تابعنا على فيسبوك وتويتر

قلعة طاهر رواية الزمن المنسي

هدية حسين

حسن السلمان في روايته (قلعة طاهر) الصادرة عن دار نينوى، يزيح الستار الكثيف من غبار الزمن ويكشف لنا ما اختبأ في جنبات تلك القلعة من علاقات غامضة ومحظورة كانت تدور من وراء تلك الصرائف أو في داخلها وفي الدواوين والمضايف، يُخرج لنا الغاطس ويضيئ العتمة ويدق باب النسيان ليدوي من خلال حزمة حكايات لمجموعة كبيرة من الشخصيات التي كان لها “شنة ورنة” مثلما يقول المثل الشعبي، أو تلك المهمشة والمهانة بفعل قانون الحياة في تلك الحقبة التي كان شيوخ الإقطاع هم من يمسك بالرقاب ويسيّر عجلة الحياة.
تدور أحداث رواية (قلعة طاهر) في زمن الملكية في العراق، الى ما بعد قيام الثورة في العام 1958، شخصياتها الرجالية: الشيخ طاهر كبير قومه، وأخوه الشيخ طوفان النزق الذي لا يتوانى عن فعل الفواحش، والسركال عبد المجيد، وعباس الشقيق الأصغر للشيخ طاهر وماهود الناطور ومرهون السائس وناظم المعلم وراهي العبد، ومجموعة شخصيات لنساء يأخذن الدور الثاني أو الهامشي في الرواية ليسندن بناءها، ومنهن، الشيخانية أم طاهر، وزهرة وجليلة وزينب وسعيدة ووسيلة ونعيمة وحورية ودينار، ويلاحظ أن جميع الشخصيات تسير بقدر محسوب فلا بطولة مفردة بل حياة منسوجة مثل سجادة بألوان متناسقة تؤلف وحدة لحياة كاملة.
قبل الدخول الى عالم الرواية أضاء الكاتب العديد من المفردات الشعبية التي ترد في الحوارات، وحسناً فعل، من يعرف من أهل المدن على سبيل المثال ” الطابك والصفك والمناتيش والكراديل واللولة والكواهين والكوك الله والخضرمة والمهاويل والفواتي والمصخنة والزرّة والدوشتة والدوارة؟
الحوارات جميعها ترد باللهجة الريفية الموغلة بمحليتها في منطقة القلعة بمحافظة ميسان، ولو كانت تلك الحوارات باللغة الفصحى لفقدت الرواية مصداقيتها تبعاً لنمط الشخصيات التي اختارها حسن سلمان وهي شخصيات في أغلبها لا تقرأ ولا تكتب ، يجري الحوار يسلاسة على سجيتها التي عُرفت بها، أما الزمن فيُدير عجلته ويعود بنا الى تلك الأجواء التي أحكم الروائي قبضته عليها، حكايات وحكايات، حزينة وموجعة وطريفة تؤرخ لحقبة من تلك الفترة حين كان الجنوب بقبضة حفنة من الإقطاعيين، يسيرون شؤونه بحسب أهوائهم ومنافعهم، يمقتون المدينة لكنهم لا يتوانون عن زيارتها بحثاً عن الملذات التي يفتقدونها في محيطهم الضيق.
يمسك حسن سلمان بأدواته ويبني شخصياته بإتقان، يغور في أعماقها ويجلي نوازعها، يكشف عن المكان بكل تفاصيله فيصبح جزءاً مهماَ لا إطاراً يحيط بالشخصيات، بل ينازعها البطولة في عمل ابتعد كثيراً عما هو مطروح من موضوعات في روايات الوقت الراهن.
قلعة طاهر، سيرة حياة ورصد للتحولات السياسية والاجتماعية، بكل ما فيها من عادات وتقاليد وطقوس متوارثة وحكايات عن العشق والثارات والغدر والاستعباد والانتفاضات بوجه الظلم والحب النقي الذي لا يجد له متنفساً في دائرة العشيرة والأفكار المتحجرة.. وأبدع الكاتب في وصف الطبيعة بأرضها وأشجارها وأنواع طيورها حتى لتكاد تشم روائح الحندقوق والكوك الله والخرّيط، وتتذوق طعم السيّاح والطابق المصنوعين من طحين الرز، بل ستشارك الغربان وهي تحتشد في الفضاء عويل النسوة عندما تًقتل نعيمة غسلاً للعار، وجعل كل ذلك جزءاً لا يتجزأ من الأحداث.
والرواية لا تقف فقط عند ذلك المكان الميساني الغارق بالظلام والمكبّل بالعادات وسياسة الإقطاعيين الجائرة، بل تنتقل في جزئها الثاني الى المدينة (بغداد) فتنكشف في ذلك الزمن لكل من جاءها زائراً أو هارباً، بشوارعها وأسواقها ودكاكينها ومغازاتها وخاناتها وأمكنتها المنزوية لإخفاء دور البغاء التي لا تخفى على أحد، ويورد الكاتب أسماء بعض الشخصيات التي تركت أثراً في النفوس، ومنها شخصية الطبيب العراقي اليهودي داود كباي، الذي كان يعالج الفقراء مجاناَ بل ويعطي النقود لكل محتاج، وقد انتقل من العمارة الى بغداد وظل الفقراء يقصدونه من تلك المدينة الجنوبية ويضع البعض على باب عيادته الحناء تماماً مثل ما يحدث لأبواب الأولياء الصالحين.
القلعة التي كانت شامخة بنظام شيوخها وطغيانهم، لم تعد، في نهاية الرواية سوى بقعة من الأرض ضاعت فيها معالم المضايف والصرائف، وقف عليها الشيخ طوفان بعد زمن طويل مستذكراً، يحدد لابنه الشاب مواضع بيوتهم وصرائفهم، يحكي عن زمن كانت له سطوته، في زمن آخر لم يعد له فيه ذلك الشموخ وتلك العنجهية، مجرد رجل مسن لا حول له ولا قوة على حمل نفسه وذكرياته.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"