الرئيسية » نصوص » اسعد الجبوري : الممحاة ألبوم الأرواح

اسعد الجبوري : الممحاة ألبوم الأرواح

الممحاة
ألبوم الأرواح

اسعد الجبوري

دون كيشوت: هل تحبُ الغناءَ يا سانشو؟
سانشو:أجل يا سيدي الدون.ومن شدّة حبي بالألحان، أشعرُ وكأنني قد سقطتُ من رحم أمي على أسطوانة من الموسيقى.
دون كيشوت:أنت متطرف يا سانشو.
سانشو:متطرف .كيف عرفت ذلك يا سيدي الدون؟
دون كيشوت:كنت قد أردت سؤالك عن نمط الأغاني التي تعشقها،ففاجأتني بقنبلة من العيار الثقيل،فصرحت بأن أمك أنزلتك من رحمها على سطح أسطوانة!! أليس في ذلك تطرفاً ؟
سانشو:معك حق يا سيدي الدون.فكلّ من يدلي بدلو الحقيقة يحترق من الصدق وفصاحة اللسان على الفور.
دون كيشوت:الأغاني مثلها مثل المستشفيات يا سانشو .ألا ترى في ذلك محلاً للإعراب ؟
سانشو:الأغاني مستشفيات! كيف يحدث ذلك يا سدي الدون؟
دون كيشوت:لو كنت من العاشقين،لأدركت أن لك في كلّ أغنية امرأةً ،إما أن تنوح عليها هائماً من الشغف،أو هي تنوح عليك ،وكأنك عِظام رجلٍ مبعثر في قبر مفتوح .
سانشو:وما الفرق ما بين القبر المفتوح وبين القلب المفتوح يا سيدي الدون؟
دون كيشوت:كلاهما بلا أرواح.فالقبر المفتوح يا سانشو غير قابل للسكن إلا للذئاب .فيما القلب المفتوح ،فإنما هو محطة مترو ،كلما حاولت الأرواحُ الفرار منها،سرعان تتعثر بالسقف ،وتنهار أرضاً.
سانشو:وما علاقة عباس بدباس يا سيدي الدون؟!!
دون كيشوت:العلاقة ما بينهما هو الطيران ليس إلا .
سانشو:وما علاقة الطيران بالغناء يا سيدي الدون؟
دون كيشوت:ما بين الاثنين علاقةٌ وطيدة .تذكر هذا يا سانشو ،فالأغنية التي لا تدفعك للطيران،تترككَ غارقاً بدمعك في الهاوية .
سانشو:هل الموسيقى للبكاء؟
دون كيشوت:عندما يكتبُ الشعراءُ الأغاني،فإنما هم يشقون في الأنفس جروحاً،سرعان ما يأتي الملحنون ليخيطوا تلك الجراح.
سانشو:والمغني أو المغنية .ماذا يفعلون؟
دون كيشوت:يأتي المغني مترجماً للأنين الذي تخلفهُ حافتا الجرح،حيث لا لزوم للقطب،بقدر ما تفرضه الحاجة إلى الخياطة أو الغرز.
سانشو:أجل يا سيدي الدون.فأنا ومنذ أن وضعتني أمي على تلك الأسطوانة،ما زلتُ محتفظاً بالإبرة وخيوط النايلون استعداداً لمصائب الغناء.وبصراحة ،فأنا وكلما انتهيت من سماع أغنية ،سرعان ما أهرعُ لغسل جرحي بالماء والصابون ،بينما تنهمكُ أصابعي بالتقاط أدوات الخياطة الجاهزة.
دون كيشوت:هذا جميلٌ يا سانشو.وحقاً،أنت تستحق أن تفتح مستشفى موسيقي للأغاني من أجل المعالجة والتطبيب.
سانشو:وأنت ماذا ستفتح يا سيدي الدون؟
دون كيشوت:أنا سأحمل على ظهر حصاني كلّ القتلى الذين انتصرت عليهم في أرض الطواحين. أجل يا سانشو .سأتحف مستشفاك بالقتلى .ذلك وعدٌ مني.
سانشو:وماذا تراني سأفعل بهم ،إذا كانوا من القتلى يا سيدي الدون؟
دون كيشوت:تُسمعهم من الأغاني ما تستحقهُ قلوبهم .فمن كان منهم عاشقاً،ستراهُ يرفسُّ الموتَ بقدمه،وينهضُ من الرميم لحماً حيّا ليرقص على سقف الأرض.وإذا ما حدث لهم العكس،اتركهم جثثاً ،فما على المفرّغين من العشق إلا الجحيم.
سانشو:يا لك من معلم عظيم.ولكن قُلْ لي يا سيدي الدون ،بأية جامعةٍ تعلمت كل هذه الفلسفة ؟!
دون كيشوت:تعلمتها من الأناشيد الوطنية،منذ كنت في بطن أمي.فالأوطان يا سانشو،لم تعد تعلم أحداً شيئاً سوى الصراخ بأمجاد الماضي التليد.
سانشو:لقد فهمت كل شئ.ولكن ما معنى تليد يا سيدي الدون؟!!
دون كيشوت:يا لك من تابع بليد يا سانشو.ألمْ تسمع أحداً يخبرك من قبل،بأن معلمك دون كيشوت يَتَمَتَّعُ بِمَجْدٍ تَليدٍ ؟
سانشو: أبداً.فكلّ من اجتمعت بهم في المدارس والطواحين والصحارى والحانات والمدافن،كانوا يوصفوك بأبي الرمح التالد ليس إلا .
دون كيشوت: وهكذا هم على صواب. فالرمح التالد،هو الرمح الأصيل الذي طالما تشققت الطواحين والأبدان بسهمه الأسطوري.ذلك السهم الذي لا يقتل ويشل قوة الأعدقاء،بل ويدوّن أعظم صفحات تاريخ الجنون أيضاً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *