الرئيسية » نصوص » ادب الطفل » طلال حسن : طريق غزالة (رواية للفتيان)

طلال حسن : طريق غزالة (رواية للفتيان)

رواية للفتيان

طريق غزالة

طلال حسن

” 1 ”

لاحت الواحة من بعيد كالسراب ، وشبيب وسالم فوق صهوتي حصانيهما ، والشمس وراءهما ، تميل شيئاً فشيئاً للغروب ، وحث سالم حصانه ، دون أن يلتفت إلى شبيب وقال : إنها هناك ، هيا .
وعلى الفور ، حث شبيب حصانه هو الآخر ، حتى حاذى حصان سالم ، ومضيا جنبا إلى جنب ، صوب الواحة .
وما إن اقتربا من الأشجار الأولى ، حتى تباطأ شبيب بحصانه ، ثم قال لسالم : تقدمني .
ومضى سالم ، يقود حصانه ببطء ، بين أشجار النخيل ، من غير أن ينطق بكلمة واحدة ، وقاد شبيب حصانه في إثره ، وقد علا الجمود وجهه .
وتوقف سالم بحصانه ، على مبعدة من نخلة ضخمة ، تنتصب شامخة ، على حافة الواحة ، وتوقف شبيب إلى جانبه ؛ يتأمل النخلة صامتا ، وترجل سالم عن حصانه ، وقال : غزالة هناك .
ولبث شبيب ، بعض الوقت ، فوق صهوة حصانه ، ثم ترجل ببطء ، وعيناه لا تريمان عن النخلة ، ومد سالم يده ، وامسك زمام حصان شبيب ، وقال : اذهب ، سأنتظرك هنا .
وسار شبيب صوب النخلة ، وقد ازداد وجهه جمودا ، وتوقف ، وقلبه يخفق ، حين رأى مرتفعا من الرمال ، مسجى تحت النخلة ، وجثا على ركبتيه ، أمام المرتفع ثم تمتم بصوت مرتعش : غزالة .
وهبت ريح ، بين الأشجار ، تعول متمتمة، غزالة .
وأسدلت الدموع ستارة فوق عينيه ، فغام المرتفع .. والنخلة .. وسالم .. والحصانان .. والواحة .. ولم يعد يسمع غير الريح .. تركض في الفلاة .. معولة : غزالة .. غزالة.. غزالة .
وهدأت الريح شيئا فشيئا ، وتلاشى عويلها ، حتى عم الصمت والظلام الفلاة كلها .

” 2 ”

أفاق سالم ، في وقت متأخر من الليل ، والنجوم تلمع في السماء ، بعد أن غاب القمر .
وتلفت حوله ، لا شئ غير العتمة والصمت ، وتطلع إلى حيث يرقد شبيب ،عجبا ، انه ليس في مرقده ، وهز رأسه ، هذه ليست أول مرة ، ترى ما الأمر ؟
ونهض متثاقلا بجسمه المكتنز ، وتسلل مبتعدا عن رفاقه ، الذين كانوا يغطون في النوم ، ولاح له شبيب ، يقف كالشبح ، في مكانه المعهود ، قرب نخلة ضخمة متطرفة ، فتقدم منه ، وتوقف إلى جانبه ، دون أن يتفوه بكلمة .
وتنهد شبيب ، وهو يحدق في السماء ، ثم قال : آه ما ابعد النجوم .
وقال سالم : وما أبعدك .
ثم التفت إليه، أضاف قائلا : منذ أيام ، وأنت تنهض ليلا، وتقف في هذا المكان ، ليتني اعرف ما يشغلك .
ورد شبيب متسائلا : وما الذي يمكن أن يشغلني ؟
وتطلع سالم إليه ، وقال : من يدري ، لعله الفارس الغريب .
والتفت شبيب إليه صامتا ، فقال : الأمر يسير ، نستطيع أن نصيده ، كما نصيد أي غزال فضولي .
وهز شبيب رأسه ، وقال : لا ، لا، لندعه وشأنه ، لا أظنه يسعى إلى الضرر بنا .
ورد سالم قائلا : أن متابعته لنا تثير الريبة ، وقد يكون عيناً من عيون الحجاج .
ولاذ شبيب بالصمت مفكرا ، ثم قال : هذا أمر مستبعد ، فالحجاج مشغول هذه الأيام بالخوارج ، ولن يلتفت إلينا في الوقت الحاضر .
وتطلع سالم إليه ، ثم تسأل : إذن ؟
وابتسم شبيب ، وقال : إذن ، لا تشغل بالك ، هيا .
وقفل عائدا إلى حيث كان يرقد ، وهو يقول : الفجر ما زال بعيدا ، لننم الآن ، ونرتح قليلا ، عسى أن نحظى غدا ، بقافلة من قوافل الكوفة .
وتبعه سالم ، وقال مازحا : وتشغلك ، ولو بعض الوقت ، عما يشغلك .
وتمدد شبيب في مرقده ضاحكا ، وقال : لا يشغلني الآن ، إلا ما سأكله ، صباح الغد ، من يديك .
وضحك سالم ، وهو يتمدد في مرقده ، وقال : أتمنى أن تجد قريبا ، يدين أفضل وأنعم من يدي ، تأكل منهما العمر كله .
” 3 ”

منذ الصباح ، وشبيب ورفاقه ، يجوبون على خيولهم السريعة ، المناطق القريبة من طرق القوافل دون جدوى .
وتوقف فوق مرتفع ، يطل على الطريق ، وتوقف رفاقه إلى جانبه ، وشد سالم زمام حصانه ، الذي كان يتصبب عرقا ، وقال: سيموت حصاني من التعب .
ورمق طارق ، سالم بجسمه المكتنز ، ثم نظر إلى حصانه ، وقال : سيرتاح .
وعلق عامر قائلا : وسيرثيه شاعر الخوارج عمران .
أضاف طارق : وسيقول انه فطس شابا .
وقال عامر : نعم ، فهو اصغر من جد حصاني بثلاثة أشهر .
وهز عبد الله رأسه مبتسما ، دون أن يتفوه بكلمة ، ونظر سالم إلي شبيب ، وقال : اسمعه .
ورد شبيب ، وهو يغالب ابتسامته : دعك منه ، خذ أفضل حصان ، مما سنغنمه في اقرب فرصة .
وقال سالم ، والفرح يشيع في ملامح وجهه المكتنز : حتى لو كان حصاني جندي من جند الحجاج .
ورد شبيب قائلا : إلا الحجاج وجنده ، إنهم نار حارقة ، فلنتجنبهم .
وربت سالم على حصانه ، وقال : صبرا ، يا صديقي ، سيأتي الفرج قريبا ، أطلق سراحك .
ورمق شبيب بنظرة خاطفة ، ثم أضاف قائلا : إن شاء الله .
وتلفت شبيب حوله ، مغالبا ابتسامته ، ثم قال : يبدو أننا لن نرى أحدا هذا اليوم .
وتطلع عبد الله بعيدا ، ثم قال : بل نرى .
وأشار بيده قائلاً : انظر .
ونظر شبيب ، وكذلك رفاقه ، إلى حيث أشار عبد الله ، وإذا الفارس الغريب ، على صهوة حصانه ، يتوقف بعيداً ، وينظر إليهم ، من وراء لثامه .
وتململ طارق فوق حصانه ، وقال : هاهو الفارس الغريب مرة أخرى .
وقال عامر متسائلاً : منذ أيام وهو يتابعنا ، ترى ماذا يريد ؟
لم يجبه أحد ، وبماذا يجيبونه ؟ وفغر سالم فاه معجباً ، وقال : آه ما أروع حصانه .
وغمز طارق لعامر ، وقال لسالم : اذهب ، وخذه .
ونظر شبيب إلى سالم ، وقال : لا عليك سيأتي هذا الفارس بنفسه ، مادام يحوم حولنا منذ أيام .
ثم شد زمام حصانه ، ودار به ، وهو يقول : لنعد إلى المخيم ، هيا .
وانطلق بحصانه ، وفي إثره انطلق سالم ، ثم طارق وعامر وعبد الله ، ومن بعيد ، لاح غزال ، يرعى ساهياً عما حوله .
وتوقف شبيب ، وأشار بيده إليه ، وقال : انظروا ، إنه غزال .
أطلق سالم آه إعجاب ، وقال : وأي غزال .
وتقدم طارق على حصانه متحفزاً ، وقال : مهلاً ، ستشويه لنا اليوم يا سالم .
ورد سالم متحدياً : لنر .
وعلى الفور ، انطلق طارق بحصانه ، يتبعه عامر وعبد الله ، وما إن أحس الغزال بتوجههم نحوه ، حتى انتفض خائفاً أطلق سيقانه للريح ، لكن طارق ورفيقيه انطلقوا كالسهام في أعقابه .
وهزّ سالم رأسه ، وقال : لا أظن أنني سأشوي اليوم ذاك الغزال .
وردّ شبيب ، وهو يهمز حصانه : بل ستشويه ، هيا .

” 4 ”

تمدد شبيب تحت النخلة ، بعيدا بعض الشيء عن رفاقه ، وأغمض عينيه ، لعله يغفو قليلا ، ريثما يعود عبد الله من جولته ، ويكمل سالم شيّ الغزال .
ومالت الشمس للغروب ، لكنه لم يغف ، وهز رأسه ، حين تراءى له سالم ، بجسمه المكتنز ، يقول : ليتني أعرف ما يشغلك .
وتناهى إليه وقع أقدام ، ففتح عينيه ، وإذا عبد الله ، الذي أحرقت شمس البادية ملامحه ، يقترب متبخترا منه .
واعتدل شبيب ، فتوقف عبد الله ، وقال : يبدو انك متعب.
ورد شبيب قائلا : كلا ، إنني انتظرك .
ورمقه بنظرة خاطفة ، واستطرد قائلا : لقد تأخرت .
وجلس عبد الله القرفصاء على مقربة منه : لقد ابتعدت اليوم قليلا .
ونظر شبيب إليه ، وقال معاتبا : هذا خطر يا عبد الله .
ورد عبد الله قائلا : لا بأس ، فحياتنا كلها خطر .
ونهض ثم قال : انه قدرنا .
وحدق شبيب فيه ، وقال : يبدو انك لم ترَ شيئا .
ورد عبد الله قائلا : جند الحجاج يجوبون المنطقة .
ونهض شبيب ، وقال : لعل بعض الخوارج في الجوار .
وقال عبد الله : بل الحجاج ، سيكون في الواحة قريبا .
ونظر شبيب إليه متسائلا : الحجاج !
وهز عبد الله رأسه ، وقال : نعم ، هذا ما قاله أعرابي من الواحة .
وقال شبيب ، وقد استبد به القلق : لنبتعد عن الواحة ، حتى يعود الحجاج إلى قصره .
وصمت لحظة ، ثم قال : الحجاج نار حارقة ، ولا أريد أن تمسنا هذه النار .
وهنا اقبل سالم بجسمه المكتنز ، وقال : هيا ، الغزال ينتظر .
وابتسم شبيب ، واخذ بذراع سالم ، وهو يقول : اطمئن ، لن ندع غزالك ينتظر طويلا ، هيا .
والتفوا حول الغزال المحمر ، والشمس تكاد تغطس وراء الأفق ، وهموا أن يبدؤوا الأكل ، حين قال طارق ، وهو ينظر بعيدا : مهلا ، لدينا ضيف .
ورفع الجميع أنظارهم ، وراحوا يتطلعون إلى حيث ينظر طارق، وقال شبيب : آه ، كما توقعت ، ها هو الفارس الغريب قادم .
وتساءل عامر ، وعيناه لا تفارقان الفارس : ترى ماذا يريد ؟
ورد طارق قائلا : سيهلك إذا أراد شرا .
ونهض سالم بجسمه المكتنز : مهما يكن فهو غنيمة . وتقدم الفارس على صهوة حصانه ، وقد غطى اللثام وجهه ، عدا عينيه ، ونهض الجميع ، و أيدي بعضهم فوق مقابض خناجرهم .
وتوقف الفارس ، وراح يحدق فيهم ، واحدا بعد الآخر ، حتى استقر نظره أخيرا على شبيب .
وحام سالم بجسمه المكتنز حول حصان الفارس ، ثم مد يده إلى لجامه ، وقال : هذا الحصان سيكون لي .
وقفز الفارس عن صهوة حصانه ، قبل أن تصل يد سالم إلى اللجام ، أطبق على ذراعه ، وسحبه بقوة ، ملقيا إياه على الأرض .
ونهض سالم مترنحا، وشهر خنجره ، وهم بالانقضاض على الفارس ، وقد استبد به الغضب ، فقال شبيب : توقف .
وتوقف سالم مغالبا غضبه ، فتابع شبيب قائلا : لا تنس ، انه ضيفنا .
ثم نظر إلى الفارس ، وقال مشيرا إلى الغزال : تفضل .
واستل الفارس خنجره ، ثم اقترب من الغزال ، واقتطع منه قطعة ، ومضى مبتعدا ، دون أن يتفوه بكلمة .
ونظر الجميع إلى شبيب ، وكأنهم يسألون ، ما العمل ؟ لكن شبيب ، جلس في مكانه ، وقال : دعوه الآن ، لنأكل وإلا برد الغزال .

” 5 ”

نهض شبيب ، بعد أن تناول بضعة لقيمات ، فرفع سالم رأسه ، وهتف به : شبيب .
وقاطعه شبيب قائلا : شبعت ، شكرا .
ونظر سالم إلى طارق ، ثم قال : بالعافية .
وتطلع شبيب إلى الفارس ، الذي كان يقف على بعد ، وقال : ابقوا انتم ، ريثما أرى ما يبغيه هذا الفارس .
ودس طارق لقمة في فمه ، وتمتم ، وهو يرمق سالم بنظرة خاطفة : آه يا له من فارس .
وحدق سالم فيه ، ودمدم غاضبا : كلْ أنت ، كلْ ، كلْ .
ومضى شبيب متجها نحو الفارس ، وقد بدأ الليل يخيم على الفلاة ، وما إن أحس الفارس باقتراب شبيب ، حتى احكم اللثام على وجهه ، والتفت متطلعا إليه .
وتوقف شبيب على مقربة منه وقال : حسن أيها الفارس ، حان أن تسفر عن حقيقتك .
ولزم الفارس الصمت ، فقال شبيب : منذ أيام ، وأنت تحوم حولنا ، وها أنت قد أتيتنا ، من أنت ؟
وبهدوء رفع الفارس يده ، أماط اللثام عن وجهه ، وفغر شبيب فاه مذهولا ، وتمتم : فتاة !
وردت الفتاة قائلة : نعم ، كما ترى ، فتاة .
وقال شبيب ، وقد بدا محرجا : مثل هذا القفر ، المليء بالأخطار ، لا تقربه فتاة مثلك .
وقالت الفتاة : إلا لسبب قاهر .
ولاذ شبيب بالصمت ، وهو يحدق فيها ، ثم تساءل : ما اسمك ؟
وردت الفتاة قائلة : غزالة .
وتمتم شبيب ، وعيناه تلتمعان : غزالة .
أضافت غزالة قائلة : غزالة بنت احمد .. الشيباني .
وفكر شبيب لحظة ، ثم قال : أظن أنني سمعت بك .
ونظرت غزالة في عينيه ، وقالت : وأنا سمعت بك ، فأتيتك .
وحدق شبيب فيها حائرا ، ثم قال : أهلا بك .
واقتربت غزالة منه ، وقالت : الحجاج قتل أبى ، احمد الشيباني .
وحدق شبيب فيها ، فتابعت قائلة : وأنت شيباني .
أدرك شبيب ما ترمي إليه غزالة ، فهرب بعينيه من عينيها ، وقال : الحجاج عامل الخليفة عبد الملك بن مروان في العراق…
ومالت غزالة عليه ، وقالت : سيكون الحجاج ، بعد أيام ، في الواحة .
وتابع شبيب ، بصوت مضطرب ، يشي بقلقه : وهو قائد .. عنيد .. جبار .
وصمت لحظة ، ثم رفع عينيه إليها ، وقال : غزالة ، أنت فتاة ، عودي من حيث أتيت .
وأعادت غزالة اللثام إلى وجهها ، وهي تقول : ما سمعته عنك ، لا يتفق مع الحقيقة .
وانطلقت إلى حصانها ، أسرع شبيب في إثرها ، وهو يقول : مهلا يا غزالة ، مهلا ، مهلا .
واعتلت غزالة صهوة حصانها ، وشدت زمامه بقوة ، وقالت : سأصل إلى الحجاج ، واقتص منه ، مهما كان الثمن .
وهمزت حصانها ، فأنطلق بها ، يسابق الريح ، وتوقف شبيب ، يتابعها بعينيه ، حتى تلاشت في الليل ، وهز رأسه ، وقال بصوت متحشرج : يا للمجنونة ، سيقتلها الحجاج ، هذا إذا لم تأكلها ذئاب الفلاة ، قبل ذلك .

” 6 ”

أوى شبيب إلى مضجعه ، وكذلك بقية الفرسان ، وسرعان ما غطّ الجميع في النوم ، عدا شبيب ، الذي ظل يتقلب ، دون جدوى .
وعند منتصف الليل ، هب من مضجعه ، أسرع إلى حصانه ، معتليا صهوته ، وقبل أن ينطلق به ، لحقه سالم، واعترضه متسائلا : إلى أين ؟
وابتعد شبيب بحصانه عنه ، منطلقا به ، وهو يقول : ابقوا حتى أعود .
ووقف سالم مذهولا ، يتابعه بأنظاره ، إلى أن غاب تماما ، ثم قفل عائدا إلى مضجعه ، لكنه لم يستطع العودة إلى النوم .
ومضى شبيب ، منطلقا بحصانه ، عبر الليل ، الذي لم يخفف وحشته ، القمر المعلق وسط السماء ، وتراءت له غزالة ، فوق صهوة حصانها ، وهي تقول : سأصل إلى الحجاج ، واقتص منه ، مهما كان الثمن .
وهز رأسه ، يا لها من غزالة مجنونة ، وهمز حصانه ، مهما يكن ، لابد من الاعتراف ، بأنها غزالة شيبانية تماماً ، وظل يركض بحصانه ، طول الليل ، وعند الفجر ، تباطأ قليلا ، متلفتاً حوله ، لا فائدة ، ليس لهذه الغزالة أي اثر .
وتوقف بحصانه ، ولبث جامدا للحظات ، ثم قال في نفسه : هذه المجنونة ، لن تصل إلى الحجاج ، فذئاب الفلاة قد أكلتها الآن .
وشدّ زمام حصانه ، واستدار به صوب المخيم ، لابد أن رفاقه ، ينتظرون الساعة ، على أحر من الجمر ، وهمّ أن يهمز حصانه ، لكنه توقف مفكرا ، غزالة ذئبة ، ومثلها لا تأكلها الذئاب .
واستدار بحصانه ثانية ، وهمزه بقوة ، فأنطلق به يسابق الريح ، والشمس تطل من وراء الأفق ، وتفرش بضوئها الدافئ ، أطراف الفلاة .
ومن بعيد ، لمح ثلة من الجند ، يحيطون بفارس ، وسيوفهم تتلامع تحت أشعة الشمس ، أهي غزالة ؟ وكالسهم انطلق صوبهم ، نعم ، أنها غزالة ، يحيط بها الذئاب .
وبدون تردد ، انقض على الجند ، وقد شهر سيفه ، وسرعان ما شتت شملهم ، وأجبرهم على التراجع ، وصاح أحدهم ، وهو يلوذ بالفرار : لنهرب ، وننجو بأرواحنا ، هذا شبيب الشيباني .
وعلى الفور ، أطلق بقية الجند ، العنان لخيولهم ، ولاذوا بالفرار، لا يلوون على شيء .
وبدل أن يلحق شبيب بهم ، أسرع إلى غزالة ، التي كانت تتمايل مترنحة فوق حصانها ، والسيف ما زال في يدها ، وقد خضبته الدماء ، واقترب منها هاتفا : غزالة .
وتهاوت غزالة على الأرض ، وهي تقول : دعني .
لكن شبيب لم يدعها ، و إنما حملها ، ووضعها على حصانه ، ثم امسك بزمام حصانها ، وقفل عائدا إلى المخيم .

” 7 ”

أولى شبيب ، وكذلك رفاقه ، غزالة ، كل الاهتمام والرعاية ، وافردوا لها مضجعا مريحا ، تحت النخلة الضخمة ، بعيدا عن مضاجعهم ، وظلت طول النهار ، تهذي تحت تأثير الحمى ، لكنها هدأت في أول الليل ، واستغرقت في نوم عميق .
وعند منتصف الليل ، سمعها شبيب تتململ وتئن ، فأسرع إليها وإذا هي ترقد مغمضة العينين ، والعرق يتصبب من جبينها .
وانحنى عليها ، يمسح العرق برفق ، ففتحت عينيها متطلعة إليه، وابتسم لها ، وقال : اطمئني ، أنت بخير .
وتأوهت غزالة متوجعة ، وقالت : يبدو أن أحدهم ضربني بهراوة على رأسي .
وحدق شبيب فيها ، ثم تسأل : هراوة فقط ؟
وحاولت غزالة أن تعتدل ، وقد تملكها القلق ، لكنها تراجعت متألمة ، وتأوهت : آه .
وقال شبيب ، وهو يربت على يدها : لا تخافي ، جرح بسيط ، فوق قلبك بقليل .
ونظرت إليه غزالة متوجسة ، ومدت يدها إلى موضع الجرح ، فقال شبيب : أنا ضمدته ، ولم اسمح لأحد أن يقترب منك ، أنا شيباني مثلك .
أرخت غزالة عينيها ، وهي تئن متألمة ، فمال شبيب عليها ، وقال : لا عليك ، ستشفين .
ومد يده ، وتناول طبقا فيه حساء ، وقال : هذا حساء أعده لك سالم ، هيا ، اعتدلي ، أنت لم تتناولي شيئا منذ البارحة .
واعتدلت غزالة متوجعة ، وراح شبيب يسقيها الحساء بنفسه ، وقال : كدت تكسرين ذراعه .
وابتسمت غزالة من خلال توجعها ، وقالت : يا لها من ذراع .
ثم أبعدت يد شبيب ، وتمددت في مكانها ، وهي مازالت تتوجع ، ووضع شبيب الطبق جانبا ، والتفت إليها ، ثم قال : غزالة .
ولزمت غزالة الصمت ، وهي تتطلع إلى القمر ، المعلق وسط السماء ، ثم قالت : أبي كان يريد ولدا.
وابتسم شبيب ، وقال : فولدت له غزالة .
واستطردت غزالة قائلة : علمني السباحة ، وركوب الخيل ، والقتال بالسيف والرمح ، وغلبت الكثير من شباب القبيلة .
وحدق شبيب فيها ، على ضوء القمر ، وتساءل : ألم يأسرك واحد منهم ؟
وتطلعت غزالة إليه ، ثم ردت قائلة : نعم ، أسرني واحد، لم أره من قبل ، لكني سمعت عنه الكثير .
وتنهد شبيب قائلا : وخيب املك .
وردت غزالة مغالبة توجعها : ليس بعد .
ولزم شبيب الصمت لحظة ، ثم قال : غزالة .
وتطلعت غزالة إليه صامتة ، فقال : لنتزوج .
واعتدلت غزالة ، وقد تناست أوجاعها ، وقالت : أوافق ، بشرط .
وصمتت لحظة ، ثم أضافت : نذهب إلى الحجاج أولا .
وتساءل شبيب : الحجاج !
فردت غزالة : هذا شرطي .
أشاح شبيب عنها ، وقال : أنت مجنونة .
وتمددت غزالة مرة أخرى ، وهي تقول : ابتعد عني إذن، مادمت مجنونة .
ونهض شبيب ، فقالت غزالة : الحجاج سيأمر بمطاردتك ، منذ الآن ، فقد عرفك جنده .
لكن شبيب ، مضى عائدا إلى مضجعه ، دون أن يرد بكلمة .

” 8 ”

تماثلت غزالة للشفاء ، وغدت قادرة على امتطاء الحصان ، وكذلك القتال بالسيف والرمح ، وعلى ذلك قررت الرحيل .
واقبل شبيب عليها ، والقمر معلق وسط السماء ، واتكأ صامتا إلى نخلة قريبة ، ورمقته غزالة بنظرة خاطفة ، وقالت : سالم أخبرك .
وهز شبيب رأسه ، فقالت غزالة : هذا ما أردته .
واعتدل شبيب ، وقال : اشفي أولا .
وردت غزالة قائلة : إنني الآن أفضل .
وتطلع شبيب إليها ، وقال : إنني أخشى أن يتعرض لك أحد ، خاصة وان جرحك لم يندمل بعد .
وبحدة قالت غزالة : الويل لمن يتعرض لي .
وصمتت لحظة ثم أضافت بنبرة هادئة : ثم إن جرحي قد اندمل .
ولاذ شبيب بالصمت ، ثم تطلع إليها وتساءل : إلى أين ستذهبين؟
وردت غزالة قائلة : أنت تعرف ، تعال معي .
واحتج شبيب قائلا : لست وحدي ، إننا هنا ستة فرسان .
وقالت غزالة متحمسة : هذا أفضل ، ليأت الجميع معنا .
وقال شبيب : طريقنا غير طريقك ، نحن نقطع الطريق على القوافل فقط .
ونهضت غزالة ، وقالت بنفس الحماس : لنذهب ونلتحق بالخوارج ، ونقطع الطريق معهم ، على قوافل الحجاج وأتباعه .
ورد شبيب بشيء من الانفعال : لن التحق بأحد ، إنني هنا حر ، أملك العالم كله .
ونظرت غزالة إليه صامتة ، فأطرق رأسه متكدرا ، ثم مضى ، وهو يقول : تصبحين على خير .
وردت غزالة قائلة : بل قل وداعا .
وتوقف شبيب ، دون أن يلتفت إليها ، فاستطردت غزالة : إنني راحلة غدا ، مع الفجر .
ومع الفجر ، هبت إلى حصانها ، ممتطيه صهوته ، وقد تمنطقت بسيفها ، وهمت أن تنطلق بالحصان ، حين اعترضها شبيب هاتفا : غزالة .
وتوقفت غزالة ، وقالت : ليلة البارحة ، قلت لك ، وداعا.
وامسك شبيب زمام الحصان ، وقال : مهما كنت ، أنت فتاة ، لا تنسي هذا .
وردت غزالة قائلة : لم انس ، ولهذا جئتك .
وتطلع شبيب إليها ، وقال : أفهميني ، لو كان قاتل أبيك غير الحجاج ، لوضعت يدي في يدك ، حتى النهاية .
وقالت غزالة : قاتل أبي هو الحجاج ، وسأقتص منه .
وقال شبيب محذرا : لكن الثمن قد يكون غاليا .
وجذبت غزالة الزمام بعنف من يده ، وانطلقت بحصانها، وهي تقول : ليكن الثمن .. حياتي .
ووقف شبيب ، يتبعها بنظره ، حتى اختفت تماما ، وقفل عائدا إلى مضجعه ، وقد استبد به القلق ، وتناهى إليه وقع أقدام ثقيلة ، انه سالم ، ورفع عينيه ، نعم ، انه سالم ، لكنه غير سالم ، الذي يعرفه ، يا للجنون .
وتوقف سالم على مقربة منه ، وقد اربد وجهه ، وتساءل بشيء من الانفعال : ذهبت غزالة ؟
ورد شبيب باقتضاب : نعم .
وحدق سالم فيه ، وقال : ظننت أنك ستمنعها ، أو تلحق بها .
ورمقه شبيب بنظرة خاطفة ، وقال : إنها تسعى بقدميها للانتحار .
أشاح سالم عنه بوجهه ، أسرع إلى حصانه ، فأعتدل شبييب متسائلا : إلى أين ؟
ورد سالم ، وهو يعتلي صهوة حصانه : لن ادعها وحدها مهما كلفني الأمر .
ونهض شبيب ، وصاح به : تمهل ، لا تكن مجنونا .
وانطلق سالم ، يسابق بحصانه الريح ، فهز شبيب رأسه ، وقال : هذا مجنون آخر ، يسعى للانتحار .

” 9 ”

توقفت غزالة ، حين سمعت صوت حصان ، يجد في أثرها ، والتفتت إلى الوراء ، وإذا فارس مكتنز ، يقبل صوبها ، عجبا، أهو سالم ؟
واستدارت بحصانها ، وعيناها لا تفارقان الفارس ، نعم ، انه هو سالم ، وظلت منتظرة فوق حصانها ، ترى ماذا يريد ؟
وتوقف سالم قبالتها ، وراحا يتبادلان النظر صامتين ، وهمت غزالة أن تسأله عما يريد ، لكنه سبقها قائلا : غزالة .
ولاذت غزالة بالصمت ، فقال سالم : إنني لا أريد أن أتدخل في أمر ، قد يبدو لك ، انه لا يعنيني ، لكن .. .
وصمت لحظة ، ثم قال : أنت لا تعرفين شبيب ، كما اعرفه أنا، انه فارس شجاع ، لا يهاب أحدا ، لكنه متأني ، وهو .. .
وصمت مرة أخرى ، ورمقها بنظرة خاطفة ، مترددة ، ثم قال : هو يحبك ، كما لم يحب امرأة من قبل .
أدارت غزالة حصانها ، وهمزته برفق ، فسار بها مبتعدا عن سالم ، وحث سالم حصان ، ولحق بها ، وقال : غزالة .
وردت غزالة قائلة : عد يا سالم .
وسار سالم إلى جانبها ، وقال : لن أعود إلا إذا عدت .
وتوقفت غزالة ، وقالت : سالم .. .
وقاطعها سالم قائلا : لا تحاولي ، سأبقى معك .
واستطردت غزالة : إنني ذاهبة إلى الحجاج .
ورد سالم : أعرف .
وقالت غزالة : وقد اقتل .
وقال سالم : فلأقتل معك .
وصاحت غزالة : الثأر ثأري .
ورد سالم : سأبقى معك ، مهما كلف الأمر .
وهمزت غزالة حصانها ، وانطلقت تسابق الريح ، وعلى الفور، همز سالم حصانه هو الآخر ، وانطلق في أثرها .
وقبيل المساء توقفت غزالة ، وترجلت عن حصانها ، وقالت : لننزل هنا .
وترجل سالم عن حصانه هو الآخر ، وقال : انه مكان آمن .
وربطت غزالة حصانها ، وقالت : على مسافة ، ليست بعيدة ، هناك واحة .
وقال سالم ، وهو يربط حصانه : أعرفها ، واحة كبيرة وجميلة ، يؤمها الأكابر من الكوفة والبصرة .
ونظرت غزالة إليه ، وقالت : ليتك تستطلع المكان غدا ، لعلنا نعرف أخبار الحجاج .
وتوقف سالم عن ربط حصانه ، وقال : ولماذا غدا ، الوقت مازال مبكرا ، وأنا اعرف بعض الأعراب ، سأزورهم الآن ، عسى آن يفيدونا ببعض الأخبار .
وقالت غزالة : لكنك متعب .
فرد سالم : وجائع ، مثلك .
وارتقى صهوة حصانه ، وقال : ارتاحي ريثما آتيك ببعض الطعام .
وهتفت غزالة : والأخبار .
وتمددت غزالة ، بعد أن مضى سالم ، وسرعان ما أغفت ، ومعها أغفت الشمس ، وراء الأفق .
أفاقت من إغفاءتها ، على سالم يهتف بها : غزالة .
ومن العتمة برز سالم ، فقالت غزالة : يبدو إنني غفوت .
وترجل سالم ، وقال وهو يلوح بصرة :لا عليك ، جئتك ببعض الطعام .
وجلس قبالتها ، وفتح الصرة ، وقال : تفضلي .
ومدت غزالة يدها ، وقالت : لحم ضأن .
ودس سالم لقمة في فمه ، وقال : نزل ضيف على أعرابي اعرفه ، فذبح له شاة .
وضحكت غزالة ، وهي تأكل ، وقالت : ونزلنا معه ضيفان على الأعرابي .
وحدق سالم فيها صامتا ، فتطلعت إليه ، وتساءلت : ماذا؟
ورد سالم مترددا : لدي خبر.
والتمعت عينا غزالة ، وقالت : الحجاج .
وهم سالم أن يدس اللقمة في فمه ، وهو يقول : لنأكل أولا .
ألقت غزالة الطعام من يدها ، وقالت : لن آكل إذا لم تخبرني .
وقال سالم : أخشى أن لا تأكلي ، إذا أخبرتك .
وبحزم قالت غزالة : تكلم يا سالم .
ولاذ سالم بالصمت ، ثم قال : سيأتي الحجاج غدا إلى الواحة .
وهبت غزالة مدمدمة : الحجاج .
ألقى سالم الطعام من يده ، وقال : هذا ما كنت أخشاه .
ومن بين أسنانها ، قالت غزالة : الويل للحجاج ..

” 10 ”

هبت غزالة عند الفجر ، ومعها هب سالم . . أسرعت إلى حصانها ، وهي تقول : حان الوقت ، سأّذهب إلى الواحة .
أسرع سالم ، هو الآخر ، إلى حصانه ، وقال : وأنا معك.
أمسكت غزالة زمام حصانه هاتفة : سالم .
وقاطعها سالم ، وهو يسحب الزمام من يدها : لقد جئتك بنبأ الحجاج ، ولعله نبأ قاتل ، فلا اقل من أن أكون إلي جانبك .
واعتلت غزالة صهوة حصانها ، وقالت : ليت شبيب كان مثلك.
ورد سالم ، وهو يعتلي صهوة حصانه : شبيب يحبك .
ولاذت غزالة بالصمت ، ثم همزت حصانها ، وانطلقت تسابق الريح ، وهمز سالم حصانه هو الآخر ، وانطلق في أثرها ، حتى حاذاها ، وراحا يركضان بحصانيهما جنبا إلى جنب .
ولاحت واحة ، قبيل الظهر ، أشار سالم إليها ، وقال : تلك هي الواحة .
وحثت غزالة حصانها ، وهي تقول : لنبحث عن مكان آمن ، نخبئ فيه حصانينا .
ولحق سالم بها ، وقال : أعرف مكاناً ، في طرف الواحة ، قلما يؤمه أحد .
وتباطأت غزالة ، وقالت : تقدمني إليه .
وتقدمها سالم ، حتى وصل أجمة منعزلة ، فتوقف متلفتا، وقال: لننزل هنا .
وترجلت غزالة ، وقالت : لنربط حصانينا إلى هذه الشجرة .
ورد سالم ، وهو يترجل : لن نحتاج للحصانين ، مادمنا سنواجه الحجاج .
ونظرت غزالة إليه ، وقالت : أنت ستكون بحاجة للحصان ، لأني سأواجه الحجاج وحدي .
واحتج سالم قائلا : غزالة … .
وقاطعته غزالة قائلة : هذا رجاء .
ورد سالم مترددا ، دعيني أبقى إلى جانبك ، فلا يجوز …
وقاطعته غزالة ثانية : سالم ، أرجوك .
وأطرق سالم رأسه ، ثم رفع عينيه إليها ، وقال : أعرف إنني سأندم ، و ألوم نفسي ، طول حياتي .
وصمت مغالبا دموعه ، ثم قال : أتمنى لك التوفيق .
وحاولت غزالة أن تبتسم له ، وهي تقول : لن أقول وداعا ، وعبثا حاول سالم أن يرد عليها ، ولو بكلمة ، فقد حبست الدموع كلماته .
وتطلعت غزالة إليه ، وقالت : سالم .
ورد سالم من بين دموعه : نعم .
وقالت غزالة بصوت رقيق : سلامي إلى .. شبيب .
وقبل أن يرد سالم بشيء ، مضت غزالة ، وهي تقول : إذا لم اعد ، حتى المساء ، خذ الحصانين ، وعد إلى المخيم .

” 11 ”

تسللت غزالة ، عبر الأشجار ، متوجهة صوب مركز الواحة ، كان قلبها يخفق بشدة ، فقد حانت الساعة ، التي طالما انتظرتها ، ولم يفت في عضدها ، أن جند الحجاج ، كانوا يتجولون جماعات جماعات ، في أطراف الواحة ، وقد تمنطقوا بسيوفهم ، ورماحهم في أيديهم .
وتلفتت حولها ، و أدركت انهم سيقبضون عليها ، إذا رأوها ملثمة ، والسيف في وسطها ، فأرخت اللثام عن وجهها ، وخبأت السيف بين لمة من الأعشاب ، ثم مضت مواصلة تسللها نحو مركز الواحة ، حيث كانت مجموعة من الأعيان والقواد والجواري ، متحلقين حول الحجاج .
ومن بعيد ، وقع بصرها على الحجاج ، يختال كالطاووس ، وتراءى لها ، أنها تنقض عليه ، وقد استلت خنجرها من تحت ثوبها ، وطعنته في قلبه .
و أفاقت على جندي يصيح بها : توقفي .
وبدل أن تتوقف ، حثت غزالة خطاها ، وعيناها على الحجاج ، واعترضها ثلاثة جنود ، وامسكوا بها ، وراحت تصيح ، وهي تحاول التملص من بين أيديهم : دعوني .. أريد أن أرى .. الحجاج .
وسمعها الحجاج ، فرفع رأسه ، وتساءل : ما الذي يجري هنا ؟
ورد واحد من الجند الثلاثة : مولاي ، هذه أعرابية ، تقول إنها تريد أن تراك .
وتطلع الحجاج إلى غزالة ، وقال : لا عليكم ، ائتوني بها.
واقترب الجند الثلاثة بغزالة من الحجاج ، وقالوا : أمر مولاي .
وتوقفت غزالة أمام الحجاج ، وقالت ، وهي تحاول التملص من الجند الثلاثة : إنني فتاة ، كما ترى ، مر هؤلاء الجند أن يرفعوا أيديهم عني .
وحدق الحجاج فيها ، وقال : يا لك من فتاة .
ثم أومأ للجند الثلاثة ، وقال : اتركوها .
وترك الجند الثلاثة غزالة ، لكنهم ظلوا على مقربة منها ، تحسبا لأي طارئ ، ونظر الحجاج إليها ، وقال : من أنت يا فتاة ؟
وردت غزالة قائلة : أنا .. غزالة .
وعلق أحد الأعيان مبتسما : وأية غزالة .
لم يبتسم الحجاج ، وإنما حدق في غزالة ، ثم قال : الغزلان كثيرة ، لكني سمعت أن هنا غزالة خطرة .
وقالت غزالة مهددة : قتل الحجاج أباها .
والتمعت عينا الحجاج ، وقال : أنت تلك الغزالة .
وتحفزت غزالة كاللبؤة ، وهي تقول : لن يذهب دم آبي هدرا .
وتراجع الحجاج ، وهو يصيح بصوت متحشرج : اقبضوا عليها.
واندفع الجند الثلاثة نحوها ، فاختطفت غزالة رمحا من أحدهم ، وانقضت به على الحجاج ، وهي تصيح : يا لثارات بني شيبان .
ولاذ الحجاج بالفرار ، محتميا بسور من جنده المدججين بالسلاح ، وهو يصيح مرعوبا : خالد .
وفي الحال ، برز القائد خالد الرياحي ، من بين الجند ، قائلا : مولاي .
وأشار الحجاج إلى غزالة ، وصاح : افتك بهذه الذئبة .
واستل خالد سيفه ، وانقض على غزالة ، التي كانت قد أسقطت الجنود الثلاثة على الأرض ، مخضبين بدمائهم ، وما إن رأت غزالة خالد ، والجند يتحفزون وراءه ، حتى أسرعت إلى أحد الخيول ، وارتقت صهوته بقفزة واحدة ، وانطلقت تسابق الريح .
وانقض الحجاج على الجند الثلاثة ، وراح يرفسهم بقدمه ، وهو يصيح : أيها الجبناء ، تغلبكم فتاة .
والتفت إلى خالد ، وقال : خذ ثلة من الجند ، والحق بها ، واقتلها .
ورد خالد الرياحي : أمر مولاي .
وسرعان ما انطلق على رأس ثلة من الجند ، في اثر غزالة .

” 12 ”

هب عبد الله نافد الصبر ، وقال : هذا الأمر لم يعد يطاق .
ونهض طارق ، وقال : لا ترفع صوتك ، سيسمعك شبيب .
ورمق شبيب رفاقه بنظرة خاطفة ، وقال : ليسمعني ، نحن منذ أيام ، فيما يشبه العطالة .
وهمهم أكثر من واحد ، مؤيدا لما قاله عبد الله . وقال : عامر : هذا حق ، ويجب أن نفعل شيئا .
والتفت طارق إليهم ، وقال : مهلا ، شبيب يمر بأزمة ، وستمر كما مرت غيرها من الأزمات ، ونعود إلى ما كنا عليه .
و هنا نهض عامر ، وهو يتطلع بعيدا ، و قال : انظروا .
ونظر الجميع ، حيث ينظر عامر ، و إذا سالم يقبل على حصانه ، وهو يقود وراءه حصانا آخر .
و قال طارق :انه سالم ، فلأخبر شبيب .
ومضى مسرعا إلى شبيب ، الذي كان متمددا تحت النخلة الضخمة ، وصاح : شبيب .
وتململ شبيب ، دون أن يرد عليه ، فتابع طارق قائلا : عاد سالم ، ومعه على الأغلب ، حصان غزالة .
وهب شبيب من مكانه ، وصاح : أين هو ؟ فليأت حالا .
وبدل أن يبقى في مكانه ، منتظرا قدوم سالم ، انطلق مسرعا ، ووقف أمام رفاقه ، وعيناه القلقتان الملهوفتان لا تفارقان سالم .
وشد سالم زمام حصانه ، وتوقف جامد الوجه ، أمام شبيب . وتطلع شبيب إليه ، وتساءل : أين غزالة ؟
وترجل سالم عن حصانه ، ممسكا بزمام حصان غزالة ، وتقدم من شبيب ، وقال : هذا حصانها .
وتطلع شبيب إليه ، وقلبه يخفق بشدة ، فتابع سالم قائلا : قبل أن تمضي إلى الحجاج ، قالت لي ، سلامي إلى .. شبيب .
لم يتمالك شبيب نفسه ، فأطبق على ذراعي سالم ، وراح يهزه بعنف ، ويصيح : أين غزالة ؟ أين هي ؟
واطرق سالم ، مغالبا تأثره ، دون أن يرد بكلمة ، فصاح شبيب ثانية : تكلم ، أين هي؟
ورفع سالم رأسه ، وحدق فيه مليا ، ثم قال : وضعتها بنفسي ، في أصل نخلة ضخمة ، عند طرف الواحة .
وصاح شبيب بصوت مجروح : قتلت ! غزالة .. .
وقال سالم من بين دموعه : قتلها خالد الرياحي ، بأمر من الحجاج .
و أسرع شبيب إلى حصانه ، بعد أن دفع سالم أمامه : خذني إليها ، هيا ، هيا .

” 13 ”

أفاق شبيب ، وهو مازال جاثيا على ركبتيه ، وإذا سالم يهتف بصوت خافت : شبيب .
ورفع رأسه ، لكنه لم يلتفت ، ولم يرد بكلمة ، ومال سالم عليه ، وقال : رفاقنا جميعا هنا .
والتفت شبيب ، وستار من الدمع ، يضبب عينيه ، ونهض بتثاقل ، حين رأى رفاقه ، يقفون على بعد منه ، وقد علا الحزن ملامحهم .
وتقدم شبيب منهم ، فأسرعوا إليه ، يعانقونه ويعزونه ، ثم وقفوا حوله صامتين ، ورمق عبد الله رفاقه بنظرة سريعة ، ثم نظر إلى شبيب، وقال : شبيب .
وتطلع شبيب إليه ، وقد لزم الصمت ، فتابع قائلا : هذه سنة الحياة ، وقد حان الوقت ، لأن نعود إلى ما كنا عليه.
وأطرق شبيب ، ثم رفع عينيه المضببتين ، وقال : عفوا، أخشى أن طريقي لم يعد طريقكم .
ومرة ثانية ، رمق عبد الله رفاقه بنظرة سريعة ، ثم قال : لكن طريقنا كان دائما طريقا واحدا .
ورد شبيب قائلا : نعم ، كان طريقا واحدا ، إلا أن طريقي ، منذ الآن ، هو طريق غزالة .
ولاذ الجميع بالصمت ، متطلعين إليه ، فتابع شبيب قائلا : هذا الطريق يؤدي إلى الحجاج ، وليس إلى أحد غيره ، ولكي أصل إليه ، لابد أن اذهب إلى من ثار عليه ، وسأذهب إليهم الآن .
وأسرع سالم بالانضمام إليه فرحا ، وقال : و أنا معك .
وعلى الفور ، اعتلى شبيب وسالم صهوتي حصانيها ، وانطلقا بهما يسابقان الريح ، وسرعان ما سمعا خيول رفاقهما ، تجد في أثرهما ، حتى حاذوهما ، ثم انطلقوا معا على .. طريق غزالة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *