فريد الله ويردي .. رائد التأليف الموسيقي في العراق (ملف/6)

فريد الله ويردي ..
رائد التأليف الموسيقي في العراق

بقي التيار الخفي لارادة الفن التأليفي في العراق يهدر برغم الافتقار الحقيقي لاساتذة بيداغوجيين، ويمكن القول ان ارتفاع صوت التأليف الموسيقي في العراق كان داخل غرائز الموسيقيين العراقيين الكبار، وفي مقدمة هؤلاء بلا جدال، الموسيقار فريد الله ويردي الذي طواه الموت وغيب وجوده الارضي فأبداعه الموسيقي لم يكن رمزاً انسانيا حسب بل كان علامة شاخصة لارادة الاقوياء – فكراً-

ونزعتهم نحو الارتقاء بملامح الصورة الفنية الى حيث تلاقي أوسع دائرة من المهتمين. وتستطيع الاذن المدققة ان تكشف في موسيقى فريد الله ويردي الهوية العميقة للقماش او النسيج الذي ينشىء منه هذا الفنان مادته الموسيقية، لقد امن فريد الله ويردي طوال حياته الموسيقية بالواجب (التأليف الموسيقي) وكرس وجوده بانفعال كما هو مألوف فيه، لمتابعة سريان المثل الاعلى الموسيقي، ولاشك انه سيعد اشغال نفسه بغير التأليف الموسيقي بمثابة تنازل لايليق به عن عرشه، ان اعمال فريد الله ويردي النموذجية هي اشعارات في الفن التأليفي الموسيقي العراقي، بل هي قمته بلا جدال، تلك التي تتبدى تباشير فجره، على انها صورة لذلك الدعك العظيم لموهبة فذة في فن التأليف الموسيقي العراقي لانظير لها في كل الحقب التي مرت بالعراق كان هاجس فريد الله ويردي في موسيقاه هو تحاشي الانحطاط في المقدرة على الاختيار الذاتي ففي عصره لم يكن اي احد من الموسيقيين الذين يتجهون صوب اتجاهه يعرف حقا مايعنيه التطور الروحي في الموسيقا، لقد حزم امره هذا الموسيقار الصامت والدؤوب على ان يعيش كليا خارج مايحيطه من رعب وضغط واكراه ! لقد أتمت حياة هذا الفنان مجراها على ضوء وجودها المتأدب وكانت احاسيسه وانطباعاته جميعا هي احاسيس شعبية وانطباعات بيئية لان موسيقاه كانت تحفل بالمسافة التاريخية والديمومة والهم المشترك طيلة المدة التي قضاها يؤلف وينجز ، رغم ان الظرف السياسي طوال اكثر من نصف قرن والى الان يسمح لدنآت التطاول على مبدعين مثل فريد ويردي في الموسيقى وبدر شاكر السياب في الشعر وجواد سليم في الفن التشكيلي وسواهم! ولد فريد الله ويردي من احشاء التحدي في العام 1924 التحق بكلية الحقوق وتخرج منها في العام 1948 وكان تخرجه من كلية الحقوق دافعا للإفادة من مسيرة النهل من علوم الموسيقا التي سيطرت على لبه، فقد

فريد الله ويردي اثناء جمع التراث الموسيقي الشعبي العراقي

كان يواصل دراسته في معهد الفنون الجميلة حيث تخرج فيه وكان يعتصره شعور بان دراسته للموسيقا في بغداد تظل ناقصة! لذا قرر السفر الى باريس للحصول على اكبر قدر علمي في الدراسة المنهجية للموسيقا، وايضا لكي يتخصص في الاقتران بعلوم المعرفة البرنامجية للهارمونية. ادرام الهارمونية والبوليفونية أتقن العزف على آلة (الفيولا) كما ان شعوراً باطنيا قد طغى وميضه على عقله الداخلي ، أدرك من خلاله ان الهارمونية والبوليفونية(علم انسجام الاصوات) و (علم تنافر الاصوات) هما جناحا التأليف الموسيقي البرنامجي، لذلك بعد عودته من باريس ألف بتمكن رباعية وترية والرباعية هي قالب موسيقي لاربعة الات قوسية وترية وهي (كمان أول، كما ثان، فيولا وجلو) ووقت ظهور هذه الرباعية 1953 كانت الحياة الفنية العراقية تخلو من التفكير بأرهاصات التطوير التأليفي في الموسيقا، لذلك أفتقرت الى العمق والسعة والامتداد والثقة بالغريزة المبدعة، لكن المقاصد المكونة للحوافز تتقدم في باطنية فريد الله ويردي لتكون توابع تدور في فلك الانجاز عند فريد الله ويردي ، لذلك كان يتابع عن كثب مايدور في مصر من حركة انجاز للموسيقا التأليفية على يد نخبة من الموسيقيين من امثال (يوسف جريس، ابو بكر خيرت ، جمال

مجموعة موسيقى الحجرة التي أسسها الموسيقار فريد الله ويردي

عبد الرحيم، حسن رشيد) وسواهم، لذلك قرر السفر الى موسكو لدراسة التأليف الموسيقي وأمضى هناك مدة من الزمن أعقب ذلك السفر الى الولايات المتحدة الامريكية لمزيد من الدراسة للموسيقى وكان الهاجس الذي دفع فريد الله ويردي لمثل هذه الرحلات العلمية هي التمكن من الجانب الاكاديمي بشقيه النظري والتطبيقي في الدراسة الموسيقية وعندما عاد الى بغداد إنهمك في سلك التدريس في معهد الفنون الجميلة وفي أكاديمية الفنون الجميلة ، الى جانب عمله في المؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون آنذاك ، حيث أسهم اسهاماً فعالا في تأسيس أول مكتبة موسيقية متخصصة بالمسح الميداني وهذه المكتبة تحولت فيما بعد الى مركز للدراسات الموسيقية الدولي التابع لدائرة الفنون الموسيقية. وفي لقاءات جمعتني مع الموسيقار فريد الله ويردي في بيته امتدت طويلا ألمح لي على نحو خاص الى انه يمتلك العديد من المؤلفات الموسيقية تلك التي لم تر النور لاسباب يعرفها الجميع، وهي ظلامية الظروف التي مرت بالعراق وعوامل وأد البوادر الحضارية تلك التي تتفجر هنا وهناك على ان الطابع الذي يسيطر على مؤلفات فريد الله ويردي هو ابراز الظواهر الجمالية في البناء الموسيقي والقالب الموسيقي حيث غلبت عليه الروح التصويرية وكانت الجوهر الحقيقي لاعماله. على اننا لاننفي ان امكانات التأليف الموسيقي في العراق تضمحل، كلما وجدنا ان الدولة تتراخى في الدفاع عن الجانب الجمالي في الموسيقى وتزداد الحالة سوءا عندما نكتشف افتقار المعاهد الموسيقية الى اساتذة أكفاء وطغيان الركاكة والميوعة على اجهزة البث الفضائي والتلفزيوني والاذاعي وتفشي المحسوبية وغياب المناهج التربوية في الدراسة الموسيقية ونقص درجة القابلية للفهم والادراك، كل ذلك وغيره ادى الى شيوع التقهقر في الاتجاه نحو الموسيقا الرفيعة ذات البرنامج وهذا مما حدا بالناقد الموسيقي الراحل اسعد محمد علي الى ان يطلق على فريد الله وردي لقب رائد التأليف الموسيقي في العراق، ونضيف ان فريد الله ويردي لم يكن موسيقيا حسب بل كان مفكرا في الموسيقى أشغل نفسه بكل شيء يمت للموسيقى بصلة على الصعد الزمنية والتاريخية والانسانية لم يعرف دعة او راحة او قناعة وهو في مسعاه العظيم للوصول الى جوهر عمله التاريخي في فن التأليف ويلمس نوازعه الى المسافات والاعماق فالروح الجليلة التي تلبست فريد الله ويردي بقيت رزينة رائعة عميقة في شخصه الغائب.

شاهد أيضاً

ا. د. قاسم حسين صالح: في مثل هذا اليوم غادرنا الوردي ليكون منسيا!
تعريف لشباب وثبة تشرين و آخرين (ملف/23)

إشارة : احتفاءً ومراجعة ونقدا للأفكار الجريئة والريادية للمفكر العراقي الدكتور (علي الوردي) الذي وصفه …

الأستاذ الدكتور وليد المرّاني: التوقعات الوراثية لمصير كوفيد-19

Genetic Expectations for COVID-19 الأستاذ الدكتور وليد المرّاني أستاذ شرف جامعة بلمث في بريطانيا 11 …

بعد مرور 48 عاما على اغتيال غسان كنفاني
الرجال ما زالوا في الشمس
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

تحيل رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس” إلى مأساة شعب بكامله، بدأت عام 1948، ولم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *