تحسين علي كريدي : الشريك

  الشريك
عاد إلى منزله تلك الليلة متأخرا، مثلما دَرَجَ على فعله طيلة الأشهر الخمسة الماضية، وثوى إلى فراشه جنبها هامدا كجثة، لولا تلك الأصوات التي يصدرها أثناء شخيره.
لكن حاسة شمها التي لم تخذلها يوما قط، التقطت العطر النسائي ذاته، العالق بجسده، رغم رائحة الويسكي النافذة التي تفوح منه.
وكأن سلوكه الفظ وغطرسته التي ما انفك يمارسهما معها، متصورا أن رجولته ستكون مبتسرة بخلافها، ما عادا يكفيانه. ليقحم عطر تلك الشريكة الغامضة في مخدعها.
ألا يكفيها أنها تتحمل لوحدها مسؤولية البيت وتربية الأولاد بالقليل من المال الذي يتصدق به عليها؟ فتضطر لتدبر الأمر، بطلب يد العون من شقيقاتها.. فضل ملابس، أو طعام، أو مال.
لو كان الأمر بيدها، لأطبقت على رقبته وأخمدت أنفاسه، أو لأخذت سكينا حادة واحتزت له ذلك الشيء الذي لولاه، لما تسلط الذكور على معشر الإناث.
أدارت له ظهرها ودفنت رأسها عند الطرف القصي من الوسادة، نائية بنفسها عن إذلال تلك الشريكة.
قلَّبَت ذكرياتها، فطفا فوقها لأول مرة، منذ قرابة عشر سنين، وجه ابن جارهم الذي كانت متيمة به.
كانت في الخامسة عشر من عمرها، وهو يكبرها بعامين .كان شابا وسيما بشرته بيضاء ناصعة وعيناه عسليتان واسعتان. لقسمات وجهه سحر خفي قاد جميع حواسها نحوه كما يُقاد الأعمى.
كان حبا وئِدَ مبكرا .فبعد عامين زوجها أبوها، كما فعل مع بقية أخواتها من قبل، لأن الزواج المبكر حسب اعتقاده، هو ستر للفتاة، بينما كان لا يزال أمام حبيبها درب طويل ليصبح مؤهلا للزواج.
استرجعت تلك الفرصة اليتيمة التي حظيا بها ذات مرة بعيدا عن عيون الرقباء، عندما طوقها حبيبها بذراعه وأخذ يلثم شفتيها ويداعب بيده الأخرى حلمتها النافرة ،فتنتفض وترتج، كالسمكة العالقة بشبكة صياد. كانت مستسلمة, مُذْعِنة بفعل ذلك الشعور المخدر، حتى كاد أن يغمى عليها. شعور جميل لن يتسنى لها تذوقه كرة أخرى على الإطلاق.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة، وكورت جسدها وهي تحتضن وسادة، ونامت بهناء تلك الليلة، وما تلتها من الليالي. وما عادت تكترث لذلك العطر، فوجه حبيبها وأحضانه اللذان يتناسلان في مخيلتها أَقْصَيَا كل المشاهد الأخرى.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الجبار الجبوري : محاولةٌ لرسمِ عَطَش شَفتّيكِ .

من ألفِ، وأنا أبحثُ في شفتيّك ِ،عن قطرةِ ماء ترّوي ظمأي،مِن ألفٍ يَقتُلُني العطشُ في …

| هند زيتوني : منفيون إلى بلاد الغرباء .

ها هي حقيبة سفرك أمامك، وأوراقك الهامة قد اكتملت. تقترب من  مراسم الوداع وأنت تُفضّل  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *