محمد جعفر : طور الشطراوي وأسطورة الغناء الريفي..داخل حسن (ملف/3)

إشارة :
” رحل بلبل الريف العراقي ” .. هكذا وصفت وكالة رويترز رحيل المطرب العراقي الكبير “داخل حسن” الذي صار صوته وبحّته الشجية جزءا من الوجدان العراقي . يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تعد هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الكتبا والقراء غلى المساهمة فيه بالمقالات والصور والوثائق.

طور الشطراوي وأسطورة الغناء الريفي..داخل حسن
محمد جعفر

تقول الحكمة السومرية المكتوبة بالخط المسماري على لوح الطين، حيث ما تغمر المياه الارض ينمو الخير وتخرج أجنحة السعادة الى الوجود، هكذا يتجلى الارث الحضاري للجنوب العراقي الذي شيدت على ارضه أهم الحضارات البشرية مثل السومرية والبابلية والاكدية، فقد ظل الغناء الريفي في جنوب العراق متأثراً بالبيئة التي احتضنته بسهلها وخصوبة ارضها، لذا تجد الصورة والمفردة الشعرية في غناء الابوذية..

ذلك الغناء الحزين في نكهته وكلامه مما شبه بغناء وموسيقى الفلامنكو الاسبانية في حكم الملك فرناندو وزوجته لذا كانت الابوذية تعكس صور الاضطهاد والتعسف الذي يعانيه ابن الجنوب.

ويذكر احمد المختار استاذ الموسيقى في جامعة لندن أن الاطوار الريفية ومفردها طور، جاءت من كلمة دور وجمعها أدوار وتعني المقام وعدد الاطوار الريفية في العراق كثير منها ما أندثر عبر القرون بسبب عدم التوثيق ومنها ما يزال يستخدم الى يومنا هذا مثل طور الحياوي نسبة الى اهل الحي في محافظة واسط. وطور الملائي نسبة الى الطقوس الحسينية الملائية وطور الطويرجاوي نسبة الى المطرب عبدالامير الطويرجاوي الذي ينتمي الى مدينة طويريج في محافظة كربلاء وطور الغافلي وطور الصبى وطور العياش وطور العنيسي والشطيت والمحمداوي وطور الشطراوي المنسوب الى قضاء الشطرة في محافظة ذي قار. وطور الشطراوي من الاطوار الجميلة جداً وغناه مطربون كبار امثال حضيري ابو عزيز وناصر حكيم وجبار ونيسة وشهيد كريم وسعدي البياتي ومطربون كثيرون. لكن الذي أبدع في ادائه هو الفنان داخل حسن، وداخل شخصية فنية اشتهر في تأدية الغناء الريفي وبالاخص طور الشطراوي وغنى الى شعراء كبار في مجال الابوذية كالشيخ عبدالحسين الحياوي الذي يقول:

دكلي اسيلك يا دمع ونداك

غدو ما يسمعون أبچاك ونداك

لون همي بجبل چا ساح ونداك

تشظه وكل ركن صار بنويه

الراحل الكبير داخل حسن وعازف الكمان الشهير فالح حسن

 

ولد الفنان داخل حسن علي الغزاوي في قضاء الشطرة عام 1909 وبدأ حبه للغناء وهو في سن التاسعة وبعدها رحل الى الناصرية للعمل في تصليح الزوارق «المشاحيف» وبعدها عين في سلك الشرطة ولم يترك الغناء الريفي وبعد ان اشتهر في محافظة ذي قار سافر الى العاصمة بغداد بعد ان سبقته شهرته في الغناء الريفي تقدم للعمل في دار الاذاعة ونجح نجاحاً باهراً وغنى اشهر الاطوار الريفية واصعبها وكان يمتاز بحنجرة قوية ونفس طويل مع بحة شجية في صوته، تحمل في ثناياها الشجن والحنان حيث استخدم ذكاءه رغم انه كان امياً وكان يختار الاغاني التي تدخل الى قلوب مستمعيه. يبدأ بعصر مسبحته كـــــلما زادت انفعـــالاته في الغناء، واتخذ من المسبحة جزءاً من الآلات الموسيقية التي ترافقه في الغناء وغنى بحزن اهل الجنوب وصدق مشاعرهم اشهر الابوذيات للمرحوم الشاعر عبيد الحاج ياسين منها هذه الابوذية المشهورة:

عيونه كبل شافه شتمني

وعكلي الچان ثابت شتمني

أنهجم بيتچ يروحي شتمني

اتمنين الذي يصعب عليه

وبعدها غنى

يا طبيبي اصواب دلالي كلف

لا تلچمه بحطة السماعه

بعد دكات الكلب ما تنعرف

تنكطع ما بين ساعه وساعه

ومن اغانيه في طور الشطراوي اغنية «اهنا يمن چنه وچنت»

أهنا يمن چنه وچنت

جينه وكفنه ابابك

ولف الجهل ما ينسي

اشمالك نسيت احبابك

وله ايضاً اغنية غريب بهل البلد

يقول الشاعر علي مهودر الحمراني هذه الابوذية من طور الشطراوي

الاخو ما ينخلف بالضيج ينظم

الشعر بس كون اله يا خوي ينظم

العنده اخوان لا تعتقد ينظم

يظل مرتاح ودياره زهيه

ان داخل حسن هو أول من قدم للغناء الريفي المعروف بالدويتو قبل 40 عاماً مع المطربة الريفية ريم في أغنية (لو رايد عشرتي وياك/ حچي الچذب لا تطريه/ ادور اعله الصدك يا ناس/ ضاع وبعد وين الكيه).

في طور الشطراوي يقول الشاعر مالك السوداني هذا الموال:

من جار بيه الوكت ما جاز عني وعدل

أشكثر دربي وعر لاچن مشيته عدل

صدكني عشت العمر لا ميت ولا عدل

من حيث هذا الزمن ما ينصف بوعدلك

ماتوا لك هواي هم واحد أجه وعدلك

چذاب هذا الوكت صداك لوعدلك

وچذب المصفط صدك كون المخربط عدل

والفنان داخل حسن عندما يغني كانت آهاته تخرج من اعماق قلبه وبقي في مستواه رغم مرضه وكبر سنه. يقول الحاج زاير الدويج عندما داهمه المرض، ووصلت منيته:

وحك التين والزيتون والمن

أجروحي الطابن من سنين والمن

السدر والچفن والكافور والمن

كبل طرت الفجر يسرون بيه

وقد تأثر بداخل حسن كثير من المطربين ولكن الذي أجاد في اغانيه الفنان حسين نعمة والراحل رياض احمد.

وسجلت اغاني الفنان داخل حسن على اسطوانات لشركات تسجيل صوتي كبيرة ومشهورة عالمياً مثل شركة سودا وكولومبيا وچقماقچي ووجهت له دعوات من خارج العراق الى سوريا ولبنان ومصر ودول الخليج وكانت له حفلات كثيرة في هذه البلدان وبثت له الاذاعات العربية اجمل اغانيه الريفية وبجميع الاطوار وكان له الفضل الكبير في انتشار الاغنية الريفية العراقية والتي ابقاها على مستواها الفني من حيث الجودة ورخامة الصوت ومن اغانيه المشهورة:

1- يا ماخذين الولف 2- عمي يبو عيون السود 3- أجلبنك 4- اهنا يمن چنه وچنت 5- يا طبيب اصواب دلالي كلف، واغان كثيرة من الاطوار تقدر بـ185 أغنية في حياته الفنية.

وبقي في مستواه الفني حتى ايامه الاخيرة من حياته حين وافته المنية عام 1985 وعند رحيله ترك فراغاً كبيراً في الساحة الغنائية الريفية الاصيلة.

رحم الله الفنان داخل حسن

شاهد أيضاً

ا. د. قاسم حسين صالح: في مثل هذا اليوم غادرنا الوردي ليكون منسيا!
تعريف لشباب وثبة تشرين و آخرين (ملف/23)

إشارة : احتفاءً ومراجعة ونقدا للأفكار الجريئة والريادية للمفكر العراقي الدكتور (علي الوردي) الذي وصفه …

الأستاذ الدكتور وليد المرّاني: التوقعات الوراثية لمصير كوفيد-19

Genetic Expectations for COVID-19 الأستاذ الدكتور وليد المرّاني أستاذ شرف جامعة بلمث في بريطانيا 11 …

بعد مرور 48 عاما على اغتيال غسان كنفاني
الرجال ما زالوا في الشمس
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

تحيل رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس” إلى مأساة شعب بكامله، بدأت عام 1948، ولم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *