الرئيسية » ملفات » علاء لازم العيسى : وجوه وأسماء في شعر كاظم الحجّاج (ملف/8)

علاء لازم العيسى : وجوه وأسماء في شعر كاظم الحجّاج (ملف/8)

إشارة :
تحية مخلصة من أسرة موقع الناقد العراقي للإبداع الأصيل والحداثة الملتصقة بالتراب العراقي الطهور والموقف الوطني الغيور المنتصر لآلام العراقيين المقهورين، واحتفاء بمنجز شعري ثر باهر ما يزال – ومنذ عقود طويلة – يهدهد جراحاتنا بأنغام روحه العذبة الموجعة، تتشرّف أسرة الموقع بإعداد هذا الملف عن الشاعر العراقي الكبير “كاظم الحجّاج” ، وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

وجوه وأسماء
في شعر كاظم الحجّاج
علاء لازم العيسى

من الأسئلة التي طالما طرحتها على نفسي كمتخصّص في كتابة السيرة ، هي : هل بوسعي التعرّف على حقيقة أديب ما ( شاعر ، قاص ، روائيّ ) ؟ وإذا كان ذلك ممكناً فما هو أقصر الطرق لذلك ؟ هل أكتفي بما كُتبَ عنه من قبل الآخرين ، أم يجب عليّ أن أتوجّه إلى ( وثائقه الأصلية ) والمتمثلة بكتاباته (( فإنّ للكلمات الفعلية التي كتبها الإنسان المعني نفسه نغمة معيّنة وظلاً معيّناً من الأهمية لا يحفظهما أي سبك جديد لتلك الكلمات ))( ) ؟ .
وبما أنّ هناك ترابط عضوي وحميمي بين مسكن الإنسان والشعر عند العرب ، فبيت الشعر يضمّ الكلام ، كما يضمّ البيت أهله ، لذلك سمّيت مقاطعه بالأوتاد تشبيهاً بأسباب البيوت وأوتادها ، وإنّ كلمة (( القصيدة )) تشير في القواميس العربية إلى (( العظم ذي المخ )) ، وهو ما يشبّه القصيدة بالنسيج من الكلام المكسو بالمعاني ، وقد يُراد بالقصيدة القصْد أيّ الاتجاه والرغبة الشديدة بالإمساك بالحقيقة ، وربّما الاقتصاد ، أي إلغاء المسافات بين أنا الشاعر وبين التقاط المعاني ، أو بين أنا الشاعر وبين المتلقّي ، يجب عليّ إذاً أن أخوض غمار بحر كلمات الشاعر الإنسان كاظم الحِجّاج ، وأعرض مضموناً واحداً من مضامين شعره ، وهو تنوع الوجوه والأفراد في شعره .
××××××××
إنّ الذي يقرأ لشاعرنا الحِجّاج يشعر أنه يقف أمام إنسان من طراز خاص ، يشعّ إنسانيةً واحتفاءً بالحياة :
(( لبّيكَ !
أطفئ بركانَ الحرب ، وأوقد للخبزِ التنّور !
لبّيك !
اجعل عين الصيّاد الأعمى ،
تخجلْ من عين الحوت !
واجعلني إنساناً يا ربّي !
إنساناً : من مسمار النجّار الأول في مهدي ،
حتى مسمار التابوت )) ( رسالةُ العين )
فالحِجّاج إنسان رافضٌ للدم ، أو شبه الدّم ، وإن كان من حبّات الرمان :
(( وطفولتنا ـــ حتى الآن ـــ
تبكي من ذبح دجاجات البيتْ
بل حتى مِن فعْصِ
كريّات دمِ الرمّان ! )) ( نشيد النخلة )
وهو خجل من نفسه لأنه لم يدفع الموت عن الناس ـــ في يوم ما ـــ بفعل أو قول :
(( يا ربُّ !
أعد أرواحَ القتلى والقديسينَ الشهداءَ
إلى هذي الدنيا ..
واجعلنا نخجلْ منّا في المرآة )) ( رسالة العين )
××××××××
ينقسم أبطال قصائد الحِجّاج وشخوصه إلى أربعة : فرد عقلانيّ حر يمتلك أنا مفكرة واعية ، يتمسك بأصالته أمام مختلف المؤثرات والتيارات ، يتحرك ضمن خلفية تاريخية مدركة ، يتعامل مع الإنسان كإنسان ، ينخرط ضمن اتجاه معيّن واحد اسمه الوطن :
(( مدّد رجليكَ عروقاً إلى الطين
وكُنْ أنتَ نخلتكَ ، تكن نخلتنا
اسمعْ نشيدَ (( موطني )) أوّلاً
وانظر هل تبكي مثلي ، أو لا تبكي
تأكد من عراقيّتِكَ بالدّمع !
ليس عراقيّاً من لم يُبكهِ الحسين
مَن لم يُبكهِ وهبُ النصرانيّ وأمّه
مَن لم يُبكه (( موطني ))
ثبّتْ الدمعِ عراقيتكَ أوّلاً ؛
ثمّ كُن مَا تكونْ :
كُن قرمطيّاً . كُن خارجيّاً كُن علويّاً . كُن
عُمريّاً ..
كُن كلّ هؤلاءِ ، لكن مكشوفَ الوجه )) ( انظر بعينٍ من نهرين )
ففي هذه القصيدة إيمان عميق بـ ( الوطن / الحياة ) ، وبخلود النوع ، فدورة الحياة تأبى السكون ، وبالرغم من نقاط الاختلاف بين الجماعات والأجيال ، واختلاف التجارب والشجون ، لكن يبقى الارتباط بالوطن هو القاسم المشترك ، وهو ملح الأرض ، ولولا هذا الملح لتعفنت الأرض .
فرد يتخطّى حدود الأنانية ، ويرفض التكيّف مع الواقع ، ويحلم بمستقبل أفضل ، فيضحي من أجل أن ينتشر الحُبّ ، في الأزقة والبيوت والمقاهي :
(( فرحي قليلٌ في المرايا
ولأنني أحببتهُ ؛
كسّرتُ مرآتي
ليكثر .. في الشظايا )) ( أجزاء المرآة )
××××××××
وفرد مسحوق مهزوم مستسلم لقوى التسلط الشمولية ، يذكي آلة حربها ، لم يحتجّ ولم يذرف دمعاً ، فراح يكفّر عن فعلته :
(( لا أزرع من أجل الأكل ،
ولا للزينة ،
لكنّي أزرع تعويضاً !
ـــ ماذا تعني ؟
إنّي رجلٌ خاض الحرب
أتذكّر أنّي ــ وأنا أتقدمّ أو أتراجع
في الأرض الأخرى ــ قد دِستُ وروداً
وقطعتُ ، لأجل التمويه ، غصوناً
لا أدري كم كانت
ورأيتُ النخلَ يُقصُّ
ولم أحتجّ ولم أذرف دمعاً )) ( لقاء إذاعي مع العريف )
××××××××
وثالث الوجوه يعدّ جزءً من ذاكرة المدينة ، ورمزاً من رموز الانبعاث والتجدد فيها ومن بقايا الزمن الجميل ، إنّه ( تومان ) ذلك الرجل الأسمر ، الذي كان يمشي ويتلوى ويُضحك المارين في أزقة العشّار والبصرة ، في ساحة أم البروم وسوق الهنود ، وعند مداخل صالات السينما ، وهو يعزف بطريقته الخاصة بناي صُنع من قصبة جنوبيّة بصريّة ، كان فرقة موسيقيّة كاملة ، إذ كان يعزف ويغنّي ويرقص بنفس الوقت ، ويمارس حريّته على أتمّ ما يكون :
(( الطبلُ يتكتكُ خطوتنا ، نحنُ البصريين ،
والرقصةُ عدوى ..
أرأيت الحصبة في مدرسة للأطفال ؟
ـــــــ ـــــــ ـــــــ
(( تومانُ )) الحُرُّ الأوحدُ بين البيض
والأسرعُ عدوى بين السود ،
عملاقٌ أثبتُ من فحل الكنطارِ
ولكنْ .. هاتِ العود! )) ( نشيد النخلة )
(( لأنني أريد هذه المدينةْ
دائمة الشباب
فلن أصدّقَ الإشاعة
التي تقول :
(( تومان في السبعين ! )) ( تومان البصري )
××××××××
أمّا الوجه الرابع من أناسي الشاعر كاظم الحِجّاج فهو طارئٌ على المدينة ، عابثٌ ، يدّعي القداسة ولا قداسة ، فيه ما فيه من القبح والشرّ والخواء ، نصب نفسه قاضياً ، وهو أحقّ بالمقاضاة :
(( يا أيّها الهائجونَ الصغار !
أتركوا توبةَ الناسِ للناسِ ، لا تقتلوا الخاطئين !
كانت ( رابعة العدويةُ ) راقصةً … أو أكثر !
لكن لم يقتلها أحدٌ ، حتى امتدّ بها العمرُ
فصارت ( عذراءَ البصرة ! ) .. )) ( صلاة على ما تبقّى )
××××××××
أخيراً ، فإنّ الأستاذ كاظم الحِجّاج شاعر عراقيّ كبير ، متعدد القدرات ، صاحب لغة رشيقة ، وصور منتقاة ، وإنّ منتجه الشعري على قدر من الإتساع والتنوّع ، بسبب استفادته من كلّ شيء قرأه ، أو رآه ، أو عاشه ، أو سمعه ، وسيبقى شاعراً مبدعاً ولن يتقاعد يوماً :
(( قلبي لم يكبر ، وما زال بحجم الكفّ ،
قلبي لا شعر له كي يَبْيضّ
وقلبي لم يتوظّفْ ، منذُ ولادته ،
ولذا لن يتقاعدَ يوماً ! )) ( في آخر الليل أهذي لأولادي )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *