جاسم العايف : (دموع الأرض) للشاعر مجيد الموسوي: رفض التصالح مع الراهن (ملف/1)

(دموع الأرض) للشاعر مجيد الموسوي: رفض التصالح مع الراهن
جاسم العايف

يفتتح الشاعر”مجيد الموسوي”مجموعته الشعرية الثالثة”دموع الأرض”* بيوميات الربيع الدامي مستعيراُ فيها ما ذكره هنري مللير في إن”الحرب هي شكل من أشكال الجنون، سواءُ كانت أهدافها نبيلة أو منحطة. والقتال ليس سوى فعل يدل على اليأس لا القوة”. الم يردد دائماً”اندريه مالورو”في

كل الحروب التي خاضها، أو كان مراقباً لها عن قرب، طوال شبابه:بـ”أن الحرب.. هي سُم الإنسانية وعارها الدائم حيث ما تكون ولأي سبب يكمن خلفها أو يدفع إليها”. لذا فـ”الموسوي”يتوجه شعرياً للعنة الحرب التي تخّرب الأوطان والمدن وذاكرة وروح الإنسان:
“رؤس تطوّح حاسرةً،
ودماءٌ
ت..
س..
ي..
لْ!”
أما عن ما يرافق الحروب،عبر التاريخ الإنساني، وفي كل مكان، فيرى:
“في هدأة الليل
تأتيني أصوات العويل البشري:
أصوات المذابح التاريخية كلّها
أصوات الجماجمِ
والأكف
والأرجل..
أصوات الموتى”.
“مجيد الموسوي”، مجايل لشعراء العقد السبعيني، ويكتب قصيدة التفعيلة الحديثة، إلا ما ندر. ومن خلال شعره ومداخلاته يرى القصيدة بصفتها حالة غامضة من الغياب والحضور من الحلم واليقظة، من التذكر والنسيان،حالة من احتدام الروح يغدو فيها، الإمساك بالبدء أو المنتهى أقرب للمستحيل!!. وحتى اللغة،لا تكاد تلتقط من هذه الحالة إلا بعض سطوعها وشراراتها.. القصيدة لديه تريد أن تقول شيئاً،أن تبوح بسر ما، برؤيا، بحلم، شيء مدهش، من السحر يؤجج الأعماق،ويشعل في الروح الحرائق!.إنها أشواق متحدة بالأقاصي، ونشوة شاملة تتلبس الروح، ومن هنا يصبح تحديد بدء القصيدة شاقاً وعسيراً لديه. كيف تبدأ القصيدة أذن لدى الموسوي؟. ربما ثمة محفزات توقظ فيه الحنين إلى عالم الغرابة والمجهول والرؤى، ترنيمة بلبل، وجه عابر،أغنية، فتاة ناحلة محبطة، كلمة في الريح، مشهد ما:”أخيراً: أيها الوجهُ البعيد تمدَّ لي خيطاً رفيعاً/ تستفزّ به الكهولةَ، أي خيط للنعاس يجيءُ!/ أي شذا تبقّى، بعد،/ أي ملاءة كالريح خافقةٍ سألمسها/ واغسل في مساحبها اكتظاظَ الشعرِ/ أيّ حديقةٍ أولى تفتحُ لي/ فادخل”. هكذا تفجّر المصادفة أو المفارقة لوعة الروح، فيندفع للقول، محاولاً الإيغال في عالم الشعر، والإمساك بشيء من لهبه ونشوته، من شذاه وغبطته وربما من جنونه وفوضاه!؟. وعندئذ تبدأ القصيدة. ولكن هل هذا التوصيف يكفي لولادة القصيدة؟. إننا عند هذا الحد نغفل مسألة غاية في الأهمية،يذكرنا بها شاعر صيني عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، كان من سوء حظه أن يخسر موقعة عسكرية، لكنه ربح الشعر!!. ذلك الشاعر الذي جعله”ماكليش” في”الشعر والتجربة”دليله لمعرفة عالم القصيدة. إنه الشاعر”لوتشي”الذي يحدد الحواضن الموضوعية لولادة القصيدة، من خلال جملة من المسائل، يرى فيها الأساس في ولادة النص الشعري بوصفه، اصواتاً وكلمات، قبل أي شيء آخر، فإذا أردنا أن نحدد ذلك بنقاط أوردها”لوتشي”يمكن ندرجها على النحو التالي: يجلس الشاعر على محور الأشياء، و يتأمل في سر الكون و يغذي عواطفه بمآثر الماضي. ثم يتنهد لمرور الزمن،إذ يتقلب مع الفصول.و يعاني من البرودة وقلبه مفعم بالرهبة. فإذا اطمأنت روحه، رمى بالكتب بعيداً، وتناول ريشته ليعبرعن نفسه بالكلمات. هذه القضايا المدهشة هي التي تضبط إيقاع الشعر، وتحدد اتجاه بوصلة الشاعر، وتولد القصائد من خلال تلاحمها في سياق متصل خاص، وإذا تأمل المتلقي هذه الآراء التي تبدو للوهلة الأولى، محض تعبيرات، فأنها تنم لوحدها عن لًمع من المعرفة، تشع من وراء الجبال البعيدة التي يقطعها الساعون وراء الشعر. الشعر لدى (الموسوي) ليس مجرد انتظار سلبي لانبثاق الرمز من أعماق اللاوعي، بل من قطبين هما، الإنسان – العالم، لينبثق بعد ذلك ضوء القصيدة المشع من ملايين الأشياء، التي يتأملها الشاعر، والتي لا يراها الآخرون. ومن الواضح إن هذا وصف خارجي لولادة القصيدة، ولكن بأية طريقة، يحدثنا”لوتشي”عنها؟. فالشاعر هو الذي”يأسر السماء والأرض داخل قفص الشكل”.إنه بكلمات أخرى ليس ذلك المخترع للأشكال الحرة، بل العكس إنه يستخدم الشكل كشبكة، يتصيد، ويأسر التجربة جميعها ويحدد”لوتشي”ذلك بقوله:”نحن الشعراء نصارع اللاوجود لنجبرهُ أن يمنح وجوداً ونقرع الصمت لتجيبنا الموسيقى، أنك كشاعر تأسر المساحات التي لا حد لها في قدم مربع من الورق”. بالنسبة للموسوي القصيدة لا تولد من فراغ ولا من حسن النوايا كذلك، أنها معاناة خاصة تجمع طَرفَي التأمل والشكل، أي تفريغ رؤيا الشاعر في شكل إنها الإنسان بكل تجلياته، ومعه الأشياء جميعها لكن داخل شكل محدد.
2
مجيد الموسوي هو من القلة النادرة من الشعراء العراقيين الذين ما زالوا يواجهون الواقع الضاري والعالم وبربريته برومانسية، تلك الرومانسية الخلابة،و عبر الـ (أنا) الخلاقة، وغير المنغلقة على ذاتها من خلال غنائيتها المترفة:
“هكذا
مثلما قد
ترى خفتَ اللحنُ في فم هذا الفتى..
واستحالت قصائده حجرا..
….
كاد يتبّع الطير
وهو يغادر مكمنه الحرّ
لكنه دونما سبب واضحٍ
رجع القهقرى”
ثمة ميل في توجه الشاعر”الموسوي”على رصد الواقع وإصرار على عدم التصالح معه، من خلال تساؤلاته، وتقلباته الذاتية، إنه يواجه العالم والواقع الصلد بالشعر الذي يتميز غالباً بالبحث والتأمل والأسئلة التي لا جواب لها:
“لماذا
توجست، حين دخلتُ المدينة،
من شجرٍ غائم
وعيون
تراود
خطوي ونهر بلون الرماد”.
مفتتح القصيدة يستدعي قصيدة”البحث عن خان أيوب”لسعدي يوسف لكنها تشق لها طريقاً آخر، لا يلتقِي بقصيدة (سعدي) بل يفترق عنها بالموضوع وبخصوصية التوجهات:
“لماذا رأيت ُ الحدائق والشرفات الخفيضة
والطرقات التي كنت اعرفها
والمنائرَ والعشب
قد وشحت بالسواد
لماذا!”
ثمة نبرة خاصة للحلم والشفافية جعلتا من رؤيته تتجه صوب التأمل والتفكر ومعايشة الخيال فـ(الموسوي) الشاعر ينفذ إلى الوجود الإنساني عبر نصوصه الشعرية وغنائيته روحياً، وبوحه المُفتقد، في ما نقرأ الآن من شعر، أو نسمعه من على المنابر:
“هكذا
مثلما قد ترى
خفتَ اللحنُ في فم هذا الفتى
واستحالت قصائده حجرا”
أو
“أترى:
كلما اقترب الوعدُ
واختلج النجمُ
ساوره الوهمُ ثانيةً
فاكتفى بوساوسه سفناً
ومضى
مبحرا..!”
نحن أمام شاعر متخم بالأسئلة التي لا تحتاج لأجوبة لأنها أسئلة غارقة في الوجدان، وهو المفتون بكل شيء يعيشه ويراه، ومنه مدينته، وعبر آفاق بعض قصائده يتفرس في بقايا الأمكنة المحلية وخصوصيتها التي كلما ننأى عنها، نعود لاستعادتها، بوسائل وطرائق شتى، ونسقط على الكثير من بعض مظاهر الحياة المادية فيها، حاجتنا المتواصلة للإحساس بالحماية والأمن اللذين يمكن، في لحظة ما،أن يتوفرا لنا، و لا يفتر عن ترديد(بصرته)، كأنما خلق لها، وغمس في تيارها واستنشقها:
“البصرة/ عين الأرض الأولى: الاهوار/ البردي/ القصب/ الصفصاف/ طيور الماء/ السمك البنيّ/النخل/ الطين الحريّ/ النبق/ العشبُ/ الشجرُ/ العشار”
“البصرةُ
لمعٌ في ذاكرة البرقِ
وسيدة لا تنسى حين تغادر:
تترك بعض أنوثتها
النفنوفَ المبتلّ الخفينِ
ودغدغةَ الآه!
البصرة
آخر ما نملك في الأرض
وأول
ما يرفعه الله”.
انه ذلك الوجد المتسرب للروح التي لا تعرف استقراراً ولا تهدأ عن الهيمان. الموسوي يغريه الخوف من حيرة الجواب على السؤال، فيواجهه بسؤال آخر، وهذا ما يميز شعره في”مخاطبات العشب”/ 2000 – بغداد / دار الشؤون الثقافية و”يقظة متأخرة”/ 2001 عن ذات الدار. وكذلك (دموع الأرض) ثمة ضجيج الأسئلة المتواصل إذ تتكرر مفردة”لماذ”كثيراً وهو السؤال الذي ينتج عن مجهولية السبب الذي لا يمكن مسكه أو إدراكه في الوجود عامة وفي الحياة الخاصة:
“لماذا تركتِ يدي ومضيتِ
لماذا تركتِ قميصي المدّمى ببيتي
لماذ، وقد بح صوتكِ من وحشةٍ،
بحّ صوتي
لماذا وقد قمت
من جدثي عارياً
بعد أن صلبوني عانقتني
وبكيتِ!”

في (دموع الأرض) نتعرف على الباقية من”ملامح الشعراء الرومانسيين البصريين الذين راهنوا على الحلم والتخاطب معه واليقظة المتأخرة من غفوة الموت في الحياة، الشاعر مصطفى عبد الله في “الأجنبي الجميل” والشاعر عبد الخالق محمود في “عازف آخر الليل”، اللذين دلفا إلى عالم المتعة الأبدية واستراحا من عالم الخيال وإجهاده، وبالتالي تحمل مجيد الموسوي وحده حملهم،و إخفاقات عالمهم المشحون بالرومانسية، وناء بأخيلتهما معاً بعد رحيلهما”/ الناقد عبد الغفار العطوي- مداخلة في الاحتفاء بمجيد الموسوي/.ومع إن العطوي جهد كثيراً في أن يموضع الموسوي في خانة (العرفانين)، لكن عالم الموسوي الشعري يفتح أفقاً واسعاً للتحديق بالواقع الذي لا يتصالح معه لكنه يحدق به، و يرى ما لا يراه غيره فيه وعبر عالمه الشعري الذي ينطوي على مزدوجتي الواقع- الحلم. ويفتح الباب واسعاً للغياب عبر المفارقة والإيغال في التيه القادم من الواقع ذاته:
“سأسوى طريقي
ولكن: إلى أين؟
لا فجر مبتكراً يتنزل لي
أو قناطر تكشف لي سرها
أو سفائن تنشر
في الريح أشرعة
وتهاجر
لا نجم لي يترقرق في آخر الأفق
!لا شيء
لا شيء!”.
……
“في أي زمان نحن،
وتأخذني سِنة
وأعود إلى النوم
فيربكني
الحلمُ
أفز من الرعب:
أرى أشباحاً ليليين
يعيثون ببيتي
وتغيم الرؤيا”.
يمنح الموسوي في (دموع الأرض) ما يمكن أن يمنحه الشاعر من اهتمام وحنو تجاه الكثير من أصدقائه ومعارفه، الإحياء منهم: خالد خضير في “الرسام” وفوزي السعد في “الشاهد الأخير” وذلك الشاعر المنسي الذي لم يفصح عنه. لكن ثمة بريق خاص في ما نفتقده، لذا يكتب عن الراحلين، شقيقه حسون وأمه ووالده وخاله وجده وبعض معارفه، وفي ذكرى الرسامة العراقية، ونازك الملائكة، ومحمود عبد الوهاب، والبريكان، ورشدي، لعله، العامل، و في ذكراه بالذات، و كلكامش وأحزانه، وكزار حنتوش..الأمير المتسول:
“سأتنحى قليلاً
عن خطوتهِ الندية، المرتجفة
كي يمرَّ إلى مثواه..
فلا يليق بالشاعر
غير
تاج الأبدية”.
والشاعر مهدي محمد علي، صديق الصِبا والشباب المتسرب حالياً، و الذي يوجه له قصيدته”موت المغني”بعد وفاته منفياً:
“أهذا، إذن آخر المنتأى، آخر الأرض
آخر هذا الطواف الطويلْ؟
أهذا إذن،آخر الحلم:
شاهدةُ نصف مائلةٍ
وتراب نديّ تسفسفه
الريحُ
تـأتي وتمضي..
وتأتي وتمضي..
وكفاك مسبلتانِ
وعيناك مطبقتان
ليل يطوق قبرك
ليلُ ثقيل..؟
أهذا إذن آخر العمر؟
…..
…..
يا للزمان البخيلْ!”.

*دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع/ بغداد 2013. الغلاف الفنان صدام الجميلي

*عن صحيفة المدى

شاهد أيضاً

ميرنا ريمون الشويري: عالم من دون حدود في رواية مخيم المواركة (ملف/37)

إشارة : طبع القاص والروائي “جابر خليفة جابر” بصمته الأسلوبية المميزة على خارطة السرد العراقي …

حمدي العطار: رحل رزاق ابراهيم “غوركي العراق” (ملف/3)

شكل رحيل الكاتب والشاعر والناقد “رزاق ابراهيم حسن” يوم الجمعة المصادف 7/9 /2018 خسارة كبرى …

عزيز لطيف: الوطن عند حسين مردان (ملف/10)

إشارة : في العراق، وعبر مجموعته الصادمة قصائد عارية-1949 ، أكمل الشاعر الكبير حسين مردان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *