خليل مزهر الغالبي : الناقد وجدان عبد العزيز في دراسته (الايروسية حضوراً وغياباً) في شعر المرأة العربية المعاصرة

الناقد – وجدان عبد العزيز- في دراسته
(الايروسية حضوراً وغياباً) في شعر المرأة العربية المعاصرة
خليل مزهر الغالبي 

يعد كتاب (الايروسية حضوراً وغياباً- في شعر المرأة العربية المعاصرة) للناقد “وجدان عبد العزيز” وهو من اصدارات وزارة الثقافة العراقية ـ دار الشؤون الثقافية العامة ، دراسة استقرائية اختلفت باختلاف النصوص المختارة للشاعرات العربيات ،مع توحد رؤى الناقد للستراتيجية المهمة للشعر الانثوي الايروسي، كمنطق شعري متقدم بحداثته العابرة للتابوات الصارمة التي وضعها القانون الذكوري،وكما في تبيان الدراسة وخطاب نصوصها المختارة.
ان منتج الشعر الايروسي،هو طبيعة انسانية لغواية مفتوحة و فتنة دائمة في صيرورة الانسان ومنها المرأة ، وكتبتها الشاعرة العربية بمثول ناشط وعابر للخشية والتوجس من المراقبات السلفية وتحذيراتها،وكما وصفها الناقد “وجدان عبد العزيز”(هي ثورة شعرية قادتها المرأة العربية للتعبير عن خلجات الانثى بمواجهة الكبت والحرمان والسلطة الذكورية)ص8، وتم اعداد النصوص المختارة وفق رؤية الكاتب في تميز ابداعية هذه النصوص،وهي نصوص مختلفة في بصمتها الشعرية لكل شاعرة ،حيث اللغة والسرد الشعري والبناء الفني العام لها ،وهذا من بديهي الخلق الشعري وابداعه.خاصة وقد جمعت الدراسة اكثر من اربعين شاعرة ،ومنه كانت الدراسة التي نهجها الناقد “وجدان عبد العزيز” تقع ضمن مفهوم اللغة الاتباعية Metalanguage للناقد “رولان بارت”في تناوله الدراسي النقدي في مقالته” نقد وحقيقة “ التي يوضح فيها (لا تتعلق موضوعية الناقد الأدبي باختيار الشيفرة، ولكن بالدقة في اختيار النموذج الذي سيطبقه على العمل الأدبي)وهي اللغة بمعناها اتباعية النقد للعمل الأدبي ،ويرى “بارت” أن تكون هذه اللغة لغة فاعلة وتتغير مع النص المدروس ( النص المنتقد)،والذي يملك استبانه منه ليحدد منهاج النقد له،بدون ارغام يملى من خصوصيات خارج النص، وهذا ما وعاه الناقد “وجدان عبد العزيز” وعرفه في ذكره(الحقيقة الجدلية النقدية التي تتخذ من النص مساحة بحث وانطلاق لها،نجدها ذات جذر متغير في نموها،وعدم استقرارها الثابت،مما يوحي ان النقدية تنبع من النص وتنمو في ارضه وتجترح آلياتها واجرائاتها المنهجية من خلال خلجات النص …)ص110.
والايروسية الشعرية هي من النتاجات الأدبية الحديثة التي ظهرت بعد حصار ثقافي طال أمده،وتسعى هذه الظاهرة الى رفض النظرة الدونية للجنس ،والتي تشيعها المهيمنات التاريخية للثقافة الذكورية الاجتماعية والرسمية، لذلك كانت سلاحاً بيد المرأة الشاعرة وهي تحارب بلادة الرؤى للجسد الانثوي وحصره بالفعل الجنسي الرخيص.
وكان الناقد “وجدان عبد العزيز” في قراءته للنصوص قراءة باحثة عن الدلالات اللغوية في انفتاحها الإيروسي، كما في نص “فضاءات الغياب” للشاعرة “اسماء القاسمي” نموذجاً في قوله ((وبعد جدية في الدخول الى مسلمات النص وجدت ( اهم هذه المتقابلات :موقع الانسان/ الشاعر بالنسبة الى فعالية الكتابة الشعرية)،لذا كانت الشاعرة القاسمي،قد دخلت حالة التوتر بين طرفي ايقونتين داخليتين غير مرئيتين،وهي ايقونة السمو في الفضاء المفتوح،كقولها(سأسرج النجمة) والنكوص نحو الارتداد الذاتي بقولها( لازالت الافاق موصدة)،وان هذين الصرعين هما سبب تكوين ايقونة العنونة (فضائيات الغياب) اي اسناد كلمة فضاءات الى كلمة الغياب،لوضع صورة مبالغ فيها لإضاءة الذات المبدعة باتجاه))ص129 ومنه يمر الناقد لنص القصيدة.
ونلاحظ حوار الناقد ايضاً لنص الشاعرة “سمرقند” ((وقنديلين في عيني /أغسل بضوئهما عتمة مساربك /فبشر اصابعك بازميلي / ساعلمك درس في النحت /لتنجز تمثالاً من عطري))106، فيرى الناقد ان ((أي تمثال واي عبير هناك؟ احتياج ماس جداً تدنو منه اشكالية الشاعرة للدنو من حضور الاخر…)) لكن الناقد يذهب لقراءة شرط النص في هذا الاقتراب في الدنو، منهاً لاحتماليته في لاحق ذكره ((…لكن ليس بالضرورة بما هو متعارف،انما احتياج لنشدان السمو –فأنا أريد أن أتوج انوثتي/بشمعدان رجولتك) هنا نزلت الشاعرة الى عر النفس الانسانية ورغباتها،لتكون سوية غير شاذة))ص106
ان طبيعة الشعرية الإيروسية للمرأة الشاعرة تقع ضمن الإتسامات الهادءة والمشيعة للمناخ اللغوي الملائم لحوار نصها الايروسي ،وتحقيق اقناع الاخر وتقبله، وهي اقناعات بعيدة عن التسجيل الشهرزادي المذل لماهية الانثى.
وكانت النصوص المختارة في الدراسة ،هي نصوص ثقافة الاحتجاج الناعم في ترسيخ بنائات تحديثية في الشعرية اليروسية المعاصرة، وبما تحرك الجسد وتمنحه الكلام ليعبر عن شعورة ككائن انساني حر وعاقل، كائن له الحق في الحضور داخل النص و التعبير والكشف عن ما اسكنه خلقه البيلوجي الحسي و ميزاته الخفية الغير قابلة للقمع،وهذا ما حاوره الناقد “وجدان عبد العزيز” لنصوص الايروسية المختارة بوعي عالي وثقافة استقرائية متقدمة وبعيدة كثيراً عن الممنوعات،لتعد دراسته دراسة كاشفة وعابرة لثقافة الايروس الرخيص و الاخرى المانعة لها وأوامرها على حد سواء،خاصة وهي نصوص ذات بناءات ناعمة لاتقبل خشونة المنع واتهاماته الغير لائقة بمكانة المرأة كرمز للعطاء الحياتي ونموه.وكما اكدته الدراسة وفق كشوفاتها الطاردة لخشية النص الانثوي والعبور به لتلك المصدات وتحقيق جمالية موضوعة الايروس في النص الشعري للمرأة.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد تركي النصار…. هوية الشعر.

*هو الاكثر صخباً، وجرأة، أيام كانت رسائل الحبيبات تصل الى المقابر، بحثاً عن عاشق حملته …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (9)

 الذات الشاعرة والإنشغال بالزمن كتاباً مفتوحاً   شاكر مجيد سيفو ما يشبه تصدير القراءة.. تثير …

فاروق مصطفى: الدكتورة (سلوى جرجيس) و رحلتها في (الف ليلة و ليلة)

كتاب (الف ليلة و ليلة) المثير في حكاياته الملأى بالغرائب و العجائب الذي يلدها مخيال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *