د زهير الخويلدي : حركة مرور الأفكار التنويرية في الوضع الثقافي العربي

حركة مرور الأفكار التنويرية في الوضع الثقافي العربي
د زهير الخويلدي
وجدت الأفكار التنويرية الكثير من العسر في الدخول إلى الساحة الثقافية العربية والانغراس في التربية الناطقة بلغة الضاد وفي ممارسة التأثير على العقول والتحول إلى مستوى تغيير الذهنيات والسلوكيات. لقد نتج عن ذلك تعثر التجارب النهضوية الرائدة وفشل محاولات الإقلاع وعودة المكبوت وتراجع دور العقل والتجربة العلمية في مواجهة الجهل والخرافة وضعف الإقبال على المطالعة والتأليف والترجمة والتعليم.
لقد سادت تخوفات كبيرة في الأوساط الثقافية الوازنة من ارتباط المدونة الأنوارية بالنظريات الاستشراقية الاستعمارية والتصورات الفكرية المتمركزة على ذاته والمحتقرة للثقافات المغايرة والباحثة عن الهيمنة والانتشار والاستغلال وتصاعدت الأصوات المنبهة من صلة حركة التنوير بالمادية والانحلال والعدوان.
لهذا السبب تتعطل حركة مرور المبادئ التقدمية من شريحة اجتماعية ما إلى شريحة أخرى وتنقطع عن وظيفة الوصل بين الأجيال وتتحول إلى قوة تدميرية وحاضنة للفساد والإفساد وبؤرة تبعية وموالاة للغير.
لقد اقتصر مسارات التحديث والاستنارة بالمعنى المعولم على النخب المسيطرة وشرائح اجتماعية قليلة متعاونة معها في عملية المراقبة والمعاقبة للمجتمع بطريقة انضباطية إكراهية وظلت بقية الفئات الشعبية تتحرك ضمن التصورات التقليدية وتتبنى رؤى محافظة وتراثية للكون وضحية هيجان النزعة الماضوية.
والغريب إن قيم التقدم والحرية والعدالة والمساواة والتعايش والاختلاف والسلم والتسامح والمدنية تساهم في رقي الغرب وإشعاعه الحضاري بينما تتسبب في الحالة العربية في ارتكاب الجرائم الفضيعة وممارسة الهمجية والتخلف والتفاوت والظلم والعبودية والتماثل والتحارب والتعصب وتفضي إلى الفوات والجدب.
لقد وقفت الثقافة الغربية في بعدها السلطوي الرسمي موقف المتفرج من افرازات التصور الامبريالي للكون وساندت الاستعمار والتمييز والاستيطان ونهب ثروات الشعوب وتعطيل حقوقها في النمو واللحاق.
فأين الخلل؟ وماهي العوامل التي جعلت المعايير تنقلب رأسا على عقب ؟ وما الحل للخروج من الورطة؟
توجد العديد من العوامل التي ساهمت في تشكل هذا الوضع العلائقي المشوه والمشبوه من جهات ثلاث:
المرسل: التنوير الغربي يحمل العديد من الأحكام المسبقة المتحاملة تجاه الشرق والإسلام والعرب ومافتئ يصدر جملة من المواقف على الصعيد الرسمي يكشف فيها عن حقده الدفين ونهجه الرافض للآخر الحضاري ويتجلي ذلك في منزلة الفلسفات والعلوم والآداب العربية في التاريخ العالمي وتغييبها المقصود.
المرسل إليه: حدوث تجارب تنوير أصيلة في الثقافة العربية بصور متفاوتة وغير منظمة وتحكمها في الذهنية المنتجة للمعرفة والمحددة للقيمة وتحولها إلى سياج مقاوم لكل دخيل ووافد وطردها لكل مغاير.
كما شهدت الوساطة بين المرسل والمرسل إليه غياب النظرة المتكافئة بين الحضارتين وتشكلت وساطيات منقوصة ومعاملات استعلائية وتبادل صور مشوهة ومغالطات تاريخية وتنافسا كبيرا على ريادة البشرية.
من هذا المنطلق يجدر إعادة النظر في العلاقة بين الشرق والغرب والقيام بعملية غربلة للأفكار التنويرية والرؤى الوافدة وتخليصها من كل الشوائب والإمراض المستعصية والعقد الدفينة وإزالة الكراهية والحقد وطلب الاعتذار بالتعويل على الضمائر الحية من المثقفين الغربيين والقوى المنصفة من المجتمع المدني .
من جهة مقابلة يستحسن إعادة بناء المنارات المشعة على الثقافة العربية من الداخل بالفضيلة والحكمة والخير ووصلها بالعلوم الأصيلة واستئناف الاجتهاد والتجديد والخلق والابتكار والإنشاء في حقولها وأروقتها ودوائرها والدفع باشكالياتها إلى حدودها القصوي وتأويل دلالات نصوصها على أنحاء شتى.
بهذا المعنى لن تصبح حركة تنقل الأفكار التنويرية في شبكة الدروب الثقافية العربية يسيرة إلا إذا تم تشييد وسائط رمزية متينة تربط بين المكونات المعرفية للذات الحضارية ووقع إعادة تأهيلها للمنافسة العالمية. فمتى يقوم المثقف العضوي في الحالة الراهنة بدوره التاريخي في النقد والالتزام والتطوير وينخرط بشكل فاعل في مقاومة التردي والتفويت والتصدي للمشاريع التطبيعية والبرامج التربوية والثقافية المعدلة جينيا؟
كاتب فلسفي

شاهد أيضاً

ماهي الأنوار؟، ميشيل فوكو
ترجمة د زهير الخويلدي

الترجمة: ” في الوقت الحاضر، عندما تطرح إحدى الصحف سؤالاً على قرائها، فإن الأمر يتعلق …

د زهير الخويلدي: في الفرق بين الإرادة الشعبية والنزعة الشعوبية

” الشعبوية تفسد الوضع الحالي بينما تقدم نقطة انطلاق لإعادة بناء نظام جديد” أرنست لاكلو …

فن التفكير ضد الذات، لقاء مع بول ريكور
ترجمة د زهير الخويلدي

تمهيد: “كتبت في الكلمات: “غالبًا ما كنت أفكر ضد نفسي”. لم يتم فهم هذه الجملة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *