حوارات مع شيخ القصّاصين “أنور عبد العزيز”
حاوره : غانم البجّاري (ملف/13)

س71 : دعني أُكبر فيك هذا الوله المفتون بالتتبع للنهل من سحر الإبداع لمشاركتك في هذا العطاء بنقطة ضوء كما أشرت في أحد حواراتك في خضم الإضاءات الكبيرة والكثيرة للفن الإبداعي ، فهل كانت تلك النقطة تساوي الجهد المضني لنصف قرن من الزمان لتلك المسيرة المثمرة ، وما هي الجائزة التي حظيت بها ؟
ج71 : أشكر إكبارك لي لولهي المفتون بالتتبع والنهل من سحر الإبداع أما الحواريات فأنا أعتز بها جميعاً حتى لو كانت في كلمات قليلة فمن يحاورك يقدم لك محبته وحرصه على أن يسمع منك أجوبة وافية على أسئلته أما نقطة ضوء فمن اسمها هي نقطة ضوء ولكنها مع نقاط أضواء لحوارات أخرى موسعة تصبح شعاعاً ونوراً وضياءً وتوهجاً يعادل جهد خمسين سنة ويكون هو الجائزة الأحلى .
س72 : عبر حوارات أجراها معك الأديب الكبير طلال حسن حول محطات مسيرتك الثقافية : المحطة الأولى والمحطات التالية وتوقف عند المحطة الراهنة ، فأيٍ من المحطات القادمة التي ستقف عندها وما يميزها عن تلك المحطات السابقة ؟
ج72 : الأخ والصديق العزيز كاتب أدب الأطفال المبدع طلال حسن جعل الحوار معي على شكل محطات العمر وإذا كانت المحطات السابقة قد كشفت أنوارها فليس من السهل – عزيزي غانم – التكهن بمحطة المستقبل .. قد تكون الرحيل ! وقد تكون التواصل أما الوقوف فهو حالة مرفوضة عندي ونستمع للشاعر :
ما مضى قد مضى والمؤمَّلُ غيبٌ ولك الساعةُ التي أنت فيها
س73 : كثيرون ممن حاوروك وكتبوا عنك وعن مجاميعك القصصية الكثيرة أو ممن قاموا بدراسة نصوصك القصصّية فمن منهم من أستطاع أن يسبر أغوارك أكثر ، وحاول أن ينصفك ؟
ج73 : هم أكثر من محاور وربما كان أكثرهم وضوحاً د. أحمد جار الله ياسين ود. فائق مصطفى وموفق العسّاف والسيّدة الباحثة نفلة حسن أحمد العزّي صاحبة الرسالة الجامعية للماجستير .
س74 : الكاتب الغربي بإمكانه أن يصبح مليونيراً إن أستطاع أن يصدر كتاباً أو مجموعة قصصّية أو شعرية أو رواية إذا ما أبتسم له الحظ ، في حين أن الكاتب الشرقي وعموماً العربي وخصوصاً العراقي حتى إذا أصدر أكثر من كتاب أو مجموعة قصصّية أو شعرية أو رواية وإن أبتسم له الحظ فلا يستطيع أن يسدد تكلفة الورق أو أجور الطباعة .. ويحضرني بحزن عميق حلم الروائي السوري حنّا مينا في أن يغير ستائر غرفته والتي كثرت مخاطباته بشأنها مع أحد أصدقائه الأدباء في مصر فمات ولم يستطع أن يغيرها .. فما هو ذلك الشيء الذي يدور بخلدك لتحقيق حلمك ؟

المحاور الأستاذ غانم البجاري

ج74 : الكاتب الغربي يبدأ هاوياً وما أن يحترف حتى تنهال عليه طلبات دور النشر والصحف والمجلات لتسويق نتاجاته ومعها تتصاعد مكافأته وما يحصل عليه من عقود مجزية تنقله لعالم الرفاهية والسفر وشراء الدور ، أحزنتني – عزيزي غانم – بالحكاية المؤلمة عن حنّا مينا وحلمه للحصول على الستائر الذي مات ولم يستطع تحقيقه . هكذا نحن جميعاً في غالبية كبيرة من أدباء الوطن العربي ودول الشرق عموماً .
س75 : يقول الكثير من العلماء النفسانيين والأطباء وقد سبقهم الفيلسوف العربي ابن سينا أن الموسيقى علاج ناجع للإنسان .. فهل كانت الثقافة عموماً والأدب خصوصاً كذلك ؟
ج75 : لقد سمعت بذلك وقرأت رأي العالم والطبيب المسمى الرئيس ابن سينا بكتابه الشهير : القانون في الطب عن الموسيقى كعلاج لأمراض كثيرة خاصة منها حالات الأمراض النفسية كالكآبة والرهاب والتشاؤم المظلم تجاه الحياة وحتى بالنسبة لبعض الأمراض العضوية كعلاج أو كمسكن وأرى أن الثقافة عموماً والأدب خصوصاً وبخصوصية أدق القصّة والرواية قد تصلح حالها كحال الموسيقى في علاج ناجع لبؤس الإنسان وأمراضه وأحزانه واحباطاته .
س76 : كتبت قصّة القنّاص عن المصور الفوتوغرافي العالمي مراد الداغستاني ، والتي كانت صورة عن معالم مدينة الموصل القديمة وشطآنها وأسواقها بكادحيها ومجانينها ، تمزج بين الحرفة والتعبير الحي، للموضوع وقد حازت على جوائز عالمية ، فهل كانت معالجتك القصصّية واختياراتك لأبطالها ضمن هذا المفهوم ، أم كانت تعتمد على السّرد البعيد عن الإبداع ، وكأنها صورة فوتوغرافية ، باردة ، بعيدة عن روح الإبداع ؟
ج76 : أيّ كلام هذا : السرد البعيد عن الإبداع ؟ القنّاص قصّة طويلة في عشر صفحات نشرت في الموقف الأدبي السورية وتناولها القاصّ والشاعر والرسّام الدكتور أحمد جار الله ياسين ببحث أكاديمي موّسع يربط فيها فكرة القنّاص بكل محاولاتي لتصنيع واقتناص الشخوص والأحداث وقد نشر دراسته المطولة في جريدة الحدباء وبحلقتين ، وكما تناولها الناقد السوري محمد قرانيا بتحليل عن فكرة القنصّ والصيد في قصص أنور عبد العزيز .
س77 : دعنا نتساءل قليلاً عن الشعر .. هل حاولت كتابته ؟ وهل استطاع الشاعر أن يوصل رسالته إلى المتلقي ، أكثر من كاتب القصّة والرواية ؟ صحيح أن أروع الشعر أكذبه ، كما يقولون وهل تنطبق هذه المقولة على القصّة والرواية ؟ وهل يصح أن نطلق على الكاتب سواء أكان كاتب قصّة أم رواية صفة كاتب الكدية كما تطلق على الشعراء شعراء الكدية الذين يمدحون الحكام ويطلبون منهم المال ؟
ما هو رأيك بالشعر السياسي وهل هو أداة تغيير أم أداة تمجيد للسلطة؟
كذلك بالنسبة للشعر الشعبي الذي له باعٌ طويل ، في تحريك الجماهير أيام الاحتلال البريطاني للعراق لكنه فقد دوره في الاحتلال الأمريكي خاصة في جنوب العراق باستثناء حلم عباس جاجان وما السبب في ذلك ؟
ج77 : من المعروف أن الشعر زمنياً أقدم من القصّة والرواية وقد أوصل أكثر من رسالة لمتلقيه عند كل الشعوب وعبر كل العصور والأماكن .. الكدية ذليلة سواء أكان من أقترفها شاعراً أم قاصّاً بهدف الحصول على المال والمكاسب من الممدوحين .. الشعر السياسي من اسمه فهو مسيّس أمّا عن الشعر الشعبي وعباس جاجان فلا اطلاع لي عليه ولا أعرف من هو عباس جاجان .
س78 : كتبت لي ذات مرة ، قبل سنوات ، بأنك قارئ متمرس ، منذ الخمسينيات ، وكنت تعاني من آفة القراءة ، أو من هذا الذي يسمونه المرض الجميل أو اللذيذ وهذا بلاء والأكبر منه الطنين ذلك المرض الذي تعاني منه منذ سنين طويلة ولحد الآن ، مرضان كبيران ، عملا عملهما بك بكل قسوة ، فهل هما اللذان صنعا أنور عبد العزيز ؟
ج78 : نعم القراءة المتواصلة ذلك المرض الجميل اللذيذ ومع خمسين سنة وأكثر من العمر هو سبب رئيس للثراء بتجربتي الكتابية الإبداعية وربما كان – وكما ذكرتَ – لمرض الطنين تأثير في خلق التحدي للمرض اللعين والإصرار على التواصل مع كل آلام المرض منذ أكثر من ربع قرن ليلاً ونهاراً وعلى مدار الساعة .. إن مرض الطنين جلب معه الصمم الذي ألحق بي ضرراً فادحاً فأنا بطبيعتي أحب الناس والأصدقاء والأقارب والاختلاط وهذا المرض حدّ من علاقاتي الاجتماعية كما أنه حرمني من التواصل وحضور الندوات الثقافية والاحتفالات الأدبية فمشاكل السمع سببت لي إحراجاً وعجز عن التواصل مع محاضرات وطروحات الآخرين .
س79 : من المعروف أن أدب الأطفال لاقى إقبالاً كبيراً لدى القراء في الغرب وهذا الجنس من الأدب مرّ بمراحل كباقي الأجناس من الأدب ، بعدما أنسلخ عن الأغراض التعليمية بالمدارس وأصبح رواده وأدباؤه متخصصون فهل حذا حذوهم أدباء عرب ، تخصصوا في هذا المضمار ومن هم برأيك ، وهل كاتب المحاولة الأولى مغامرة بالكتابة للأطفال ، وهل تتفق معي أن طلال حسن يعـد من أولئك الكبار ؟
ج79 : نعم إن طلال حسن مبدع كبير في أدب الأطفال عراقياً وعربياً فقد أصدر عشرين كتاباً طبعت في بغداد ودمشق وعمّان وحمص والإمارات ، وكتب أكثر من ( 1200 ) قصّة ومسرحية للصغار والفتيان وترجمت له أكثر من مسرحية لعدة لغات كما أنها مثلت في أكثر من مدينة عراقية وفاز في عدة جوائز عراقية وعربية ، وهناك كاتب آخر لأدب الصغار من الموصل هو زهير رسّام . أما من الأدباء العرب الرواد فكامل كيلاني ومحمد أحمد برانق ومن العراق شفيق مهدي وجعفر صادق محمد وفاروق يوسف وحسن موسى ومن سوريا ليلى صاية وزكريا تامر ودلال حاتم ومن مصر حديثاً سمير عبد الباقي ومحمد المنسي قنديل .

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (4)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (3)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (2)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *