جميل الشبيبي : قصائد مجيد الموسوي شرارة حنين في سراج مهمل (ملف/4)

قصائد مجيد الموسوي شرارة حنين في سراج مهمل
ينتمي الشاعر العراقي مجيد الموسوي إلى جيل ستينات القرن العشرين في العراق على الرغم من أنه لم ينشر نصوصه الشعرية إلا في السبعينات، لكنه كان واحدا من الشعراء البصريين الذين وعوا وجودهم في مدينة البصرة، مدينة الثراء الثقافي والشعري والحضاري وكان لهذا الوعي تأثيره الواضح على إنجاز مسيرته الشعرية.

الشاعر يستذكر يوم سنمار وثور أشور وتاج زنوبيا وليلة لشهريار
انضم الشاعر مجيد الموسوي إلى جيل الشعراء والأدباء الذين ظهروا ونشطوا في ستينات القرن العشرين أمثال حسين عبداللطيف، عبدالكريم كاصد، مصطفى عبدالله، كاظم الحجاج، محمد طالب محمد، مهدي محمد علي، إسماعيل الخطاب وعبدالخالق محمود.

وفي القصة محمد خضير وإسماعيل فهد إسماعيل، وكاظم الأحمدي، ومجيد جاسم العلي، وعبدالجليل المياح وغيرهم ممن تتلمذوا على جيل أصيل ومثقف في الثقافة البصرية والعراقية في الشعر: بدر شاكر السياب، سعدي يوسف، محمود البريكان، وفي القصة: محمود عبدالوهاب، ومهدي عيسى الصقر.

بدأ الموسوي النشر في فترة مبكرة من سبعينات القرن العشرين إلا أنه لم يصدر سوى أربع مجموعات شعرية هي “مخاطبات العشب”(2000) و”يقظة متأخرة” (2002) و”دموع الأرض” (2013) و”لتأخذني أقدامي حيث تشاء”(2014).

تخوم الرومانسية

في التجربة الشعرية التي يقدمها الشاعر في ديوانه الرابع “لتأخذني أقدامي حيث تشاء”، الذي يضم 75 قصيدة يبدأ من حيث انتهى وكأن هذه هي رحلته الأخيرة، يستذكر فيها وحدته وأحزانه المقيمة وأحلامه وصبواته التي لم تتحقق. يقول الموسوي “الليلة/ أجلس وحدي منتبذا/ حيران أراقب كيف تغادرني السنوات”.

يبقى مجيد الموسوي شاعرا رومانسيا بامتياز على الرغم من تقلبات الزمان، وانتقالات القصيدة العراقية والعربية في تخوم ابتعدت عن أصولها العربية وتناصّت مع كل جديد، وقادم من عوالم أجنبية.

وتتجلى رومانسية الموسوي في لغته الشفيفة التي تغترف مفرداتها وجملها الشعرية من نفس صافية، وبموسيقاها الهادئة وبالأسئلة المحيرة التي لا تجد جوابا فتبقى معلقة في فضاء القصائد، وفي نداءاته وخساراته المتمثلة في أصدقائه الراحلين، وفي قدرته على فتح بوابات الحلم وسط ضجيج الحياة ودناءاتها.

القصائد تغلب عليها لغة المناجاة والنداءات والأسئلة عن جدوى أن يعيش الإنسان وسط إشكالات الحياة وأيامها الرتيبة
كل ذلك تحمله لغته الصافية وهي تتماهى مع الانبهار بعالم الطبيعة وانسجام كائناتها، فهو لا يرى سوى هذا الانسجام المبهر في البرعم والطير “وطبول البريق الضاحي” وأن يسمع “صمت الريح في متاهة المدار” وأن يرى انهمار الألوان متدفقة بين السماء والأرض، يمسك بأطرافها وهي تفر من يديه.
ورومانسيته العذبة لا تتوقف عند جمال الطبيعة وأسرارها بل تتحرّى في الزوايا، وفي منعطفات الطرق عن حالات إنسانية يعذبها وجودها وهي تنتظر الموت في أفق غائم وتساؤلات مبهمة عن رحلة آخر العمر، وهي أسئلة تنافس وتناقض أجواء البهجة والسرور بأجراس الطبيعة وحيوية كائناتها، لتمثل رحلة معاكسة تجاه العالم الآخر الذي ليس فيه سوى الوحدة والوحشة “أستيقظ مأخوذا بهواجس لا أعرف مصدرها/ تأتيني منتصف الليل، ترى كيف ألملم روحي المرتعبة ونداءات المجهول الوحشي؟”.

تبدو قصائد المجموعة الجديدة، شبيهة إلى حدّ كبير بقصائده التي كتبها في أوقات متباعدة، إذ تغلب عليها لغة المناجاة والنداءات والأسئلة عن جدوى أن يعيش الإنسان وسط إشكالات الحياة وأيامها الرتيبة وأحداثها الأسيفة، وعن جدوى ضمور الإنسان وتآكله يوما بعد آخر “ما الذي قد جرى لي، إذن ما الذي قد جرى لي؟ إنني أتآكل شيئا فشيئا” مع أنه كان يردّد دوما “رجل أحب الناس والدنيا وأعشق خضرة الكلمات صافية”.

مجيد الموسوي يبقى شاعرا رومانسيا بامتياز على الرغم من تقلبات الزمان، وانتقالات القصيدة العراقية والعربية في تخوم ابتعدت عن أصولها
لكنه في قصيدته “لتأخذني أقدامي حيث تشاء” يتطلع بعين الريبة والاستهجان للحياة التي لا تحمل سوى الغم والرياح المحملة بالحصباء والسيول التي “لا تجرف سوى أطرافي” متوجها إلى الشعر كملاذ أمين، يحرره من خفة اللغة وهشاشة المعاني، منتزعا الفؤاد من قفص الصدر ليرميه “في التيار الأعمق الهدار، التيار الذي يحفر مجراه معربدا ويملأ الأقاصي بالزبد”.

وكي يتخلص من هذا الشعور الطاغي بالخسران، وثقل الزمن على الذات المرهفة في هذه الثنائية المدمرة، يستدير ويتلفت من أجل أن يجد جدوى أو سلوانا، فينشد للشمس التي تطلع فتضيء الكائنات، ويرى العصافير ترفرف، ويمني نفسه ببيت في أقصى المدينة “تغمره الشمس إذ تستدير مواربة والظلال تتخافق من جانبيه”.

يقول محمد خضير عن قصائد هذه الرحلة الشعرية إنها “تقدم شرارة الحنين في سراج أهملناه هو سراج التساؤلات الطفولية الذي يستوي ضوؤه مع ضوء الثريات الكبيرة”.

عالم الأسلاف

رحلة الموسوي في هذه التجربة الشعرية تعبد طريقا مرهفا اختطّه لنفسه عبر تجلياته وشغفه بالشعر الصافي
تبدأ المجموعة الشعرية “لتأخذني أقدامي حيث تشاء” بالأسئلة التي لا جواب لها “سأدخل في غابة الأسئلة المحيرة/ وليس في الفؤاد جواب”. وتنتهي في “عباءة عروة بن الورد” ومجموعة شذاذ الأفاق: طرفة وابن الورد والشنفرى الذين تخفق “عباءاتهم الفضفاضة (…) مثل أجنحة النسور، مرفرفة ومضيئة في الأقاصي”، وهي قراءة شاعر يستشرف فيها “روح الأسلاف” في القسم الأخير من هذه المجموعة الشعرية الذي أسماه “موسيقى شرقية” يستذكر فيه “يوم سنمار، ثور أشور، تاج زنوبيا، ليلة لشهريار، عراف نجران، رؤيا ابن سيرين، تمثال طيبة…”، وهي رحلة في الزمان، يستدير فيها نحو الماضي منزوعا من تناقضاته وأحداثه المأساوية لتصبح روح الأسلاف، نشيدا رومانسيا شفيفا فالأسلاف عنده “مثل مطر بلا حفيف”، أو “مثل برق أبيض ناعم لا يصحبه الا رعد بعيد يجيء كالدندنة”.

وفي قصيدة “عراف نجران” تكون حكايات الأسفار، عذبة، منتشية بفرحها ألطفولي وهي تحمل ألق الزمن السعيد حين يحكي الجد “والأحفاد يتخافقون كالفراشات حول لهيب الكلمات”.

إن رحلة الموسوي في هذه التجربة الشعرية تعبد طريقا مرهفا اختطّه لنفسه عبر تجلياته وشغفه بالشعر الصافي حين تخطّى عالم الواقع المعيش، تجاه عالم الطبيعة الضاجّ بالحيوية والحركة والألوان والأسئلة الشائكة، وإلى تلك السماوات الأولى التي تحيل إلى “متع قرائية كدنا نفقدها مع غروب الرومانسية الأولى، لذلك فهي تعوضنا زادا له نكهة طفولية خاصة”، كما يشير القاص محمد خضير في أخر المجموعة الشعرية.

*عن صحيفة العرب اللندنية

شاهد أيضاً

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

فاضل البياتي: سنواتُ السبعينات الحُلوة المُرٌّة والذكرى 21 لرحيلِ الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي (ملف/4)

هكذا قررتُ إذن… سأمضي في رحلةٍ ليس بوسعي أن أُحددَ مسافاتها ألآن، ولا أدري ماهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *