ناجح المعموري: عري الذاكرة والانفتاح علي لحظة الموت

تميزت رواية عري الذاكرة بتعدد شخوصها وتنوعها علي الرغم من الوحدة الفكرية التي أضفت عليها طابعا أو ملمحا واحدا، فكل الشخوص محكومة بتراتب العلاقة الاجتماعية والسياسية والموقف من الاحتلال والثورة، وتبدت محاولة الروائي للإمساك بوحدة الشخوص المتماثل صعبة للغاية، لأن هذا يستدعي الحفر فيها والكشف عن طبقات جديدة تميز الواحدة عن الأخري، وكان صعبا العثور علي فوارق جوهرية بين كل من زيد وزياد ويسري وسالم، لأنها موحدة بخط ثقافي واجتماعي واحد، لعب دورا بارزا ي اقتراح وحدتها وصياغة التماثل فيما بينها،وكان التماثل الإطاري بين الشخوص عائقا أمام تطور المسار الداخلي للعمل الفني وظلت زحزحات المتن بطيئة لأن العناصر المتماثلة أضاعت الرواية فرصتها ولم تمسك بها إلا في لحظة انبثاق الاختلاف واتساع المكان الذي خلق حركته ولعب دورا في تطوير العلاقات الاجتماعية السياسية، والتي عمقت العناصر الداخلية للبناء السردي وحققت الرواية طفرة متصاعدة متنامية علي الرغم من تمركز الميلودراما في السرد، الميلودراما التي أوجدها القاص حتي يؤسس انفراجات لعلاقات شخوصه مع بعضها وتبدي للقراءة بأن الشخوص وعناصرها المكونة ووظائفها هي من مقترحات القاص وأحيانا يلجأ إليها بحثا عن منقذ يأخذ سرده نحو فضاء جديد لكنه غير مختلف وهذا ما كشفت عنه التوقعات الطارئة والمؤمنة بين زيد ورباب وتنامي ما يشبه الميلودراما وصعود المخاوف إلي فترة قصيرة لكن القاص اقترح لها حلا مفاجئا، تتوفر له فرص المنطق السردي وضروراته المنطقية، وظلت الشخوص البعيدة قليلا عن مركز العمل الوطني والسياسي ذات دور ثانوي وهامشي ولم تتعمق علاقتها مع الشخوص الأخري وخصوصا الوالدين حيث تكرست علاقة زيد معهما في حدود الإطار الأسري لذا كانت وفاة الأب محاولة من القاص لخلق حس ميلودراما وضع نهاية لبؤرة سردية مهمة في العمل لأن العائلة تمتعت بإطار اجتماعي ملحوظ في الرواية واندفع القاص إلي رسم نهايات اقترحها هو ولم تكن تطورا فنيا لعلاقات النص الداخلية، حتي كانت نهاية الأب مفاجأة جدا وغير منتجة فنيا وأراد القاص أن يرسم صورة لملاحقة الفلسطينيين بالقدرية إضافة إلي ملاحقة الاحتلال له فبعد وفاة والد رباب انطفأت حياة والد زيد.
ليس هناك من أمر أقسي من الموت حين دخلت أم زيد علي عادتها نهض مذعورا وقد أحس بأن أمرا جللا قد حدث حاول أن ينسحب من دون أن تحس به رباب، لكنه لم يفلح، سأل أمه عما حدث انفجرت بالبكاء هرول نحو والده كان ممددا علي سريره رفع رأسه وقربه أمه أخذها بين ذراعيه، وانفجرا بالبكاء، اقتربت رباب أخذت أم زيد وخرجت من الغرفة أحس زيد بأن عليه تحمل المسؤولية سحب الغطاء علي وجه والده أغلق الباب عليه، ص 168.
أغلق علي الأب باب الحياة، والذاكرة وانتهت رحلته الطويلة لأن الفرصة الصاعدة هي مجال الابن كي يأخذ دوره الاجتماعي والسياسي بديلا للأب المحكوم بنمطية الحياة والعمل المتبدية من عمله اليومي التقليدي.
ويبدو بأن القاص اسعد الأسعد قد اختار انفراج عمله الروائي وانفتاحه علي لحظة تحقق الموت والمفارقة ولذا نجد ميتات عديدة مختلفة لكل من أبي كمال والد رباب والد زيد، وقد أثرت في تطور الحدث الروائي وخصوصا وفاة والدة ووالد رباب، لأن الانفراج الحكائي قد تحقق وهذا ما حاولت الرواية التحرك باتجاهه، لقد حصل زواج الاثنين وإعادة الوحدة الثنائية بين رباب وزيد، وكان تحقق الحلم الثنائي بالزواج وإخصاب رباب تطورا سريعا فيا لعم .
لقد انتصر الزوج في تحديد اسم الطفل متمتعا من خلال ذلك بسلطته الثقافية الذكورية التي وحدها المخولة باتخاذ القرار والتزمت رباب الخطاب الأنثوي موقفا صامتا، معبرة به ومن خلاله عن استجابتها لمقترح الزوج وعدم قدرتها علي المعارضة أو الاختلاف مع رغبتها بمنحه اسما مغايرا وربما كان اسم والدها ووالده كنية له، لكن الأب لم يجد أهم من سالم اسما لطفله.
سالم رفيقه، ومعلمه السياسي وبهذا فقد أومأ القاص إلي مستقبل زيد سياسيا وبات معروفا للقارئ.
وتميزت شخوص الرواية أسعد الأسعد بكنياتها وكانت معرفة بأسماء خاصة ولذلك دلالة فنية وفكرية واضحة لأن منح التسمية للمولود إعلان عن ابتداء حياته وإشارة إلي كينونته (إن تسمية الشيء هي عملية خلق له،وإنه لا يوجد شيء بلا اسم، فاسم الشخص أو الشيء تمثيل حقيقي له ومن لا اسم له هو ضرب من الهبولي، وحين دعا آدم اسم امرأته حواء فلأنها أم كل حي)، كما أن الاسم ممنوح للطفل ينطوي علي حلم الأب بالبقاء سالما، أي أنه فاض بشرية المعني علي الرغم من أن التسمية غير كافية لإضاءة الشخصية وعناصرها ووظائفها،والتبديات الوحيدة القادرة علي رسم ملامح الشخصية وفي أحيان كثيرة تكون الكنية تزيفيه مخادعة .
هيمن الخطاب الذكوري في الرواية وربما بسبب الفعل السياسي الوطني وكأن المرأة غير قادرة علي أن تلعب دورا متناظرا مع دور الرجل في الكفاح السياسي والمسلح، لذا كانت صورتها ضعيفة وهامشية بما في ذلك رباب، ومغادرة المرأة عن المتن الحكائي سريع ومبرراته الموضوعية ضعيفة،وهذا ما أكدته علاقة زيد مع زينب التي ارتبط معها بعلاقة حب أسست قاعدة من الاتفاق السياسي بين الاثنين لكن زيدا افترق عنها بعدما قرر العودة إلي الداخل الوطن(الأم) وانتهت العلاقة الثنائية بينهما تلك العلاقة التي ظلت ضاغطة عليه وانتهت في السجن لأن العزلة والقطيعة مع الخارج تدفع الذاكرة إلي الحركة والانسيابية واستعادة الماضي ولم يجد آنذاك غير استعادة لبيروت المقترنة مع زينب،وذاك الاستذكار فتح مجال شعريا أضفي طاقته دلالية علي المكان الخارجي، بيروت،ومكان الداخل السجن.

شاهد أيضاً

دفاتر قديمة
مترجمون عراقيون لروايات عالمية
ناطق خلوصي

ترجم مترجمون عراقيون العديد من الروايات العالمية وتوقفوا في المقدمات التي كتبوها عند جوانب مما …

ندوة أحلام عمّانية
بقلم: منى عساف*

في رابطة الكتّاب الأردنيين وفي قاعة غالب هلسة كان اللّقاء مع الكاتب زياد جيوسي بمحاضرة …

بولص آدم: اللون يؤدي اليه (3) (ملف/14)

إشارة : “ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”. يهمّ أسرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *