مجدي ممدوح : تيار «الميتا رواية» في اعمال العراقي احمد خلف (ملف/23)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن المبدع الكبير “أحمد خلف” الذي اثرى السرد العراقي والعربي بالكثير من الأعمال القصصية واالروائية المهمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء هذا الملف بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير أحمد خلف وهو يواصل مسيرته السردية بثبات وتصاعد بارز.
تيار «الميتا رواية» في اعمال العراقي احمد خلف
مجدي ممدوح
صورة
مجدي ممدوح – اذا كان أحمد خلف قد ولج لعبة ما وراء السرد على استحياء في روايته الاولى (الخراب الجميل) فان هذه الرواية وان انتمت شكلا الى هذا التيار، بقيت من حيث المضمون خارج ترسيمة الـ «ميتا رواية».
في رواية (الخراب الجميل) نجد (محمود سعيد) بطل الرواية مشغولا في جميع العناصر الضرورية لصناعة روايته من داخل الاجواء التي كان يحياها في المؤسسة الصحفية التي يعمل بها ويصرح ان روايته ترتبط بفكرة الخراب الجميل المستوحاة من قصيدة ادونيس. وتستند فكرة الرواية (المسرحية) الى ضرورة وجود قصدية وارادة واصرار وراء تحقيق الاحلام الجميلة، وهذا يأتي غالبا بعد الخراب الذي يعم حياتهم، وهو ما يدعوه بالخراب الجميل. ونلاحظ ان البطل (محمود سعيد) لم يحمل ملامح البطل (الميتا روائي) الا من حيث التحدث داخل النص عن همومه السردية وانشغالاته في جمع مادة النص ومعالجتها دراميا.
ولكن احمد خلف سيعاود الكرة بعد عقدين من الزمن ليقدم لنا في قصته الطويلة (تيمور الحزين) عملا اكثر قربا من تيار الميتا رواية. حيث نجد البطل منذ البداية ينهمك في قراءة مخطوطة كان ابوه المتوفي قد احضرها من بلاد الترك حين كان جنديا في الجيش العثماني في ماردين التركية ويخص احداثا مختارة من سيرة حياة تيمور لنك. وبالاضافة الى انشغال البطل بتحليل ومعالجة المخطوطة والاحداث دراميا فان السرد يدخلنا الحياة اليومية للبطل الذي يعاني وضعا اجتماعيا معقدا بسبب الاقصاء الذي يتعرض له في محيطه الاجتماعي كونه مشتغلا بالادب في مجتمع لا يلقي بالا للأدب والادباء. بالاضافة الى الاحباط الذي يشعر به من جراء هجر خطيبته له للسبب عينه كونه لا يفعل شيئا مهما.
ونلاحظ هنا معلما اضافيا من معالم البطل الميتا روائي وهو شعوره بالاحباط والاقصاء والتهميش من قبل مجتمعه، مما يجعل «تيمور الحزين» اكثر قربا من تيار الميتا رواية. مع الاشارة انها لم تحقق عناصر الترسيمة كاملة. وعلى العموم فان «تيمور الحزين» تبقى علامة فارقة في القصة العراقية بغض النظر عن قربها او بعدها من هذا التيار. فليست هذه الميزة فقط هي التي اعطت للقصة اهميتها وقيمتها الفنية العالية.
ولكن احمد خلف لن ينتظر طويلا. فبعد ثلاث سنوات نراه يطلع علينا بـ (موت الأب) هذا العمل الميتا روائي الكبير الذي حوى كل العناصر المنضجة لصناعة عمل ميتا روائي يمتلك كل مقومات النجاح، الذي سيجد له مكانا متميزا في تيار الميتا رواية العالمي، بل اننا سنجد احمد خلف يبدع تقنيات جديدة في السرد (الميتا روائي) من خلال توظيفه للنظريات الحديثة في القراءة والتلقي التي تعطي دوا متعاظما للقارىء على حساب المؤلف.
