حسين سرمك حسن: التنقيب المرير في تل اللاشعور الخطير (الحلقة الثانية)

ولا يتيح لنا الراوي – وبمهارة – الإمساك بالعلّة الأساسية والفاعل الأساسي في هذه المراوحة والإرباك هو اللعب التبادلي بين الشيخ – الراوي المنّقب والأب – والصبي الكامن في داخله. هذا اللعب الذي يصل مستويات حرّة ومدوّخة تتعب أكثر القدرات التحليلية كفاءة. أتعبه هذا اللعب هو نفسه مثلما أتعب من ارتبطوا به، لكنه وقد نمت بصيرته النفسية نسبياً فقد قدم لنا معادلة مجزية وهو يكتب وقائع تجربته بعد خمس سنوات بما يشبه جلسة تحليل ذاتي: «كيف يمكن أن أسجل هذه النتيجة الآن من دون خوف؟ بعد خمس سنوات من هذه الوقائع أسجّل هذه النتيجة الآن من دون خوف؟ بعد خمس سنوات من هذه الوقائع أكتب محاولاً أن أكون أميناً في تسجيل وعي ذلك الرجل الذي يفاجئني بقوله إنه جاء إلى التل بما يشبه الحيلة. فهل أصدقه؟ لكنه كان قد استشعر في نفسه شيئاً مدّوخاً في يوم وصوله إلى التل: أن أكون سعيداً وأخفي سعادتـي، فكيف أميّز بين التصريحات والمشاعر والحيل وبين الوقائع المجرّدة؟ أكاد أفهمه بوضوح حين تساءل بعد تلك النتيجة الفجرية: من يا ترى قام بذلك الدور: الصبي أو الشيخ؟ لا أدري. قال: لا أدري، عندها سمع صوت زوجته بوضوح: أنت لا تكبر(ص82 – 83)». أمّا من ناحية الأداء التواصلي، الإفهام والصياغة المحدّدة للقصدية – وهذا من أسرار هذا البهاء السردي الباذخ – فإنه يأتي تسترياً يصنع فيه الراوي – وباقتدار جليّ من «الحبة» النفسية «قبة» سردية ذات معمار شديد الفرادة وموغل في التضليل في الوقت نفسه. خذ على سبيل المثال لا الحصر: «بعض الحدوس تقلبنا على الجمر، ولكي نشق طريقنا إليها، ممسكين بشيء واضح منها، علينا أن نستدعي كلاماً، وبدلاً من ذلك استعرضت خفة جنونية، هل كان حدساً أم خفة؟ وماذا توقعت؟ تواطؤاً مجانياً مدفوعاً بالحب والسلطة؟ إنهم رجال مدّربون، ودفعهم إلى التواطؤ معي خداعهم وخداع نفسي. منذ متى أحب السلطة؟ أهدافي متغيرة.. نعم، لكنها قليلة. مازلت يقظاً وقد أدركت بسرعة مـا حـدث. بحـلقت في الأفق، واستـدرت فجأة، منـزلاً أمراً استلمته من فضاء شيطاني: كنت عارياً، ولاحظوا ذلك فأشاحوا بوجوههم. عند تناولنا الطعام تكلفوا المرح بينما ظهرت على جباههم علامات تفكير من تلك التي تظهر على جبهتي حين أقمع شيئاً محوله ثرثرة كسولاً (ص66)». أو هذا الشاهد: «حين جئت إلى تل الزعلان كانت حياتي سلسلة مما أدعوه حالات تفكير. إنني أميز بين التفكير وحالاته، على الرغم من أنني لا أعرف الفرق بينهما حقاً، أميزهما حين يعملان، ويخلصان أو لا يخلصان إلى شيء، لأنهما أحياناً يختلطان. لعلّ حالات التفكير عندي تقع على الطرف الآخر لما يدعوه «سارتر» بالغثيان التي فهمتها كحالة ذهنية. إن صلابة الوجود وانغلاقه وكثافته لا تدعونني إلى الغثيان، أنا لا أرمي حصاة بتقزز بل أتأملها معتبراً إياها لقية. لكن وأنا أشرب الشاي غافلاً عن كل شيء أسمع من يهمس في أذني: أنت تشرب الشاي. هذا مـا أسميه حالة تفكير..(ص130)». أو (كان «الجاحظ» يسمّي  العرض الحركي للجسد وإشاراته بالنصبة. ولأن «الجاحظ» معني بالظهور المبين فلم يعرف الحالة التي يقوم فيها رجل بنصبة في الداخل. والكلمة استخدمها العامة بمدلول ذي علاقة بالتخييل الاجتماعي لمعنى الوقفة والوضع والتمسرح ولم تعد فكرة بيانية بل سلوكيـة، وإن ظلّت تعبّر عن العرض الجسدي. دلّت كذلك على التظاهر والادعاء، فالمرء في النصبة يتستـر، يحتمي خلف موقف أعدّ له مسبقاً، خلف صوت أو صورة أو تظاهرة. وثمة دلالة تشير إلى التآمر والاحتيال خفيف الظلّ وتمرير حذلقة أو حيلة برأس غير فطن. النصب والنصبة، والانتصاب والوقوف، والشتل والرفع والمنصوب من مادة واحدة تقريباً. والتمثال منه فهو نصب ومنصوب مادام شاخصاً منتصباً، وتمثال «رودان المفكر» ينتمي إلى النصبة بالمعنى «الجاحظي» والدلالة الشعبية لأنه يبين ويقدم بياناً عن نفسه في لحظة تفكير. إنه يفكر لكن لا نعرف بماذا. إنه يمثل دوراً.. (ص131 – 132)». وهناك عشرات الأمثلة التي أتخمت الرواية والتي تلبس الباطل النفسي بالحق السردي الأمر الذي ساعد على تغييب انتباهة القارئ خصوصاً وأن الكاتب قد تعمد استخدام الجمل القصيرة اللاهثة المتلاحقة على امتداد المساحة السردية الوافرة – تقع الرواية في 365 صفحة – ومهارة سردية ساحرة مثل هذه إذ تشكل روح الفن الروائي في اختلافه عن الفن القصصي الذي تبقى فيه حبّة الواقع حبّة – تعكس آلية معصوبة في التوصيل الذي يبرز الحدود القاطعة للفكرة ويمتع تداخلها مع حدود أفكار أخرى تجعل المساحة الكلية غائمة وغير محدّدة الملامح. ولعلّ الصورة الكلية لهذا الإرباك الشامل الذي تحدثنا عنه في الفكر والسلوك يجد تسويغه في الملاحظة التي قالها الراوي لزوجته من أننا – من الناحية الشخصية الوطنية – نتأخر في النضج. وأعتقد أن الأدق هو أن بعضنا لا ينضجون أبداً. لكن – ومن خلال هذه الرحلة الطويلة نسبياً مع «التل» – هل استطعنا التقاط الخيط النفسي الذي يوصلنا إلى حيث «اللقية» الأساسية في أعمق أعماق «تل» شخصية الراوي؟                                                مازال عملنا ناقصاً ولن يكتمل إلاّ إذا عدنا إلى المشهد الاستهلالي الأوّل في الرواية والذي اعتبره سيّد المفاتيح نفسياً وسردياً. يقول الراوي في السطور الأولى من الرواية: «اقتحمت «ليلى» غرفة نومي على غير توقع فرأتني مقرفصاً على فراشي وصور فوتوغرافية عن تنقيباتي الأخيرة منشورة حولي بينما غمرني والغرفة ضوء أحمر بلون الدم. ندت منها صرخة مكتومة وتراجعت إلى الخلف. وبعد أن استوعبت وجودي الحيّ الأخرق سألتني بدهشة: أبي ماذا تفعل؟ كنت أحدق في صورة فوتوغرافية كبيرة ألصقتها على الجدار أمامي تمثل مشهداً جليلاً لأفق عريض يعبره طائر أو شيء من هذا القبيل تاركاً بعبوره ندبة تتلألأ بوهن. وكان اللون الأحمر قد أضفى على الأفق عمقاً وعلى اللألأة كياناً خاصاً فريداً فبدت أشبه بوشاح خفيف يظهر ويختفي في الفضاء، كما لو كان تلويحة وداع أخيرة..(ص7)». وسيترتب على هذا المشهد المفتاحي الكثير من المواقف السلوكية. فلكي يبّرر لابنته الموقف يكذب عليها، ويمر مروراً عابراً على كذبته مثلما يحاول «تجميل» أكاذيبه المنتشرة في الرواية، أكاذيب على زوجته وعلى ابنته وأخرى على أصدقائه – ولعلّ أهمها الأكاذيب التي تنطلي علينا بفعل سحر السرد. ولكي يفهم رعبها – وفق منظومته النفسية التفسيرية المعصوبة – يقول: فكرت هل ربط عقلها شواهد أخرى بهذا المشهد الأحمر؟(ص8)». وحين نمعن في تحليل وملاحقة وقائع الرواية سنجد أنّ حياته بأكملها قد حكمها هذا المشهد الذي يتقاسمه محوران: أفقي وعمودي، ولكل منهما مغازيه النفسية الحاسمة. تمتد جذور هذا المشهد أولاً في تربة الطفولة الهشة – هشة ولذلك تخترقها عميقاً وتثير الفوضى في طبقاتها المتراكبة برخاوة. لقد كان يمضي فترة تمنعه «الأوديبي» صباح أول أيام العيد ممدداً في فراشه ومستسلماً لأصوات التسبيحات الدينية الجليلة شغوفاً بالتناوب الآسر بين الجوقة التي تكرر اللازمة الغنائية والصوت المنفرد الذي ينطلق رشيقاً مرتجلاً طيراناً صعباً ومسلّماً آخر قواه إلى صوت الجوقة. كان يتخيل الأداء الجماعي خطاً أفقياً والصوت المنفرد رجلاً بأجنحة يحلق بعيداً عنه مخترقاً إياه بمناورات رشيقة ويلتحم به. وطوال حياته اللاحقة أصبح هذا المشهد أصيلاً متجذراً في لاوعيه. قد تضفي عليه السنون ألواناً وتشكلات لكنه يبقى هو نفسه، يبقى المشهد المتسيد الذي أحكم قبضته على خناق نموّه النفسي وألقى بظلاله على اختياراته وأفكاره وسلوكاته. هذا المشهد وهو الذي لخصته الـصورة الـفوتوغرافية الـتي علّقها في غرفته والتي تلخص – في معانيها العمقية المستترة – طريقة في الحياة لا تتماسك إلاّ بالابتعاد والرحيل والغياب. وإذا وضعنا فرضية أنّ الكبل العمودي هو رمز لوجود الراوي سريع العطب وأن الأمان الأفقي هو تعبير عن مستقر أمومي يحاول النتاج العمودي الطائر عبثاً الابتعاد عنه بسبب المخاوف الالتهامية – الميدوزية – التي ترسخت في وجدانه فإننا سنتحول بضربة تحليلية موفقة جداً إلى توسيع الرؤية والإيغال في تعميقها لتصل إلى علة العلل والتي تتمثل في الموقف «الانخصائي» من التهديد الوجودي – الأوحد – الموت الذي هو الحي الذي لا يموت. إنّ الذي يتجسد في قلق الموت والذي سيطر سطحه على حياة الراوي بصورة أساسية وهو الذي يقف خلف كل إرباكات حياته الأخرى وصراعاته التي أشرنا إليها مثلما كان العامل الحاسم في تحديد مساراته المهنية والاجتماعية. إنه يتماهى – في البداية – مع الأموات الذين يكتشفهم في التنقيبات. «أمثاله الغافين المثقلين بالموت، مختلطين بالتراب نفسه، فأدرك أنني جئت في التو من بساتينهم، والحياة التي كانت صاخبة من حولهم كما هي صاخبة من حولي انبثقت من تدبيرهم وحذقهم وعرقهم..(ص109)». هكذا كانت الهواجس استولت عليه وهو يقف ضجراً أمام تل الزعلان الذي يحيطه الموات من كل جانب، فتحاصره أحاسيس الحيرة واللوعة، والحزن، أحاسيس تعيده إلى المعادلة الحاكمة إنه: «يرى أفقاً دارساً يتجه إليه أو يقف أمامه بيأس..(ص110)» وليس مستبعداً أن يكون التنقيب واحداً من الخيارات المهنية لمن تحكم حياته مشاعر قلق الموت. يتساءل: «ما الذي لا نعرفه عن آثار المـوت، بعد نحن نابشي القبور؟ آثار وليس موتاً، فما من أموات في القبور، بل آثار موت.. قديمة، مهترئة ولا تمثل دوراً – الأحياء وحدهم تسنتزفهم مشاريعهم ويصارعون، يأكل بهم الغل والخوف فيصنعون أدوراً. الموت لا يُرى، لا يوجد في القبور، بل يمشي على الأرض ظلاً للإنسان، هو من حصته؛ أما في القبور فلا أحد في الحقيقة، هناك يضحى كل شيء من حصة الأشياء وإذا كان ثمة علامة على شيء يرجع عمل الحي وخرقه وتدابيره وأخلاقياته في تلك الظلمة فهي الهندسة الحزينة شبه الكونية حيث الحي يساعد الميت حين يلجم مخاوفه في شعائر يخفف فيها من عذابه.. (ص140 – 140)». والراوي إذ يوصلنا إلى هذه النتيجة النفسية المنطقية بعد أن شاهد حرّاس قلعة التل ميتين بلا قبور – وأحدهم ميت وهو يجلس على السلم بطريقة مفكرة/نصبة فأسموه المفكر «رودان» نسبة إلى تمثال «ردوان» الشهير.. – فاستعاد طقوس الإنسان في دفن أمواته لتحييدهم أولاً ولضمان شعور بمعاملة مماثلة كريمة ثانياً وبأنه موجود في «حياة» أخرى ثالثاً، فإنه – رغم عدم إعلانه المباشر المحدّد عن هذا الدافع – يقوم بمقلوب هذه العملية، وكأنه ينبش العملية الوجودية من «أسفل»، إنه وبفعل مخاوف الموت الغامرة يقاوم النسيان – كما يصف نفسه – ويقاوم «مهيلي التراب» كما يسميهم، ويحتفر  لـ«يكشف» و«يُظهر» ما نحاول إخفاءه/ إنه يريد التأكد من حقيقة نتائج فعل تلك الهندسة الحزينة شبه الكونية» – إنّ التنقيب يوفر له إحساساً – بالرهاوة في مواجهة المخالب الباشطة للمثكل – كما وصف «جلجامش» الموت – ولهذا تجده مصرّاً على أن يدخل إلى التل من موقع كبريائه ، من أسـته، من عجيزته، والأهم – وعودة إلى المعادلة/ السرّ أنه بتحطيم كبرياء هذا الشيء قد حفظ مهابة «الأفق» البعيد، متباهياً بسلطته عليه وعلينا.. ص(137)». وهو حين يتخذ ستراتيجية هجومية في التنقيب تعكس روحاً تعرّضية فإنه – في بداية وصوله التل فإنه – في الواقع – يحاول اقتحام ذلك العالم الآخر الملغز الذي أشبعه حيرة وقلقاً. إنّ أحاسيس مفعمة بنوع من الحصانة الذاتية في وجه قوة باطشة لا ترحم. لقد كان يفسر بالموت كل شيء – وهذا ما لاحظه «زهير» وردّده صوت قرينة النفسي الذي يلاحقه ويحدثه ويهدده ويصحح أفعاله في مواقف كثيرة.. صوت قرينه يقول له إنك تضع أشياء غير متعادلة في ميزان واحد: الموت والقبور، والرجولة والشرف، والبطولة والوطن والأمة والمدن، والأمومة والماضي، والتراث في سلة واحدة هي سلة الموت: ألا توجد في هذه القيم أشياء خالدة لا تموت ؟ كان في سلوكه وأفكاره السابقة ينطلق من الموت إلى الحياة فتلون الأخيرة بعتمة وربكة واهتزاز إرادة وقلق مشتعل. لقد كتب مقالته الشهيرة «الحضارة والموت» التي اشتهر بها وصارت إنجازاً مبرزاً له وكان سرّها – لحظة كتابتها التي لا يعرفها أحد – تلك اللحظة الرائعة باشتباكها المخيف كما يصفها مرتبط بذكرى موت عاشها مع صديقه «زهير» ويصفها وصفاً أخاذاً فقد تشابكت استثارات بيتية – الجو الخانق في البيت وحركة هواء المبرّدة الذي كان يئن أنيناً خافتاً كالبكاء والعويل – أعادت إلى ذاكرته صور التلال وحركة الريح وحادثة غريبة «حين فتحنا أنا وأنت قبراً ونزلنا إلى جوفه فإذا بهواء تشريني لعوب يعصف داخل القبر ويفتت عظام رجل من عصر «حمورابي» وينثرها في وجوهنا، أي ثلج! أي مرح! أي حزن مهرج صخّاب! فبينما كنا نذب عن عيوننا ابتلعنا شيئاً من ذلك الندف الأبيض وتذوقنا طعمه الترابي الحامض..(ص39)» لقد ألهبت حماسته لكتابة مقالته مشاعر القوة العارمة في القدرة على النـزول إلى ذلك العمق.. «الذي نحرص على إبقائه في الظل..(ص39)».. فانطلق من لحظة إدراك الموت «الصوفية» ليوازن بين وصف الحفريات ووصف الحياة الداخلية في ذلك النـزف الحضاري الدائم. إنّ الإحساس بالموت كمشكل يمكن أن يحفّز الفرد الممتحن إلى إبداع تصوّر دفاعي – نظري – بالغ الثراء يبحث في صلة الموت بالحضارة لكنه سيكون بناءً فوقياً قد لا يغيّر من طبيعة البناء التحتي للشخصية. يتضح هذا الأمر في أن التمظهرات السلوكية التي كانت تعبر عن ربكة العالم الداخلي للراوي ظلت كما هي رغم هذا الإنجاز الفكري الفائق. خذ – مثلاً آخر غير الأمثلة التي طرحناها سابقاً – زيارة «سميرة» له في بيته وسوف تجد «البنية التنقيبية» التي حكمت سلوكه. تسأله: «هل يمكن أن نتحول إلى آثار؟ ليس كجثث بل في الحياة؟ فيشعر بأنها تريد أن «تُنقب» في حياته ويقول لها بأنه إذا كان عليه التحوّل إلى شيء فسيختار أن يكون «أثراً»..(ص161)» ويشعر في حضورها بأنه أثر وجد قريناً. وهذا اللعب  الشعوري مضلل ومغوي. هي يسكنها هاجس الموت والخراب – تبكي لرؤية الطالبات الصغيرات بأشرطتهن الملونة وتتساءل أين يذهب كل هذا ويختفي؟ وكل هذه التساؤلات والمشاعر مرتبطة بمقالته التي قرأتها وأثارت فيها تساؤلات كثيرة. وهذا الموقف يتطلب مشاركة مقابلة من جانبه. لكنه – وبطبيعته  المراوغة – يسحبها من يدها فترفض وتقول له في موقف تشخيصي دقيق: «أنت وحيد.. عليك الخروج من الحياة..(ص164)». فماذا يكون ردّه. يقول: «لكني دخلت الحمام/كسلوك هروبي مرتبط بالموقف الآستي الحاكم. وبعد سنوات طويلة «يكذب» من جديد ويقول لبرهان إنه تسلّم رسالة – رسالة فقط – من امرأة أو فتاة لا يعرفها اسمها الأول «سميرة» فهل يعرفها. ويقول له «برهان» بأنه قابلها في ألمانيا وقال لها عن موضوع الرسالة فبالت على نفسها من الضحك وتأكد أنه خدعه. هكذا يكون الإنجاز الفكري متيناً ولكنه منبت عن النية اللاشعورية الحاكمة التي تصوغ سلوكاً متناقضاً ولا يناسب نتاج النضج المعرفي – كان «دستويفسكي» الذي يعده معلم فيينا المحلل النفسي الأول وبعد روايته «الأخوة كرامازوف» واحدة من أهم ثلاثة أعمال في تاريخ الأدب مع «أوديب» ملكاً و«هملت» وكلها تدور حول موضوعة قتل الأب، يكذب ويقامر ويعترف لغريمه «تورجنيف» بأنه اغتصب صبية في العاشرة من عمرها..إلخ. وإدراك الدروس الأساسية التي يطرحها الموت كل لحظة ليس أمراً يسيراً أبداً، راجع رحلة جلجامش الخائبة المريرة والتي يتعرض لها الراوي أحياناً – لتجد كم من التضحيات النفسية الجسيمة التي يجب أن يقدمها الفرد لكي يستوعب عبر المعلم الشرس المجتث. يقول قرين الراوي: «ربما أردت إشاعة التواضع.. أعني أننا نواجه في مهنتنا الكثير من الأموات.. فنشعر.. لكن الموت يعلمنا التواضع.. نعم، إنه يفعل»..فيعلّق الراوي: «كان هذا تعليماً دقيقاً إذ ظل الموت يضرب الأمثلة والأحياء لا يتعضون..(ص159)». والراوي يرى أيضاً أن الإنسـان يـموت حقاً في الحياة، ببطء، بتسارع، بثقل، بخفة، إنه سيتعلم أن يموت، فحتى الموت يُتعلم، وكلما أعلن الإنسان عن هذا التعليم لنفسه بوضوح وتدّرب عليه كحتمية لا يمكن تفاديها قد يموت خفيفاً من دون أن يذلّ نفسه ويتعب الآخرين، كثيرون لا يتعلمون فيذهبون بقعقعة وضجيج؛ متحولين إلى كائنات مخيفة من الصعوبة مساعدتها والتعاطف معها..(ص266)». وتعود هذه التأملات التي يحدث بها ابنته «ليلى» بعد موت جدّها لأمّها موتًا هادئاً إلى ذاكرته بعد ن يستعيد أنموذجين للموت: الأول هو موت أبيه موتاً فضيعاً، رغم أنه كان في الحياة جباراً ساخطاً على كل شيء. ظل أبوه – حين حضرته الوفاة – يمارس جبروته، وحين وصل الحد الأخير كان يطلق التفاهات ورفض تلاوة  الشهادتين – حسب طلب أم الراوي – مبرراً بأنه مؤمن. وهي ميتة أنموذجية لمن يتعلم كيف يموت. والثاني هو موت أمه المؤمنة، الصابرة التي ظلت تتفزفز وتقاوم وتسأل عن الطبيب ثم ماتت قبل أن تفرغ من تلاوة الشهادتين – وقارن هذه اللمحة التحرشية بموت الأب الخفيف الذي رفض تلاوة الشهادتين في حيان ماتت الأم موتاً ثقيلاً- كل من حمل نعشها شعر بثقلها رغم أنها لم تكن سمينة..(ص266)». كيف يتعلم أن يموت موتاً خفيفاً؟ هذا هو الأسفين التساؤلي الذي انغرس في مركز وجوده هو الذي كان يعد تناول طعام الميت أشبه بتناول جسد الميت نفسه..(ص268)». شعورنا يدرك عادة بأن كل شيء مصيره الفناء، لكن لاشعورنا يشعر بأنه عصي على الفناء ولذلك لا نتعظ من كثرة الموت في الحروب مثلاً. لقد تعلم ما هو أكثر من شروط الاستعداد للموت خفيفاً من خلال تجربة «التنقيب» الحاسمة في تل الزعلان الذي لم يعد زعلاناً عند نهاية رحلة الاستكشافات التي امتزج فيها الداخل بالخارج، فكانت رحلة خطيرة لاستكشاف ظلمات لاشعوره الخطيرة. لقد تعب فريقه في البحث لمدة شهرين وفق سيكولوجيته الهجومية ليجد اللقية الأولى وهي جثة حمار!! فأصاب الإحباط الجميع لكنهم واصلوا الحفر – كان «برهان» الأشد ضراوة في الحفر لأنه مصاب بالعنة الجنسية – كما يعترف «لزهير» – فعثروا على هيكل عظمي لشخص يجلس على سلّم في وضع تفكير فأسموه ” المفكر رودان ” ثم ثلاثة هياكل عظمية لأشخاص أسموهم ” الفرسان الثلاثة ” وقد تماهى كثيرا مع المفكر المتروك والمهمل لمئات السنين والذي وضع أخيراً في كيس نايلون – وهذا تذكير بما هو أفضل من نهايتنا التقليدية الموجعة – يموت «فرويد» مثلما يموت «بائع النفط» في شارعنا كما يقول المبدع «فؤاد التكرلي» – بعد أن قام أعضاء  البعثة بتنظيفه وتقوية عظامه بالجبس والصمغ وإعادة ما تلف منه وربط مفاصله بخيوط النايلون وأجلسوه في زاوية من الكرافان على نحو مثل دوره كاملاً، مفكراً يسند جمجمته بعظام يده اليمنى الطويلة الملساء في لحظة تأمل. وكان يصدر أحياناً طقطقات مرحة حين نمرّ من قربه أو حين نداعب عظامه بأصابعنا… (ص165)». وهنا تتصاعد حركات الترويض والتوطين – ترويض نفس الراوي ومن خلفه نفوسنا على التعامل مع هذا القدر الإذلالي المرسوم رغم أن الراوي ينكر أنه رفاقه لا يتهكمون من «المفكر» الميت ولا أحد منهم يفكر أن يذل ميتاً عرف كيف يموت عندما تحين ساعته، وهذه هي النّهاية التي اقترحها «زهير» حين رأى المفكر ميّال للوحدة – مثل حال مفكرنا الراوي المتوحد وهو يفصل بين التفكير وحالات التفكير – فلم يشأ النوم مع الجماعة بل فضّل أن تخرج روحه وحيداً على السلم «أسلم الروح وأعطى للحظته الأخيرة قوتها الحقيقية..(الوحدة ص166)» ويعلّق الراوي على هذه اللحظة بروح دفاعية معقلنة بالقول: «هكذا نموت وحيدين وفي مشهد بقيت في ذبالة حياة ضعيفة كأنها نغمات أخيرة من عمل سيمفوني كبير: نزول سُلّم.. السلم .. سُلم.. وحيدين على السلّم..(ص166)». وهذه عملية ترويض تمرر استجابات نفوسنا إلى مرحلة التوطين. ووصف جلسة المفكر «رودان» في ميتته بأنها شبيهة بعمل سيمفوني فيها الكثير من الرهاوة الظاهرية التي تمتص الصدمة المأساوية السوداء المفروضة خارج أي فعل إرادي مدافع وتحويلها إلى اختيار» يلعب فيه الفرد المستهدف الأعزل دوراً في تشكيل النهاية الملعونة. فوق ذلك فإن الراوي وشركاءه يتيحون لأنفسهم فرصة «بعدية» في التلاعب وتشكيل هيئات وأوضاع الموتى الذين «اكتشفوهم» وكانوا مهملين تماماً ورسم جانب بسيط من المصائر المرسومة. إنّ شعوراً «إحيائياًَ» – ولو نسبيا – يتحرك في أوصال حيواتهم تجاه لقاهم من الأموات. إنهم في موقع حاكم – وهذا ما توفره مهنة التنقيب – في لعبة الحياة والموت، وبرهان يسمى التنقيب «أركيولوجيا الحياة.. (ص105)». والراوي يصف ردة فعل جماعة  التنقيب – جبهة الأحياء – الهائجة بالقول: «على التل كانت سيمفونية الأحياء تهرّج نشطة من دون حرج كأنها بدأت تواً وفي ضربات متسارعة؛ الحفر.. الحفر.. الحفر. إيقاع قبيلة متوحشة تنتسب لجد كان حفاراً ومازال يعيش بيننا  متابعاً بحرص ما ورثه لأحفاده، كان في الأصل نباشاَ لكنوزها، عربيداً آفاقاً، فأسس قبيلة من الحفارين غذى بأبنائها غريزة تعتاش على عذاب الحفر ولذاته المحرمة..(ص166)» ولكن هل اختلفت الحال حتى هذه الساعة حتى بعد التهذيب والتحضر وإعمال الفكر – كما يتساءل الراوي؟ – ويجيب بنفسه أن المضمون لم يتغير كثيراً «لكن الأهداف أخفيت جيداً. غُسلت بمياه العقل الخلاق، وها هو الحفيد يتخذ وظيفة مراقب عمل، ومفتش، واختصاص، مؤرخ، وباحث، وأيديولوجي.. وابن كلب (ص166)». وهنا يضعنا الراوي أمام كشف نفسي «هائل».. فكل ما تفعله البشرية، منذ فجر تاريخها المديد، وعبر  تجليات نهضتها المعرفية الخارقة هي في الحقيقة منهمكة في عملية «حفر» دائبة لا تختلف في الجوهر عن عملية «الحفر» التي مارستها في وحشيتها البدائية، فالحفر الوحشي الذي مارسه الجد البدائي وانتهاكه لحرمات قبور الموتى كان في جانب منه استكشاف «عدواني» بالغ الضراوة ساقتها التساؤلات الشرسة التي أجهضت عقله البدائي حول مصيره القاتم. إنّ إدراك الإنسان لهشاشة وجوده أمام سطوة الموت تدفعه إلى أن يكون مميتاً. وذاك «الحفر» البدائي الوحشي في الماضي أصبح «تنقيباً» معرفياً في كافة مجالات الحياة. ولو أمعنا النظر في فعل المجتمع الإنساني لوجدنا أن الحفر، والحفر دائماً هو ديدنها الدائب الذي لا يقر. وبدون «الحفر» لن تحقق البشرية شيئاً. وعندما كان الإنسان «يهيل التراب» و«يدفن» فإنه كان مراوحاً، بل وتراجعياً في رقيّه، طالما كان يهيل ويدفن كان حيوانياً، ولكنه عندما بدأ «يحفر» رغم بداية العملية الوحشية و«ينقب» لاحقاً فإنه قد تحضّر وتهذب. ورغم كل «الإجابات» التي يزعم الإنسان أنه قد حصل عليها من سلوكه «التنقيبي» فإن إلحاح هذا السلوك يتزايد لأنه لم يحصل بعد – وقد لا يحصل أبداً – على إجابة منطقية شافية ولذلك يصبح لزاماً عليه أن «يختلقها» وأحياناً «يفبركها» ويقنع بها نفسه ولذلك نجد أن الأسطورة تلوب في أحشاء العلم دائماً والمنطق يولد من اللا منطق والعقل من الجنون، وهنا ينقلنا الراوي الفذ إلى مرحلة التوطين – بعد مرحلة الترويض – توطين النفس على أن تتحمل جرح هشاشتها الوجودية رغم الكلفة الباهظة «وهي مميتة»، يدشن الراوي مرحلة التوطين بعملية «نبشية» متفردة، لقد عثر الفريق على نسخة من كتاب «البيان والتبيين» الشهير «للجاحظ» بنسخة مؤيدة من شخص لُقب بـ«الزماني» ومهداة إلى شخص مجهول ولم يتثبت تاريخ عليها، وعبر مداورات حاذقة يمرّر الكاتب – ومن عنديات عبقريته – نصوصاً تركب الصورة المختزنة لدينا عن بيان «الجاحظ» وتبيينه ونتسلم أطروحات «مسمومة» موغلة في المكر عن الوثيقة ونسْخها المؤدي إلى تزوير روحها بفعل الناسخ الذي كان يدسّ إضافات على نصوص «الجاحظ» هي تعليقات مثيرة تؤشر إلى أمور خفية من دون أن تسميّها مباشرة، بعضها يستدعي القارئ لاتخاذ موقف، وبعضها يثير مواقف مناقضة، وأخرى تشرح بعد أن تستولي على قول معيدة توجيهية نحو ما لا تدري من أمور». تأتي بعدها هذه الجملة التي لا تخلو من سذاجة لتستولي على فكرة «الجاحظ» وتوجّهها نحو فكرة المعنى في ظروف أخرى: «ولكن – يرحمكم الله – ماذا في المنع عن الإفصاح والإفهام؟ وكم من بيان ليس كلاماً بل صراخ، فيا أولي الألباب إن سمعتم صراخاً فتبينوه، واعرفوا  أسبابه واقضوا حاجة لنا ولأنفسكم، فتقرون عدلاً وإحساناً..(ص199)»، وقبل الصفحات الأخيرة يعتذر الناسخ من القارئ: «نحن وإن أبلغناكم بما لا تتوقعون في كتاب هو أرشق من طائر بلغته وأتباعه؛ فعذرنا غياب الوسيلـة وانعـدام الحيلة واليأس من الغد، ولكن الأمل، الأمل أن لا تتغافلوا فتنـزعوا القشر عن اللب، وليس الوسيلة عن أهدافها، والله على ما أقول شهيد..(ص200)». ويتساءل الراوي: «لماذا افتقر الناسخ إلى وسائل أخرى: أقدامه، أسنانه، اتصالاته الخاصة؟ هل السبب –  السيف فوق الرؤوس؟..(ص201)». وبذلك يتحرر الناسخ من اسم أي قارئ ويلجأ إلى الثقة بالكتاب فيمرّر من خلال كتاب موثوق سمومه التخديرية عن الخراب المقبل الذي عصب بالبلاد والعباد. نستفهم بطانة الرسائل المستترة التي انطوت عليها عملية تدليس الناسخ وإقحامه عبارات منه على كتاب «الجاحظ» (البيان والتبيين) وتكمل الحلقة الإيحائية وتورياتها الموقفية – والكاتب قد تحدث في لقاء صحفي مع صحيفة «الصباح الجديد» أنه كتب روايته بعد العدوان الثلاثيني على وطنه واستشرافه الخراب الشامل المقبل. حين يقول الراوي رداً  على رجاء الناسـخ فـي إعطاء كتابه لصديق أو قريب والتشاور معه بخصوص ما قرأناه فيه من «عجائب وغرائب» بأن لا مناص من ذلك ويتساءل ما الذي يترتب علينا إذا صدقنا ذلك: «وإذا ما كانت هناك دسيسة فكيف نتأكد أنها كذلك؟ لقد تأخرنا ألف عام..(ص202)». وأخيراً حين يرد «برهان» عليه بعد أن يسأله عن رأيه: «أتريد توريطي؟» وبطبيعة الحال فإنّ الناسخ لا يقصد كتاب «الجاحظ» الأصلي حين يتحدث عن الغرائب والعجائب حيث لا يضم «البيان والتبيين» أي شيء منها . تأتي الغرائب والعجائب من اكتشاف «تنقيبي» خطير يضرب فيه الكاتب – وببراعة – على أوتار لعبة توظيف الوثيقة حيث يجد «حسن» – وهو من أعضاء بعثة التنقيب – شقاً خفياً يؤدي إلى انتفاخ غريب في بطانة جلاد الكتاب الأخير، يخرج منه أوراقاً كتبها «طبّاخ» لمجمع الشياطين والملائكة(!!!) وهي في حقيقتها نصّ يدفع كل من قرأ كتاب «الجاحظ» الذي أعاده الكاتب إلى أذهاننا إلى المقارنة واستنباط الدروس: يجب أن يستولي على انتباهك متن الكتاب المعلن، ابحث في عمقه ونقّب لاكتشاف «المخفي». وتبدو وثيقة الطبّاخ وكأنّها انتفاخ مزروع في كتاب «التل» يعلن – بذكاء مستتر – عن موازاة بين شخصية الطباخ والراوي(*) الذي يكمن الراوي خلف واجهة شخصيته القناعية – . فشخصية النص هي قناع يستر به الممثل وكاتب النصّ الوجه المشوّه لواقعه اللاشعوري من ناحية، ولعجزه عن التعامل مع تابوات واقعه الخارجي من ناحية ثانية. كان الطباخ أصلاً ناسخاً أخطأ فعوقب وأصبح بعدها طباخاً يجانس القَدر والقِدر وعرف سوء الملائكة لخفتهم والشياطين لجبروتهم وقد تعرّض للاغتصاب من قبل “حاذق ” الشياطين الذي قتله باستخدام صديقه «الصل» الذي لدغه في فراشه. وقد عاد«ناسخاً وكاتباً – يقبل تراب نعلي الشياطين.. تحمل العقاب بالسياط.. ورغم ذلك فقد أكمل «رسالته» وأخفاها في الكتاب الذي كشفه «الحفر» و«التنقيب» لأحفاد «الجماعة الوحشية القديمة».. «الحفارة» ولكن بعد ألف عام، أي أننا اكتشفنا وثيقة العبر بعد ألف عام. فكم تأخرنا؟ تأخر يشبه الجريمة ويتكرر في وقتنا الحاضر. وتتكرر لعبة التأخر في الاكتشاف «التنقيبي» من خلال الوثيقة الثانية التي اكتشفها هذه المرة الصبي «سعدون» والتي كتبها الشاب «عباد» النسّاخ الذي مات مع أصحابه جميعاً وكتب الحوادث المريرة التي عاشها «للذكرى والانتفاع» وكانت أمنيته الوحيدة أن «عبد الله» الذي يقع بين يديه كرّاسه أن يدفنهم ويقرأ الفاتحة على أرواحهم. ويقف الراوي المنّقب متأملاً الدليلين: رسالة «عباد» التي شرحت الأحداث للذكرى والانتفاع ورسالة الطباخ الغير موجهة لأحد ويرى أنّ «عباداً» ومنذ البدء، حمى حياته وعقله بالتغابي والهرب من الشك والتفكير..(ص309)». ويرى الراوي أيضاً أن صحة «عباد» «النفسية قوية ذات عناد لكن النـزول إلى الداخل يعني المجاهدة، تفضي إلى التوّرط، المجاهدة في شروط انعدام الأمل والخوف والعزلة قد لا تفضي إلى شيء، قد تفضي إلى الجنون، و«عباد» لا يريد أن يكون مجنوناً: ألا نفعل نحن المسالمون الشيء نفسه في حياتنا؟» وإذا تناولنا الأمرين من وجهة نظر فلسفية تؤطر الموقف النفسي الذي أنضجه دهاء الكاتب المعرفي نستطيع القول إنّ الطباخ كان «أطروحة» يمكن أن تتفاعل مع «طباقها» المتمثل في «عباد» لتنتج لنا «تركيب» الراوي أو المؤلف ، من يدري؟ وحسب مصطلحات «الديالكتيك الهيغلي» – الموظف لأهداف نفسية تحليلية هنا – فإن «الطريحة» قد اجتمعت بـ«النقيضة» لتعطينا – بعد التفافات سردية مموّهة وطويلة «الجمعية» المتمثلة في الراوي المسالم الذي كان يفعل الشيء نفسه، لكن الكاتب يقحم – في مسار تصاعد وقائع الرواية – شخصية الصبي «سعدون» لتكون «نسخة أخرى من «عباد»: «فسعدون» جاء بمصادفة إلى موقع التنقيب، جاء مجنوناً يمارس الجنون ويقاومه بالعمل، أحسب أن «عباداً» الذي بدأت أراه في صورة «سعدون» ما كان ليجن إلاّ بعد ألف عام من العزلة وصمت الآخرين وغدرهم. سيجن ويدرب الحمام على الفهم والكلام..(ص309)».
وقفة : حين يلتحم المبدع بنصّه وخصوصاً حين يكون متنفساً لصراعاته اللاشعورية ومجسّداً لمكبوتاته تضعف «الرقابة» الراصدة وتنسرب رغباب ضاغطة تتجسد في تمثلات تتشخصن في نماذج «يقحمها» الكاتب تحت تأثير حماسة الإنجاز وانتعاشة النرجسية المغيبة وراء ركامات العزلة والإحباط مقتنعاً تماماً بأنه يوفر شروط العمل الإبداعي الناجز في حين أن اللاّشعور يعجل بحركته الكتابية من حيث لا يتيقن مسرعاً إشباع ومتحيناً فرصة فرج الإنجاز بروح انتهازية طفلية. لقد جاء «سعدون» إلى المخيم – حسب وصف الكاتب – صبياً مخروعاً ذا قميص مقطع الأزرار. فهل نتوقع من صبي مثل هذا، ولد بسيط، أن يتقدم من الراوي المدير ويخاطبه بلهجة حادّة، والأغرب، بأمور فلسفية شائكة: «هل أنت المدير؟ هل تعرف ماذا حلّ بالرومان؟ لقد ماتوا.. أنت تموت.. وأنا أموت.. والكل يموتون.. وهكذا لا توجد مشكلة.. فلماذا تصعبها على نفسك وعلينا؟.. لماذا تصنع المشاكل.. ها؟ هذا ما أسميّه «مصائد اللاشعور الماكرة».
عودة: ويمرّر الكاتب من خلال شخصية «سعدون» أموراً لا تناسب نضجه ومستواه العقلي لكنها تناسب طوفان الانتشاء المتصل والمتعالي والقناعة بالتعبير المتسق – شكلياً – عن المحنة المركزية، فيرسم لسلوك الولد تجليات صوفية آسرة. يرى «سعدون» حمامة بيضاء بعد أن حدّث الراوي عن حيوانات تطير وتفهم. وفي نقلة غريبة غير متوقعة يصبح «سعدون» شاعراً وينظم قصيدة نثر بالمشاركة مع «برهان» الذي جعله صديقه وتقاسم معه جنونه: «نزلت الحمامة من أعالي الليل/ وقالت لصديقتها: رأيت نجمة/ أحرقت لي جناحي/ أهو حلم مزعج يا «سعدون»/ لكن أنت سقطت من أعالي الليل/ وأضأت الآثار والأصدقاء والحمامة/ ليكن برداً وسلاماً.. برداً وسلاماً..(ص347)». وهكذا يكتب الشعر «ولد» يتحدث للمدير الدكتور المنقب عن أنثى الدب التي تسرق رجلاً وتلحس باطن قدميه حتى تجعلهما ناعمتين بحيث يتعذر عليه المشي أو الهرب.. هذا الولد الذي يحاول الكاتب خلق قصّة موازية بين أنثى الدبّ والإنسان المخطوف لقصة علاقته بالحمامة – يحاول الانتقال بحمامته إلى مرحلة فهم كل شيء من دون أن تتكلم – وهذا تجسيد رمزي لجانب من حالة الراوي – ومن قبله الطبّاخ في مقطع «إلاّ رمزاً»( ص221) من جانب وفي محاولة الراوي العصية والتي أجهضت استرخاءه الحياتي على «اليقين» في صيرورته الزمنية القصيرة من جانب آخر. ولا يعلم الراوي – أو الكاتب – لا فرق – أن كلمة «اليقين» في لغة العرب تعني الموت الذي لا خلاص منه. وحين وصلت حمامة «سعدون» العجيبة إلى مرحلة الفهم الكامل ماتت. وهذا هو ما عطّل الراوي لعقود من حياته عن بلوغ الفهم الكامل واليقيني . كان يخشى الموت غير عارف أن الموت بمعنى من المعاني يعني لحظة الاكتمال النهائي والمطلق، أي أنّ الإنسان حين يموت فإن شخصيته قد اكتملت ونضجت، ومن ناحية ثانية فإن إدراك الموت كمشكلة في حياة الفرد تعني أيضاً أنه ذو شخصية قوية، وهذا ما عرضه الدكتور ” عبد الرحمن بدوي ” بصورة وافية في كتابه «الموت والعبقرية» حيث يقول: «إنّ الموت يكون مشكلة حينما يشعر الإنسان شعوراً قوياً واضحاً بهذا الإشكال في نفسه بطريقة عميقة وحينما ينظر إلى الموت كما هو ومن حيث إشكاليته هذه ويحاول أن ينفذ إلى سرّه العميق.. إن الإحساس بأن الموت مشكلة يتطلب الشعور بالشخصية أولاً، فكلما كان الشعور بالشخصية أقوى وأوضح كان الإنسان أقدر على إدراك الموت كمشكلة.. ولهذا أيضاً لا يمكن أن يكون الموت مشكلة بالنسبة إلى ضعيفي الشخصية، والنتيجة أن اللحظة التي يبدأ فيها بأن يكون مشكلة بالنسبة إلى إنسان ما، هي اللحظة التي تؤذن بأن هذا الإنسان قد بلغ درجة قويّة من الشعور بالشخصية، وبالتالي قد بدأ يتحضر.. ولهذا نجد أن التفكير في الموت يقترن به دائماً ميلاد حضارة جديدة. وما يصدق على روح الأفراد يصدق كذلك على روح الحضارات.. وقد فصّل ذلك «اشبنجلر» ولهذا أيضاً كان كل إضعاف للشخصية من شأنه تشويه حقيقة الموت». ولذلك كان الراوي ومساعداه: «زهير وبرهان» وبفعل إدراكهم الموت كمشكلة – وليس إشكالاً حسب، كانوا ذوي شخصيات مبدعة وخلاّقة ومشاكسة لا يمكن أن تهادن ما هو قائم ومسلّم به وكان لسان حال وجودهم يردّد : على قلق كأن  الريح تحتي..». ولعل من الدلائل المهمة على تفرّد شخصية الراوي هي مقالته في الحضارة والموت والتي أثارت اهتماماً واسعاً جداً. لكن كيف «استدخل» الراوي تجربة التل/ تجربة تحليله الذاتي ليتصالح مع قلقه ويتعرف إلى مصادره فلا يربك حياته ويدمّر اختياراته وارتباطاته؟ لقد جاء ذلك من خلال «الحفر» و«التنقيب» التفصيلي في هذه التجربة عن طريق الكتابة عنها، الكتابة التحليلية العميقة وليس الكتابة الوصفية المباشرة. جاءت هذه الكتابة بعد خمس سنوات من نهاية التجربة، ويبدو أنه اختزنها طويلاً وبصبر فجاءت الكتابة وكأنها جلسة تحليل نفسي شائكة لعب فيها دور المحلل والمريض في الوقت نفسه، وهي عملية صعبة جداً ومعقدة لا يكون النجاح فيها كاملاً عادة، ولهذا غابت عن الراوي كثير من الدوافع والضغوط والصراعات ولكنها تحقق تقدماً كبيراً في معرفة الذات المتخفية وهي الحقيقية. كان المشهـد الخـتامي من التجربة والتي مثلت ختام رواية التنقيب هي لحظة اكتشاف رميم الطباخ ومعه طرد يشبه طرد البيان والتبيين . ولا أحد يعرف ماذا كتب الطباخ بعد أن تأكد أن لا أحد  يدوم حتى لو كان خبيراً بالسموم وفي إطعام الملائكة والشياطين..(ص355). يصف الراوي اللحظات الأخيرة بالقول: «وقف الجميع مبتعدين قليلاً يتأملون واقعة هذا الموت القوي المؤكد – بعد أن وجدوا أن كل شيء أصبح تراباً أو «عاد» تراباً، من التراب جئت وإلى التراب تعود – حولت نظري إلى الفلاة التي غرقت في غبار أحمر متلاطم وغاب عنها الأفق. في تلك اللحظة فتح ” صباح ” عدسة الكاميرا فتوهج أمامي نور أحمر، وسمعت صرخة طائر تائه . أصبت بالذعر ، كان قريباً منّا، ودار العالم بي، انقلبت في رأسي صور كثيرة، ورأيت طائراً يفلت، سمعت اصطفاق جناحيه، ارتطم بالجدار، زعق من جديد، تغلب على محنته وحلق مرفرفاً كأنه ملاك. رفعت يدي اليمنى وأقسمت..(ص355)»، ولو عدنا إلى المشهد الافتتاحي فسنجد أنه صورة مركبة من مفردات معاني هذا المشهد والتي تمثلت في المشهد الجليل للأفق العريض الذي كان طائر يعبره واللون الأحمر في اللوحة والساقط على جسد الراوي يمنح المشهد جلالاً مهيباً أخاف «ليلى» وجعلها تهرب . لقد عاش الراوي خمس سنوات يتأمل الكيفية المتمناة التي يمكن أن يلتحم فهيا «المحور العمودي» بالأفق العريض للوجود وكيف يتغلب على محنته ويرفرف لكن في أحضان خط أفقه. وهذه عملية معقدة كانت تتطلب تحليل الذات من خلال تحليل تجربة التنقيب في تلّ اللاّشعور، وليس عبئاً أن الراوي يشعر أنه في أثناء الكتابة عن تجربته  أنه كان يثابر فيها ويتحمس لها ما أن يصبح عنده مادة جديدة بشأن علاقته بليلى وفاتن . فهي التجربة المانعة الجامعة التي تتجسد فيها كل مسارات حياته، المعلنة والسرّية، وليس عبثاً أيضاً أنه قد أنهى كتابه عن التجربة التحليلية قبل أسبوعين عاش خلالهما مهملاً ذاته.. لحيته طويلة.. والسواد تحت عينيه بفعل الأرق.. مرحلة انتقالية راكدة لم تظهر خلالها علامات «التطهير» و«التحوّل» والتخفّف من تثبيتات وعقد ومخاوف المرحلة السابقة، فيكف بزغت نتائج العمل التحليلي؟ وبأي «شيء» اقترنت؟ ومن الذي أثارها؟
لقد تحقق الانتقال بعد حضور «ليلى» وإظهارها الفزع من هيئته الرثة وإعلانها – مهدّدة – إنها مستعدة لتضع كل شيء في الميزان لتختاره هو لا الدراسة. يقول الراوي : «قبلتها من رأسها وخديها وأصابعها وقلت لها برقة لكن بحزم : اسمعيني يا حلوة.. أنا قوي.. أصارحك القول إنني أكتب عن تل الزعلان.. كتبت وأنا في مرحلة المراجعة.. يجب أن أنتهي وأتحرر منه . أريد أن أنتهي من هذه الرؤية المفزعة لكي أهنأ..(ص361)» وبعد أن غادرته «ليلى» «بزغ» التحول وكأنه تجلٍّ صوفي، وهكذا تبزغ تحولات اللاّشعور وكأنها هبوط من وحي، لكنه وحي يشرق من الداخل.. غادرته «ليلى» فحلّت عليه فكرة الاستحمام مثل نور مفاجئ أضاء إرادته.. بدأ يتحرك برشاقة ساحرة غير معهودة.. عامل جسده، كمخلوق عزيز.. ولأوّل مرّة لا تصيبه فكرة خبيثة كونه يغتسل ممارساً شعيرة غسل قبل الدفن.. لقد قبل الفكرة كإمكانية اعتيادية لوجوده.. وبخلاف الذعر السابق كان يغني.. ولأول مرّة أيضاً ينام بعمق من دون أحلام ولا اضطرابات.. وفي الصباح كان يتحرك بخشية وورع طارداً من رأسه عينين مبتسمتين في خبث.. هاتان العينان هما عيني «قرينه» النفسي الذي أتعبه طويلاً.. كان يعلق على أفعاله وينكد عليه حياته، قرين يعبّر عن تمزق هيئاته النفسية الثلاث: أناه وأناه الأعلى و ” هواه ” – «راجع الصفحات 241، 245، 270، 279.. وغيرها» – . وغالباً ما يأتي التطهير اللاّشعوري في لحظة التحام صوفي بالطبيعة/الأم حيث يعود الطائر «العمودي» ليلتحم بأفقه الأمومي، يتذكر تحت تأثير يقظة الطبيعة.. رعدها العنيف.. وضوء برقها الهائل.. ومطرها الغزير.. هكذا تأتي «ولادات» اللاّشعور الانبعاثية عادة.. تُسقط على حركة الطبيعة بانفعالها الاحتفائي «الأمومي» الهائج.. ويستعيد ذكرى ذات اللحظة الكونية التي فاجأتهم – «برهان وزهير وهو» – ويتدفق في صدره المديح العاشر لـ«ريكله» كما أسلفنا.. «راجع ص363 – 365» من الرواية. يقول الرواي: وقد تطهّر وأشرقت أمامي عيني بصيرته – وفي ظل الاحتفاء الكوني: «في هذا اليوم المطير بعد سنوات من العزلة أعيد تفسيرها مع حالة اغتسال كاملة، بعد أن تيقنت من الرؤية المفزعة التي أود الانتهاء منها، أن كلماتها لا تسمّي أملاً ويأساً قاطعاً، بل هي تستدرك بشكوكها الأصلية إلى ما ورائها من خبرة لا يثق بها إلاّ من امتحـن بسـره الشخصـي وإيـمانه المزعزع، ومن عرف بخشية أنه ملاقٍ ما ضاع منه بعد فوات الأوان، بلا أسف وندم ومقاومة..(ص364)»، وبلا أسف أو ندم أو مقاومة.. وعبر رحلة تنقيب عجيبة في أعماق تل اللاشعور –  الزعلان دائماً – الرهيبة.. يترك «فؤاد» الراوي.. من دون أن يدري وبفعل تطهيري مرير باهظ الثمن حفزاته المحارمية ليختم الرواية بالعودة المباركة إلى مطلقته التي أحبّها.. «فاتن».. فيقول: «قمت من مكاني بمعرفة هادئة بنقاهتي القديمة التي لا تنتهي واتجهت إلى الهاتف، كان في قلبي كلمتان: أحبك.. أحتاجك»..
في روايته الأولى «التل» – وقد تكون الأخيرة –لأنني أعتقد أنها استنـزفت كل طاقاته في محاولته المستميتة حلّ صراعاته الممزقة المستترة بغطاء سلوكي هادئ ووديع أتعبه كثيراً – أعطانا «سهيل سامي نادر» درساً بليغاً في الكيفية التي ينبغي – حفاظاً على سلامتنا النفسية والعقلية – أن نبادر بها في الحفريات المضنية والخطيرة في أعماق تلال لاشعورنا الخطيرة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.