هشام القيسي: الأسئلة والنهار؛ رؤيا في انطولوجيا القصة التركمانية العراقية المعاصرة

هل تم التعبير عن الزمان والمكان والشخوص والأجواء ضمن شحنات ترتقي الى مستويات التواصل والأضافة والعبور الرائع ؟ وهل أفلح السرد في الأجابة على تساؤلات الذات والموضوع بكيفية تتواءم والأهتمام المطلوب ؟ وهل إن التحولات في العلاقات ومحاوراتها كانت حجماً ومساراً ضمن حقيقة تجذير المنحى الأبداعي باتجاه صيرورة تستمد ديناميكيتها من نظرة جديدة متجددة؟ 0 أسئلة وأسئلة تتوافد على الذهن ونحن نقرأ الجهد المحمود الموسوم ( اوان الورد في كركوك – أنطلوجيا القصة التركمانية العراقية المعاصرة ) من إعداد الأديبين الكبيرين د 0 نصرت مردان ود 0 محمد عمر قزانجي 0
بداية لابد من الأشادة بالروح الموضوعية في عمليتي التقصي والمتابعة التي بذلت من قبل المعدين الفاضلين في سبيل إخراج منجز أدبي له أهمية وامتداد على صعيد الأدب العراقي بوجه عام والتركماني بوجه خاص ، وعمل كهذا يعد فاتحة واعية لدراسات وأعمال لاحقة ستساهم بحكم اليقين في إثراء وإغناء مسيرة الأدب التركماني في العراق 0 كما إن الدراسات التي تقدمت هذا المنجز هي بحق إسهامات جليلة لاستحقاقات إنسانية مطلوبة تنم عن رؤى نافذة في عمليات التتبع والتتابع وتجذير الحقائق الموضوعية والفنية 0 ولاشك فان الأمانة التي طبعت متن الدراسات والحيوية التي إتسمت بها المتابعة الواعية ، قد منحت القاريء العربي بشكل عام والتركماني بشكل خاص فكرة مضيئة عن هذا الجنس الأدبي ومستويات تعاطي الأدباء التركمان معه فهماً وأداءُ 0
لقد إعتمد المعدان المعيار التاريخي كعنصر دال على المسيرة الفنية للقصة التركمانية وآفاق تطورها ، وترتيب النتاجات ومعطياتها وفق هذا المنوال ليمكنا القاريء من إدراك مسيرة التطور وبالتالي إستلهام مترشحات العلائق والصور الداخلية والخارجية عبر الأرهاصات والتجاذبات والرؤى وهذه سمة إيجابية اخرى تضاف للكتاب 0
إن التجارب الحية والمتحولة على ضوء الوعي الفني الساطع تقودنا الى الطبيعة الأشراقية للكاتب وعدته وقدراته الأصيلة في عمليات الصراع وتركيب الأحداث وتصميم هيكلياتها ومساراتها عبر مبنىً وتحليل وحوار غني وجاد 0 وقد قدم الكتاب نماذج وتنويعات وصياغات هي أقرب الى فهم الواقع المعاش ومديات التعامل الموضوعي والذاتي من نقيضه ، فمع الأقرار بتباين المستوى الفني وتكامل العدة القصصية ، فان المسار العام يكشف الهموم الخاصة ومشاهد التفاعل بابعادها لتضم بالنتيجة أحاسيس وإرهاصات وتوهجات إنسانية عبر آفاق متلازمة متتالية 0

إن القراءة الواعية لقصص الكتاب بدءاً من قصة ( الغازي الجريح ) للقاص فتحي صفوت قيردار وإنتهاءً بقصة ( من يكره البحر ) للقاصة سلمى أبلا مروراً بنماذج كتابات العقود الأربعينية والخمسينية والستينية ( موسى زكي صابر ، هاشم قاسم الصالحي ، صبحية حليل زكي ، علي معروف أوغلو ، شمس الدين طاهر خانحي ، قحطان الهرمزي ، حسن كوثر ) والسبعينية ( شيرزاد بابا أوغلو ، صباح حسن نجم ، نصرت مردان ، محمد عمر قزانجي ، فاضل ناصر كركوكلي ، جلال بولات ، قاسم آق بيراق ) والثمانينية ( صباح زين العابدين طوزلو ، كمال بياتلي ، نرمين المفتي ، صالح جاوش أوغلو)  وما بعدها من العقود تشير الى الحقائق التالية : –
1- إن أواصر التداخل والأمتداد يمكن رصدها في آليات تعاطي الكتاب وخيالاتهم عبر تجارب وأبعاد مدعومة بوعي وقدرة على التعامل والتفاعل وبمستويات متباينة 0
2- إن النضج الفني والفكري بتفاصيله ومميزاته يناسب جدل معضلات الحاضر عبر جوهر الماضي ومعادلات إكتشاف الذات والموضوع 0
3- كذلك فان الثبات في حركة الزمن إزاء تموج دورة الحياة يعبر عن مدى التطابق بين المستويين الداخلي والخارجي وهنا يكمن الصدق الفني رمزاً وإيحاءً في عملية تمثيل الذات ومشاغل العصر والمجتمع ، لاسيما الهموم الآنية والمستقبلية 0
4- إن الشرائح المتناولة هي صور لبعض ملامح الهوية الأجتماعية والنفسية ، وهي بالضرورة إمتداد درامي لآليات التطلع الأجتماعي وإهاصاته ، وهي بلا شك تأصيل للتأمل بملامح واقعية وحية 0
5- وتبقى الرؤية وسطوعها وخصبها كترشح لمرحلة تأريخية أو فاصلة تأريخية تتطلب مساحات من الصراع والأمل يرافق الشخوص والأحداث وبما يعكس جدية وثراء فهم الكاتب ، وهذا مانجده في قصص تمنح وهجها وبريقها منذ الوهلة الأولى 0                                           

       وأخيراً نقول إن القصة القصيرة كجنس متفاعل جامع لبقية الأجناس الأدبية تشكل شهادة
       تتناسب وتطلعات الأنسان عبر مستويات تعبيرية وسياقات قيمية مترشحة عنها ، محاوراً
      وأحداثاً ، وتبقى ملازمة لتدفق الحياة الأنسانية ، ونعتقد أن كتاب ( اوان الورد في كركوك )
      قد تضمن هذه المسارات والتوجهات العذبة 0 وهو بلا شك إضافة غنية ومؤسسة لمنهج
      أدبي جمالي وتأريخي 0

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.