حسين سرمك حسن: التنقيب المرير في «تلّ» اللاّشعور الخطير”الحلقة الأولى”

* تحليل رواية (التل) للمبدع (سهيل سامي نادر)
بعد أن أنهيتُ قراءة رواية «التل» «لسهيل سامي نادر» – الذي عرفناه ناقداً تشكيلياً مقتدراً وكاتب مقالة سياسية حافلة بالرؤى والأفكار الجديدة – للمرة الثالثة تساءلتُ مخلصاً : عن السبب الذي جعل هذا الكاتب يؤخر روايته الأولى هذه إلى هذه السن المتقدّمة وقد بلغ من العمر عتياً!!؟؟. لكن ما يشفع له في هذا التأخير، بل التعطيل، في إصدار روايته الأولى هو أنّها جاءت على طريقة «سكتَ دهراً ونطق كفراً». يا لهذا الكفر السردي الجميل! وراية «سهيل» الهامة هذه هي كنـز روائي عراقي وعربي، وإذا توفرت لها الترجمة المناسبة فستحتل موقعاً متميزاً بين النتاجات الروائية العالمية . وينبغي الإشارة إلى ملاحظة تمهيدية أساسية تتمثل في أن هذه الرواية ليست بحاجة إلى «قارئ»؛ بل إلى «قرّاء»؛ والفارق هائل بين المعنيين، ومصدر هذه الحاجة هو أنها رواية عميقة الغور، ملغزّة، محتدمة بالصراعات النفسية والشخصيات المركّبة و«التوريات» السلوكية والتمثلات الرمزية المراوغة و«الألعاب الأوديبية» و«المحارمية المسمومة» الملبسة بالأطروحات الفكرية الثقيلة المتعلقة بالوجود وجدوى الحياة، وسطوة الموت/المثكل، حسب وصف جلجامش الموفقة، وكل ذلك يجعل الظفر بدروس هذه الرواية ومغازيها عزيز المنال على قارئ اعتيادي وممكناً – مع عناء لذيذ – لقرّاء مقتدر.
تحُكي وقائع رواية «التل» بضمير المتكلم، والراوي هنا الدكتور «فؤاد» ، الشخصية الرئيسية فيها ومحورها المركزي الذي تلتقي عنده مسارات الرواية جميعها. وهو متخصّص في علم الآثار الذي يمارسه لأكثر من عقدين، وستلفت انتباهنا أولاً طبيعة نظرته إلى عملية «التنقيب». إنّها نظرة غير تقليدية ومحمّلة بمدلولات نفسية عميقة، تعكس هذه المدلولات دوافع لاشعورية مستترة لكن فاعلة كان لها الأثر الحاسم في تشكيل مسارات حياته وسلوكاته كلّها ومن بينها نظرته المتفردة إلى عملية «التنقيب»؛ هذه النظرة التي جعلته يقف مناقضاً لأفكار المدير العام الذي يرى أن «الأركيولوجيا» لا تحفر دائماً بل هي تهيل التراب أيضاً من أجل النجاة. الراوي يرى أن رجل الآثار في بعض الشروط لا يحفر بقدر ما يرفع ركاماً تالياً نتج عن أحياء يهيلون التراب. إنه يقوم بهذا العمل الإضافي ليس بنجاح دائماً لأنّ ما يرفعه يواجه بمفارقة مؤسساتية. هناك دائماً مهيلو تراب قادرون على تصنيع «أركيولوجيا مضادة تقوم بالتنسيق بين النسيان المتعمد وقسوة القلب وبين الكشوفات العلمية الاعتيادية والمعلومات الهائلة – ص229 – 230». لكن هذه الصياغات اللغوية المحكمة والأخاذة والتي سنجدها على امتداد صفحات الرواية التي تقع في «365صفحة» هي العشر الظاهر من جبل الجليد الطافي حسب وصف فعل العقل البشري الشائع في أدبيات التحليل النفسي «علم نفس الأعماق». هذا التبرير والنظرة إلى التنقيب هو ما «يعلم» به الراوي، لكن هناك التسعة أعشار الأكثر خطورة مما  «لا يعلم» به من دوافعه ومكبوتاته أو «يعلم» به جزئياً في أفضل الأحوال ، تلك التسعة أعشار الغاطسة والتي سنمسك بها بصعوبة بفعل المتاهات السردية الأخّاذة والآليات الدفاعية الماكرة والمبهرة بلبوس الإبداع، كان قد عبّر عنها ببساطة وبطريقته الساخرة «برهان» صديق الراوي وعضو فريق التنقيب الذي يترأسه الراوي حين قال له ضاحكاً: «أفهمك دكتور، فهل تسمح لي بكلام أخير؟ هناك تفسير «فرويدي» لحالتك. أنت تعاني.. ص(73)». وفي حالات كثيرة تأتي الكشوفات النفسية الخطيرة في علاقاتنا اليومية متسترة خلف أردية السخرية التي تحيّد سهام التشخيص الجارح «ألهذا يقول المثل المأثور: شرّ البلية ما يضحك؟». إنّ جزءاً هاماً من نظرة الراوي إلى عملية التنقيب قد تجسد في طبيعة موقفه من هدف مهمتهم الحالية في التنقيب في تل اسمه «تلّ الزعلان» فهو – أولاً – يضفي سمات حيوية على التلّ؛ مانحاً إياه سمات كائن حيّ مقابل، يتفاعل معه ويتحداه، والأهم أنه يتماهى معه، كاشفاً من خلال عملية التماهي – Identification – هذه عن جوانب أساسية من «فلسفة» موقفه التنقيبي ومن الدوافع النفسية اللاشعورية التي لم تتحكم بمسارات حياته حسب بل في اختياره لمهنة التنقيب أيضا ، فحين يتفحص الصور الفوتوغرافية التي التقطت للموقع يشعر بأنه غامض حقاً، إنما لكل تلّ طباعه وظواهره العامة وحيله، كلّ يخفي شيئاً، نحن نشبه التلال الأثرية على نحو ما، إنها مثلـي أنا. هـل بـدأت لعبتي تختمر؟ إنها غامضة جداً إلى حدّ لا أجرؤ على التفكير بها على نحو جدّي كي لا أتراجع عنها، ورأيت ما يشبه الحلم قلعة وأعلاماً وأبواقاً ورجالاً يتصايحون؛ وصاح بي أحدهم من برج مرتفع: ماذا تظنك فاعل؟ اخرج من هنا. قلت: أنا الآخر غامض.. (ص29)»، وهذا الشعور بغموض الذات واستغلاقها على مكبوتاتها يجعل الفرد في رحلة بحث و«تنقيب» دائمة تشغل حياته كلها وتنهك قواه وتوقعه في مآزق وخسارات «بحثية» جسيمة. وهذا ما حصل بالضبط في حياة الراوي والذي سنكتشفه لاحقاً. إنّ الراوي «يُسقط» مشاعر الغموض التي تربكه على الهدف التنقيبي ويخلق من عملية التنقيب فعلاً موازياً لكن مموّهاً ومضللاً للحاجـة المـلتهبة للتنقـيب في أعمـاق الذات والغور في مجاهلها المظلمة. إنّ الكاتب يضعنا – وبمهارة – أمام لعبة نفسية باهرة وشديدة الإيحاء يتمظهر جانب منها في المونولوجات الكاشفة والمدوّخة بعد عناء والتي تنثر التماعات هنا وهناك عن ما هو لائب وغير محدّد في أعماق الراوي. ضغوط لائبة ممسوكة بقبضة الـكبت الخانقة تشعل حاجته إلى «القوة في النـزول إلى ذلك العمق الذي يحرص على إبقائه في الظل، فوجدتني في موقع مفكر محموم أدس أنفي في حفر التراب وحفر الحياة، وأوازن بين وصف الحفريات ووصف الحياة الداخلية في ذلك النـزف الحضاري الدائم. فهنا وهناك نجد التبعثر نفسه والضياعـات نفسهـا، التحلّل والثلوم والبقايا والكسور، فنؤلف منها صوراً ناقصة ومزيفة، معتقدين في كل مرّة أنّ هناك عمقاً لم نصل إليه بعد.. (ص39 – 40)». وهذه العلاقة بالتل/ قل اللاّشعور إذا جاز الوصف ليست علاقة مستقيمة مباشرة الوشائج، إنها علاقة ملتوية مخادعة، مليئة بالتوترات وبلحظات الإنكار والتراجعات المربكة التي تغرّب صورة العلاقة بين الذات والمرتكز المادي وتشوّش – لأمر في نفس اللاّشعور – المعاني الرمزية للأخير وتجعلها عصية على الإمساك بها من قبل أكثر العيون المحلّلة اقتداراً. يحصل هذا مثلاً في نوبات سأم ونفور هي في حقيقتها – تعبير عن نأي الهدف المغيب ولاجدوى محاولات ملاحقته في ساحة ليست هي ملتجأه الفعلي، ولذلك سريعاً ما تسيطر نوبات الإحساس بالخواء على الفرد الذي كان منذ وقت قصير فاعلاً ومفعماً بالحيوية. إنّه هنا في حمّى لعبة قط وفأر نفسيّة شديدة الإرهاق: «أجلت استطلاع التلّ وتحديد الإجراءات عليه، وكان الشعور بالوحدة والعجز يملأني، والسفر الطويل يثير في نفسي السأم. وفي هذه الأثناء زارتني في الأحلام تلال أعرفها ولا أعرفها، فأستفيق من نومي وألاحقها في يقظتي، مدركاً أنّ التل يضغط على حياتي. وأخيراً استطلعته مرتين وحددت الإجراءات المطلوبة في حالة من العماء. فقد نفرت منه، نفرت من غموضه ونأيه. كان غامضاً من دون فتنة وإيحاء، بينما كنت مقفراً من الداخل.. (ص48 – 49)»، ولا تكتفي قوى اللاّشعور في دفع الراوي – وبحماسة – في عالم «التنقيب» كمهنة حياة حسب بل تصوغ مقترباته وسبل بحوثه الاستشكافية. إننا نوضع – وفي عمل إبداعي نادر – وجهاً لوجه أمام الكيفية التي تعرّى بها ثقتنا المفرطة بعقولنا وإرادتنا الواعية المتنفجة ، وننسل، بهدوء، وعلى استحياء، خلف الراوي وهو – من حيث لا يعلم – «يشخصن» ما يتلوى في دواخلنا والذي نتهرب منه بلا أمل من خلال علاقته بالتل الزعلان» والتسمية موفقة تماماً وتعبّر عن التمنع الدائم للقوى النفسية المتسيّدة الخفية وعصيانها -، وهذه القوى هي المسؤولة عن كل ابتكار استثنائي أو معالجة مبتكرة تخرج على السياقات التقليدية المكررّة والتي أصابت محترفيها – من أمثال المدير العام – بالبلادة الفكرية وصدأ الروح التعرّضية. إن الراوي يفكر – ولأول مرّة – بطريقة جديدة للتنقيب في تلّ الزعلان بعد أن نفض يديه من الطرق التقليدية المعادة والتي اعتادت على أن تبدأ من الأعلى إلى الأسفل لترفع طبقات التراب الثقيلة التي يكيلها «مهيلو التراب» – حسب وصف الراوي – ويكشفوا ما هو مطمور تحتها. لقد قرّر أن يقتحم التل الزعلان – ولأول مرّة – من «أسفل» إلى «أعلى» وتحديداً من «أسته». إنه يعدّ اختراق أست التل طريقة مبتكرة وخلاّقة لم يسبقه إليها أحد، طريقة تعتمد على المقترب «التحليلي» وكأننا في مماثلة «مقلوبة» للسعي الذي يشكل جوهر فعل «علم نفس الأعماق» الذي نبدأ فيه – وكتعبير مجازي – من «أست» البنية العقلية البشرية، وهذا هو ما فجرّه معلّم فيينا في مجال المعرفة الإنسانية، لقد اقتحم العالم النفسي للإنسان من «أسفل» والراوي يريد اقتحام تلّ الزعلان/تل لاشعوره/ الرمزي من «أسته»، «حدّقت بشق العجيزة وأنا أتقدم إليها فتكشف فقرها وذلّها.. أوقفت المحرك وقلت «لزهير»: هل ترى تلك العجيزة.. سندخل منها إلى باطن التل.. تطلع إلى العجيزة، وكانت كذلك، مستديرة بشق مائل يقسمها نصفين متعادلين تقريباً، عريضة ومرتفعة أخفت جسد التل وراءها..(ص19-20)» إنه يشعر بأن التل يتحداه بعجيزته الممنتفخة هذه وإن عليه إذلاله. وأصحاب التفكير «الأستي» إذا جاز التعبير من المثبتين نفسياً على مراحل نفسية مبكرّة من نموهم النفسي في الطفولة – والراوي منهم – يكونون محملين بشحنات عدوان شديدة تتخفى خلف شتى الأستار ، فالراوي يدعو أعضاء فريقه إلى إذلال التل من عجيزته، وهو يصوّر لحظة انتشائه التي أجّجها الحفر من «الأست» و«تمزيق» المدخل بروح متشفية تحصل عادة مع غريم نثأر منه: «هذا الشيء الكبير الذي غطاه التراب بدأ يتعرى (…) ما اعتدنا تسميته بالعجيزة لم يعد لها وجود.. العجيزة الآن بوّابة، وكنا سعداء لأننا بتحطيمنا صورة دخلنا من موقع كبرياء هذا الشيء.. موقع كان يسلط رقابة خرقاء على الأفق البعيد متباهياً بسلطته عليه وعلينا ولقد دخلنا من دون أن نأخذ إذناً.. (ص137)» ولا تتجلى عدوانية الراوي في تعامله الإذلالي مع هدف التنقيب حسب، بل في كثرة المفردات والمصطلحات «الحربية» التي يستخدمها وكأنه قائد عسكري يدير معركة حاسمة : «لن نقوم باحتلال التلّ من أعلى إلى أسفل بوصفه طبقات، بل نشق طريقنا إليه من الأرض البكر.. (ص20)».. «كنت أريد من طعنة نجلاء واحدة الكشف عن عقدة ذات دلالة (…) وما كان هذا حلاً، كان بالأحرى سيكولوجية هجومية لهزم زمن الحفريات البطيء المذل.. (ص64)».. «إنه موجود كبير ينتظر طعنة في المكان المناسب…(ص72)».. «بعد ساعتين يأتون مع أدواتهم ونباشر المعركة، وإنني لأحب هذا مستعداً له أشبه بقائد متوحش شمّ رائحة دم وراح ينتظر اللحظة المناسبة لكي يعطي شارة اليد.. (ص81)» وبدلاً من أن تدفعه الموسيقى التي يحبها إلى الاسترخاء والتأمل واستعادة الأماني المسالمة تجده يستدعي مفردة القتل وهو يسمع الحركة الأولى التي يحبها من الكونشرتو الثالث للبيانو «لبتهوفن!!». ويبرز وجه صادم آخر للعدوان اللغوي المرتبط بالتفكير «الأستي» في كثرة تداول الراوي لمفردات «شرجية» «كالخراء» مثلاً وخصوصاً في حالات نقمته على بعض متغيرات الحياة السلبية «حثني – يقصد المدير العام – على الاعتناء بصحتي فجميع الأشياء خراء من دونها.. (ص232)» وحين يعلم بشكوك الأطباء في إصابة ابنته الوحيدة «ليلى» بسرطان الثدي يقول: «أفرّ وتلاحقني الحياة.. حياة.. طيفها، طين مهروس، ذو رائحة نتنة يبتلعني وأظلّ حيّاً، ثم الخراء والأطباء.. (ص238)» حتى زوجته السابقة «فاتن» تذكره بأنه كان يسمي سلوكيات الشباب بـ«تفسير القذارة.. (ص88)». وحين يقول «حمد الشرقاطي» عضو بعثة التنقيب: باسم الله ليبدأ العاملون الحفر تقفز إلـى ذهنه فوراً ذبائح العيد حين كل خطفة سكين تغيّب في عنق الضحية تنطلق شارة الافتتاح تلك – باسم الله – من شفاه مرتجفة.. لكن هذه الروح العدوانية لا تعكس سمة أصيلة في شخصية الراوي، إنما هي عدوان دفاعي مراوغ تنامى رداً على مشاعر ضعف و«انخصاء» دفينة ترسخت بفعل إحباطات الطفولة الباكرة. تلك الإحباطات التي دفنت عميقاً في تربة  اللاشعور لكنها ظلت – مع ذلك – لائبة مضاعفة تتحكم – في سعيها إلى التعويض والإشباع والتقاط متنفس يحررها من سطوة سلطة الكبت – بأدق سلوكات الراوي الراشد في حياته الشخصية والعائلية ومسيرته المهنية.. وتظهر الحفزات الطفلية المعصوبة «الأوديبية» جلية في علاقاته مع مطلقته وابنته ورفاق عمله ومهنته ومع ذاته أيضاً.. وينعكس ذلك جلياً في وقفة «انتصاره» البطولية المهيبة على قمة التلّ فجراً، وحيداً والجميع نيام.. تلك الوقفة الظافرة التي يقدم لها وصفاً كاشفاً وتحليلياً : «كنت حقاً في أحاسيس تناقض وقفتي البطولية هذه، فهذا الفجر الغريب الذي لم تتضح معالمه بعد، وقمة التل التي أقف عليها، وماضيّ الذي بدا هاجعاً تحت السيطرة، كل ذلك منحني قوّة رجل محارب..(ص81)». لكن هذا ليس ظفراً متكافئاً يتحقق بعد مواجهة يعبئ بها الفرد الظافر قواه وإمكاناته للتفوّق والسيادة . إنه يقف على قمة تلّ ترابي فيعد نفسه «قائداً متوحشاً».. وهذا الشعور الذي لا يتناسب مع الشروط القائمة، الشعور المفرط بالانتصار يحيلنا حتماً إلى الدلالات الرمزية «للتل» والتي بدونها يفقد تصرف الراوي أصالته النفسية وقيمته المنطقية.
يقول الراوي: «كانت تلك صورتي الخارجية الملتقطة من أمام، صورة لا تخلو من هزء وجنون، أمّا من الدّاخل الذي لا أشك في أنه فاض على جسدي فكان يتلخص بجملة صغيرة: أنا آمن..(ص81)». «آمن لكوني أقدمت على هرب حاذق جاء في أوانه. لم أعد أخشى أن أمسك. توغلت، وها هي شيخوختي تداري طفولتي وغرائبها. إنهما معاً يغتسلان في هواء البراري البارد، متضامنان يلعبان ويكتشفان ما حدث لهما وما قاما به من أدوار متباينة..(ص82)». إنه لا يستطيع التحديد بدقة: من قام بذلك الدور على قمة تل الزعلان: الصبي أم الشيخ؟ لكنه يسمع، في تلك اللحظة، صوت زوجته وهو يقول له بوضوح: «أنت لا تكبر». في الخارج، هو صاحب الوقفة الظافرة، المحارب والقائد الوحشي، ولكن في الداخل، الذي يفيض على الجسد في حالات انعدام الرقابة وتراخي القبضة الكابتة، هو طفل غرّ شعر بالتهديد الدائم ويبحث عن الأمن حتى لو كان بطريقة هروبيّة إلى مواقع تنقيبية بعيدة ومنعزلة، إنّ اللّعب المتبادل بين الشيخ والطفل يعكس مشاعر القلق ومخاوف الحياة المبكرة التي تلاحقه في مرحلته الراشدة كأب وزوج ومنّقب تتيح له مهنته لا الهروب الآمن حسب، بل وتوفر له الفرصة الناجزة لإعادة رسم خطوط ونهايات متمناة للقصّة «الأوديبية» القديمة التي لم تحل حبكتها وظلت تؤرق أعماقه هائمة بلا حل.. وهذه الدوافع الهائمة هي المسؤولة عن عدم استقرار أحواله ذهنياً وسلوكياً.. إرادة ملجومة ومواقف متذبذبة وعلاقات مجهضة ومنهج إسقاطي في الحياة.. شخصية «متضادة»ضائعة بين إحجام وإقدام.. ورغبات مقموعة تبحث عن الإشباع المؤجل طويلاً من خلال المهنة المحترفة.. يقول الراوي: «كنتُ أقف تماماً تحت الشق الذي رأيته من بعيد إنفراج عجيزة، انفراج تعرّي، .. وشعرت أن هناك على مسافة إلى الداخل بطناً، وإنني من مكان قادر على الدخول إليه مع الهواء..(ص65)» وهنا ينبغي التأكيد على أنّ الرمزية اللاّشعورية لا تخضع للأحادية الدلالية التي رسمها لها معلّم التحليل النفسـي، كأن اللاّشعور بطبيعة تكوينة وآلياته يضرب، وعند أي فرصة متاحة، عدّة عصافير بحجـر واحـد، وعليه فإنّ الوقفة البطولية الظافرة على قمة التل من ناحية والطريقة المبتكرة في التنقيب «من الإسـت، من أسفل إلى أعلى»، من ناحية ثانية لا تمثل – فقط انتصاراً «أوديبياً» على أنموذج رمزي يعبر عن الإرادة الأبوية القادمة بل عن استعادة معنوية متأخرة لموضوع الحبّ الأثير : الأم.. وليس عبثاً ولا من باب تدفق الذكريات التلقائي أن يستعيد الراوي – وهو على قمة التل منتشياً – «عقدة» طفولته الأساسية التي كانت تحيّر والديه بغرابتها السلوكية. ففي الوقت الذي ينتظر فيه كل طفل مناسبة العيد للتفريج عن طاقاته المحتبسة والإعلان عن فرحه وسعادته بما يقدم له من ملابس جديدة وفرص للمرح الطفلي الطليق، نجد سلوكاً غريباً يستدعي التحليل والتأمل، فيقول الراوي: «أراني أنتظر العيد. غداً العيد، والليلة أقضيها في حالة من الإثارة منتظـراً الفـجر تجتاحني رغبة جنونية في النهوض وارتداء ملابسي الجديدة والخروج إلى الشارع قبل الآخرين، لكنني لا أبدي حراكاً بل أمكث في فراشي تاركاً الرغبة تجتاحني وتجتازني (…) ويواتيني نوم عميق لا أصحو منه إلاّ ظهراً، بعد توسلات والدتي وإلحاحها وإغراءاتها، لكن العيد كان قد مرّ. انتهت الإثارة وملابسي الجديدة لم تعد تشغلني، بالأحرى أخجل منها، فأكرمشها وأوسخ حذائي، وأخرج إلى العالم مكشراً أنيابي..(ص78-79)». إنّ هذا التمنع هو نوع من الابتزاز «الأوديببي» الماكر وهو – من ناحية ثانية – تحسّب مبكر من أن يمنح الفرصة للغريم الأبوي في تصور مراوحة الراوي الطفل في موقع «الصغير» الذي يُركن كدمية في موضع استقبال العواطف السلبي. إنه يراجع سلوكه الغريب هذا بعد خمسين عاماً فيرى نصف الحقيقة في تفسير تلك الظاهرة ويربطه بخوفه من أن يذل، ويرى أن الحصول على السعادة يذلّ بما يستدعيه من مناضلة ولهفة وخداع وكان يخاف من أن يكون مكشوفاً في لهفته محسوباً على الآخرين. وقد ارتبط هذا الخوف باستنكافه من تفضل الكبار وكرمهم وتوقعاتهم المحسوبة. ثم يصوغ الراوي معادلة تحليلية هامة تعبر عن الثقافة النفسية الواسعة للمؤلف – والثقافة النفسية – التحليلية خصوصاً – شرط أساسي من شروط اقتدار الكاتب في سبر أغوار شخصياته – ويكشف في صياغة لغوية ماهرة الكيفية التي يحيا فيها كائن طفولتنا الماكر – ولا أعلم كيف يصدق الإنسان أكذوبة براءة الأطفال عن كائنات حسب «ديدرو» قادرة على قتل أبيها والزواج من أمها إذا أتيحت لها الفرصة، كائنات حيوانية هي مثال الأنانية وروح التملك والأنوية، كائنات يحكمها مبدأ اللذة – Pleasure Principle – حسب ولا تأبـه لأي رادع اجتمـاعي أو قيمـي يفرضه مبدأ الواقع– Reality Principle –  في أعماق كياناتنا الراشدة فيتلاعب بنا ويمنحنا لسانه مثلما نمنحه لساننا الذي تحصن باللغة القادرة على تمرير أي تبرير، ويبدو أن الإنسان قد ابتكر اللغة ليس للتعبير عن دوافعه ورغباته المحرّمة وإنما لإخفائها. يقول الرواي: «بالطبع لم أكن أعي هذه القضايا المعقدة، وإنه لأمر محيّر حقاً، فمن يتكلم هنا؟ إنه الرجل الذي يحيي طفولته ويعطيها لسانه، الرجل الذي يكتب محاولاً صعود التل مستذكراً رجلاً كان يهمّ في الصعود – وكلا التعبيرين يسندان تحليلنا عن الدلالة الرمزية «الأوديبية» للتل ولمهنة التنقيب عموماً – يعير الرجل لسانه مثلما يستعير لساناً. الطفولة هي الأخرى تستعير لكن بغموض. إنها تقلب اللسان في صمت متأتيء. ولعلي وأنا طفل فهمت وضعي من خلل الإعارة والقلب. فحين كانت أمي تحاصرني، مؤنبة سلوكي المحيّر، معدّدة حسنات الأشياء التي وهبت فيّ والتي أتنكر لها بطريقة ما تمنحني لسانها الذي أقلبه ليصبح لساني أنا، فكأني أقول لها بصمت دامع : بسبب هذا الذي تقولينه.. (ص79 – 80)». إنّ لسان الطفولة الصامت وصوته الدامع هو لسان اللاّشعور الذي لا يعرف لغة عادة ولا يحتاجها لأن ديدنة الفعل وفي البدء كان الفعل وليست الكلمة كما يقول معلم فيينا وهو يتحدث عن لاشعور الإنسان البدائي الذي يشبه لا شعور الطفل والإنسان المعصوب مثل الراوي في الكثير من الجوانب – وهذا اللسان يتخفى خلف لسان الشعور – يكمن الطفل في بطانة الرجل البالغ السلوكية. وقد كبر راوينا وكبر معه هذا السلوك المراوغ. إنه يفسد فرحة العيد ويستبدل الفرح العادي بالتلظي. وها هو بعد خمسين عاماً يحضر في بيت والد مطلقته الذي كانت تجمعه به صداقة وود وتفهم حتى أنه كان يدين سلوكيات ابنته «فاتن» عند الطلاق وبعد أن تم التأكد من أن «ليلى» غير مصابة بالسرطان – ولكن بصورة «مخيفة» كما يسميّها فقد كان متسربلاً ببدلة تشبه بدلات العمل الزرقاء، قذراً ووسخاً.. كان هناك – كما يقول – بروليتاريا في فاترينة برجوازية.. إنه سلوك يذكرنا بالطفل الذي كان يفسد فرحة العيد بملابسه العادية المفارقة والذي ينـزل بها الى الشارع جميلاً وخفيفاً ووقحاً.. وزعم أن أباه كان يقول له بأنه كان في طفولته يكره الملابس الجديدة إلاّ أنه يرى أن أباه لا يستطيع الإمساك بالسبب الحقيقي الذي قد يكمن في النشا الذي يحك جلده. إنّ أسباب أبيه ساذجة وبسيطة لكن أسبابه – التي لا يدركها – «أوديبية» عميقة و«نظرية» في تخريجها الفكري الذي يطرحه الشعور بعد عقود طويلة فيمعن في التعمية الفكرية بإخراجها اللغوي المؤثر. وكم كانت «فاتن» مخطئة وهي تعاتبـه وتقـول له إنه يعاقبها بطريقة سيئة، طريقة لا تعود له وليست من طبيعته!! هكذا تغيب «مصالحنا» اللاشعورية انتباهة بصيرتنا عن أفعال وسلوكات تجري أمام أعيننا فلا نمسك بمغازيها المباشرة. لقد نسيت تلك الحالات الغريبة التي كان يظهرها أمامها أيام زواجهما حين كان يصل إلى البيت بعد سفر. كان يتصرف ببلاهة وغرابة، كأنه دخل إلى بيت ليس بيته، وهي ليست زوجته و«ليلى» ليست حبيبته المدللة. تقول له: «في حالتك تلك لم نكن نجرؤ على لمسك، كان جسدك يقاومنا، يقاوم بيته، كارهاً أن يُلمس أو يَلمس. كنت تبدو ذاهلاً، غير مصدق (…) وعند النوم تبحلق في سريرك كأنه تابوت، مرتبكاً، متحججاً بالتعب، وتستغرق في هذه الحالة العجيبة بضعة أيام كنت فيها تصارع من أجل الاعتياد، تصارع كي تكتشفني مجدداً زوجة وتلمسني..(ص333)» كان هذا الشعور بالذهول والاغتراب عن أجواء البيت الأليفة وعن زوجته وإبنته يحصل بعد العودة من رحلات التنقيب، هناك يصرّف ما هو مخزون في مستودع الكتب، هناك يحصل على الحرية الخشنة التي تسرق الرجال من فراش الزوجة هناك مملكة الفراغ – حسب وصفه – التي يفرّ إليها بين حين وآخر. في تلك المملكة – مملكة «الرجال المتخفّفين» يستطيع التخفّف من أحمال باهظة نمت معه منذ الطفولة وبدأ ثقلها يزداد بمرور السنوات مثلما تزداد بالقدر نفسه مرارة اللاّشعور في تصريفها ومعالجة ضغوطها المؤرقة. هذا «الهروب» الذي لا يستطيع تحديد سببه هو هروب مثمر وخلاّق. ففي الوقت الذي يحقق من خلاله عملاً تنقيبياً يباركه المجتمع ويعزّز صورته الذاتية المنتجة أمام الآخرين ملتحمة بالرجولة وتتستر بها، فإنه يوفر له منافذ لاشباع مكبوتاته ولو جزئيا . فعلى التل تشتغل الطفولة ملتحمة بالرجولة وتتستر بها ، الرجولة تنجز فعلاً معقلنا مباركاً في الحفر واكتشاف اللقى وإعادة بناء تاريخ الوقائع في حين أن الطفولة المعصوبة تمارس حفراً من نوع آخر تولغ فيه في إشباع الرغبات المحرمات. يقول «الراوي» واشتغلت طفولتي و«رجولتي»؟ أمسكت بفأس وضربت وواصلت الضرب. ومع كل ضربة كنت أفقد انفعالاً وأولّد آخر.. وبت جسداً واحداً مع رأسي وأفكاري صعوداً ونزولاً (…) أغلقت تفكيري على عملي الجسدي. واقعت التل، واقعت امرأة. واقعت الهواء. هكذا نزولاً وصعوداً، وسلاحي حاد. وقلبي يدق ورأيت يداً أعرفها. يد «سمـيرة» (…) ألويها، أسحب الجسد وأهوي فوقه. أنزل وأصعد.. ص(84-85)» و«سميرة» المنتجة( هذه كلمة ضائعة )  الآثار، التي تمنعت ورفضت نداءه حين سحب يدها يوم زارته في بيته – وهو سلوك سيئ من عالم آثار تجاه ضيفته – ظل هاجس مواقعتها لائباً في أعماقه فوجد فرصة إشباعه ناجزة تحت فعل الحفر الحماسي الملتهب – تُرى كم من فرص الإشباع الرمزية والمتسترة التي توفرها المهن التي نختارها لدوافع لاشعورية؟ – وإذا عدنا إلى حديث «فاتن» الطويل مع طليقها على الهاتف والذي أشارت فيه إلى مشاعر الغربة التي تلفه عند عودته من التنقيب إلى البيت فسنجد فيه التفاتات نفسيّة هامة طرحتها «فاتن» عن شخصية الراوي لكنها وصفية وتتطلب جهداً تحليلياً، تعلن فاتن عن دهشتها لانها كانت احيانا تراه يبكي خلسة وهي متأكدة من أنها لو سألته عن السبب فسوف يقول لها: «لا أدري». كلاهما لا يعلم السبب في حين أن هذا البكاء كثيراً ما ينتاب المعصوبين بفعل مشاعر الإثم التي تشكل حجراً أساسياً من بنائهم النفسي العميق. إنهم يحمّلون أنفسهم أفعالاً وخطايا لم يقترفوها. والراوي يحمّل نفسه مسؤولية دهس قطة في شارع. ويستعيد اللحظة الساهية التي فاجأته فيها تعبر ويفكر: لعله ضغط على دواسة الوقود بدلاً من الكابح ويتخيل جميع الإمكانات لهذا الحادث، فيغدو حقيقياً من حيث مشاعر الضيق والألم والانشغال (ص131). ولعل مشكلة المشاكل التي تربك حيوات هؤلاء المعصوبين الآثمين هو الأرق وصعوبات النوم. الأرق الذي كان الراوي يعاني منه طويلاً وكانت ابنته – طالبة الطب – تحاول وصف علاجات له كالفاليوم والرياضة.. وأخيرا الشرب. وهو يعترف بأنه كان يشرب يومياً تقريباً. والكثير من المدمنين على الكحول يلجأون إلى الخمرة لأنها تعينهم على النوم من ناحية، وتطفئ شيئاً من الشعور بالذنب لأنها تذيب الأنا الأعلى من ناحية أخرى، لكن هؤلاء يصلون حدّاً لا تنفعهم فيه الخمرة كعقار منوّم ولا يثيرها. والراوي يعلن أن الشرب ما عاد يرخي أعصابه بل يثيرها . إنه يخدره لساعة أو ساعتين ينام فيهما ليستيقظ بعدها على حالة مخيفة من الانتباه البارد على كل شيء يحيطه (ص44). وتأتي ضمن صعوبات النوم والأحلام المزعجة التي تقض مضجع الراوي والتي تصل حدّ الكوابيس. أحلام حافلة بإذلال الذات الآثمة وتلويثها «يجيء ملاك شجي يأخذني عبر ممر غير مضاء.. أدخل إلى مرحاض.. فرأيتني هيكلاً ممصوصاً مضحكاً ينـزع بنطلونه في فضاء دموي. وقبل أن أبدأ يستعجلني الملاك بقبضة يده التي يضرب بها الباب فأسرع ويظل خرائي ملتصقاً تحتي (ص38 – 39)» ولعلّ أكثر تلك الكوابيس ثراء من ناحية كشف المستور النفسي هو الحلم المخيف الذي دهمه في الليلة التالية لزيارة ابنته «ليلى» له والذي سنتناوله بعد قليل، ومن الهام القول إنّ لياليّ من هم على شاكلة الراوي تكون مزدحمة بالمخاوف من شتى الأشكال.. كالخوف من الاختناق.. أو الخوف من أن يهاجمه حيوان مفترس.. وأشدها الخوف من الموت في الفراش وأن يكون النوم مدخلاً للاعودة إلى الحياة، كل هذه المخاوف – وغيرها – يعاني منها الراوي وهي مرتبطة في جانب منها بالشعور بالذنب الذي تأسس على حفزات محارمية غائرة في وجدان الطفولة من جانب، ودفعات آثمة مضافة في علاقته بابنته من جانب آخر. هناك الكثير من العلامات العلائقية التي تشي بالاستثارات السفاحية من قبل الراوي تجاه «ليلى». حين يجلس معها في المطعم يشعر بالنشوة لأن الجميع ينظرون إليهما كـ«عاشقين» رغم فارق العمر بينهما. ويقول إن هذا الإحساس بأنهما عاشقان قرينان قد فتنه. ومن الأمور التي تفصح مترددة عن هذه الدوافع هي الترابطات التي تلي زيارة «ليلى» من انفعالات وذكريات. فحين تحدثه عن جديته في العمل وشوقه إليه يشيح برأسه عنها إلى وردة حمراء ذاهلة، وفي مقاربة عصية على الإمساك يفسر العقدة التي ظهرت في ثديها والتي شكّ الأطباء خطأً بأنها قد تكون سرطاناً، يفسرها بصورة غريبة وشديدة التعقيد لكنها كاشفة: «طمأنتها وقلت لها إنها في مرحلة نمو واكتمال خلقة وهي جميلة بحيث لابدّ أن تظهر لها بعض العقد، عندما ننضج تفرز أجسامنا عقداً، احمدي ربّك لعدم إصابتك بعقدة نفسية.. عندها ما العمل؟ ضحكت وقبلتني..(ص242)». إنّ هذا التخريج النظري غير المتوقع الذي ينتقل من عقدة الثدي إلى العقدة النفسيّة التي يراها مستعصية وأكثر خطورة من احتمال عقدة جسدية سرطانية – يراها الأب – نتاجاً لجمال ابنته.. مثل هذا التخريج ينبثق عادة من اللاّشعور، مغرّباً ومغرياً وتهكمياً بحيث لا يمكننا الإمساك بجذره الذي غطته طبقات من «أتربة» الكبت التي تحتاج إلى «منّقب» قدير ومتمّرس، إن الصياغة اللغوية التبريرية هنا شعورية تستعير لساناً لاشعورياً دون أن تعلم وفي هذا تكمن أخطر مؤامرات اللاّشعور عبر التاريخ ، الكيفية التي تنتقل بها الرغبة الآثمة من اعماق ظلمات اللاشعور إلى نور الشعور – عبر المضيق القبلشعوري الخانق والمراقب – هي التي تصوغ شيئاً اسمه فكر وفلسفة وعلم لها أغطية نظرية ولغوية محكمة تغرّب المضمون المحارمي الذي يبدو محايداً. كم كانت تلك السيّدة الفرنسية التي نصحت «جان جاك روسو» بترك النساء والانشغال بالرياضيات حكيمة ؟ وكم هي حكيمة «ظروف» الحياة البريئة التي سلكت الراوي في مهنة «بريئة» بدورها ومتعبة مثل «التنقيب»؟ وكم هي ماكرة آلياتنا الدفاعية التي تستغل بلاغة اللغة لتمرير أشد الحفزات إثماً بصورة تجعلـها تمـر أمام أعيننا فلا نمسك بها نحن ولا المخاطب المعني أيضاً؟ ألم نقل إنّ اللغة لم يخترعها الشعور بل اللاّشعور؟  وإن هدفها الأساسي ليس التوصيل والتعبير عن الحاجات فقد كانت الإشارات والتعبيرات الجسدية غير اللفظية كافية تقريباً. لقد خلق اللاّشعور اللغة لإخفاء ما هو مكبوت ومحرّم أولاً ثم تمريره عبر أغطيتها الأخاذة ثانياً. يتحقق هذا الأمر في الصياغة اللغوية الشعرية للذكرى الترابطية الخطيرة التي ثارت في ذهن الراوي/ الأب بعد أن تغادره ابنته مباشرة. يقول: «حين غادرتني «ليلى» في لحظة واحدة تسلمت صورة كاملة لوجه مطلقتي، لوجه «فاتن» في خطوطه وتفاصيله، وكانت صورة مدهشة نسيتها: أنا أواقعها وأراقب حدود منخريها وتحمّر وتضحي شفافة فتشاهدني فاتحاً عيني أتأملها فتأمرني أن أغمض عيني وأناكدها ولا أفعل فتدير رأسها إلى الجهة الأخرى تسبّني مبتسمة..(ص136)». إنّ هذا اللعب اللغوي نفسه هو الذي يمرّر أمام بصرنا هواجس الأب بعد مغادرة ابنته.. هواجس تظللها بصورة غادرة هجمة الخريف الناشزة التي تجعل البيت يتنفس توجسات خفية تسمع فيها نداءات آتية من بعيد  تقلبها الريح والمسافة والأصداء.. زيارة جعلته ولأسبوع كامل يشعر بأنّ هناك شيئاً ما ينقصه، شيء لا يعرفه إنما يشعر بأنه موعود به. ولهذا أصبح يقضي وقته في الحديقة بانتظاره. الحديقة التي أشاح برأسه إلى وردة حمراء ذاهلة حين نظر في وجه ابنته الحزينة. وقد تجعل الترددات القامعة الفاعلة في نفس الكاتب/ الراوي والناقد والقارئ شيئاً كبيراً من المداورة التفسيرية أمراً مشروعاً، إلا أنّ المراهنة التحليلية الأصيلة تأتي دائماً من الأحلام – الطريق الملكي للاّشعور، والمنفذ لتأجيج التعبير عن الرغبات المكبوتة وخصوصاً المحرّمة. تغادره «ليلى» ذات يوم فيستولي عليه سحر العقاب والروح السجينة والذعر من الرنين «رنين هاتفه بفعل اتصال مطلقته فاتن» فيحتل بيته ويغادره إلى الشارع فجراً: «كان الرنين قد اندّس بين حالتي البينية للنوم مثل جسد غريب مدّمى أخذ يرفسني بقدميه. صحوت مبللاً بسائل لزج خلته دماً وليس عرقاً. أظنني رأيت جسد «ليلى» يذبح على صدري. كنت محموماً.. (ص312). نقف هنا – ومن جديد – أمام تورية مسمومة ولعب لغوي في غاية الدّهاء أهم ما يربكنا فيه هو أننا لا نقصد – لا الكاتب الراوي ولا الناقد – ولكن انعدام القصدية الشعورية Intentionality لا يلغي أبداً القصدية اللاّشعورية، بل بالعكس، في أكثر الحالات تكمن القصدية اللاّشعورية المتآمرة في لبّ براءة عدم القصدية الشعورية. نحن نقف الآن أمام صورة حلمية مسالمة لا ضرر منها. فكم واحد منّا شاهد جسد ابنته يذبح على صدره فيقفز محموماً مستثاراً، شعورنا يطمئننا بالقول بأن هذا أمر يحصل عادة في الأحلام ولا ضير منه، ويحيلنا هذا إلى التطمين الذي قدمته «جوكاستا/الأم» لابنها «أوديب» وقد أصبح زوجها بعد أن قتل أباه وارتسمت ملامح نبوءة عرّافي «دلفي» حيث تخفف من اضطرابه الذي أشعلته الأحلام المتكررة بأنه يضاجع أمّه فتقول له: «لا تبتأس».. فأكثر الأشخاص يضاجعون أمهاتهم في أحلامهم.. ولا ضير من ذلك – راجع مسرحية «أوديب ملكاً لسوفكليس» وتمرّ أمام أعيننا صورة الحلم الكابوس الذي تذبح فيه الابنة على صدر أبيها ولا نمسك بمعانيها الرمزية المرعبة وقد تخلق – إذا كنا من المولعين بالبحث الأسطوري – مدرسة ترى أنّ الطقس القديم المرتبط بأضحية الفتاة  الجميلة يثير نوعاً من الشعور بالذنب مصدره العجز في نفس الأب الذي يصبح صدره مذبحاً بديلاً عن مذبح الآلهة الوثنية – القديمة وفي هذا إنجاز نظري بالغ الطرافة والجدة – يحسم أمر التعمية التفسيرية الموّرط الكابوس المزعج الذي تناوش الراوي في أول ليلة تلت زيارة «ليلى».. «ليلة لم أنم فيها إلاّ ساعة واحدة استيقظت بعدها على كابوس مزعج. رأيتني جثة تقطعها «ليلى» قطعاً صغيرة وتواريها التراب متحدثة إليها: سوف أخفيك، لن أدعهم يأخذوك مني.. ص15».. ويتحقق الفعل المحرّم بتقطيع الابنة لـ«لحم الأب» ودفنه.. وهذا منطق آثاري استولى “التنقيب” على عالمه ولوّثه تماماً بمفرداته ومستلزماته.. وعقله الواعي الإنكاري عادة تستولي عليه الدهشة ممسكاً بالمعنى الظاهر للحلم Manifest Content فيتساءل: ممن تخفيني إذا كنت ميتاً؟ وهل هناك احتمال أن يلتحق حكم صدر على حيّ بجثته؟ في حين أن دوافعه اللاواعية تتلمظ لأنها ممسكة بالمعنى الكامن للحلم – Latent Content – حيث الأنفاس المشبوهة للرغبة المحرّمة التي انعكست على مزاجه صباح اليوم التالي. فرغم أن الحلم ظل يكبس على صدره حتى الفجر فإنه يخرج بحساسية رائعة إلى الحديقة متفاعلاً مع عروض الخريف ونعومة الفجر. ولأول مرّة يقود السيارة بنفسه رغم كراهيته للقيادة ويسرد كابوس الليلة الماضية لصديقه «زهير». واعتقد أنّ دفاعات الراوي هشّة أمام ضغوط دوافعه الملتهبة التي نجدها تتسرب من خلال زلاّت قلمه الوصفية دون أن يدري. يقول بعد أن سلّم نتيجة التحليل النسيجي لعقدة ثدي ابنته لمطلقته التي اختطفت التحليل ودخلت دون أن تدعوه إلى دخول البيت: «بقيت برهة وحيداً خارج المنـزل شاعراً بالظلم وقبل انسحابي فوجئت بجمع من قريباتها الشابات وفي مقدمتهم «ليلى» يحطنني ويسألنني عن النتيجة ثم أحاطت ليلى سيقاني بذراعيها ودفعتني دفعاً إلى الداخل..(ص247)» فكيف تحيط «ليلى» ساقيه بذراعيها وهما واقفان؟ ثم استخدم ضمير المذكر في مفردة «مقدمتهم» بدلاً من «مقدمتهن» من قبل المؤلف صاحب اللغة العالية والأسلوب المحكم!!
ولو راجعنا علاقة الراوي بزوجته «فاتن» فسنجدها علاقة معصوبة كان لابدّ – مع الخلفية النفسية لشخصيته – أن تفضي إلى الانفصال والطلاق. لقد نقل  أسلوب «التمنع الأوديبي» الذي برع في أدائه في طفولته مع أمّه إلى ساحة العلاقة الزوجية. وعد إلى التحليل «الوصفي» الذي قدمته «فاتن» له وهي تحدثه عبر الهاتف حديثاً طويلاً ستجد علائم صارخة تشير إلى ذلك. إنها تقول له بأنه كان يحيا معها منعزلاً «عزلة لم أفهمها بل خفتها في أيام عيشنا المشترك» كان كما تقول رثاً، كأنه يستعرض خلافه الدائم مع الحياة والعالم. رثاً لكن جميلاً من نوع الجمال الذي لا يرى ولكن يُحسّ، إنّ له جاذبية اليتيم، ولكنه يزيد التشخيص دقة فيقول لها بأنه يحمل صورة اليتيم واللقيط والنغل المبصوق معبّراً عن مركب قصصي تصوّري لمخطط «القصة الأوديبية» العائلية ذات النهايات المفتوحة. إنه يختار أن يكون أمّاً لا أباً، أمّاً لنفسه، أن يكون من نمط الرجال الذين يكونون أمهات لأنفسهم.. إلاّ أنه تحت هذا الغطاء «الفذلكي» اللّغوي المتعب يحقق «هروباً» من نوع آخر يصعب تحديده. في سعيه هذا – وكما يقول معترفاً «لفاتن» – لم يترك على ذلك الباب المغلق الجبار سوى حكّة أظفر مدمى بينما أشبع زوجته القريبة منه خمشاً، إن المعصوب يشبع موضوع حبّه خمشاً عندما يكون قريباً والظفر به يسيراً. لكنه يظهر له آيات التوق والتعلّق الساخن حين يكون متعذراً الالتحام به. ديدن هؤلاء المعصوبين هو «الحب عن بعد». ولذلك نجد الراوي يتذكر مطلقته بحماسة بعد أن انفصل عنها، يعيد ذكراها وهو على التل وتأتيه ذكرى «سميرة» النائية ويواقعها في «منفاه» الاختياري هناك. وتشتعل رغبته المعطلة في مطلقته «فاتن» كلما تواصلا عبر الهاتف. كانت هذه الرغبة تتصاعد مع كل اتصال وتتنامى بتكرار الأحاديث، يصل هذا التصاعد العاطفي الذروة في ختام الرواية حيث يقول الراوي: «قمت من مكاني بمعرفة هادئة بتفاهتي القديمة التي لا تنتهي واتجهت إلى الهاتف. كان في قلبي كلمتان: أحبك.. أحتاجك(ص365)» لكن هذا الموقف النهائي لم يأتِ عبر تسلسل وقائع «منطقي» بل عبر مداورة «صوفية» استعاد فيها مشهداً جمعه بصديقيه زهير وبرهان ذات يوم، مشهد استثارته ضربة رعد هائلة دشنت افتتاحاً بطولياً استقبله بنداء احتبس طويلا: أقوى يا إلهي.. فيستعيد تلك الليلة التي حاصرهم بها مطر شديد مصحوب ببرد، فهرولوا واحتموا بزريبة.. وما أن دخلوها حتى أحاط بهم دفء ساحر.. كانوا عصبة رجولية خشنة متحدة بالخوف والأمل والرؤى المفزعة. وكان «برهان» يصيح مع كل ضربة رعد قوية: أقوى.. أقوى.. أقوى.. وكان «زهير» جميلاً جداً.. وكان الراوي يصدح بالمديح العاشر «لريلكه»: 
«هدير هائل وحبات برد كبيرة انهالت مثل القذائف ممراحة قافزة
نحن الذين نفرط في الأحزان
كم نحملق عائدين بأبصارنا في احتمال كئيب إلى ما ورائها
محاولين أن نتكهن بالنهاية
في حين ليست هي غير أوراقنا التي تمرع في الشقاء
واخضرارنا الدائم الهادئ
ليست غير فصل في عام كياننا الداخلي»
ويصف الراوي تلك اللحظات الكونية من الاحتفاء بمهابة الطبيعة وجلال انفعالها بالقول: «ما عاد المطر مطراً بل فيضاً ينـزل كأنه يصعد مسدلاً ستارة هادرة شففت منها مئات الزهرات البيض تتساقط من شجر النارنج وتملأ المكان بغمزات حزينة.. (ص365)»؛ كل هذه المشاعر «الصوفية» جاءته غامرة وبهية بعد أن أخبر «ليلى» بأنه كتب عن تل الزعلان.. كتب وهو في مرحلة المراجعة.. لقد انتهى منه بل تحرّر منه. تحرّر من الرؤية المفزعة مثلما أعلن «ريكله» في مديحه:
«يجبّ عليّ يوما ما حين أنتهي من الرؤية المفزعة
أن أتدفق بالشكر المغبط للملائكة الصاعدة»
وبعد «اعترافه» هذا – ولأوّل مرّة – ينام بعمق من دون أحلام ولا اضطرابات.. وفي الصباح كان يتحرك في اقتصاديات معلومة فيها خشية وورع.. بكتابته عن تجربته في «تل الزعلان» – باحتداماتها النفسية الهائلة يكون قد أكمل تحليله الذاتي.. واستكشف أعماقه وتعرّف على مكبوتاته التي أشاعت الاضطراب في حياته وخرّبت علاقاته. لقد كانت الدوافع والصراعات المكبوتة هائمة جوّالة لم تدخله في دوامة سلوكية حسب، بل في دوامة لغوية لا يستطيع متلقيه أن يمسك بأهدافه التواصلية التي يبغيها، فمن الناحية السلوكية تطفح حكاية الراوي بالتذبذبات المستمرة في الإرادة والقرارات والغايات بحيث تجعل وصف «فاتن» له: «أنت لا تكبر» موفقاً ودقيقاً، في علاقاته مع ذاته ومع الآخرين والموجودات تسود مزاجية متقلبة طفلية الطابع، مع ذاته لم يكن قادراً على الثبات المطلوب الذي يوحد الداخل والخارج إلى الحدود المعقولة، يذكرنا سلوكه بواحدة من بديهيات علم النفس التي تقول إنّ الشخصية – في العربية مأخوذة من الفعل شخص أي برز وظهر وقاعدته الطارئة التي يقول إنه قرأها في كتاب ما هي: أن يظهر، أن يخطئ – تعني ألـPresonality المأخوذة من كلـمة لاتينية هي Persona ومعـناها القناع، وهذه بدورها مركبة من لفظتين، «بير، وسوناري Per- Sonare ومعناهما: عبر أو عن طريق الصوت، واللفظة بكاملها يعود استعمالها إلى الزمن الذي راح فيه الممثل على المسرح الإغريقي يضع القناع على وجهه لغرض إظهار وإيضاح الصفات الصارخة في شخصية الفرد أو البطل الذي يقوم بتمثيل دوره على المسرح، ويقال أيضاً بأن استعمال القناع قد جاء بناء على الضرورة التي شعر بها أحد الممثلين لإخفاء تشويه في وجهه فلبس القناع لأول مرة تجنباً للعيب. وفي كلتا الحالتين فإن المراد هنا هو أن يخفي الفرد عيوباً ذاتية. وقد استخدم «يونغ» لفظة برسونا Persona للدلالة على القناع الذي يتحتم على كل فرد منا أن يلبسه لكي يستطيع أن يلعب دوره بنجاح على مسرح المجتمع، وهو بذلك يؤكد على القيمة الاجتماعية والجماعية لهذا القناع والذي يستطيع بواسطته الفرد أن يكيف نفسه بنجاح مع نظامه الاجتماعي، وأن يحقق التوافق بينه وبين توقعات المجتمع عنه، كما أن مثل هذا القناع له أن يحجب أو يستر أبعاد التجارب الذاتية والتي يعتبرها الفرد من الأمور الخاصة والفردية والتي يجب أن تظل كذلك خافية عن الغير، ومشكلة «بطلنا» هي كثرة الأقنعة التي يحتفظ بها من ناحية والمبرّرات البسيطة التي يجدها فيها من ناحية ثانية، والأكثر إثارة للدهشة، هو أنه يستخدم هذه الأقنعة حتى مع ذاته. حتى أم صديقه «زهير» التي كان يحبها ويعتبرها مثل أمّه أمسكت بهذا العذاب الذي سبب له الكآبة فقالت له: «تلطّف.. أجل ميعادك ما استطعت. خذ ما تقدر على أخذه ثم خفف من أثقالك، وعلى مهل..(ص243)». أمّا «زهير» – صديق عمره ومساعده – فقد قال له بأنه إزاء أي مشكلة يشعر بالاضطهاد ينام ويحلم ويحل المشكلة أو يحل المشكلة وينام ويحلم. دائماً هناك حركات زائدة بينما المشاكل تزداد، بل إنه هو من يصنع المشاكل النفسية «أنت مركّز يا عزيزي أكثر تركيزاً من هذه – وأشار إلى زجاجة العرق مضيفاً: وأكثر خيبة (ص152)». و«زهير» صديقه لا يتردد الراوي في الإعلان أنه خانه بلعبة قذرة، وانظر إليه كيف «يلعب» مع ذاته: «أنا أصارع النسيان والجنون. في تلك الأيام توصلت إلى ألعاب تقنية مثيرة: أنزع معطفي على المشجب باحثاً عنه في الحمام. أبدّد أهدافي الحقيقية بأهداف كاذبة، ثم أنزلق إلى الأولى خلسة كأني أوهم خصماً. لم أكن أعلم أنني بهذه الألعاب أعدّ نفسي لحالات الطوارئ والاكتشافات المزعجة. كما في هذه الزيارة غير المتوقعـة – يقصد زيارة المدير العام المنافق – سعلت بقوّة بينما كان ظهري ينحني. حدث هذا دون إرادتي. أخذ جسدي يتصرف وحده. تعوّج مثل مطاط تعرّض إلى مصدر حراري (ص230 – 231)». مع ذاته يشعر باستمرار بعدم الأمان وبالتهديد المستمر الذي لا نجد له مصدراً واضحاً ومحدداً. ها هو يقف ظافراً على قمة التل ليعلن «أنا آمن». كان هروبه إلى معسكرات التنقيب تقوده قاعدة: «أفضل الملاجئ هي التي لا ينازعنا فيها أحد وعند المكوث فيها لن نرغب بالرجوع منها.. (ص175)». ثم انظر إلى تمنعه وهو يتعامل مع من كلفوه بالتنقيب: «رفضت ولم أرفض، شددت وأرخيت. كانت لعبة خمنت نصف أهدافها من دون الوثوق بنتائجها ، حقيقة الأمر أزعجني قبولي بالمهمة من دون ثمن (…) وضعت شروطاً.. ثم فوجئت بعد أن تخبطت بأن جميع الشروط لُبيت.. لقد أبيح لي القليل من الدلال..(ص48)» وهو يلخص تذبذباته هذه بالقول: «لقد قبلت مثلما قبلت في الماضي. رفضت ثم أحنيت ظهري، أملت وفعلت العكس. ألسنا نفعل ذلك  جميعاً؟(ص50)».

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.