الرئيسية » ملفات » محمد خضير : (مخيم المواركة) مخيمات افتراضية (ملف/4)

محمد خضير : (مخيم المواركة) مخيمات افتراضية (ملف/4)

إشارة :
طبع القاص والروائي “جابر خليفة جابر” بصمته الأسلوبية المميزة على خارطة السرد العراقي عبر فهم عميق لسرّ الحداثة المنبثقة من عمق التراب العراقي (تراب البصرة تحديداً). يذكرنا جهد جابر أو مشروعه بما قاله الراحل الكبير “عبد الرحمن منيف” في رسالة إلى المبدع “شاكر خصباك”: “النجف وحدها تضع مائة رواية أهم وأخطر من ” مائة عام من العزلة”. واعتزازا بتجربة جابر السردية المتفرّدة تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عنه وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.
(مخيم المواركة)
مخيمات افتراضية
محمد خضير

افتراض (1)
إذا كنا قد رضينا بنهاية الأندلس تاريخاً حقيقياً، فلا أحد في مخيمات المواركة يرضى بأن تنتهي حكاية الأندلس إلا افتراضاً سردياً.

افتراض (2)

إذا كانت مأساة الموريسكيين قد دفعت أحفادهم للتمسك بالهلال بدل الصليب، فإن تمثيل هذه المأساة في المخيمات الافتراضية قد آخى بين الهلال والصليب.

***

أنشأتُ هذين المدخلين الافتراضيين لمقالتي، لإثبات التوقعات التي يتلقاها قارئ رواية (مخيم المواركة) من مؤلفها جابر خليفة جابر، بناءً على: خطورة الموضوعة المتعلقة بالجماعات المهمّشة، وجدوى تمثيل ماساتها حكائياً، وحداثة الشكل الروائي المستعار من نظام الروابط التشعبية في الإنترنيت. وهو الشكل الذي ينسب رواية (مخيم المواركة) إلى حقبة التغيير في العراق، التي ترتكز توقعات رواياتها على معايير ثلاثة (افتراضية، وثقافية، وتناصية). (راجع مقالتنا عن رواية مرتضى كزار: السيد أصغر أكبر، للوقوف على مدلولات هذه المعايير). وإذا كانت مقالتنا هذه عن (مخيم المواركة) قد أفرطت باعتماد المعيار الافتراضي في فحص الرواية، استثناءً من المعيارين الآخرين، الثقافي والتناصي، فذلك بغية كسر توقع القارئ الذي قد يرتب مدلولات النص الثقافية (الأيديولوجية)، فيقدّم دلالة الاستئثار والانتقام المسيطرة على خطاب الجماعات الصغيرة المقهورة، على دلالة الانفتاح والتعاضد والتجاوز، المقصود إثباتها في هذه المقالة.

إلا أننا لا يمكننا، وسط هذه التوقعات والتوقعات المضادة، التغاضي عن أهمية (الوثيقة) الحكائية التي انتزعتها (مخيم المواركة) من براثن التاريخ، وقدمتها مثالاً لاهتمام روايات التغيير بتاريخ الجماعات المهمّشة التي تحاول الآلة السردية الكبرى للتاريخ طمس حكاياتها. سنلاحظ على هذه الرواية ما لاحظناه على روايات التغيير اهتمامها بالتداخل بين التاريخ الشخصي للمتكلم وحوادث التاريخ البعيدة، وارتباط هويته السردية بهويات الجماعات الصغيرة بوساطة روابط افتراضية متعددة.

تقيم (مخيم المواركة) مواقع افتراضية لها، وتُشرك في رواية حوادثها رواةً متعددين، ينتهي نسبهم بالراوي الأخير (عمار إشبيليو)، للتغلب على صعوبة الاتصال الفعلي بشخصيات التاريخ الأصلية، وعبور الثغرات البنائية التي يعانيها النمط الروائي التاريخي، بسبب التزامه سرد السيرة البيوغرافية لشخصيات التاريخ، والتقيد الحرفي بنصوص الوثيقة التاريخية. استطاعت (مخيم المواركة) أن تخرق حواجز السيرة والوثيقة، باختراع وسائل اتصال عبر ــ تاريخية، عبر ــ ذاتية، عبر ــ وثائقية، عبر ــ حكائية، لتجاوز وهم الحلول الفعلي في جسد التاريخ، والاحتفال الجنائزي بدفن شخصياته. تقترح الرواية الافتراضية أشكال اتصال تفاعلية وترابطية (هايبرية) تشبك نصوص التاريخ وحياة شخصياته بشبكة الموقع الأخير للرواية. ولقد اتخذت (مخيم المواركة) من المخيم العراقي رابطةً ابتدائية لروابط المخيمات الموريسكية، في شبكة افتراضات تحاكي شبكة المعلومات العالمية (الانترنت) ذات الطرق العنكبوتية.

وإذ تداولت (مخيم المواركة) حقائق التاريخ باعتبارها تبادلات نصية بين مواقع متجاورة أو متباعدة، فقد كسرت بهذا احتكار المعلومة وثبوتيتها التدوينية. وردت المعلومات على خط الاتصال الأساسي محزومة مضغوطة، فتفرقت عند وصولها إلى حكايات ينتفع منها أكثر من وريث على جوانب خط الاتصال أو في نهايته. فالتاريخ المقيد والمضطهَد يسرّب معتقداته سرّاً، لكن المتداولين الثانويين للمرويات المضغوطة يحلّون عقدتها ويوزعون ضغطها على أكثر من سقف دلالي. بينما ينفرد الموقع الرئيس (موقع الراوي المشرقي) في تهيئة الأجواء والنماذج التي ستبنى عليها قصور الحكاية المتداولة، ويطرح نماذج (حمّام قمرين) و(قصر الطين) و(بهو البرتقال) و(سوق القيصرية) مسارح افتراضية لصروح الأندلس الشمّاء، وبهاء الشخصيات التي سكنتها، والأجواء الرطيبة التي أنعشتها وهذبتها. إننا نستطيع، بمساعدة المصادر الموثوق بها، أن نوفر النزاهة التاريخية والأيديولوجية لموضوعات السرد الافتراضي، لكننا من جانب آخر سنقيم (مخيمات) موازية للمرويات الأصلية، توفر لنا تمثيلاً أوسع لتلك المصادر، كما توفر نزاهة أوثق بمدونة السرد الراهنة لا بغيرها، تنبثق من داخلها لا من خارجها.

من الواضح أن (مخيم المواركة) هي رواية التاريخ الأندلسي، أو الفاجعة الأندلسية، لكنها هنا لا تتصل إلا بجزء من هذا التاريخ، تاريخ العائلات الموريسكية التي تعرضت للتدجين والاضطهاد والتشريد والحرق على أيدي محاكم التفتيش الكاثوليكية بعد سقوط غرناطة، آخر معاقل الأندلسيين، في نهاية القرن الخامس عشر. بل هي تروي قصة عائلة (هلال بن سعيد) التي تكثلك بعض أفرادها ونجا بعضهم بالعبور إلى (العدوة المغربية)، فيما انحدر أحفاد لهم إلى أدنى البحار فسكن البصرة (مدينة الروائي جابر خليفة). أما الموريسك المعاصرون فقد اختاروا إقامة مخيمات في المكان الأندلسي القديم، يعيدون على مسارحها تمثيل قصة عائلة الموريسكي (هلال بن سعيد) وشركائها المسلمين والنصارى واليهود.

فوّض الهارب الأندلسي (عمار بن كناري بنت قمرين) الروائي المشرقي حق الاطلاع على سجلات العائلة الموريسكية، فتلبس هذا شخصية الحفيد اللاجئ في مدينته، وأجرى باسمه اتصالات بالمخيمات الأندلسية التمثيلية، ونسخ حكاياتها، ومنها حكاية الملاح حامد بن هلال (حامد رودريغو) الذي شارك كريستوف كولمبس في اكتشاف أمريكا. تتشابك الخطوط، وتنحدر الأسماء من البحار العليا، فيحلّ اسم عمار الأشبيلي في خيمة الروائي العراقي، فيحسن ضيافته ويوافق على تمثيله، ويحرص على متابعة أثره. وبذلك فإن الرواية التي تتوسط خطوط الطول والعرض، تتعرض إلى اللبس والغموض، كما تعرضت مرويات إحدى شخصياتها (حامد بن قمرين) المسمى في رواية سرفانتس (دون كيشوت) باسم (سيدي حامد العربي) إلى الانتحال والاستعمال. (صوت من الذي يمتلك زمام حكايات المخيم الموريسكي، صوت حامد بن قمرين الأشبيلي أم صوت حامد بن كناري ساكن البصرة؟ صوت عمار الأشبيلي أم صوت عمار البصري؟ أم هي مجموعة الأصوات المتشابكة على خطوط الاتصال الافتراضية؟).

تصرّح إحدى الرسائل التي يتلقاها الراوي العراقي من صنوه الأشبيلي بأن: ” فكرة المخيم هي اختلاق أندلس مصغرة، أندلس الموريسكيين في القرن السادس عشر وما تلاه، إعادة تمثيلها على خشبة مسرح، يمثلها هذا المخيم” ص 57

يقابلها الجانب الصامت، جانب القرين المشرقي، بكثير من الشك في نفسه، فيعلق: “أحياناً أشك في نفسي وأكاد أصدق بأني من يختلق كل هذي الأحداث والحكايات ويكتبها..” ص 58

يعلن الجانب الصامت أحيانا عن (فقر مخيلته) إزاء مخططات أصحاب المخيمات الموريسكية، أولئك الذين رسموا (كل شيء من البدء) وتحكموا بمصادر المعلومات في الطرف البعيد من الرواية، فيما يتلقى مستعملها المشرقي رسائلهم (بلا رتوش ليخلق منها ما يشاء).

إلا أننا نعلم بأن هذا الشكل الافتراضي من التمثيل والمحاكاة، يوفر لنا نوعاً سردياً تداولياً، لا تقلل إيضاحاته واحتياطاته من استقراره في فضائه التاريخي ثابتاً مطمئناً. فالرواية لا (تحكي) قصة حقبة من التاريخ الأندلسي، انتهت بالطرد والتدجين الديني والعرقي، وإنما هي (تحاكي) نسخة من مدونات تلك الحقبة، مفتوحة النهايات، ينشئها مدوّنون مفترضون، أحدهم الروائي الذي يرتاد هذه النسخة من موقعه الطرفي، ويريد أن تتدفق نحوه رسائل الطرف الآخر حتى لحظة الكتابة. تتشعب الطرق، وتتعدد المخيمات (مواقع الإرسال)، ويتناوب الحكاة، وترتبط الحكايات وتتفرع، بمعرفة المدوّن الأخير وأيديولوجيته ومنطقه السردي الذي يوجّه المحكيات إلى نهايتها المعروفة سلفاً. لكن القارئ الفعلي الذي يتابع مدونة الإرسال المتشعب بين المواقع الافتراضية، سيطالب بنسخة صافية من الإضافات والتعليقات، كي لا تنغلق اللعبة الروائية على نهاية أيديولوجية ثابتة. ولأجل هذا القارئ (البراغماتي) المتوسط بين البدايات والنهايات، ترد محكيات المأساة الموريسكية مع قدر كبير من إيضاحات المؤلف واحتياطاته، فتزداد مزاحمة القارئ لموقع المؤلف الحكائي بدلاً من أن تخفّ وطأتها.

لا أظنّ أنّ هذه المزاحمة الشديدة بين المؤلف والقارئ، ستعرقل عملية التداول السردي النزيه، التي يفترضها تبادل المواقع وتزاحم الأيديولوجيات. بل أنّ تمركز القارئ خارج مدونة المؤلف، وشكّه في (نزاهة) عمله، استجابتان قرائيتان متوقعتان تصاحبان روايات التغيير الجادة في إثارة الإشكاليات الدلالية والفنية. وفي ظني إنّ (مخيم المواركة) استطاعت عبور (الوادي الكبير) على جسر افتراضي مبتكر، إلى ضفة ناجية من زوابع الشكوك السردية والأيديولوجية التي تحيط برؤيتها الخاصة الكاشفة لمخيمات التاريخ المختفية في ظلّ سردياته الكبرى.

10/3/2012

*عن مركز النور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *