سلطة السيف : رواية تسجّل مرحلة الموت والخراب

قراءة: حسين سرمك حسن
( شعر عبد الله بسخرية الموقف الذي هو فيه ، يتحدث عن الكتب ، والأسلحة مصوّبة نحوه.
قال الضابط:
أنت لديك الكتب ونحن لدينا سلطة القوة.. وأشار إلى سلاحه –
ولولاها لما استطعت أن تقتحم بيتي .. 
نحن لحمايتكم وحريتكم ..
ولكن أية حرّية تلك التي تخوّلك اقتحام بيتي. وتمنعني من الوصول إلى ابنتي الخائفة؟
نحن لا نريد ازعاجكم، ولكن هذا هو عملنا.. بيتكم جميل..
وطني جميل أيضا.. وتستفزّه سلطة الغرباء عليه..
هزّ رأسه وضغط على شفتيه وأمر جنوده بالإنصراف ، فيما ارتمت “مريم” في حضن أبيها تنتظر مغادرتهم .. ص 125و126)
 هذه هي الفقرة الختامية من رواية الكاتب (عادل إبراهيم) : (سلطة السيف) التي صدرت عن دار فضاءات في عمان مؤخرا. وهذه الفقرة تلخّص الصراع المدمّر الذي يعيشه الشعب العراقي منذ يوم احتلال الأمريكان الخنازير الغزاة أرض الرافدين المقدسة.. وعبد الله –بطل الرواية- هو أنموذج للإنسان العراقي الصابر الصامد بثبات على أرضه وكأن عادل ابراهيم يقدم لنا الأنموذج الذي يرى فيه الخلاص.. الأنموذج الذي لا “يغادر” ولا يترك أرضه رغم الموت والخراب .. خسر عبد الله وظيفته.. خسر خيرة أصدقائه ورفاقه: أحمد الذي قتل برصاص دبابة أمريكية حاول تفجيرها.. حسن قتله الأمريكان مع سائق سيارة الأجرة التي أقلته إلى الصليخ .. لقد عاش تحت ويلات الحرب .. حرب الإحتلال وشاهد بأم عينه الخراب الذي اجتاح العراق وسلب بغداد وحرقها.. عاش ويلات الحرب الطائفية والتهجير.. فتش بيته مرتين بطريقة مرعبة.. هوجمت مدرسة طفلته بالقنابل..
كما يقدم عادل أنموذجا آخر كشرط من شروط الصمود في وجه المحتل والظروف المدمرة التي تعصف بالبلاد وهو توفر العائلة المتماسكة التي يتوحد أفرادها في وجه النائبات من خلال زوجة عبد الله (أمل) وابنته (مريم). والأهم هو الزوجة أمل (ولاحظ دلالات اسمها) التي تمثل روح الصمود الحقيقية.. الأنثى العشتارية المعطاء المانحة.. حتى زوجها عادل يهتز في بعض المراحل وبتأثير الضغوط الهائلة: لا يريد سماع أي خبر فتقول له الصمت موت.. وحين يخرج من البيت وهو تائه لا يعرف تحديد وجهته تقول له أمل : أنظر ، ما سأقوله لك في غاية الجدية، ماذا يفيد الإنكسار والضعف والحسرة. الحياة قصيرة وحبلى بالمخاطر والنكسات .. علينا جميعا أن نقف في وجهها متآزرين. يقولون إن بعض الرجال سفن وحيدة في البحر. وأستطيع أن اقول شيئا آخر : إن الرجال لا يفقدون زمام المبادرة حتى وإن غادرتهم في وقت ما. وحتى وهي تعيش تحت مطارق الموت في بغداد تفكر بحفيدها (حمزة) لابنها علي الذي غادر العراق وكيف أن زوجته سارة يجب أن لا تطبخ وحمزة بجوارها يتعلق بالأشياء.. كما تستدرك حين تخبر ابنها عن الحالة الأمنية في بغداد كي لا تقلقه.. ورغم أن حالة أمل النفسية تسوء وتراجع طبيبا للأمراض النفسية لكنها سرعان ما استعادت تماسكها وحسنا فعل عادل بعرضها كائنا بشريا لا أسطوريا خارقا كما يفعل بعض الكتاب…   
خطط عادل لروايته بصورة جيدة فجاءت أغلب مكوناتها مقصودة بدءا من العنوان الذي اختاره من حوار بين أحد الأباطرة الرومان وقائد جيشه:
الامبراطور: لقد قضيت خمسة وعشرين عاما من الدماء في سوح المعارك ، ترى: بماذا سيذكرني شعبي : فيلسوفا أو طاغية أو قائدا شجاعا ؟
قائد الجيش: أنت صنعت مجدا
الامبراطور: كانت تلك سلطة السيف ..
وقد استثمر عادل كل الفرص السردية لكشف أبعاد الكارثة التي عصفت بالعراق ومزقت نسيجه الاجتماعي خصوصا عند زيارته مع زوجته عيادة الطبيب النفسي حيث يعرض نماذج محطمة اصابتها مصائب رهيبة من قتل الأبناء والأحبة والأصدقاء..
الرواية يمكن عدها ضمن جنس الروايات التسجيلية جاءت بسيطة في البناء وفي اللغة السردية.. كما جاءت فيها مواقف تعليمية (الحديث عن حضارة العراق واسطورة الطوفان) وأخرى وعظية مباشرة ، وثالثة لا ضرورة لها افسدت مسار الحوادث الملتهبة مثل مشهد الاتصال الجنسي بين عبد الله والمصورة التلفزيونية الفرنسية (ماري لوفان) في بيروت وهي التي تعرف إليها في باريس ثم خطفت في بغداد ..
علينا أن نكتب ونكتب ونكتب لكي لا نموت .. لن ولم يبقِ لنا الأوغاد غير الإبداع فلنكتب ونجرّب مهما كان ما نقدمه .. وسيأتي يوم يدرس كل شي ونحاسب على أي كلمة قلناها .. فتحية لعادل ابراهيم ضمن هذا الإطار..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

مهند طلال الأخرس: #كل_يوم_كتاب.. طريق الخيّالة

طريق الخيّالة، سبعون عاما من الذاكرة، كتاب سيرة ذاتية وهو بقلم المناضل والفدائي البطل احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.