في الميتا رواية، دائما نجد المؤلف وهو غالبا متوحد مع الراوي المركزي منشغلا في هموم الكتابة السردية من حيث جمعها ومعالجتها دراميا، ويتحدث عن هذه الهموم داخل فضاء النص. هذا من حيث الشكل، اما من حيث المضمون فاننا دائما نجد البطل الميتا روائي يعاني من الاحباط ويفتقد الحب والاهتمام، ويعاني من اقصاء وتهميش المجتمع. وينتهي به المطاف الى العزلة، ليغدو كائنا متوحدا يفقد صلته بالواقع لكي يخلق لنفسه انساقا تخيلية اصطناعية مغرقة في الذاتية، وينتهي به المطاف لكي يعيش هذه الانساق ويستعيض بها عن الواقع وهنا نلحظ بوضوح ان المؤلف الميتا روائي يهرب الى النص الذي يصنعه لكي يصبح فضاء النص هو عالمه الحقيقي.
هذه هي الترسيمة النموذجية لنمط الميتا رواية، واذا ما طبقناها على اعمال احمد خلف سالفة الذكر (الخراب الجميل، تيمور الحزين، موت الاب) فسوف تكون معيارا جديدا لتحديد قرب او بعد اعماله السابقة عن هذا النمط من السرد.
ولكن لماذا يهرب احمد خلف الى الميتا رواية، واي اغراء يدفعه لذلك، هل ان ذلك بدافع رغبة لمواكبة احدث التقليعات في صناعة الرواية؟ من يعرف احمد خلف يدرك ان الامر لا يمكن ان يكون على هذه الشاكلة، لان احمد خلف لا شيء يقوده ويحدد توجهه سوى ابداعه، هو بوصلته ولا شيء آخر، هذا الابداع الذي اضفى عليه شفافية حتى اصبح داخله يرى كخارجه وسيكون من السهل التعرف على احمد خلف من خلال ابطاله، وسوف تكون هذه الميزة (الشفافية) مدخلا مهما وربما وحيدا لفهم الدواعي التي ادت بأحمد خلف الى الهروب التدريجي الى الميتا رواية لان روايته «موت الأب» سوف تشي بكل الظروف التي رافقت هذا التحول والذي سيمثله (امجد) الراوي المركزي المتوحد مع المؤلف.
وتجربة احمد خلف في الميتا رواية، تتطابق في خطوطها العامة مع التجربة الانسانية لكل المؤلفين الذين لجأوا الى الميتا رواية تضاف اليها خصوصيتان: اولهما خصوصية المبدع العربي الذي يتعرض بشكل متواصل الى الاستلاب الحياتي والتهميش كأحد مظاهر تهميش الثقافة في العالم العربي حيث ينظر المجتمع العربي نظرة ريبة الى المبدع باعتباره لا يفعل شيئا وثانيهما: خصوصيته كمبدع عراقي عاش عقد التسعينيات في ظروف اسطورية تصلح كل مفردة من مفرداتها لكي تكون جزءا من عالم غرائبي، ومجرد قدح الذاكرة قليلا والعودة للوراء يتبدىء لنا استحالة استمرار اي مبدع في مسيرته وسط المطحنة الحياتية والمعيشية التي سحقت سائر المبدعين الحقيقيين.
كل هذه الظروف تشكل عناصر النموذجية لنمو تيار الميتا روائية حيث الاستلاب الحياتي والاحباط والذي يحول المبدع الى كائن متوحد يهرب من الواقع الساحق ليخلق لنفسه عوالم خاصة به ثم يجعلها عالمه الحقيقي ويستعيض به عن الواقع.
في هذه الظروف والتداعيات الذاتية والموضوعية قدم لنا احمد خلف عمله الميتا روائي (موت الأب) حيث تلحظ منذ البداية ان الدراما التي يجمعها امجد (الراوي المركزي المتوحد مع المؤلف) موظفة بالاساس في صناعة الرواية. حيث ان الدراما هنا لا تطلب لذاتها بل تصبح مادة اولية لكتابة الرواية.
وهكذا تفقد الاحداث الدرامية وظيفتها التقليدية في محاكاة الواقع وتصبح فقط مكرسة لغرض واحد هو الكمال معمار الرواية، وهذه سمة اساسية في الميتا رواية.
ولكن احمد خلف يتجاوز هذا المنحنى التقليدي في الميتا رواية ليستدرج القارىء او المتلقي (وبما يشبه التوريط) الى الدخول في لعبة السرد ويدعوه الى الاشتراك في عملية صناعة التخييل، ويشرك القارىء في همومه السردية والتي تخص تقنيات السرد، انه يعطي للمتلقي دورا مهما في عملية التأسيس للنص بل ويحفزه للاشتراك في كتابة النص بل يذهب الى ما هو ابعد من ذلك حين يشركه في همومه النقدية. كل ذلك في اسلوب فني مبدع وفي مقاربة غير مسبوقة في الفن الروائي (على حد علمنا) مبتعدا عن المباشرة والتجريد اللذين يخرجان العمل الادبي عن روعته وجماليته.
في رواية (موت الأب) يفقد امجد بطل الرواية كتابا ثمينا هو كتاب (الكنز) وفي سعيه المحموم للعثور على الكتاب بين المنزل والجريدة والأمكنة التي تردد عليها يحدث المؤلف توقفا فجائيا في السرد، ويتحول السرد لينحو منحنى آخر ليخبرنا الراوي انه فعلا لا يعرف مكان الكتاب ويخاطب القارىء مباشرة بانه لا يعرف هل سينتهي الامر بالعثور على الكتاب ام لا. ويصرح بان المؤلف ليس بالضرورة يعرف كل شيء. ولا يخفى على احد ان هذه الفكرة تخص (الراوي العليم) او كما اميل الى تسميته بالراوي الإله الذي يعرف كل شيء (البداية والنهاية) ويتواجد في كل الأزمنة والأمكنة داخل النص. ويتواجد في اعماق النفوس وبنفس المستوى من الحضور، وقد ادى تقدم التحليل النفسي وانتشاره بين الأدباء واستخدام تقنيات علم النفس في الاعمال الادبية الى عزوف الروائيين والقاصين عن استخدام هذا الراوي الإله في اعمالهم. وهنا يشرك احمد خلف القارىء في هذه المسألة النقدية وليخبره بموت (الراوي العليم) وبأسلوب ادبي فني مبدع ابتعد عن المباشرة، وكذلك نلحظ ان العمل بأكمله لم يشر الى اي حادثة للراوي العليم حيث ان مصير اسماعيل يبقى مجهولا حتى نهاية العمل وهذا تطبيق عملي لفكرة موت الراوي العليم داخل النص.
وهكذا ينزع احمد خلف نزوعا ما بعد حداثي في اعطاء المتلقي مساحة مهمة في العمل الادبي، وقد نزع تيار ما بعد الحداثة الى اعطاء هذا الدور المتعاظم للمتلقي، ونقل اللعبة من ساحة المؤلف الى ساحة المتلقي، عن طريق افراغ النص من الدلالة المحددة والقطيعة لكي يقوم القارىء من خلال القراءة التأويلية في اعادة كتابة النص وتأسيسه على قدم المساواة مع المؤلف وفقا لثقافته وحساسيته وطريقة تلقيه للنص.
ومن الواضح ان احمد خلف يتجاوز هذا الدور التأويلي الممنوح للقارىء ويدعو القارىء الى الاشتراك في عملية التأليف نفسها اي الصنعة الروائية.
ولسنا بحاجة الى كبير عناء لاكتشاف عناصر الترسيمة كاملة للميتا رواية في موت الأب من حيث الشكل والمضمون حيث ان احمد خلف جعل من فضاء النص عالمه الحقيقي والواقعي، وقام بتوظيف احداث وشخوص احدى قصصه القصيرة في الرواية وكأنها عالم حقيقي في مقاربة غير مسبوقة يمكن ان نسميها تخييل التخييل.

شاهد أيضاً

قصيــدة وطـن رائية العرب
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي (ملف/14)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

سيميائية الخطاب والصورة في لوحة شناشيل إبنة الچلبي، تجسيد الفنان التشكيلي صالح كريم
إعداد: د. خلود جبار (ملف/15)

لم تكن علاقة الفنان التشكيلي صالح كريم بالشعر علاقة عابرة بل إن القصيدة واللوحة نافذتان …

حسين عبد اللطيف: شاعر على الطرقات يرقب المارّة
سعد جاسم (ملف/30)

ذات مساء تموزي ساخن،غادرنا الى فردوس الابدية الشاعر الجنوبي حسين عبد اللطيف ، وكان ذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *