الرئيسية » نصوص » ادب الطفل » طلال حسن : جحدر والأسد (رواية للفتيان)

طلال حسن : جحدر والأسد (رواية للفتيان)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

رواية للفتيان
جحدر والأسد
طلال حسن

“1”

انطلق جحدر كالريح ، فوق فرسه البرق ، مستغيثاً بالأفاق ، وجند الحجاج ، يجدّون في أثره، على خيولهم القوية ، وسيوفهم تلوح ، تحت أشعة الشمس ، متلامعة في أيديهم .
كانت الشمس متلاهبة ، في كبد السماء، وشواظ أشعتها تكاد تعمي عينيه ، وراحت الأفاق تركض مبتعدة ، تهرب منه ، ومعها تهرب واحة ، تتخايل فيها الأشجار والغدران والظباء.
وكلما أقترب الجند بخيولهم من جحدر ، أسرعت فرسه في عدوها ، رغم ما تعانيه من تعب ، وجروح بليغة ، فهي مثل فارسها شجاعة ، عنيدة ، لا تستسلم لأحد ، مهما كانت الظروف .
وبدا لجحدر ، غير مرة ، أن فرسه البرق ، تكاد تتعثر ، وتتهاوى ، لم يلمها ، فهو يعرف تماما قوتها الفائقة وجلدها ، ولِمَ يلومها ، وهو نفسه ، رغم قوته وجلده وصلابته ، بدأ يشعر بالإرهاق يسري في مفاصله؟
وغامت الأفاق ، شيئا فشيئا ، أمام ناظريها ، وترجرجت الواحة بأشجارها وغدرانها وظبائها ، وراحت تتلاشى في الرمال ، وفجأة ، وهذا ما لم يحدث من قبل مرة ، ولن يحدث مرة أخرى، كبت ، وبدأت تتهاوى ، وحاولت جهدها أن تتماسك ، ربما ليس حبا بنفسها ، وإنما خوفاً من وقوع فارسها ، تحت سيوف أعدائه، لكن جهودها ذهبت أدراج الرياح ، فقد تهاوت ، وتهاوى معها فارسها ، فوق الرمال الحارقة .
ومن بعيد ، سمع جحدر، وهو ينسحق فوق الرمال ، صبية تصيح بصوت فاجع : جحدر .
وخيل إليه ، أن الصحراء كلها ، تردد صدى صوتها : جحدر ..جحدر..جحدر .
ورفع جحدر رأسه ، يا الله ، هذا صوت ليلى ، ما زال يتردد فتيا في أعماقه ، رغم السنين ، وهمّ بالنهوض ، مادا يده ليلتقط سيفه ، الذي سقط بعيدا عنه ، لكن جند الحجاج أقبلوا مسرعين ، وسيوفهم المخضبة بدماء أصحابه ، تلمع في أيديهم ، وسرعان ما بلغوه ، وأحاطوا به ، من جميع الجهات .
وأغمضت فرسه البرق عينيها ، دون إبطاء ، كأنها لا تريد أن تراه ، وهو يقع تحت سيوف أعدائه.
وشيئا فشيئا ، راحت الشمس .. والصحراء .. والواحة .. والسراب تنطفئ في أعماقها .. حتى أسدل الستار، وحل الظلام .

” 2 ”

الشمس متلاهبة في كبد السماء، تكاد شواظ أشعتها تعمي عينيه ، والآفاق تبتعد بالواحة عنه ، بعد كل خطوة يخطوها على الرمال ، وهو هذه المرة ، ليس فوق فرسه البرق ، وإنما يسير مقيد اليدين ، مشدودا بحبل إلى حصان جندي ، من جنود الحجاج .
لقد أحاطوا به ، حين كبت فرسه البرق ، وسيوفهم المخضبة بدماء أصحابه ، تتلامع في الشمس ، وانقضوا عليه ، وسيفه بعيد عنه ، وأمسكوه ، بعد أن قاومهم مقاومة شديدة ، وقيدوا يديه ، وشدوه إلى الحصان ، وقفلوا عائدين إلى الكوفة ، حيث كان الحجاج ينتظرهم ، على أحر من الجمر .
وحانت التفاتة من أحد الجنود ، وإذا جحدر يسير خائر القوى ، يكاد يتهاوى على الرمال ، فلكز حصانه ، مقتربا من الضابط ، الذي يسير في المقدمة ، وقال : سيدي .
ورد القائد ، دون أن يلتفت : نعم .
وحاذى الجندي بحصانه حصان الضابط ، وقال : هذا اللص اللعين جحدر ، يكاد يموت من العطش .
والتفت القائد هذه المرة ، وقال بشيء من الغضب : ليمت ، ويذهب إلى جهنم ، فقد نغص حياتنا ، وقتل الكثير من رفاقنا .
ومال الجندي عليه ، وقال : الحق معك ، يا سيدي ، لكن أميرنا الحجاج ، يريده حيا.
وأشاح الضابط بوجهه عنه ، وقال : اسقه فقط ما يكفي لإبقائه على قيد الحياة .
وتباطأ الجندي بحصانه ، وهو يقول : أمرك ، سيدي .
ورفع قربة ماء ، واقترب بحصانه من جحدر ، وقال : توقف حتى أسقيك شيئاً من الماء ، وإن كنت لا تستحق غير السم .
ولم يلتفت جحدر إليه ، كأنه لم يسمعه ، وظلت عيناه مثبتتان بالآفاق البعيدة ، حيث الواحة السراب ، تموج بالأشجار والغدران والظباء .
ولكز الجندي حصانه ، مبتعداً عن جحدر ، وهو يقول : حسن ، ابقَ عطشان ، حتى تصل تلك الواحة .
وتطلع جحدر إلى الآفاق البعيدة ، وعيناه المتعبتان ، تكاد تعشيهما شواظ أشعة الشمس المتلاهبة ، وشيئا فشيئا ، راحت الواحة السراب ، تتلاشى ، وتنهض بدلها ، من أعماقه ، شيئا فشيئا ، الواحة ، تموج بالأشجار .. والغدران والجبال .. و.. .

” 3 ”

تناهت إليه كركرة مرحة مغناجة ، وارتفع من خلالها هتاف باسمه : جحدر .
ورفع جحدر رأسه ، وقد أمسك بقوسه وسهمه ، وهو يقول : عرفت مخبأكِ ، يا ليلى ، مهلاً سأصطادكِ .
وفاجأها مختبئة وراء إحدى الأشجار ، فتوقف قبالتها ، وقوسه وسهمه في يده ، وقال : أرأيتِ ، لقد اصطدتكِ.
وقهقهت ليلى قائلة : هذا القوس ، وهذه السهام ، لن تصطاد بها غير الأرانب .
واقترب جحدر منها ، وقال : أنت ِ واهمة ، إنني لا أصطاد الأرانب ، وإنما الغزلان .
وصمت لحظة ، محدقاً فيها ، ثم تابع قائلاً : وها أنا أصطاد غزالة ، عيناها أكثر جمالاٍ من عيني .. ليلى العامرية .
وتطلعت ليلى إليه مبتسمة ، وقالت : يا ويلي ، ستكون شاعراً ، وتفضحني .
وابتسم جحدر ، وقال : إنني شاعر ، وسأجعلك أشهر من ليلى العامرية ، وسأكون مجنونك .. جحدر .
وهنا ارتفعت ضجة من مضارب خيامهم ، مختلطة بصياح وعويل وحمحمة خيول ، وارتعبت ليلى ، وتلفتت قائلة : يا إلهي ، ماذا يجري ؟
وأرهف جحدر السمع ، وقوسه وسهامه في يده ، وقال : من يدري ، لعلهم أعوان الحجاج ، جاءوا ينتقمون للغارة ، التي قام بها قبل أيام خالي جعفر وجماعته ، على إحدى قوافلهم .
ثم انطلق صوب المضارب ، وهو يتابع قائلاً : ابقي هنا، حتى أرى ما يجري .
لكن ليلى لم تحتمل البقاء في مكانها ، وهي تسمع تلك الأصوات ، فتبعت جحدر عن بعد ، وقبل أن يصل جحدر مضارب قومه ، عرف الأمر على حقيقته ، إنهم فعلاً جند من أعوان الحجاج ، يغيرون على مضاربهم ، ويفتكون بكل من يصادفهم ، من شيوخ ونساء ورجال وأطفال .
ومن بعيد ، رأى جحدر بأم عينيه أحد الجنود ، ينقض على أمه ، ويطعنها برمحه ، وانطلق مسرعاً إليها ، وقد ارتمت على الأرض ، مضرجة بدمائها ، واحتضنها هاتفاً بصوت ملتاع : أمي .. أمي .. أمي .
ومدت أمه يدها ، وأمسكت بيده ، وقالت يصوت متحشرج : جحدر إذا متّ .. وأنا ميتة لا محالة ..لا تبقً هنا .. اذهب إلى خالك .. جعفر .
وارتخت يدها عن يده ، وأغمضت عينيها الغارقتين بالدموع ، وغابت عن الحياة ، وهبّ جحدر من مكانه ، حين سمع ليلى تستغيث : جحدر .. جحدر .. جحدر .
والتفت نحو مصدر الصوت ، وإذا أحد أعوان الحجاج قد أمسك بليلى ، وحملها معه على صهوة حصانه ، منطلقاً بها نحو جماعته ، الذين مضوا على ظهور خيولهم ، تاركين المضارب خلفهم خراباً ، تعصف الريح ببقاياه ، وتذروا الرمال على القتلى من الشيوخ والنساء والرجال والأطفال .

” 4 ”

قبع جحدر خارج خيمته ، تحت سماء قاحلة معتمة ، وقد تسمرت عيناه ، فوق نجمة بعيدة ، متغامزة .
ها هو وحيد ، في مضارب يسودها الحزن والصمت والذل والهوان ، ووارى الرجال الناجون من المذبحة ، جميع القتلى ، ومنهم أمه ، التي لم يكن له أحد غيرها في هذا العالم .
وصرف عينيه عن النجمة البعيدة ، وأرهف سمعه ، ومن بعيد تناهى إليه ، صوت أمه الواهن ، مختلطاً بأنين الريح : جحدر .. إذا متّ .. وأنا ميتة لا محالة .. لا تبقَ هنا ..اذهب إلى خالك .. جعفر .
وأغفى عند منتصف الليل ، ورأى الواحة في منامه ، تموج بالأشجار .. والغدران .. والظباء .. و .. وهزه صوت ليلى تستغيث : جحدر .. جحدر .. جحدر .
وأفاق جحدر على استغاثة ليلى ، والفجر يطرق بضوئه أبواب الأفق ، وتذكر وصية أمه ، فهب واقفاً ، يشد خنجره إلى وسطه ، لابد له أن يمضي إلى خاله ، ولكن كيف يمضي إليه ، وأمه لم تخبره أين هو ، أو من يمكن أن يدله على مكانه ؟
ولاحت في طرف المضارب خيمة الشيخ العجوز ، إنه هو ، ولا أحد غيره ، من يستطيع أن يدله على خاله .
وانطلق جحدر في الحال ، عبر خيام المضارب ، نحو خيمة العجوز ، وتوقف عند مدخل الخيمة ، حين رأى الشيخ العجوز يقبع متكوماً قي فراشه .
ولعل الشيخ العجوز أحس بوجوده ، فرفع رأسه محدقاً فيه ، ثم قال بصوت شائخ : جحدر ؟
فرد جحدر قائلاً : نعم ، أيها الجد ، جحدر .
وأشار الشيخ العجوز بيده المرتعشة ، وقال : تعال يا بنيّ ، أدخل .
ودخل جحدر ، دون أن يتفوه بكلمة ، فقال الشيخ العجوز : يبدو أنك مثلي ، تستيقظ قبل الفجر ، أجلس .
لكن جحدر لم يجلس ، بل ظل واقفاً في مكانه ، وقال : جئتك في أمر ، لا يستطيع أحد سواك مساعدتي فيه .
وتطلع الشيخ العجوز إليه ، ثم قال : أي شيء ، يا بني ، إلا خالك جعفر .
ورد جحدر بإصرار : بل لا شيء ، أيها الجد ، إلا خالي جعفر .
وهز الشيخ العجوز رأسه ، وقال : أنت صبي ، يا بني ، وحياة خالك قاسية ، لا تلائمك .
وتطلع جحدر إليه ، وقال : بعدما رأيته اليوم ، لم تعد تلائمني غير حياة مثل حياة خالي .
ولاذ الشيخ العجوز بالصمت ، ثم قال : إنني في الحقيقة لا أعرف أين هو الآن ، فأعوان الحجاج يطاردونه من مكان إلى مكان آخر ، لكني سأدلك على صديق له ، يعرف مكانه .
وصمت الشيخ العجوز لحظة ، ثم قال اذهب إلى الكوفة ، وأسأل قرب جامعها الكبير عن .. عباس الحائك .

” 5 ”

خرج جحدر من خيمة الشيخ العجوز ، منطلقاً نحو الكوفة ، والشمس لم تطل بعد من وراء الأفق .
وسار مسرعاً ، عبر الفيافي المقفرة ، وتمنى لو كان له حصان فتي ، قوي ، ينهب به المسافات نهباً ، ويصل خاله جعفر في أسرع وقت ممكن ، ويعلمه بما جرى لأمه وقومه وليلى ، لينتقم هو وأصحابه ، لهم جميعاً ، من أولئك القتلة ، أتباع الحجاج .
وطوال ساعات ، لم تغب عن مخيلته أمه ، ومضارب قومه ، والواحة الواحة ، وكذلك .. ليلى .
وتراءت له ليلى مراراً ومراراً ، تلوب بين يدي الجندي ، المنطلق بها بعيداً على حصانه ، وهي تستغيث : جحدر .. جحدر .. جحدر .
وتوقف جحدر ، حين لاح في الأفق ، فارس ملثم ، يقبل على حصانه ، وتمعن طويلاً في الحصان ، وهو يقترب منه شيئاً فشيئاً ، إنه الحصان الذي تمناه ، قوي ، فتي ، ينهب المسافات نهباً .
وما إن اقترب الفارس منه ، حتى اعترضه ، قائلاً بحزم : توقف .
وتوقف الفارس ، كابحاً جماح حصانه ، وحدق جحدر فيه مقطباً ، ثم قال : ترجل عن هذا الحصان .
وأزاح الفارس اللثام عن وجهه ، وقال : ابتعد عن طريقي ، أيها الصبي .
ورد جحدر قائلاً ، بشيء من الغضب : لست صبياً ، ترجل وانتسب .
وضحك الفارس ، وقال : سأنتسب دون أن أترجل ، أنا فارس من فرسان بني أسد .
ورد جحدر بلهجة استفزازية قائلاً : أنت تكذب ، لست من بني أسد بل من بني فأرة .
وغاضت ضحكة الفارس ، حتى تحولت إلى عبوس وغضب ، وترجل عن حصانه ، وقال : يبدو أن أحداً من قومك لم يؤدبك حتى الآن ، مهلاً أنا سأؤدبك ، أيها الصبي الأرعن .
وتراجع جحدر والفارس يتبعه مدمدماً ، إلى أن ابتعدا عن الحصان ، وفجأة حاد جحدر عنه ، وانطلق كالسهم إلى الحصان ، وسرعان ما اعتلى صهوته ، وطار به ، وهو يصيح ساخراً : أيها الصعلوك ، اتبعني ، والحق بي ، إذا كنت من بني غزالة .
ووقف الفارس مذهولاً ، يتابع بعينيه جحدر ، وهو يمضي مبتعداً بالحصان ، وحين غاب عن أنظاره ، تلفت حوله قائلاً : يبدو أن هذا الصبي اللعين من بني جن ، فلأمض من هنا ، وأكتم ما حدث ، وإلا صرت أضحوكة بني فأر .. أعني .. بني أسد ، الويل لي ، فليلعني الله من فارس أحمق .

” 6 ”

وصل جحدر ، على حصانه ، قبيل المساء مدينة الكوفة ، ولاحت وسط المدينة ، منارة الجامع الكبير ، تقف عالية ، شامخة ، متلامعة ، تحت أشعة الشمس الآيلة للغروب .
وحث جحدر الحصان ، وسار به عبر الطرقات ، حتى وصل الجامع الكبير ، واقترب من أحد الباعة ، وقال : من فضلك ، دلني على الحائك عباس .
وأشار البائع بيده ، إلى دكان في الطرف الآخر من الشارع ، وقال : ذلك هو عباس ، إنه يغلق دكانه ، ليعود إلى البيت .
وأغلق عباس دكانه ، وحمل صرة الطعام ، ومضى إلى بيته ، وسار جحدر ، على حصانه ، يتأثره خطوة بعد خطوة ، وانعطف عباس إلى درب جانبي ، وانعطف جحدر بحصانه في إثره ، وأنتبه عباس إلى وقع حوافر حصان ، تتبع وقع قدميه ، وفكر متوجساً ، لعله عين من عيون الحجاج .
وأختلس نظرة خاطفة إلى الوراء ، دون أن يبطئ أو يسرع ، وتملكته شيء من الدهشة ، إنه صبي ، لا يزيد عمره عن الخامسة عشرة ، وإن كانت ضخامته ، وعنفوانه ، وعيناه الحادتان ، تنم أنه أكبر من ذلك .
ودار عباس من شارع إلى شارع ، ومن درب إلى درب ، والفارس الصبي يتبعه على حصانه ، حتى انتهى أخيراً إلى البيت ، وتوقف عند الباب ، ملتفتاً إلى الفارس ، ثم دفع باب بيته ، ومضى إلى الداخل .
واستقبلته زوجته ، وأخذت منه صرة الطعام ، وقالت : أقلقتني هذه المرة ، يا عباس ، لقد تأخرت على غير العادة .
وخلع عباس كوفيته ، وأعطاها لزوجته ، وقال : هذا طبيعي فقد درت أكثر من شارع ودرب ، قبل أن أتجه إلى البيت .
وتوقفت زوجته ، متطلعة إليه، وقد ازداد قلقها ، وقالت : لا تقل ، أن أحد أعوان الحجاج ، قد تأثرك.
وابتسم عباس ، وقال : بل صبي ، على حصان ، لكن أي صبي .
وتساءلت زوجته مندهشة : صبي !
وقبل أن يجيبها ، طرق الباب ، فتطلع إليها ، ثم قال : أظنه هو ..الصبي .
وفتح عباس الباب ، فدخل جحدر ، والتفت إليه ، ثم قال : عباس الحائك ؟
فرد عباس قائلاً : نعم ، من أنت ؟
وبدل أن يجيبه جحدر ، قال : خذني إلى خالي ..جعفر .
وران صمت ثقيل ، جمد خلاله عباس وزوجته ، ولم يحيرا بكلمة ، وتابع جحدر قائلاً : لابد أنك علمت ، بما جرى لنا ، على أيدي أعوان الحجاج ، لم يبق لي سوى خالي ، وأريدك أن تأخذني إليه .
وتطلع عباس إلى زوجته ، فتململت محرجة ، وقالت : حان وقت العشاء ، لنتعش أولا، ثم . .
وقاطعها جعفر ، مخاطبا عباس : لم أسمع منك ردا ، على ما طلبته منك .
ونظر عباس إليه ، وقال : لا أكتمك ، إنني أخاف جعفر، ربما يقتلني لو أخذتك إليه .
واستل جعفر خنجره ، وقال : وسأقتلك الآن ، إن لم تفعل .
وشهقت الزوجة خائفة ، وضحك عباس ، وقال : سبحان الله ، أنت صورة من خالك جعفر.
والتفت إلى زوجته ، وقال : لا عليك ، اذهبي ، واعدي طعام العشاء .
ومضت الزوجة على عجل ، لتعد الطعام ، والتفت عباس إلى جحدر، وقال : أسرع يا بني ، وادخل حصانك إلى الفناء ، قبل أن يسرقه أحد .

” 7 ”

تسلل جحدر ، على حصانه الفتيّ ، عند الفجر من المدينة ، يتبعه عباس راجلاً ، من بعيد ، قاصدين أرض اليمامة ، وما إن ابتعدا عن الأسوار ، حتى توقف جحدر بحصانه ، والتفت إلى عباس ، وقال : تعال ، اركب ورائي .
وأمسك عباس بزمام الحصان ، وقال : الأفضل أن تركب أنت ورائي ، فأنا من يعرف مسالك الطريق .
واعتلى عباس الحصان ، وأمسك بزمامه ، وركب جحدر وراءه ، وانطلقا لساعات صامتين ، حتى وصلا ، قبيل الظهر ، بئرا من الآبار ، وتوقف عباس بالحصان ، وقال : لنتوقف هنا بعض الوقت ، نشرب ونرتاح .
وقفز جحدر عن الحصان ، وقال : نشرب فقط ، ثم ننطلق .
وترجل عباس ضاحكا ، وهو يقول : حقاً ، إن ثلثي الولد على خاله .
ومضى جحدر إلى البئر ، دون أن يلتفت إلى عباس ، ورفع منه بعض الماء، وشرب حتى ارتوى ، وتقدم عباس ، وشرب بدوره ، وغسل يديه ووجهه ، ثم التفت إلى جحدر، وقال : والآن يا جحدر .
واتجه جحدر الى الحصان قائلا : نواصل طريقنا، هيا .
وواصلا طريقهما من جديد ، حتى غربت الشمس ، وحل الظلام ، وأوى كل منهما إلى فراشه ، بعد أن تناولا عشاءهما ، وسرعان ما استغرق عباس في نوم عميق .
وظل جحدر مستيقظا ، رغم شعوره بالتعب والنعاس ، وطافت في مخيلته الواحة .. والمضارب.. وأمه .. والشيخ العجوز .. وليلى ..و… لا يدري متى أغفى ، لكنه هب من نومه ، قبيل الفجر ، على ليلى تصيح مستغيثة : جحدر ..جحدر ..جحدر .
وأفاق عباس ، وتناولا طعامهما على عجل ، ثم انطلقا ، والشمس لما تشرق بعد ، وراح الحصان ، يخب بهما ، مقتربا ساعة إثر ساعة من أرض اليمامة ، وقبيل المغرب ، لاحت واحة في الأفق ، فتباطأ عباس بالحصان ، وقال : لقد آن أن تمضي وحدك ، يا جحدر .
وتوقف بالحصان ، ثم ترجل ، وقال : لن أتقدم بعد الآن خطوة واحدة .
وامسك جحدر بزمام الحصان ، وتطلع إلى الواحة ، ثم قال : لابد أن خالي جعفر هناك .
ووقف عباس جانباً ، وقال سأنتظرك هنا ، فإن رضي خالك ، فتعال خذني إليه ، وإلا …
وتقدم جحدر على حصانه الفتيّ ، مفكرا في خاله جعفر ، متسائلاً في سره عن هيئته ، وطباعه ، وطريقة كلامه ، فهو لم يره ، ولم يعرفه إلا من خلال أحاديث أمه الكثيرة عنه ، وما إن اقترب من أولى أشجار الواحة ، حتى سمع صوتا جهوريا ، يخاطبه قائلا : أيها الصبي ، توقف .
وتوقف جحدر ، واستدار بحصانه نحو مصدر الصوت ، وإذا فارس يتكئ على جذع نخلة ، وسيفه إلى جانبه ، وقبل أن ينطق بكلمة ، قال الفارس بحزم : ترجل .
وترجل جحدر ، ووقف في مواجهة الفارس ، ورد قائلا : لو كانت لك عينان ، تبصر بهما ، لعرفت إنني لست صبيا .
واعتدل الفارس ، محملقا فيه ، ثم قال : لي عينان وكذلك لي يدان ، انتزع بهما لسان الصبيان، الذين يتجاوزون حدودهم .
ومد جحدر يده إلى خنجره ، فأبتسم الفارس ، وقال : من أنت ؟
ورد جحدر قائلا : جحدر بن ربيعة .
وتمتم الفارس : جحدر .
ثم تقدم من جحدر ، واخذ يدور حوله قائلا : آه .. أنت ابن أخت اللص ..جعفر .
واستل جعفر خنجره ، وانقض على الفارس ، وهو يقول : خالي ليس لصا ، أيها ..
ومد الفارس يده ، واختطف الخنجر ووضع حده على رقبة جحدر ، ثم قال : لا أحد يعرف جعفر أكثر مني ، لأني أنا جعفر .
ووقف جحدر مذهولا ، لا يحير بكلمة ، ورفع جعفر الخنجر عن عنقه ، وأعاده إلى قرابه ، وقال : لقد علمت بما حدث ، وأنا أعرف الجناة ، وسيدفعون الثمن .
وصمت لحظة ، ثم تطلع إلى جحدر وقال متسائلا : أخبرني ، يا جحدر ، من دلك على مكاني ؟
ولاذ جحدر بالصمت ، فقال جعفر :عرفته ، عباس الحائك .
وهز جحدر رأسه مبتسما ، فضحك جعفر ، وقال : اذهب إليه ، وقل له تعال ، خالي سيكرمك على هذه الهدية .

” 8 ”

مرت أيام وشهور وسنون ، وجحدر يكبر وينضج إلى جانب خاله جعفر ، حتى غدا شاباً له حضوره ومكانته بين جماعة خاله .
وخلال تلك المدة ، لم تغب ليلى عن باله ، وظلت في أعماقه صبية ، تلهو معه في أطراف الواحة ، وصوتاً يستغيث : جحدر .. جحدر .. جحدر .
وطالما أرقه صوت استغاثتها ، وجعله يدور ، ويسأل في كل مكان وصل إليه ، لعله يعثر لها على أثر ، لكن دون جدوى ، وكلما ألحت عليه استغاثة ليلى ، حاول أن يستغرق مع خاله وجماعته ، في إغارتهم على الأحياء ، وقوافل التجار ورعاة الإبل .
ويوماً بعد يوم ، بدأ جحدر يلمس قسوة خاله ودمويته ، والتمس منه ، أكثر من مرة ، أن يخفف من أغاراته على الأحياء الضعيفة الفقيرة ، لكن خاله لم يستجب له ، بل واتهمه بالضعف والتردد والخوف .
حتى كان يوم ، أغاروا فيه على أحد الأحياء ، ورأى جحدر خاله ، يقتل في من قتل ، امرأة حاولت عبثاً الهرب من سيفه ، وتهاوت المرأة صريعة على الرمال ، وتراءت لجحدر أمه ، وهي تتهاوى مضرجة بدمائها ، وأسرع إليها ، وترجل عن حصانه ، يريد مساعدتها ، وهنا أقبل صبيّ ، في الرابعة عشرة من عمره ، يحمل هراوة في يده ، ويصيح بصوت باك : أمي .. أمي .
وحدق الصبي في أمه ، وراعه أنها جثة هامدة ، فرفع هراوته ، وانقض على جحدر صارخاً : أيها القاتل ، سأمزقك .
وتراجع جحدر قليلاً أمام الصبيّ ، وسيفه في يده ، ولمحه خاله ، فصاح به : جحدر ، أقتله .
وراوغ جحدر الصبيّ وهراوته ، وهو يقول : لا يا خالي ، إنه صبيّ .
وانقض جعفر على الصبيّ ، وسيفه المخضب بالدماء في يده ، فتصدى جحدر له ، ومنعه من الوصول إليه ، وقتله ، ودار جعفر حولهما ، وعيناه تشتعلان غضباً ، ثم لكز حصانه ، ومضى وأصحابه يقودون ما غنموه من إبل ، تاركين الحيّ وراءهم خراباً ، تعصف الريح ببقاياه ، وتذروا الرمال على القتلى من الشيوخ والنساء والأطفال والرجال .
وعاد جحدر ليلاً إلى المخيم ، فناداه خاله ، وكان يقف محاطاً بجماعته : جحدر .
وتقدم جحدر منه ، دون أن يتفوه بكلمة ، فحدق جعفر فيه ملياً ، ثم قال : للأسف خيبت ظني فيك .
وردّ جحدر قائلاً : جئت إليك على أمل أن أثأر لأمي من أعوان الحجاج ، لا لأقتل النساء والشيوخ والأطفال .
ومدّ جعفر يده إلى سيفه ، وتمتم غاضباً : جبان .
وران صمت ثقيل ، استبد الحرج خلاله بجماعة جعفر ، وتنفسوا الصعداء ، حين رأوا جحدر يستدير ، ويخرج مسرعاً من الخيمة ، وسرعان ما سمعوا حصانه ، يعدو مبتعداً به عن المخيم .
وانطلق جحدر فوق حصانه ، على غير هدى ، وتناهى إليه من بعيد ، وقع سنابك خيل ، تتجه نحوه ، وخطر له أنهم أعوان خاله ، وربما يريدون قتله ، وبدل أن يهرب ، استدار بحصانه ، وشهر سيفه ، استعداداً لمقابلتهم .
وبرز من الظلمة فارسان من أصحاب خاله ، طالما تعاطفا معه ، وقال الأول : اخفض سيفك ، يا جحدر .
وأضاف الثاني قائلاً : أخفضه ، فنحن جئناك أصدقاء .
وخفض جحدر سيفه ، وقال : عودا فطريقي لم يعد طريق خالي جعفر .
وتقدم الفارسان منه ، وقال الأول : طريقك هو طريقنا ، يا جحدر .
وقال الثاني : سيفانا سيكونان منذ الآن مع سيفك ، ضد القسوة والظلم ، في كل مكان .

” 9 ”

بدأ جحدر وجماعته ، الذين ازداد عددهم ، يوماً بعد يوم ، حتى تجاوز عددهم العشرة ، يتصدون لجند الحجاج ، ويغيرون على أتباعه وأعوانه ، والمتعاونين معه .
وشاع ذكر جحدر وأعماله ، في اليمامة وغير اليمامة ، حتى بلغ الخليفة الوليد بن عبد الملك ، في دمشق .
ودخل الوزير عليه ، ذات يوم ، وقال : لقد وصلتنا اليوم ، هدايا الحجاج من العراق ، يا أمير المؤمنين .
وحدق الخليفة فيه ، وقال : أكتب له ، إنني لا أريد منه إلا هدية واحدة .
ولاذ الوزير بالصمت متحيراً ، وتابع الخليفة بصوت منفعل : جحدر .
وتمتم الوزير متسائلاً : اللص !
وأشاح الخليفة بوجهه عنه ، وقال : الذي دوخ اليمامة ، ويكاد يدوخني معها .
وصمت الخليفة لحظة ، ثم قال : أكتب للحجاج في العراق ، أن يسكته ، مهما كان الثمن .
وانحنى الوزير أمام الخليفة الوليد بن عبد الملك ، وقال : سمعاً وطاعة ، يا أمير المؤمنين ، سأكتب له حالاً ، وسيسكت جحدر إلى الأبد .
وكتب الوزير الرسالة ، وأرسلها على جناح السرعة إلى الحجاج في العراق ، مع واحد من أحرص السعاة ، وأكثرهم جلداً وسرعة .
وفيما كان الرسول ، ينطلق على حصانه كالسهم ، حاملاً رسالة الخليفة إلى الحجاج في الكوفة بالعراق ، كان جحدر يجوب مع جماعته أطراف اليمامة ، يهاجم أعوان الحجاج ، ويسأل في كل مكان ، تطأه سنابك فرسه البرق ، عن ليلى ، وكله أمل أن يعثر لها يوماً على أثر .
وجزع الحجاج ، وتملكه الاضطراب ، حين وصلته رسالة الخليفة ، وكيف لا يجزع ، ويضطرب ، وهي من أمير المؤمنين ، الوليد بن عبد الملك نفسه .
وأرسل إلى قائد جنده ، وحضر القائد في الحال ، وقال : خيراً ، أيها الأمير .
وردّ الحجاج بشيء من الغضب : لا خير ، وجحدر يعيث فساداً في اليمامة .
ولوح بالرسالة ، وقال : هذه رسالة من أمير المؤمنين ، يؤنبنا فيها ، على فعال هذا اللص اللعين .
ومثلما جزع الحجاج من الرسالة ، جزع منها قائد الجند ، وقال بصوت مضطرب : أصلح الله الأمير ، نحن لم نقصر في ..
وقاطعه الحجاج قائلاً : بل أنتم مقصرون ، مادام جحدر طليقاً في اليمامة .
وصمت لحظة ، ثم قال بحزم : تولّ الأمر بنفسك ، أريد هذا اللص اللعين حيّاً إن أمكن ، لأريه من يكون .. الحجاج .
وانحنى قائد الجند ، وقال : سمعاً وطاعة ، أيها الأمير .

” 10 ”

تنقل جحدر وجماعته ، طوال أيام ، من مكان إلى مكان آخر من أرض اليمامة ، متربصين بأعوان الحجاج وأتباعه وأنصاره .
ونما إلى جحدر ، أن جماعة من أتباع الحجاج ، ينزلون في إحدى الواحات المنعزلة ، فانطلق إليهم مع جماعته ، عبر دروب غير مطروقة ، وصاروا على مسافة منها ، وقد غربت الشمس ، وحلّ الليل ، وباتوا متخفين ، على أمل أن يغيروا فجراً ، على هذه الواحة .
وأوى كلّ منهم إلى مرقده ، ملتحفين بعباءاتهم ، وقد ربطوا خيولهم ، على مسافة قريبة منهم ، وأغمض جحدر عينيه متعباً ، وككل مرة ، وبين اليقظة والمنام ، نهضت من أعماقه الواحة .. والمضارب .. وأمه .. وليلى .. والشيخ العجوز .. ، وتراءت له ليلى ، تشير إليه ، وهي تبتعد ، أن تعال .. تعال .. تعال .
وفزّ جحدر معتدلاً في مرقده ، أتلك كانت ليلى ؟ لا ، لا يمكن ، فليلى صبية ، وستبقى صبية ، أما تلك ففتاة في عمره ، بل وتبدو أكبر منه بقليل ، وإن كان فيها الكثير من ملامح ليلى .
وأيقظ جحدر أصحابه ، وسرعان ما كانوا على ظهور خيولهم ، يغيرون على الواحة ، وسيوفهم تتلامع مع الأشعة الأولى للشمس .
وفوجيء جحدر وجماعته ، بأن الواحة خالية إلا من مجموعة من الأعراب ، ينزلون وعائلاتهم في خيام قليلة متفرقة ، وخرج الأعراب ، رجالاً ونساء وأطفالاً ، من خيامهم المتباعدة ، وقد تملكهم الرعب ، فتوقف جحدر ، متقدماً جماعته ، وهتف قائلاً : لا تخافوا ، لن نؤذي أحداً منكم ، جئنا في طلب أعوان الحجاج .
وتقدم شيخ من بين الأعراب ، وقال : أصدقك يا ابن أخي ، كان أعوان الحجاج هنا فعلاً ، قبل أيام ، وقد رحلوا يوم أمس .
وتطلع جحدر إليه ، وقال : عفواً أيها العم لما بدر منّا ، عودوا إلى حياتكم ، نحن إخوة لكم .
واستدار بحصانه ، وانطلق خبباً ، مشيراً إلى جماعته ، وسرعان ما مضى جماعته في إثره ، وعند آخر الخيام ، سمع امرأة تهتف : جحدر .
وذكره صوتها بصوت الفتاة ، التي رآها في منامه ليلة أمس ، وهنا شد زمام فرسه البرق ، فتسمرت في مكانها ، وهي تحمحم منفعلة ، وسرعان ما استدار بها نحو مصدر الصوت ، وإذا امرأة في مثل عمره ، تتطلع إليه ملهوفة ، وإلى الوراء منها ، يقف رجل تجاوز الخمسين ، وطفل في الرابعة ، وطفلة أكبر منه بقليل .
وخفق قلب جحدر بشدة ، يا الله ، إنها فتاة الحلم ، نفسها ، وتقدم نحوها على حصانه ، وقد توقف جماعته ، وراحوا يراقبونه عن بعد .
وترجل جحدر عن فرسه البرق ، وتقدم إلى المرأة ، وعيناه لا تفارقانها ، وتوقف قبالتها مذهولاً ، وقال : ليلى !
وردت ليلى بنبرة الصوت ، الذي سمعه منها في الحلم ، : نعم ، أنا ليلى ، يا جحدر .
وتطلع جحدر إليها ، وقال : ليلى ، إنني أبحث عنك ، منذ أن اختطفت ، في طول اليمامة وعرضها ، وها إني أخيراً أجدك .
ومد يده نحوها ، وقال : تعالي : تعالي معي ، يا ليلى .
وهزت ليلى رأسها ، مشيرة إلى الرجل والطفلين ، ثم قالت : زوجي وطفلاي .
وتطلع جحدر إلى الرجل ، وقال : هذا شيخ ، وأنت …
وقاطعته ليلى قائلة : لقد اشتراني من أعوان الحجاج ، وحررني ، ثم تزوج مني .
وصمتت لحظة ، ثم قالت : أنت لا ترضى ، أن أكون ناكرة للجميل ، إنه زوجي ، ولي طفلان منه .
ولاذ جحدر بالصمت لحظة ، ثم قال بصوت مرتعش : أنت محقة ، يا ليلى ، وداعاً .
ومن بين دموعها ، رأت ليلى رفيق طفولتها … جحدر ، يمتطي فرسه البرق ، وينطلق بها نحو أصحابه .

” 11 ”

نما إلى جحدر وجماعته ، من مصادر عدة ، أن قافلة لتجار من الكوفة ، تتجه إلى أرض اليمامة .
وزيادة في الحذر والحيطة ، ترصدوا تلك القافلة متفرقين ، حتى رآها العديد منهم ، تدخل أرض اليمامة ، يرافقها عدة حراس .
وأسرعوا للتجمع ، في مكان جانبي ، متفق عليه ، قريباً من طريق القافلة ، وحين التأم شملهم ، ومعهم جحدر ، راح بعض من رأى القافلة ، يتحدث عما رآه .
قال الأول بحماس : القافلة على ما يبدو كبيرة ، ولابد أن ما تحمله ثمين للغاية .
وأضاف الثاني قائلاً : هذا صحيح ، ويكفي أن عدد جمالها يزيد على الثلاثين جملا .
وقال ثالث : وما يطمئن ، أن حراسها ليسوا كثيرين .
ولاذ جحدر بالصمت مفكراً ، ثم قال : أخشى أن هذا الأمر لا يبعث على الاطمئنان .
وأسرع الثالث إلى القول ، دفاعاً عن رأيه : اطمئن ، لقد راقبت القافلة ساعات طويلة ، ولم أجد فيها ما يريب .
وتطلع جحدر إلى جماعته ، ثم قال : مهما يكن ، فعدونا شرس وغادر ، لنكن في منتهى الحذر ، هيا .
وانطلق جحدر وجماعته ، على خيولهم ، عبر طرق جانبية ، لرصد القافلة ، والانقضاض عليها ، في الوقت المناسب .
ولاحت القافلة من بعيد ، وجمالها الكثيرة المحملة ، تسير في صف طويل ، الواحد بعد الآخر ، يرافقها عدد من التجار والحراس ، وتوارى جحدر وجماعته ، وراء الكثبان الرملية ، القريبة من الطريق ، ينتظرون اقتراب القافلة بفارغ الصبر ، وسيوفهم مشرعة في أيديهم .
وما إن اقتربت القافلة ، حتى رفع جحدر سيفه ، واندفع بفرسه البرق ، يتقدم جماعته ، صائحاً بأعلى صوته : هجووووووم .
وفوجئ جحدر وجماعته ، وهم يندفعون وسط القافلة ، بالجمال تلتف حولهم ، ويبرز من بين حمولتها ، عدد كبير من الجند ، وسيوفهم تتلامع في أيديهم .
ودارت معركة غير متكافئة ، قتل خلالها كل من كان مع جحدر ، وكان من الممكن أن يقتل جحدر نفسه ، لولا أن الجنود تجنبوا قتله ، وذلك لأن الحجاج يريده حياً .
وحاول الجند جهدهم الإمساك به ، لكنه أفلت منهم ، ولاذ بالفرار ، وانطلق الجند في إثره ، يضيقون عليه الخناق ، ويحاولون عبثاً إدراكه ، حتى كبت فرسه البرق ، وتهاوت به على الرمال الحارقة ، وسرعان ما أحاطه الجند ، وسيوفهم المخضبة بدماء جماعته ، تتلامع فوق رأسه ، مع أشعة الشمس .
وهز جحدر صوت أحد الجنود ، يصيح به زاجراً : أفق ، أيها اللص .
وفتح جحدر عينيه ، دون أن يلتفت ، فقال الجندي ، مشيراً إلى البعيد : أنظر ، تلك هي الكوفة ، وسترى نهايتك ، عندما ترى الحجاج .

” 12 ”

دخل الحاجب على الحجاج مسرعاً ، وانحنى له ، وقال : أبشر أيها الأمير ، جاءوا أخيراً بجحدر .
وهب الحجاج من مكانه فرحاً ، وقال : جحدر ! لصّ اليمامة ؟
فردّ الحاجب قائلاً : نعم مولاي ، جاءوا به مقيداً ، وهو الآن رهن إشارتك .
وتنفس الحجاج الصعداء ، وقال : ليأتوا بهذا اللعين إلى هنا ، أريد أن أراه .
وانطلق الحاجب مسرعاً ، ليبلغ أمر الحجاج إلى الضابط ، الذي جاء بجحدر .
وأخذ الحجاج يذرع المكان ذهاباً وإياباً ، فهاهو لص اليمامة جحدر ، قد وقع أخيراً بين يديه ، وسيعلم أمير المؤمنين في دمشق ، بأن الحجاج إذا قال فعل ، وأن سيفه البتار يطال كلّ من يجرؤ على رفع صوته ، أو سيفه ضد الخلافة الأموية ، مهما كان شأنه .
ودخل الحاجب ثانية ، على الحجاج ، وانحنى أمامه ، وقال : مولاي الأمير، الضابط وجحدر بالباب .
وقال الحجاج : فليدخلا .
وانحنى الحاجب ، وقال : السمع والطاعة ، يا مولاي .
وخرج الحاجب مسرعا، وسرعان ما دخل الضابط ، يقود جحدر ، مقيد اليدين ، معفراً ، ممزق الثياب ، لكنه رغم ذلك ، كانت عيناه تسطعان ببريق من النقمة والتحدي .
وحدق الحجاج فيه مليا ، ثم قال : جحدر .
ورد جحدر قائلا : نعم .
وقال الحجاج ، دون أن يرفع عينيه عنه : ليتني أعرف ما الذي جرأك علينا .
وسطعت عينا جحدر ببريق النقمة ، وقال : الظلم ، وجراءة قلبي .
وبنبرة إدانة ، قال الحجاج : جراءة قلبك هذه وظفتها للقتل والسلب والنهب .
فرد جحدر قائلا : لم أحاول أن أقتل ، إلا الذين الحقوا الأذى بي وبقومي .
وصمت لحظة ، ناظرا إلى الحجاج نظرة مهادنة ، ثم قال : لو جربني الأمير ، وجعلني من فرسانه ، لرأى مني ما يعجبه .
وأشاح الحجاج عنه بوجهه ، وقال : هذا مستحيل ، فقد تلطخت يداك بدماء الأبرياء ، ودماء جند أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك .
ولاذ جحدر بالصمت ، فتطلع الحجاج إليه ، وقال : سأعطيك فرصة ، لعلها تفيدك ، سأقذف بك في حفيرة فيها أسد شرس ، فإن قتلك كفانا مؤونتك ، وان قتلته عفونا عنك .
ولاحت على أسارير جحدر ، رغم جمودها ، ابتسامة ارتياح ، وقال : أصلح الله الأمير، لقد قرب الفرج .

” 13″

وحلّ اليوم الموعود ، الذي سيتقرر فيه مصير جحدر، إذ يواجه الأسد الشرس ، فإما الموت أو العفو والحياة .
وجيء بالأسد الشرس ، داخل قفص ضخم ، وقد جوع أياما عديدة ، ووضع في طرف من أطراف الحفيرة .
وجلس الحجاج ، ومن حوله كبار أعوانه ، وعدد كبير من الحراس المدججين بالسلاح ، ووقف حول الحفيرة ، جمهور غفير من أهالي الكوفة ، من رجال ونساء وأطفال وشيوخ .
وأشار الحجاج إلى الضابط ، وقال : لقد حان الوقت ، هاتوا جحدر .
وانحنى الضابط قليلا : سمعا وطاعة ، أيها الأمير .
وجيء بجحدر مقيد اليدين ، يحيط به عدد من الحرس ، وقبل أن يصلوا به موضع الحجاج ، حاذاه رجل ، وهمس له : جحدر .
والتفت جحدر اليه : وتمتم : عباس !
وتابع عباس بصوت هامس : ليلى تسلم عليك .
والتمعت عينا جحدر ، وخفق قلبه بشدة ، لكنه لم يرد بشيء ، فأستطرد عباس قائلا : مررت بديارها قبل أيام ، المسكينة ، لقد مات زوجها .
وتوقف جحدر ، وهمّ أن يقول شيئاً ، لكن أحد الحراس دفعه بشدة ، وقال : الأمير ينتظرك .
ومشى جحدر بين حراسه ، وهو لا يرى مما حوله غير ليلى ، ولم يفق إلا حين أوقفه الضابط أمام الحجاج ، وقال : مولاي الأمير ، هذا جحدر .
وحدق الحجاج في جحدر ، وخاطب الضابط ، دون أن ينظر إليه : انزع عنه قيده .
وردّ الضابط ، وهو ينزع القيد عن يدي جحدر : سمعاً وطاعة ، يا مولاي .
ووقف جحدر يفرك معصميه ، وقد أطرق رأسه ، فقال الحجاج : جحدر .
ورفع جحدر عينيه إليه ، وقال : نعم .
وأشار الحجاج إلى الحفرة ، وقال : أنظر إلى ذلك الأسد.
وردّ جحدر ، دون أن يلتفت : لقد رأيته .
وتابع الحجاج قائلاً : لم يذق طعاماً منذ أيام ، وهو الآن جائع جداً ، ينتظرك .
وفرك جحدر معصميه ثانية ، وقال : أريد سيفاً .
ورمق الحجاج الضابط بنظرة خاطفة ، وقال : أعطه سيفك .
واستل الضابط سيفه ، وهو يقول : سمعاً وطاعة ، يا مولاي .
ودفع السيف إلى جحدر ، وقال : خذ .
وأخذ جحدر السيف ، وتطلع إلى الحجاج ، وقال : لقد وعدتني .
فرد الحجاج قائلاً : وأنا عند وعدي ، والآن انزل الحفرة ، وقرر مصيرك بنفسك .
واستدار جحدر ، ونظر إلى جماهير الناس ، المتزاحمة حول الحفرة ، ثم رفع يده بالسيف عالياً ، وخفتت الأصوات شيئاً فشيئاً ، حتى ساد الصمت ، ونزل إلى الحفرة ، ودار فيها رافعاً السيف ، ثم توقف في الطرف المقابل للقفص .
وأشار الحجاج للضابط ، وقال : فليفتح القفص .
وانحنى الضابط للحجاج ، وقال : سمعاً وطاعة أيها الأمير .
ثم أسرع إلى الحارس الموكل بالقفص ، وأمره قائلاً : افتح القفص .
وفتح الحارس باب القفص ، فاندفع الأسد منه مزمجراً ، وتقدم جحدر منه ، والسيف يتلامع في يده ، وهو ينشد :
ليث وليث في مجال ضنك
كلاهما ذو قوة وفتك
وصولة وبطشة وفتك
أن يكشف الله قناع الشك
فأتت لي في قبضتي وملكي

وزأر الأسد ، وعيناه تتقادحان ، ثم انقض على جحدر . وتصدى له جحدر ، وهو يصيح ، وضربه ضربة شديدة ، فلقت هامته .
وهلل الناس فرحا ، وإعجابا ، ولم يتمالك الحجاج نفسه من القول : لله درك ، يا جحدر، ما أشجعك .
وأخذ جحدر يدور داخل الحفيرة ، رافعا سيفه المضرج بدماء الأسد ، يحيي جموع الناس ، الذين ضجوا فرحا ، وإكبارا لشجاعته .
ووقف الحجاج مشيراً لجحدر ، وقال : تعال ، يا جحدر .
وخرج جحدر من الحفيرة ، والسيف في يده ، وتوقف أمام الحجاج ، وقال : أصلح الله الأمير ، لقد قتلت الأسد.
وابتسم الحجاج ، وقال : لقد قررت مصيرك ، أنت حر ، ولك ما تشاء .
وتطلع جحدر إليه ، وقال : أريد حصانا .
واتسعت ابتسامة الحجاج ، وقال : فقط !
فرد جحدر : فقط ، يا مولاي الأمير .
ونظر الحجاج إلى الضابط ، وقال : أعطوه حصاني .

“14”

استيقظت ليلى مبكرة ، وراحت هي وصغيريها ، يجمعون ما لديهم من حاجيات في الخيمة ، ويضعونها جانبا ، استعداد للرحيل .
وقبل شروق الشمس ، جاءهم الشيخ أبو عبد الله ، متوكئا على عكازه ، وقال محييا : عمت صباحا ، يا بنيتي .
وأسرعت ليلى إليه ، وقالت : يا إلهي ، عمي الشيخ أبو عبد الله ، عمت صباحا .
وتوقف الشيخ متوكئا على عكازه ، وقال : لقد علمت البارحة ، يا بنيتي ، أنك تريدين الذهاب إلى أهلك .
وردت ليلى قائلة : إنهم أهلي ، يا عمي الشيخ أبا عبد الله.
واقترب الشيخ منها ، وقال : نحن أيضا أهلك ، ولك ما لنا ، مهما كانت الظروف .
وقالت ليلى بنبرة اعتذار : أعرف يا أبا عبد الله ، لكني اشتقت إلى أهلي ، وأريد الذهاب إليهم .
ولاذ الشيخ بالصمت لحظة ، ثم قال : إنني لا ألومك ، أذهبي يا بنيتي ، وإذا أردت العودة يوما ، فعلى الرحب والسعة .
وأضاف الشيخ قائلا ، وهو يتأهب للخروج : سأرسل معك من يرافقك ، حتى تصلين أهلك معززة مكرمة .
وردت ليلى بارتياح وامتنان : رعاك الله ، يا أبا عبد الله ، وأطال عمرك .
ومضى الشيخ أبو عبد الله ، متوكئا على عكازه ، وهو يقول : صحبتكم السلامة ، يا بنيتي .
وعادت ليلى وصغيراها ، بعد ذهاب الشيخ ، إلى جمع ما تبقى من حوائجهم ، استعداد للرحيل .
وتناهى من بعيد ، وقع سنابك ، تنهب الأرض نهبا ، وهنا سمعت ليلى صغيرتها تقول : أمي ، أنظري ، هناك فارس يتجه إلينا .
والتفتت ليلى ، ونظرت حيث تشير صغيرتها ، وإذا فارس ملثم ، ينطلق على حصانه نحوهم ، ويقترب منهم شيئا فشيئا ، وتوقف الفارس قبالتهم ، وهتف : ليلى .
وخفق قلب ليلى بشدة ، وهتفت مشدوهة : من ؟ جحدر !
وترجل جحدر عن حصانه ، ورفع اللثام ، ورد قائلا : نعم ، جحدر .
واندفعت ليلى نحوه وهي تقول : سمعت ..أن ..الحجاج ..
واختنق صوتها بالدموع ، فضمها جحدر إلى صدره، وقال : ها إني معك ، يا ليلى ، وسأبقى معك ، العمر كله.

24/8/2003

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *