الرئيسية » فكر » فهيم عيسى السليم : قوالب اللغة العراقية (الجزء الثامن عشر) اللغة العراقية المحكيّة الأم

فهيم عيسى السليم : قوالب اللغة العراقية (الجزء الثامن عشر) اللغة العراقية المحكيّة الأم

قوالب اللغة العراقية
الجزء الثامن عشر
اللغة العراقية المحكيّة الأم
فهيم عيسى السليم

تعرف الويكيبيديا اللغة الأم بما يلي: (اللغة الأولى (أيضًا لغة الأم أو اللغة الأم) هي اللغة) التي يتعلمها الإنسان منذ ولادته.
كما تعرف القواميس الإنكليزية اللغة الأم بما يشابه ما جاء أعلاه :
•قاموس أوكسفورد :
• The language which a person has grown up speaking from early childhood
•قاموس كامبردج :
•the first language that you learn when you are a baby, rather than a language learned at school or as an adult
إذن هناك إتفاق تام أن اللغة العراقية المحكيّة هي اللغة التي يتعلمها الطفل منذ ولادته وحتى دخوله المدرسة وهي لغة الأم والبيت والأهل ولغة باقي الأطفال.
وننقل لكم أدناه جزءً من بحث يتعلق بتعليم اللغة العربية للأطفال :
كشف علماء اللغة النفسيون (تشومسكي 1959‘ 1965 ) ، و ( إرفن 1964) و (لينبرغ 1967 ) منذ حوالي أربعين عاماً أن الطفل في دماغه قدرةٌ هائلةٌ على اكتساب اللغات ، وأن هذه القدرة تمكنه من كشف القواعد اللغوية كشفاً إبداعيّاً ذاتيّاً ، وتطبيق هذه القواعد ومن ثمَّ إتقان لغتين أو ثلاث لغات في آنٍ واحدٍ . والعجيب أن الطفل في هذه المرحلة يعمّم القواعد بعد كشفها حتى على الكلمات التي لا تنطبق عليها ثم هو يصحّح تصحيحاً ذاتياًّ هذا التعميم الخاطئ .
وقد كشف لينبرغ ( 1967) أن هذه القدرة لاكتساب اللغات تبدأ بالضمور بعد سن السادسة ، وتتغير برمجة الدماغ تغييراً بيولوجيّاً من تعلم اللغات إلى تعلم المعرفة ، ولذلك يمكن القول إن مرحلة ما قبل السادسة مخصصة لاكتساب اللغات ، وإن مرحلة ما بعد السادسة مخصصة لاكتساب المعرفة . وبناءً على ذلك فإن المفروض بحسب طبيعة خلق الإنسان أن يتفرغ الطفل لتعلم المعرفة بعد سن السادسة من العمر ، بعد أن تفرغ لتعلم لغةٍ ( أو أكثر ) وأتقنها قبل سن السادسة .
أما تعلم اللغة بعد سن السادسة فيتطلب جهداً من المتعلم لأنه يحتاج إلى معلّم يكشف له قواعد اللغة الجديدة . كما يحتاج إلى وقت طويل يبذله في التدرّب على تطبيق هذه القواعد مع تعرّضه للخطأ والتصحيح من قبل المعلم . بينما هو يقوم بهذه العملية بصورةٍ تلقائيةٍ قبل سن السادسة (1)

إن هذا يحيلنا في الواقع إلى ظاهرتين أساسيتين متلازمتين
الأولى أن الأطفال العراقيين يصعب عليهم كثيرا تعلم اللغة العربية الفصحى في المدارس لأنها ليست إستمراراً وإمتداداً للغة الأم وهي اللغة العراقية وإلقاء نظرة واحدة على منهج القراءة للصف الأول الإبتدائي ستجعلنا ندرك بسهولة طبيعة الإشكال ولغرض المقارنة والتحليل أخذنا القراءة الخلدونية (الطبعة السادسة والثلاثون لسنة 1995) وأحصينا الكلمات العربية الفصحى وما يطابقها في اللغة العراقية وكانت النتيجة أقل من 50% (بالضبط 45% أي 122 مفردة من مجموع 274 ) وسأورد لكم أمثلة على المطابق وغير المطابق لغرض التوضيح
المفردة الفصحى العراقية
غير مطابقة نقودي فلوسي
غير مطابقة لُعَبي ملاعيبي
مطابقة نَلْعَب نِلعب
غير مطابقة عندي عِدّي
غير مطابقة إليه إله
غير مطابقة يقدّم يطّي
مطابقة يُريد يريد
هذا من ناحية المطابقة بين الكلمات المنطوقة فإذا أضفنا باقي العوامل التي تبعد اللغة العربية عن اللغة العراقية المحكية مثل تحريك أواخر الكلمات، يتضح وجود فجوة تربوية هائلة بين اللغة الأم (العراقية المحكية) والعربية وتكبر هذه الفجوة مع الزمن حتى نصل إلى نقطة لا نستطيع فيها التحدث بالعربية الفصحى بشكل مطلق أو شبه مطلق رغم أننا ندرس الفصحى في المدارس لسنين طويلة ونقرأ العربية الفصحى طوال عمرنا.
والنتيجة الثانية أن أغلبنا يجيدون تعلم اللغة الثالثة مثل الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية ويتحدثونها بطلاقة
والسؤال الهام هنا لماذا؟
لماذا لا نستطيع التحدث بالعربية الفصحى وهي القريبة جداً من اللغة الأم العراقية المحكية ويفترض أنها قريبة جداً جداً منها ويدعي البعض أنها لهجة مشتقة منها؟
قبل أن أستمر سأحيلكم للإستماع لأي مقابلة للشاعر محمد مهدي الجواهري والتركيز على الطريقة التي يتحدث بها وستلاحظون التالي:
•ينطق الجمل العربية مقطّعة وليست كاملة
•يقدم ويؤخر ولا يهمه أن يأتي بالحال أو الصفة أول الجملة
•ينطق بعض الكلمات عراقية صرفة (آني بدلاً عن أنا)و(بالأربعة وسبعين بدلاً عن سنت أربع وسبعين)(هنانه) وغير ذلك كثير والكلام يعتبر من اللغة العراقية بلا شك
•لا يحرّك أغلب أواخر الكلمات (3)
فإذا كان شاعر العرب الأكبر الذي أزعم أن خزينه من المفردات الفصحى يفوق أياً منا بمرات يتكلم بهذه الطريقة التي تغلب العراقية المحكية على العربية أعيد السؤال لماذا؟
لماذا لا نستطيع التحدث بالعربية الفصحى وهي القريبة جداً من اللغة الأم العراقية المحكية ويفترض أنها قريبة جداً جداً منها ويدعي البعض أن اللغة العراقية لهجة مشتقة منها؟
ولماذا يستطيع باقي العرب وخصوصا مثقفيهم وبكل يسر التكلم بالفصحى ولا نستطيع نحن العراقيون ذلك؟
وإليكم مثال الشاعر نزار قباني
الذي يتحدث الفصحى بلا تكلف مقارنة بحديث الجواهري آنف الذكر
هل لهذا الأمر علاقة باللغة الأم العراقية والتي تمنع الشاعر الجواهري بسبب ما من الإنطلاق على سجيته والتكلم باللغة العربية الفصحى التي يعرفها أفضل من كل العرب؟
بعد هذه السنين الطويلة من البحث والتقصي توصلت إلى الإستنتاج أن هناك عدة عوامل وليس عاملا واحداً يتعاون ويتظافر ويتداخل لمنع العراقي المتمكن تماما من الفصحى من الإسترسال الطبيعي عند التحدث بالعربية وهي
1. كان من المتفق عليه إلى عهد قريب أن المراكز العصبية في الدماغ التي تعالج تعامل الإنسان مع اللغة أو اللغات المتعددة واحد إلا أن آخر الدراسات الطبية الحديثة أثبتت أن الأمر ليس بهذه السهولة والثبات وقد إطلعت على دراسة طبية لمزدوجي اللغتين الإنكليزية والصينية تؤكد أن (هناك مجموعة كبيرة من دراسات التصوير العصبي السابقة تشير إلى أن اللغات المتعددة يتم معالجتها وتنظيمها في نظام عصبي واحد في الدماغ ثنائي اللغةإلا إن نتائج هذه الدراسة تشير إلى الاستقلال الوظيفي للحسابات العصبية الكامنة وراء تمثيل لغات مختلفة في ثنائية اللغة).(2)
وللتوضيح نقول أن هذا يعني أن فهمنا وإدراكنا وبالتالي ردود أفعالنا نحن العراقيين على كلمة (منجطل) مثلاً تختلف جداً عن قولنا (مستلقي) . وللتوضيح أكثر نقول أن منجطل كلمة فريدة متفردة إخترعها العراقيون ولا يمكن أن تفهم إلا في هذا المعنى. أما مستلقي فلها ظلال كثيرة أخرى معقدة لأنها مشتقة كما في التالي:
لقى (الصّحّاح في اللغة)
لَقيتُهُ لِقاءً بالمد، ولُقًى بالضم والقصر، ولُقِيًّا بالتشديد، ولُقْياناً، ولُقْيانةً واحدةً ولَقْيَةً واحدةً ولِقاءةً واحدةً.
وألْقَيتُهُ، أي طرحته. تقول: ألقِهِ من يدك، وألقِ به من يدك.
وألْقَيْتُ إليه المودة وبالمودة.
وألقَيْتُ عليه أُلْقِيَّةً، كقولك: ألقَيْتُ عليه أُحْجِيَّةً، كلّ ذلك يقال.
والتقوا وتَلاقوا بمعنًى.
واسْتَلْقى على قفاه.
وتَلَقَّاهُ، أي استقبله
ولكي يصل الدماغ إلى إدراك (مستلقي) عليه مجبرا أن يمر بسلسلة (لقى-ألقى-إستلقى- مستلقي) وهذا تعذيب بحد ذاته! هذا إذا لم يخلطها مع شبيهاتها مثل مُتلقّي و متلاقي !!!
2. السبب الثاني المهم أن لغة العراقيين الأم (اللغة العراقية المحكية) هي الوريثة الشرعية لسلسلة طويلة من اللغات السومرية والأكدية والآرامية وآخرهن العربية التي دخلت كآخر منافس مرفوض لأسباب خارج نطاق هذا البحث ولهذا فإن العربية هي لغة ثانية موازية يتعلمها الطفل العراقي في المدرسة وعندها يخلط خلطاً شديدا وواضحا بين لغته العراقية الأم واللغة الجديدة خصوصا في المتشابه الذي أما يلفظ بشكل مختلف أو يحمل معنىً مختلفاً وتتكون بشكل سريع جداً لدى الأطفال عقدة حقيقية من التحدث بالعربية يحملونها معهم حتى الكبر ويصبح من المستحيل تقريبا التعبير المتكامل باللغة العربية خصوصاً عند التعبير عن العواطف والمشاعر والأحاسيس وما إلى ذلك.
3. السبب الثالث المهم هو تحريف العربية المقصود وغير المقصود عند التحدث باللغة العراقية المحكية مما جعل العربية بالنسبة للعراقيين لغة لا يركن لها عند الحديث.
إن عملية التحريف التي قام بها العراقيون إستغرقت مئات السنين وبشكل مختصر جداً سنعدد بعض أشكال التحريف :
•خلق معنى جديد غير مستخدم في العربية لنفس الكلمة
•تركيب أكثر من كلمة عربية لتعني معنى جديداً
•تغيير طريقة النطق للكلمة العربية
• خلق إشتقاق جديد
•خلق كلمات جديدة بحروف عربية
•إضافة حرف أو حروف للكلمة العربية الأصلية
والخلاصة أن اللغة العراقية المحكية هي اللغة الأم للعراقيين بلا جدال واللغة العربية لغة موازية لها ومتداخلة معها مما يعقّد جداً إمكانية أن تصبح اللغة العربية هي اللغة الأم للعراقيين في يوم من الأيام ومرور الوقت وتطور استخدام وسائل التواصل الإجتماعي التي تحتاج للجمل النصية المباشرة القصيرة وطباعة اللغة العراقية المحكية ضمن هذه الوسائل يجعل إمكانية إنفصال اللغة العراقية المحكية عن العربية وارداً بل وارداً جداً.

المصادر
1. تعليم اللغة العربية للأطفال على الرابط التالي
https://setiaselamanya. wordpress.com/2011/06/21/1
2. دراسة علمية طبية عن مزدوجي اللغةعلى الرابط التالي :
http://advances.sciencemag. org/content/3/7/e1603309
3. مقابلة مع شاعر العرب الأكبر الجواهري على الرابط التالي

4. مقابلة مع الشاعر نزار قباني على الرابط التالي
https://youtu.be/lVf0-sNBgS4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *