، فإن المصادفة قادته لأن يلتقي بها من جديد ولكن في بيروت هذه المرة بحكم طبيعة العمل الحكومي الذي نقلت إليه .

وفي بيروت( وكان قد وصلها بجواز سفر مزور يحمل اسم صديقه أكرم عبد الرحمن ) تعرف على ” سميرة اليعقوبي ” ا( وهي مخرجة أفلام من فلسطين) عندما كان  يعمل مصمما صحفيا ًبحكم تخصصه في الفن التشكيلي . لكن هذه العلاقة تطورت الى ارتباط جسدي ، ويلخص  المقطع التالي طبيعة العلاقة التي تبلورت بينهما : ” مسته بيدها المبللة وهي تناوله منشفة ليشد وسطها كالمعتاد . بدا وجهها نديا ً بينما علامات الشرود بادية على وجهه. لم تعر الأمر أهمية لأنها اعتادت فترات شرود كثيرة يعيشها مرغما ً ….. أدارت له ظهرها فبان عريها الصارخ ، حيث شد خصرها , ضاغطا ً جسدها إلى جسده ، فانسلت  من يديه بخفة ضاحكة ” ليس الآن “. وحين تناولت فنجانها منه أطلقت آهة وهي تضحك ” ( ص 49 ) ، لكن ذلك الوعد المؤجل ( ليس الآن ) لم يتأخر طويلاً .

 وركن الروائي شخصية ” خالدية ” في الهامش ، وهي ابنة جارة لأهل الراوي وصديقة حميمة لأخته  ثريا التي وظفها وسيطا ً بينهما . كان مأسوراً بابتسامتها  التي فتحت له الطريق  إلى جسدها ” كنت متلهفا ً للاقتراب من جسدها الممتلىء ، والقامة الطويلة ، والشعر المائل للشقرة ، والعينين الملونتين الواسعتين ، خالدية شكلت غصة كبيرة في حياتي ، كنت استحضرها بكل ما فيها من أناقة وطلة ، ومنحنيات جسدية واضحة من خلال الأثواب القصيرة الملونة التي كانت دائما ً بنصف كم ، والذراعين اللامعين والشعر الذي يتطاير حين ترتقي درجات السلم ” ( ص 82 ) . وأتاحت له فرصة الوصول إلى جسدها حين طلبت منه أن يقفز عبر الجدارالصغير  الذي يفصل بين سطحي بيتيهما في أول تجربة حسدية له من نوعها مع امرأة وهو في سن المراهقة . لكن خالدية انسحبت من مجرى الأحداث ولم يعد لها حضور الا من خلال شطحات الاستذكار ..

غير أن  نساء الرواية ، باستثناء رندابعلبكي ،كنّ أسيرات  معاناة قاسية  وهن في ظل ظروف حياتية صعبة  منها ما هو غيرانساني تحملت ثريا على وجه التحديد  الجزء الأكبر منه : تحملت الحزن على رحيل أبيها وأمها  واستشهاد أخيها رزاق  ورحيل اختها بالسرطان  متلما تحملت حزنها على هجرة أخيها برهان القسرية ، فضلاً على معاناتها من متاعب الحياة اليومية وأضيفت إلى ذلك متاعبها في رعاية أكرم صديق أخيها والعناية به عندما فقد ساقه في حادث تفجير ، بعد ” نكبتها بزوجها : لقد اختفى ذات يوم تحت  ظرف غامض.. لم يصلها أي خبر عنه  منذ ذلك اليوم.. بعده ببضعة أشهر عادت إلى بيت أهلها ناذرةً  نفسها لهم ! ” ( ص 37 ) . وكانت قد قالت لأكرم عنن زوجها “خلف عبد ” يوما ً انه “أبله لم أشعرمعه  بالطمأنينة رغم محاولاتي الحثيثة في اضفاء  لمساتي الأنوثية على بيته الواقع نهاية شارع الكيارة …… كان أخرق ، تماما ً ، يشتكي كل يوم لأمه مني بلا سبب ” ( ص 74 ) .        أما هالة فقد عاشت معاناة من شكل آخر . لقد تزوجت بالحاح من أمها وشقيقيها” من ضابط جيش . ثم أصيب في معركة خلال العام الثاني للحرب فأحيل على التقاعد . يبدو انهما لما ينجبا أظفالا ً !لذلك أمضت أغلب وقتها معه تداري عوقه ” 0 ( ص 20 ) . لكن العلاقة بينهما مالبثت أن بدأت تتوتر إلى أن آلت إلي الطلاق بعد أن زادت شكوك زوجها بسلوكها حين تم اختيارها في المكتب السري للمدير العام لدائرتها  وتكرار ايصالها من الوزارة إلى البيت بسيارة أحد منتسبى الدائرة . و ما لبثت أن تزوجت من أحد ضباط أمن الشركة التي كانت تعمل فيها مع برهان ” ثم طلقت منه عقب سقوط النظام في نيسان 2003 ، “لأنه هرب إلى مكان مجهول داخل العراق أو خارجه أ فبدأت عملية البحث عنه  وتهديد هالة بأن تخبر مجموعة من رجال ملثمين عن مكانه ، أخبرتهم أنها انفصلت عنه وأعطتهم وعدا ً بأن تعطيهم كل معلومة عنه حالما تصلها” (ص 75 ) . لذلك أصبحت موضع تساؤل ديمومة تواصل انشداد برهان اليها وتعلقه بها مع ما يثار حولها من شبهات . أما خالدية فقد كانت منفصلة عن زوجها السكيرالذي أساء معاملتها  تقول عن أبامها معه: ” أمسك يحزام جلدي وبدأيضربني بعنف و قوة ..فصرخت بصوت عال تدخّل على إثره الجيران ، لم أستطع جمع ملابسي ، فهربت شبه عارية متورمة الوجه وجسدي يئن من الألم إلى بيت أمي ” ( ص81 ) .وتختلف معاناة سميرة اليعقوبي فهي امتداد لمعاناة فلسطين ، محنة وطن في ظل الاحتلال وكان الموساد قد اغتال زوجها وهي في فلسطين وعاشت ” متنقلة في معسكرات المقاومة الفلسطيتية حاملة ً كاميرتها كي توثق للعالم ما كان يجري في الضفة وغزة قبل انتقالها إلى بيروت ” ( ص 24 ) ، .وكانت علاقتها فد اتسعت مع برهان  الذي ” كانت تحدثه ، بما يشبه الهمس ، عن ذكرياتها في فلسطين ، عن الشجن الذي تثيره أغان قدبمة تستذكر الطيور التي تفزعها طلقات اليهود ، عن الحماسة  التي تنتابها وهي تسمع مارسيل خليفة يغني قصائد  محمود درويش ” ( ص 51 ) ، غبر أن الجنس كان ملاذاً تهرب أليه ، مثلما كانت خالدية تفعل  وربما هالة أيضا ً ، لكنه ملاذ قسري يتم اللجوء اليه في فعل احتجاجي على الواقع .

 في مقابل نساء الرواية الأربع  ثمة أربعة رجال  توزعت أصواتهم على امتداد زمن الرواية (وقد عانوا هم أيضا ًمن ظروف قاسية ).فبالإضافة إلى برهان الذي تعرفنا عليه من خلال التوقف عند علاقاته بثلاث من نساء الرواية مثلما عرفنا أنه فنان تشكيلي وقارىء نهم للأعمال الروائية وكان حضور صوته يتواتر بين حين وآخر ، فإن موقع شخصية أكرم عبد الرحمن تمبز على نحو واضح . وأكرم ، الذي هو صديق حميم للراوي /الروائي ، كان فنانا ً متخصصا ً بالفن السينمائي لكنه لم يمارس اختصاصه زمنا ً لأنه كان يتولى المسؤولية عن متابعة ألأملاك الواسعة التي ورثها عن أبيه. تعرض إلى حادث تفجير فقد معه إحدى ساقيه لكن ذلك الحادث لم يفقده ثقته بنفسه وتشيثه بالحياة  . لقد تبين لنا أن جزءاً مهما ً من أحداث الرواية انما هو من تفاصيل السيناريو  الذي كتبه أكرم هذا وهو في أغلبه مسحوب من المخيلة . ولأن الأعمال الروائية تجمع ـ في الغالب ـ بين ما هو واقعي وما هو متخيل ، فإن الروائي ، جاء من خلال أكرم أ بشخصيتي ” ناصر جواد ” و ” بول جوزيف “. الأول يقيم في مزرعة في سلمان باك شاء حظه العاشر أن يحل الثاني عليه ضيفا ً غير مرغوب فيه  وهو مستشار أميركي مغضوب عليه من قبل حكومته لسبب ما إلى الحد الذي جعلها تقرر التخلص منه فهبط بالمظلة التي تعلقت حبالها بشجرة كبيرة في تلك المزرعة . لينقذه ناصر جواد . وكان واضحا ً أن الروائي وهو يزج بهذا الحدث المتخيل أراد أن يدين الحرب الأمريكية على العراق والاحتلال الذي مازالت بقاياه قائمة حتى الآن  ،فخصّه بأطول فصول الرو اية . وبالمقابل سحب إلى الهامش  شخصية الدكتور يوسف الذي أشرف على معالجة أكرم مثلما سحب عامر ديوان ابن عم ناصر جواد الذي غيّيه الأمريكان .

لقد عمد محمد علوان جبر ، وبنجاح ، إلى توظيف الاسترجاع  والحوار الداخلي معتمدا ً على ذاكرة يقظة تماما ً. وعلى الرغم من انحسار حجم الحوار في الرواية فإن السرد ظل يتدفق بلغة صافية أحسن الروائي اختيار مفرداتها ، واستعار مقاطع من بعض مفاصل  مجموعته القصصية ” تراتيل العكاز الأخير ” التي كانت قد صدرت سنة 2015 ووظفها في نصه الروائي . 

ولأن العنوان هو ثريا النص كما يصفه محمود عبد الوهاب فإن اختياره يستلزم قدرا ً كافيا من الدقة وبما يكفي لأن يضيء بواطن النص . ويبدو أن اختيار الروائي لـ ” لماذا تكرهين ريمارك ” عنوانا ً لروايته جاء بسبب اعجابه بالكاتب الألماني الكبير ” إريك ماريا ريمارك ” ، وهو العنوان الذي كان أكرم قد اختاره للسيناريو الذي أعده عن الحرب في العراق وقد أطلق برهان أيام علاقته بهالة في بغداد هذا العنوان على لوحة كان قد رسمها لإدانة الحرب والصراع الطائفي  الذي كان من نتائجها .  وكان برهان قد جاء لحبيبته هالة بثلاث من رواياته . ويلاحظ تعكز الروائي على قول هالة في اختياره لهذا العنوان ( ولابد من أنه نقل رأيها إلى أكرم )  . مع أنها  لم تفصح عن كرهها  لريمارك شخصيا ًانما أبدت رأيا ً في إحدى رواياته : ” كرهت كثيرا ً قسوة ” كل شيء هادىء في الجبهة  الغربية ” .. لكنها أحبت ” للحب وقت .. للموت وقت ” .. وانحازت جدا ً إلى الحب في ” ليلة لشبونة ” وقالت لي : ريمارك عاشق كبير سحقته الحرب ” ( ص 36 ) . مما بشبر إلى تعاطفها معه وليس كرهه .

لو سألني محمد علوان جبر عن البديل الذي أراه للعنوان لما ترددت في القول انه ” القطاف المر “الذي كان قد اختير عنوانا ً لسيناريو الفيلم الذي كتبه أكرم عبد الرحمن ،فروايته حافلة بالقطاف المر حقا ً!

شاهد أيضاً

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

توظيف التراث في رواية (قرد من مراكش ) للروائي مصطفى القرنة
بقلم الناقد/ محمد رمضان الجبور/ الأردن

استطاع الروائي مصطفى القرنة أن يجعل لنفسه لوناً يميزه عن الأخرين فكتب العديد من الروايات …

رواء الجصاني: الجواهري في لبنان، وعنه: إفتتـانٌ وشعـرٌ.. ومصاهرة!

تناقل العديد من وسائل الاعلام، في الايام الثلاثة الماضية، ابياتَ شعـرٍ عن المأساة اللبنانية الاخيرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *