د.سهام جبار : آخر الفصول للمبدع الراحل “عادل كامل” (ملف/10)

[آخر الفصول]

د.سهام جبار

تندرج مجموعة (آخر الفصول) للقاص عادل كامل ضمن إطار القصة الوجودية التي أجدها انشغالا ً من انشغالات الستينيين في الأدب العراقي. هذا الانشغال الذي ظهر طابعه بهذه القوة لدى عادل كامل بفعل استغراقه بالوجودية فكرا ً وهما ً، وان كان الآن منصرفا ً إلى فضاء صوفي تأملي أكثر اتساعا ً وحرية. الا ان الحرية اصلا ً كانت هي الدافع في البحث الوجودي الأولى في حياة الفنان المعاصر.. الفنان الذي كانت له حصة تاثير في فعل القاص، إذ ْ انه كان مشتركا ً معه في انشغالاته وهمومه. هذا ما لابد لنا من التنبه اليه عند التعامل من نتاج عادل كامل. ومما يدعم كلامي من أدلة في القصص الخمسة عشر في المجموعة ما اراه من انبثاقات الحدث في كل قصة، متاتية من معاناة فردية وجودية مصطدمة مع واقع انساني مؤلم، او من بحث خائف عن خلاص غير متوقع، او من ارتباط بسعادة غير ممكنة.
هذا الطابع الخاص الذي أشرت اليه خلق وحدة موضوعية معينة أدت إلى اشتراك أكثر من قصة بثيمة واحدة او بما يقترب من المحرك الأساسي لكتابة القصة وقد يختلف في النهاية المترتبة عليها. اجد ذلك واضحا ً مثلا ً في أكثر من قصتين تتاليان واحدة اثر الأخرى، لنقل مثلا ً: قصة (إضراب رمزي وعام) ـ ولا ادري لماذا حددنا القاص في توجيهنا وجهة معينة بتأثير الإهداء ومكان النشر وما إلى ذلك في هذه القصة ـ وقصة (حضانة الأطفال) التي أتت بعدها مباشرة وربما افسر اهتمام القاص بجمع القصتين على هذا النحو بعدم اكتفائه من أداء الثيمة التي شغلته فآثر ان يملأ الفراغ الذي تخلف بسبب هذا بكاتبة قصة ثانية تتجه الى الاتجاه نفسه. وذلك ينطبق أيضا ً على قصة (بنك الأعضاء) وقصة (قلب) اللتين تشتركان مع القصتين السالفتين بالامر نفسه كما المؤرختين بتاريخ متقارب وهذا يؤكد فكرة عدم الاكتفاء هذه وكان من الممكن استبعاد احدى القصتين او الغائها. ولكن هذا لا يعني الغاء جانب القدرة الفائقة التي استحث بها القاص الوجود المقاوم في كلا القصتين والإيحاء إلى دلالات مؤثرة، وجمالية اداء القصتين الا ان التشابه والتكرار غير مطلوب الا لدعم اثر لم يثق القاص في قدرته على تحقيقه في قصة واحدة بحيث لا يحتاج الى سواها.
ومن مظاهر الوحدة الموضوعية التي صبغت المجموعة بصبغتها الملامح الواحدة تقريبا ً للبطل في القصص، انه بطل مأزوم ضائق بحياته، المنشدة بخبر وفاته كما في (اصابع وأصابع)، الذي يجد شخصا ً يود قتله في ليلة عيد ميلاده كما في (ليلة عيد الميلاد)، المكتشف لغة اخرى لا يتكلم بها احد كما في (حدائق النار)، المصدوم باضراب كما في(اضراب رمزي عام) وفي (حضانة الاطفال). الفاقد أعضاءه بعد موته كما في (بنك الاعضاء) و (قلب)، المشغول بفكرة الموت كما في (أغصان)، الفاقد عمره في عمل مكرر كما في (رماد)، المواجه بعشق كما في (عاشقان)، الخائفة على زوجها من الموت في (ليس هذا بالضبط)، والاثاري المفقود في (الاثاري)، والصحفي الخائف في (فيل في بيتي)، والصحفي ايضا ً الخائف في (الحصان والصحفي)، .. وكما نرى نجد ان ملامح الخوف او الفقدان او الضياع هي التي ترسم لنا وجوه الأبطال في القصص، انها وجوه تتجه الى نهايات محددة لابد من بلوغها بوقائع شعورية من النوع الذي تكابده هذه الوجوه، انها مدفوعة من الداخل الى هذه النهايات، حيث لا فائدة من سلوك طرق اخرى. فالطريق محددة سلفا ً باصطباغ هذه الشخصيات بكل هذه القتامة والعذاب القدري الذي لامناص منه هكذا تترسم الحرية املا ً لا وصول اليه في هذه المكابدة المستميتة وهكذا تتجه الشخوص بحواراتها الى لا احد تقريبا ً، فكل شخصية تظهر ما لديها لا للاخر، اذ ْ لا جدوى من ذلك، إنما هكذا للاشيء، للعدم، للنهاية المقدرة.. نجد ذلك واضحا ً جدا ً في القصة الاولى (اخر الفصول) التي جعل القاص فيها شخصين يتكلمان لكن كل على حدة تقريبا ً، يخبر كل منهما عن الاخر الا ان ذلك لا يتم مباشرة، بل خلف ستار من انصراف كل واحد الى مصيره. هكذا يتخذ الشخوص تاريخهم جزءا ً من صورهم الخاصة، من ملامحهم المترسبة بعد كل ما مضى. وهذا يكتشف بالتالي عن وحده مريعة، وحدة فردية طاغية رغم مظهر الصلات التي تجمع الشخوص الى بعضها الا انها صلات منقطعة في النهاية..
وددت ان اشير الى الطابع الرومانسي ايضا ً. ونستشفه ايضا ً من عناوين القصص اضافة الى انشغالاتها..
وهكذا تأتي مجموعة عادل كامل (اخر الفصول) لتبدي اخر اهتماماته القصصية خلال الثمانينيات التي كتب خلالها قصص المجموعة، بينما اظن ان انشغالاته القصصية الحديثة مختلفة عنها نوعا ً ما، الاختلاف الذي ربما يمنع هذا الطابع المرتسم هنا كما اشرت اليه.

[جريدة العراق ـ بغداد 26 اذار 1996]

شاهد أيضاً

صباح هرمز: التناص والإيحاء في رواية (المنعطف) لحنون مجيد (ملف/12)

إشارة : يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن الروائي والقاص المبدع …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (13) أدب السيرة الذاتية العراقي (ملف/68)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

“رؤيا الغائب” للعراقي سلام إبراهيم رحلة في الجحيم العراقي
عبد الحسين إبراهيم (ملف/67)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *