عبد الكريم كاصد »: أنا لست الشخص ذاته في كل تجربة !
حاوره: علي الدميني (ملف/5)

عبد الكريم كاصد »: أنا لست الشخص ذاته في كل تجربة !
علي الدميني
“أنا لست الشخص ذاته في كل تجربة … كل تجربة خلق لي واكتشاف لم أفكر به من قبل ..وإلا ما فائدة عمل لا يبعث المتعة والفرح .. كل قصيدة هي فرح غامر .. تجل لواقع جديد.. لروح جديدة.. الشعر فرح مطلق حتى لو كان حداداً..”
لو أن عبد الكريم كاصد ، كان منشغلا على حقل إبداع القصيدة الشعرية وحسب ، فإن الشعراء كانوا سيستقبلون كلامه هذا بتعاطف سري يجمع بين نقابية المنتمين إلى مهنة واحدة وبهجة احتكارهم لشفرة فهم العالم من حولهم، والعمل على تغييره بالشعر، ولكننا نعرف أنه مثقف عضوي متشعب الاهتمامات . ومبدع متعدد التجليات، ولذا علينا أن نأخذ كلامه على محمل الجدية والإنصات، لأنه بهذا التصور يمنح الشعر موقعاً شمولياً يحتضن الفلسفة، والفكر والعمل ، ويتماهي مع أهم مرتكزاتها، الموقنة بقدرتها على الإسهام في إثراء حالة وجدانية مسكونة بالفقد ، يتحسسها الفرد وهو يصارع قسوة الظروف وسطوة العالم من حوله !!
وفي هذا الكتاب “ الشاعر خارج النص “ يقودنا الناقد التونسي “ الجموسي “ إلى تفاصيل مختبر الشاعر ومنطلقاته، حيث لا يذهب “ عبد الكريم كاصد” إلى أتون كتابة النص الشعري تحت تأثير خصوبة الشعرية وحدها كموهبة ، وإنما يأتي إليها من حقول معرفية واسعة تضافرت لاغناء تجليات منجزه الشعري، وأنساق جمالياته وإحالاته ، و تراكمت من معطيات طبيعية، و ثقافية ، وخبرات حياتية.
وفي هذا الحوار ( الكتاب ) نتعرف على تلك البذور التي شكّلت متن النص ومرجعياته، بدءا من : “ سيرة الشاعر، عبر” أبواب الطفولة” في قرى البصرة، و” الطريق إلى عدن ، وما بعدها “، حتى يدخلنا في تفاصيل أكثر عمقا بالحديث عن “ حوار الشعر والفكر “ و “مساحات الشعر اللامتناهية” ، وعن “ تأملات في الوطن والمنفى “ و تداوليات قصيدة النثر ،وسؤال الحداثة، ، ليشتغل على كل تلك التجارب والاهتمامات ، بما توفر عليه من عدة معرفية ، وخبرة جمالية ، تأنّقت في مختبر تحصيل معرفي جاد وفسيح، تمثل في إطلاع عميق على التراث الأدبي العربي، وتخصص في الفلسفة، وعلم النفس، و الأدب الانجليزي والترجمة ، ليتجلى فيما عرف عن الشاعر من تعدد مجالات الكتابة و الإبداع ،شعراً ، ونقدا، وسردا وأعمالا مسرحية .
وبالرغم مما يحاصرني به حيز النشر هنا، إلا أنني سأمنح نفسي فسحة الاستمتاع ، بقراءة عابرة ، لفضاءين يستحقان الإشارة إلى عناوينهما الرئيسة، وهما : “ آرثر رامبو والبركان العدني” ، و”حوار الشعر والفكر “ ، لارتباطهما بجوهر تجربة الشاعر “ عبد الكريم كاصد “ واشتغالاته.
أ – مخيال “ رامبو “ في عدن
يرى كثير من الشعراء والنقاد ، أن فكرتهم عن “رامبو “ أكبر من مطالعتهم لشعره، وأن شائعة “رامبو” ، لا شعره، هي الأكثر تأثيراً في تخليد اسمه، كما يرى آخرون شعريته في حياته ، وتطرف التعبير عنها ،” كما لو كان عابراً في الجحيم “،ويذهب الشاعر “محمد علي شمس الدين “ إلى أن أهم ما في حياة “ رامبو “ ليس مجموعة أشعاره، بل سيرته الحياتية، وأنه إلى حد ما هو أقرب من “ديك الجن الحمصي “ في اللغة العربية ، وأنه مناخ أكثر مما هو نصوص شعرية.
أما كوليت مرشيلتيان فقد أوضحت بأن “ (هذا الرجل المنتعل للريح) ، الذي كتب عنه كل الشعراء ونقاد القرن العشرين ،نزل عليه المديح والهجاء من كل صوب .. المديح طاول شعره ، والهجاء حياته، التي اتسمت بالفوضوية والشذوذ “( موقع المشكاة).
فما الذي منح “رامبو “ هذا الموقع الخاص في تجربة الشاعر “ عبد الكريم كاصد “ ؟؟
ربما كانت الجغرافيا جزءا من هذه المصادفات ، إذ تصبح عدن في جنوب العالم العربي، بوابة لحضور المحيطات وتراسلها مع مكونات أرجاء العالم، مستمرة في لعب دورها كحلقة وصل بين ا لشعوب، و مخلدة مكانها التاريخي القديم ، والحاضر ( آنذاك عام 1977م)! بحضور تجربتي “ رامبو “ و”كاصد” على صخورها البركانية !
“ لم يكن الزمن في عدن بالنسبة إليّ زمناً متعاقباً . كان زمناً مليئاً بالإشارات إلى ماضٍ يحضر بقوة ، يشبه الحاضر ولا يشبهه.:غزوات ، أقوام ، حروب ، تجار أسلحة ، مهربون ، وشاعر عاش مثلي هنا ، هو “ رامبو “ يشبهني ، ولا يشبهني …حضور الماضي في حاضر “رامبو “ ، وحاضري ، (كتاب الشاعر خارج النص ، ص 96) .
هنا جاء إلى عدن “ رامبو “ ، “الذي ظل خالداً ، لا بأشكال إبداعاته الشعرية وحدها، وإنما بجدّة مضامينه … لقد غنّى الفرح في انتصار “ كومونة باريس “ ، وغناه بعد سقوطها ، ولعله فرّ من أوروبا التي لا يتذكرها إلا باشمئزاز” ( الكتاب : ص 100)، وهنا أيضاً يشير “كاصد” إلى أن غموض “ رامبو “ لم يكن “آتياً من فراغ المعنى أو تشويشه ، بل من اكتظاظه وتداعياته ، وتجربته الحياتية الغنية التي تختصر عصراً بمآسيه و مجازره وتحولاته !” ( ص 101).
وبموازاة تجليات التجربتين ، نستذكر أيضاً أن “ عبد الكريم كاصد “ قد هرب من بروق “ أحلام الجبهة الوطنية في العراق – التي أرادها النظام السياسي آنذاك لتدجين صوت المعارضة في عام ( 1975م ) – وما نجم عنها من انتهاكات ، ومجازر ، ليتأمل الشاعر نفسه وهو لاجئ سياسي في “عدن” يعيش في بيت، سكن بالقرب منه من قبل “ رامبو” ، بكل محمولات الدلالات و التبعات !!
ويقول الشاعر في تشابه التجربتين “
“ نعم كان لتشابه التجربتين دخلُ كبير في ذلك : كان رامبو يسكن على مقربة من سكني، يرى ربما الأشياء ذاتها، ويعلن ضجره الشبيه بضجري، ويعيش مشاعر متداخلة من المحبة والكره في آن واحد، تاركاً للمحبة من الظّل ما يحجب جحيم شمس عدن التي يسميها ( الصخرة البشعة ) ، ..مسكونا بالمجازر التي خلفها وراءه .. مجازر الكومونة، مثلما كنت مسكونا بها حين قدمت إلى عدن .” ( ص 103).
ويؤكد أيضا :كان “رامبو “ حاضراً بصمته في قصيدتي “ هجس “ حين قلت :
“أنت مائدتي
وابتهاج المريض بعافية الزائرين
أنت وقع الخطى في النهار
وأفراح عائلتي
أنت صمتي أحاوره
وانتظاري في الصمت
والصرخات الخبيئة في رئتي
أنت فوق طريقي رنين خطى العابرين “..
وكما يقال “ لم يخترع “رامبو “ الشعر، ولكنه اكتشفه في غير المكان المعهود الذي تتربى فيه القصائد”، فستغدو هذه الصفة علامة على ما يراه “كاصد “ في شعر رامبو”، حيث استرعت اهتمامه موضوعات “رامبو “ غير المألوفة ، لا أشكاله، فجدّة المضامين، تمنح الشعر شعريته، ومباركته للحياة حتى وهي في أوج مأساتها ، ويضئ “ كاصد” هذا المعنى قائلاً:” رامبو يمتلك رهافة السطوع- وليست الوضوح – حتى في شعره الغامض… ثمة صفاء مدهش وسطوع أبيات تضئ ظلمة القصيدة وتملؤها بالصمت . ثمة مفاتيح صغيرة أحيانا ، ما إن تملكها حتى تفتح الباب مشرعاً على ضوء المعنى الذي يضئ ما حوله من ظلمة القصيدة :استدعاءات طفولة لا تستنفد ، وحنق وسخرية ورؤى هي “إشراقات “ حقاً ( الكتاب- ص 100) “

*عن صحيفة عكاظ

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *