الرئيسية » ملفات » عبد الهادي الزعر : كاظم الحجاج شاعر أرتوى من دهلة سومر (ملف/5)

عبد الهادي الزعر : كاظم الحجاج شاعر أرتوى من دهلة سومر (ملف/5)

إشارة :
تحية مخلصة من أسرة موقع الناقد العراقي للإبداع الأصيل والحداثة الملتصقة بالتراب العراقي الطهور والموقف الوطني الغيور المنتصر لآلام العراقيين المقهورين، واحتفاء بمنجز شعري ثر باهر ما يزال – ومنذ عقود طويلة – يهدهد جراحاتنا بأنغام روحه العذبة الموجعة، تتشرّف أسرة الموقع بإعداد هذا الملف عن الشاعر العراقي الكبير “كاظم الحجّاج” ، وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

كاظم الحجاج شاعر أرتوى من دهلة سومر 
عبد الهادي الزعر

لم تصاغ قواعد ضابطة لقصيدة النثر رغم مرورعقود من السنين على ظهورها فبدت مراميها منفتحة على كل الأصعدة فالنماذج الشعرية لازالت تترى ولها اليد الطولى فى محافلنا ومطبوعاتنا منها من يحمل كشوفاً مستحدثة ويترك أثراً لا ينسى , ومنها ماهو هلامي يسبب صداعاً ومضيعةً للوقت ” فما كل الأشعار تبل غليلاً ” بعض القصائد ترفض وتتمرد وتتجاوز بجرأة لم نعهدها – – وقبل الابحار فى خضم هذا الجنس الأدبى الراعف وجب على المتلقى التهيأ لدخول مجاهيله وفهم بواعثه وأدراك مقاصده أحياناً نجده خير من يعبر عن أزمة العصر الراهن ويجسد هواجس وطموحات أبناءه ويغوص عميقا فى ثنايا الواقع المعاش نحس أنه ينموا ويعيش معنا ككائن مؤنسن ؛ صحيح أنه لايمتلك حلولاً جاهزة يسوقها لمسيرىّ الدفة ومقريرها ! ولكنه ثرى بالرؤى والتشخيص ووضع اليد على الجرح وكاظم الحجاج شاعر إستثنائى تمكن من خلال التجريب و الدربة والمران وسعة الخيال ومواكبة أحداث العصر أن يترك بصمة عميقة لها أثرها الذى لايمحى منذ أوئل سبعينيات القرن الماضى ولا زال يمتلك طاقات متجددة طرية حالمة يلاحق الطارىء اينما حدث ويشبعه أستطراداً – شاعريته متدفقة كعين ماء جبلية تنساب الهوينا بلا تعسف ورغم نحافته وبساطة سيمائه فأنه مشاكس من الوهلة الأولى حين تسمعه ينشد قصائده لا تمتلك سوى أنك ( تصغى وتندهش ) فله القدرة على صب قناطير من الافكار المدببة و السهام الحادة الوقع فى أقل الكلمات وأوجزها – ( أنا لا أصلى أتوضوء دون صلاة هذى شمالى أعف وأطهر ممن يصلى نهاراً ويسرق فى الليل خبز عيالى ) بنية التراكيب اللغوية فى متوالياته الشعرية بسيطة وعفوية ومباشرة ولكنها غنية عميقة المعنى لاتحتاج لقراءة لما بعد السطورفقد خلت من الجناس والبديع والمفارقة والتناص والتأويل والطباق ولكن الشاعر يعى ما يقول لأنه أنتهج الصدق مبدءاً تعويضياً عن كل المحسنات اللفضية ؛ فقد عرفت أناس كثر فى حياتى لا يصومون ولا يصلون ولا يمتنعون عن أقتراف المنكر ( بالخفاء ) ولكن لم أسمع أحدهم يقول جهاراً أنا كذا ؟! بينما الحجاج يمتلك الشجاعة الأدبية فهو مغاير ومختلف ؟ ( أنا لا أزكى فمن أين لى ) أحالنى هذا المقطع القصير لمدونة جاره وصديقه البصرى الحاضر الغائب بدر شاكر السياب القائل : ( وكيف تدخر النقود وأنت تشبع أذ تجوع ! ) كان خطاب شعراء العراق كطليعة أدبية رائدة منذ ستينيات القرن الماضى خطاباً أفقياً تشوبه العلامات الكونية ( عربية وعالمية ) يستجلى هموم الوطن العربى ومواطنيه باّلامهم واّمالهم وخيباتهم من المحيط الى الخليج ثم يعرج عابراً التخوم والبحار ! ولما حلّ الفزع الأكبر بعد 2003 فى بلدهم العراق وحدث ماحدث ألتفت الشعراء لمحنتهم ولمستقبلهم الغائم وما يلوح فيه من محن وتخريب لكونهم توقعوا خيراً من – السدنة الجدد – ولكن خابت الأّمال وتزعزع الحال فأ لتجئوا الى خيمتهم الوطنية يرتقون هذه ويحذرون من تلك – ( البصرى خفيف القلب خفيف الرجلين إسأل سعد الياس أو تومان (*) وإذا شئت فأسأل رابعة لاشأن لنا بالاخوان المصريين ولا بالمصريين الاخوان فلنا هذا الكم من الاخوان النواب اعنى نواب الاحزاب لا أعنى نواب الشعب لدينا شعب لا نواب له فى البصرة لايبكى رجل قدام الناس بلا ؛ قد تبكى أماً علناً لا لوم على أم عادوا ببنيها ملفوفين بأعلام الدولة أو ملفوفين بأعلام الأحزاب قد تبكى أخت عادوا بأخيها عبد العباس ) يمتلك الحجاج اسلوبا أخاذاً وبصمة محمولةٍ بطاقة من التدفق اللونى والمعنوى وكأنه يخصك بها دون سواك يحدثك بها على إنفراد فهى حتميات سمعية ( متداولة بالسر والعلن ) أوجدتها الظروف الشاذة التى نحياها ؟ أن إيقاع الجمل الحجاجية والتى تعودنا سماعها من على منبر المربد السنوى هى الصدق بكل تجلياته – ( تسرق العشائر النفط الذى يمر بها والشيوخ يتلقون ثمن الحراسة ) شعره له الفابلية على التعبير فى أدق ما يعتور الذات الأنسانية مشفوعةً بالجرأة وتسمية الاشياء بمسمياتها بلا مواربة أو تدليس أو تورية وكذلك أختيار المواضيع الأكثر أحتشاداً وحساسيةً عند الناس التى يتعاطونها سرا وعلانيةً ربما لم يأتى هذا البياض ومقدار النصاعة والشفافية إلا لكونه رائياً محايداً لم ينتمى لحزب أو تكتل فهو والحق يقال عف الخاطر نظيف اليد واللسان كأصدقائه محمود عبد الوهاب – البريكان – محمد خضير – الصقر -محمد صالح عبد الرضا – فأنهم قاتلوا وتنبئوا وحرضوا وليس هدفهم إلا العراق وهو أشرف وأنبل غاية لهم –

(*) تومان عازف ناى بصرى من الخشابة يعزف بأنفه .
عبد الهادى الزعر – – ناقد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *