القاص هيثم بردي يتحدث عن تشابك الحلم بالواقع

حاوره : مروان ياسين الدليمي
يقف القاص العراقي هيثم بردي في أزمنة تنفتح علي تتداخل وتشابك الواقع والحلم والافتراض داخل مشغله السردي ، منطوياً بمخلوقاته ومشغولاته علي هاجس حميم يتوق فيه الي أن يمسك لحظةً من البياض تنهمر في فضائها براءة التجريب والدهشة،ولأجل ان نشهد علي سيرة مفتونة بالاجتراح والتشابك والتجاوز والنسج الفني في ظلال السرد القصصي والروائي ، اجرينا معه هذا الحوار.
û إذا أردنا أن نستكشف مفهوم القصة القصيرة الذي ينسج من خلاله هيثم بردي عالمه القصصي، فما الذي يمكن أن يقوله بهذا الصدد؟
إن عالمي القصصي، حسب تعبيرك، مستلٌ قطعاً من الفضاء الواقعي، فالحياة زاخرة بثيم لقصص وروايات، فليس ثمة عالم متخيل أو افتراضي، ولكن الواقعي قد يتحول إلي مفترض من خلال قدرة القاص والروائي علي الموائمة والاصهار بين العالمين، وبناءً عليه من الممكن أن يتحول النص السردي إلي مجرد صور شاحبة متعاقبة لمصور هاوٍ بذائقة مضببة يلتقط الحيوات بروح ناقلة ناسخة وبزوايا التقاط محنطة، أو يتحول إلي تهويمات متداخلة متداعية لا تفصح عن كنه وناسوت النص، فيتحول إلي فسيفساء سفسطائية لا معني ولا قيمة له، وأيضاً قد يتحول النص، إذا أمسك القاص بأداته بحرفنة إلي كيان ينبض بالحياة يستدعي كل تقانات النص الحديث، إنني عندما أنسج نسيجي القصصي، لا أحاول أن أوازن العصا من منتصفها تعزيزاً للمقولة الشائعة: خير الأمور….؟ بل أُدخل الثيمة والوحدات الأرسطية في فرني السردي الخاص بعد أن أعززهُ بعناصر تؤازره وتعاضدهُ لتكوين بنيان قصصي يتشرب التجديد بنسب محددة تدفع بالنسيج إلي البهاء والسحر..
-أنت أيضاً كتبت القصة القصيرة جداً وقطعت شوطاً في هذا المضمار نصوصاً وبحثاً. فما الذي دعاك إلي أن تتبني هذا النمط من الكتابة؟ وهل يمكن للقصة القصيرة جداً أن تستجيب لما يود قوله هيثم بردي أكثر من حقول سردية أخري؟
كانت ومضة وامضة قدحت في الذاكرة فأضاءت المدي فوراً، وأكثر ما أدهشني فيها قصرها واكتنازها ولغتها المضغوطة الموحية ونهايتها الواخزة التثويرية، فأحسست أنني اجترعت فعلاًً عجائبياً أشبه بميتافيريقيا الميتافيزيقيا، ولم أتوقع أن قصتي الأولي (صدي) هي أولي لبناتي التي شيدت مع مثيلاتها اللائي خرجن من عتبة أخيلتي لاحقاً، دارتي الخاصة المتواضعة في مدينة القصة القصيرة جداً.
بالتأكيد، إن القصة القصيرة جداً أصعب وأعسر الأجناس السردية وهي ضمن مواصفاتها القابلة للتطور والنماء والتجدد تستجيب قطعاً لما أُريد قوله، فهي مذراتي التي تقتنص الزبدة (الحبة) وتبدد الزبد (القشة)، وبأقصر معالجة فنية وأنسب المفردات التي تمخضت من ذائقتي، والتي لو أخضعناها للبؤرة المشعة اللاّمة فإننا نجدها فضاءً وسيعاً يستدعي تبئيرها بأقصي ما تكتنزه من خصائص وسمات لا يتوشح بها أي جنس آخر.
-من أين جاء التجنيس للقصة القصيرة جداً لدي هيثم بردي؟ هل بفعل التجربة الكتابية الذاتية، أم من خلال الحس النقدي الذي تمتلكه؟ أم وفقاً لقياسات واشتراطات عالمية؟
كاتب أي نص، يتماهي فيه السارد والناقد ويتعّسس عليهما الرقيب، فهو حين يكتب نصه يكون الرقيب فيه جالساً علي يمينه يراقب إبداعه ويتسّقط التابوات التي يخط عليها بمداده الأحمر ليبتر ويطفئ جذوة الإبداع في نصه، وحسه النقدي علي يساره يلعب مع الرقيب لعبة التخفي، وبين صرامة هذا وبداهة ذاك ينبني نص يسعي نحو التكوين.
-الملاحظ أن الكتابات القصصية القصيرة تنحو باتجاه التجريب والشكلانية إلي حد كبير في مجال اللغة خصوصاً إلي الحد الذي تختفي الأفكار وتضيع في مشغل اللغة العالي الذي يبدو واضحاً في بناء شكلانية القصة القصيرة. ألا يدعو ذلك إلي انحسار القراء عن هذا الفن؟
ما كان بدهية قبل ستة عقود أو سبعة، صار الآن بفعل فعالية وتوالي الزمن الفائت وبتعاضده مع الزمن القابل في ذاكرة الزمن، فان اليوم الذي تصرّم قبل العقود السبع كان يختزن حيوات ورواسخ ونظريات خضعت للتطور أو حتي للتغيير، وفقاً لتقادم السنين، فلا عجب إذن أن تظهر خلال هذه الفترة اصطلاحات وتنظيرات ورؤي تحاول أن تشطب أل: ما قبل وتبشّر بـ أل: ما بعد… فالمدارس النقدية التي كانت تتبني الشكل والمضمون وتعتبرها مدرسة راسخة، تقوضت تحت سطوة معاول المدارس النقدية الجديدة، وهذه المدارس لم تأت من فراغ بل هي خلاصة مخاضات وتبرعمات لتلك الرؤي النقدية، وبهذا فإن هيمنة التجريب والشكلانية – حسب قولك -، والكائن المنتفض المتولد من ذاته بكل عنفوان،… وأقصد به اللغة، هو الوليد الشرعي والمنطقي لتينك المدارس النقدية، وأن البنيان السردي المشّيد من لغة مشفرة موحية جزلة متشابكة، وبتشكيلٍ عالٍ من البناء السردي واللغوي يشيده بّناء محترف. يكون الناتج تحفة فنية راقية.
أما ما يتوفر من تلك اللبنات إلي سارد (بنّاء) لا يخلط أولياتها حسب القياس، فان ما تخرجه أصابع ذاكرته تسيء إلي اللغة باعتبارها الأداة الرئيسية المهمة والخطيرة التي يبني عليها النص، فتكون دارته السردية مجرد بهرجة وسفسطة وغموض، تماماً مثل طلاء فاقع متداخل بنسب لونية متنافرة لدار سكنية يملكها إنسان لا يفهم التناغم الهرموني للألوان.
وفي المحك،…إن النص السردي المبني علي لغة وحبكة متينة وبتشفيرٍ عالٍ، وإيحاءٍ زاخر، لن… ولن ينأي عنه المتلقي الذواق المثقف.
-ما هي مصادر قراءاتك، ولمن تقرأ عراقياً وعربياً وعالمياً؟
لأكثر من مرة أسأل هذا السؤال واحتار في الإجابة، فالمفاضلة والنسبية والإطلاق لا مكان لها في أجندة ذاكرتي، فإنني أقرأ كثيراً أية ورقة مطبوعة أو مجلة قديمة أجدها عند الحلاق، أو في صالة انتظار عيادة طبيب، أو صحيفة مدعوكة علي أرضية مرآب، أقرأها حتي لو كانت عن الأبراج. فضلاً عن قراءاتي المنوعة المتعددة، فالقاص والشاعر والناقد والروائي…الخ، الذي يقرأ فقط كتب القصة والشعر والنقد والرواية، تاركاً القراءات الأخري الموزعة علي مشارب المعرفة، يكون نتاجه شاحباً قاصراً قميئاً.
إني اقرأ الأدب والفلسفة والفن وعلم النفس والاجتماع وأي كتابٍ يضيف إلي رصيداً وزاداً معرفياً جديداً، وفي باب الأدب، القصة والرواية تحديداً أُحاولُ أن أحيط بكل ما يصدر فيها عراقياً وعربياً وعالمياً (من خلال الترجمات)، والنتاج الجيد المميز يفرض حضوره في الذاكرة، إن كانَ لقاصٍ أو روائي يمتلك تجربة بعيدة في الكتابة أو لقاصٍ أو روائي شاب واعد.
-كيف تفهم الحرية كشرط إنساني للحياة، وكيف تتعامل مع الحرية إبداعياً؟
الأديب بصورة عامة، مهما تمتع بالحرية يربض في ذاكرته شرطي… ربما لا تكون وظيفته اشتراط الممنوعات وتصفيد الذاكرة، قدر ما تكون البصبصة الدؤوبة التي تشعر الأديب بأنه مراقب دوماً، وتأسيساً علي هذه الصورة المفترضة قد يغيب التعامل الشفاف مع الحرية كمفهوم في رقعة الفعل السردي بحيث أن الإفراط في تعاطيها قد يسيء كثيراً إلي النص تماما مثل الذي يغمض ذائقته عن الكثير من أساسيات التعامل الحر مع الثيمة والموضوع، والذي يسيء بالتالي إلي النص.
-هل يمكن للقاص هيثم بردي أن يضعنا أمام نماذج من التحولات الفنية في القصة القصيرة: عراقيا عربياً سريانياً؟
منذ البواكير وحتي آخر قصة نشرت اليوم أو ستنشر غداً، خضعت القصة العراقية إلي تحولات جوهرية دفعت بالإبداع إلي التجديد، فإذا تقصينا وبحثنا مراحل التحول نجد قدحتها الوامضة الألقة في الخمسينات من القرن الماضي حين تفيأ القص العراقي الواقعية الانتقادية واحتداماتها وإرهاصاتها وشواهدها.
ومن ثم حدثت الثورة المضادة، إن جاز التعبير، فظهر جيل حمل علي منكبيه راية المغامرة والمغايرة والمغادرة، وترك بصمته وأثره، وربما لحد كتابة إجابات هذا الحوار، في الأجيال اللاحقة… ثم عادت الواقعية بسمتها الاشتراكية في السبعينات وأفرزت جيلاً محدوداً، تحول فيما بعد، في العقد الثمانيني إلي الواقعية السحرية التي سحرت القاص العراقي والعربي لمدة عقدين من السنين، والآن… وبعد الألفية الجديدة، يحاول القاص الجديد والواعد والمكرّس والمخضرم أن يكتب قصته التي تشير إلي عراقيتها… وما ينطبق علي القاص العراقي ينطبق أيضاً علي القاص العربي بنسب تتوائم مع معطيات الواقع وإفرازات هذا الواقع، رغم التماثل الجيوغرافي والطوبوغرافي مع العراقي.
أما القصة السريانية، فاني وبعد تقصٍ معمق وشبه مكتمل لما ينشره القاص العراقي السرياني، فان الأمل لا يزال قصياً يربض في إدراج الأفق البعيد.
-كيف كنت تنظر إلي الواقع فنياًَ وأنت تستعين به تجربتك السردية؟
ثمة تواشجات عديدة ومتنوعة تحصلت بين الواقع والفن بكافة أطيافه ومنها الأدب القصصي والروائي، وتشكلت مدارس رسخت اصطلاحاتها المندرجة تحت لواء المدرسة، فهناك الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية والواقعية السحرية، وقد تظهر الواقعية المستقبلية والوحشية والرمزية… الخ، والواقع يشكل الثيمة الرئيسية لبنيان كافة المدارس، وما يختلف فيها هي زاوية التناول.
-ما الذي يشغلك في الكتابة، اللغة أم المعالجة أم الشكل؟ فيما إذا لو أردنا أن نتعرف علي منظورك ألتقييمي إلي هذه القيم والعناصر الفنية من حيث أولويتها أو من حيث مفهومك عنها المنعكس في كتاباتك؟
الذي يولي اهتمامه للغة فقط، ويهّمش المعالجة أو ينأي عن الشكل، تكون نظرته للأدب كحالة توليد إبداعي قاصر يستمد هويته وكنهته من جزء من تلك الينابيع، أما الذي يقوم بتبئير تلك الأسانيد والعناصر وأعني بها أدوات الإبداع، ينبثق نص يحمل سمات النضوج لا ينظر إلي كميات وأوزان المواد الأولية التي دخلت في تكوينه، بل ينظر إليه كنسيج مترابط متمازج متماهٍ.
-هل تبحث عن هوية وأنت تكتب؟ وهل من شكل وإطار لتلك الهوية التي تبحث عنها؟ والهوية هنا فيما يتعلق بالجانب الإنساني والجانب الفني والمعرفي كذلك؟
عندما نقرأ نصاً أدبياً، شعرياً كان أم سردياً، غفلاً عن اسم مبدعه، وتعرف كاتبه أو ناظمه من خلال (النص) فتلك ميزة تسجل لصالح النص وواضع النص، فبذا يكون لواضع النص هوية، والهوية في تقديري تترسخ مع تعمق التجربة، والمبدع – يقيناً – يحاول أن ينشئ إطاراً لصورته وكينونته الإبداعية، وبناءً عليه، فإننا لو قرأنا رواية (صورة دوريان جراي) في أية صورة مقاربة تبغي التعمية دون أن نضع علي غلافها اسم الروائي، لن يغادرنا اليقين قط أن واضعها هو أوسكار وايلد، ولو قرأنا (ليس لدي الكولونيل من يكاتبه) سيترادف فوراً اسم ماركيز، وكذلك لو قرأنا (ملحمة الحرافيش) فان نجيب محفوظ سيتأصل في ذاكرتنا، وعندما أسس هؤلاء والمئات من المبدعين الآخرين لهوياتهم الخاصة، ما فعلوا ذلك بتبني جانب وترك الجوانب الأخري، فلو فعلوا هذا لما كان وايلد وايلداً، وماركيز ماركيزاً، ومحفوظ محفوظاً، ولما تحولوا إلي رموز وطواطم في الأدب السردي العالمي.
واني – وبتواضع غير مصطنع – أحاول أن أُشَّكل هويتي الخاصة التي تشير إليّ، وعندما أفلح أكون قد حققت المرتجي: الهوية، وعندما أفشل يكون لي شرف المحاولة.
-بعد التجارب العديدة التي اشتغلت عليها وأنتجتها في ميدان السرد القصصي، ما الذي يشغلك سردياً؟
-تشغلني جميعها، فاني حالياً مواظب علي كتابة سيرة قصصية للأطفال، ولي في المطابع مجموعة قصص قصيرة، ولازلت أكمل روايتي الجديدة، ولكن القصة القصيرة جداً تبقي ساحرتي الأزلية، فهي تملكتني قبل ثلاثة عقود ونيف، وستبقي آسرتي الجميلة، وإنا أتمتع بفراديسها الرائعة حتي تشرق فيّ آخر شهقة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار تربوي يجيب عليه المشرف التربوي فراس حج محمد .

فريق منهجيات: وصلني عبر البريد الإلكتروني، هذه الأسئلة من موقع مجلة منهجيات التربوية (بدر عثمان، …

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.