جابر خليفة جابر : أغلب مثقفينا مصابون بمرض نقص المناعة الثقافية
حاورته : نعيمة لمسفر (ملف/1)

إشارة :
طبع القاص والروائي “جابر خليفة جابر” بصمته الأسلوبية المميزة على خارطة السرد العراقي عبر فهم عميق لسرّ الحداثة المنبثقة من عمق التراب العراقي (تراب البصرة تحديداً). يذكرنا جهد جابر أو مشروعه بما قاله الراحل الكبير “عبد الرحمن منيف” في رسالة إلى المبدع “شاكر خصباك”: “النجف وحدها تضع مائة رواية أهم وأخطر من ” مائة عام من العزلة”. واعتزازا بتجربة جابر السردية المتفرّدة تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عنه وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

الرواية لفتت اهتمام نقاد كبار وكتبوا عنها أزيد من 40 دراسة ومقالة
جابر خليفة جابر يكشف في مخيم المواركة فظائع محاكم التفتيش الكاثوليكية بعد سقوط غرناطة

جابر خليفة جابر، مثقف وروائي عراقي، يساهم مع عدد من المثقفين الآخرين في إحياء الثقافة العراقية بالعديد من الأعمال الثقافية والنشر والإبداع.

صدرت له، أخيرا، رواية “مخيم المواركة”، الذي اعتبر شكلا جديدا ومبتكرا للإبداع العراقي، ومساهمة جليلة لإحياء تاريخ ظلت تجهله الأجيال الحديثة.

ونالت الرواية الاهتمام العالي في العراق، حيث كتبت عنها حوالي 40 مقالة ودراسة، بالإضافة إلى كتاب كامل أكبر من حجمها للناقد الدكتور حسين سرمك بعنوان (جابر خليفة جابر والكتابة السردية الجديدة).

الرواية لم توزع جيدا في الوطن العربي بعد، “وهذا أحد أهم ما يعانيه المبدع العراقي مع دور النشر وسياساتها” يوضح جابر خليفة جابر.

عن “مخيم المواركة” كإبداع سردي جديد، ووضعية المثقف والمبدع العراقي وتأثير الحياة السياسية فيها، يتحدث جابر خليفة جابر في هذا الحوار الذي خص به “المغربية”.

لماذا الكتابة عن الأندلس وتاريخ الموريسكيين من بلاد كنعان؟ هل هناك تقارب ما بين الواقعين؟

ما يجري الآن في واقعنا العراقي، وفي المشرق العربي عموما، من احتراب للطوائف دينية أو قومية أو مذهبية، وما حدث من تمزق اجتماعي يتماثل إلى درجة غريبة مع الواقع الأندلسي، الذي أدى إلى ضياع الاندلس وتلاشي شعب كامل، ومن هنا ربما جاءت الرواية “مخيم المواركة” لتعرض حال الموريسكيين بعد 1492، وكأنها تشير، أو تقول بوضوح، إن أي مجتمع يتمزق كما تمزق المجتمع الأندلسي، ويتقاتل ابناؤه كما تقاتلوا، ويستعينون بالأجانب على بعضهم، فإن مصيره إلى الضياع والتلاشي.

أقول – كقارئ لا كمؤلف – ربما هذه أهم رسائل الرواية، وأنا ممن يؤمن بأن النص لا يكتمل إلا من خلال قارئ يجيد فك أسراره وشفراته.

غلاف الترجمة الانكليزية لرواية “مخيم المواركة”

إذن، هي إعادة لكتابة التاريخ برؤية آنية تنعكس على الحاضر، وما يطبعه من عنف وتناحر وحروب؟

نعم هي كذلك إن كان ممكنا توجيه الإبداع عبر مسارات الوعي والأطر العقلية، لكن هذا لا يصح إلا بمساحة ما، ويبقى الإبداع فعل غامض ومدهش تخفى أسراره على المبدع نفسه، ومن هنا، فأنا أميل إلى توصيف المبدع أيا كان بأنه مجرد ساعي بريد يحمل حقيبة رسائل إلى قرائها.

تعتمد في كتابة هذه الرواية على نوع أدبي جديد وهو البناء السردي الافتراضي. هل هذا يعني أن حتى الإبداع لا يمكنه أن يتملص من غزو التكنولوجيا الحديثة؟

التقنيات الحديثة في عالم الاتصال وفرت فضاءات لا أوسع منها، وسرعة خيالية، يصح معها تماما توصيف “ماكلوهان” للعالم بأنه قرية كونية، لكن هذا ليس هو السبب الأساس لاستخدام العالم الافتراضي وسيلة لبناء الرواية، فهناك دوافع عدة منها الهم الإبداعي بإنجاز الجدة والتفرد، وتقديم المضامين بشكل يعتبر مغايرا بدرجة ما عن السائد والمكرر، لأن المكرر هو لغة الجمود، بينما المغايرة لغة الحركة والتحرر والتفاعل.

لماذا أسلوب الخيمات المتعددة لكتابة تاريخ واحد؟

هذا الشكل أو الأسلوب حسب وصفك فرض نفسه علي، ولا يخفى على قارئ التاريخ الأندلسي ما دار من صراعات بين المدن الاندلسية ذاتها.

فهذه اشبيلية تتغاضى عن سقوط سرقسطة، وهذه غرناطة تساهم مع الاسبان بجيش لإسقاط اشبيلية، وهذا ابن هود يترك قرطبة لتسقط ويتوجه متلهفا للقاء جاريته… هكذا كان حال المدن الأندلسية التي بعد سقوطها لا يعبر عنها جيدا سوى خيام زائلة تتلاعب بها الريح ولا يتشبث بها المكان.

بعض النقاد يرون في روايتك الدفع إلى كره الآخر ونبذه وتقديس المسلم (الطاهر النظيف، الرحيم بالأطفال والنساء في حربهم مع الكاثوليك القشتاليين)، فيما يراها البعض الآخر دعوة لمواجهة المحن والشدائد بالشجاعة والصبر كما حال الموريسكيين في الرواية. ما هو الأمر بالنسبة إليك؟

نعم وجه أحدهم اتهاما كهذا، ولكن من دون أن أنجر للدفاع عن الرواية، أحيل القارئ على شخصية “كريم كاسياس” الموريسكي، وما يفعله بضحاياه القشتاليين من قسوة.

باختصار، وأنا أحلق في سماوات الخيال الإبداعي كنت وفيا جدا للتاريخ الواقعي، الذي استقيته من أكثر من 100 كتاب أو مقالة أو فيلم أو مخطوطة… وغير هذا، فإن التعليم العربي عموما لا يعرض غير الأمجاد الأندلسية.

وهي غالبا أمجاد زائفة مبنية على آلام ودماء، ومعاناة الشعب الأندلسي وغيره، بل إن التاريخ الرسمي الأندلسي تاريخ أغلبه قبيح ومثير للقرف، بينما التاريخ الحقيقي الذي ينبغي أن يعرض وتتعلمه أجيالنا هو تاريخ الاندلسيين بعد سقوط غرناطة، تاريخ شعب متحضر جميل، قدم تضحيات جبارة وتعرض لأبشع أنواع الوحشية والاضطهاد للحفاظ على ذاته الحضارية.

بعيدا شيئا ما عن “مخيم المواركة”. ما هو الوضع الثقافي اليوم في العراق؟

الواقع الثقافي في العراق واقع ممزق إلى عدة مجتمعات ثقافية لا تواصل بينها، والمثقف العراقي، والمبدع بشكل خاص، أقرب للسلبية والكسل وفتور الهمة إضافة إلى ابتلائه بأمراض خطيرة أخرى، كالانبهار بالآخر، الغربي تحديدا، والتنكر للذات الوطنية والحضارية.

وأستطيع القول إن أغلب مثقفينا مصابون بمرض نقص المناعة الثقافية.

ينضاف إلى هذا غياب الدور الفاعل للمؤسسات الثقافية، وتشبثها بالتشريعات المركزية الخاصة بالنظام السابق، وتكاسل ذوي النفوذ في هذه المؤسسات عن تغييرها لمنافع وقتية.

مقابل هذه الصورة القاتمة لابد من رسم صورة أخرى تشي بجمال الإبداع العراقي وهو ينهض ويتقدم بخطوات متسارعة نحو الأفضل والأجمل، لكن هذا يتم بجهود فردية تستنزف الكثير من جهد المبدعين وطاقاتهم بسبب غياب المؤسسات الثقافية، وعدم الاهتمام بالملف الثقافي والالتفات إلى أهميته الوطنية.

كيف يمكن للمثقف العربي التأثير والتفاعل إيجابيا مع ما تعيشه بلاده من أحداث سياسية؟ بمعنى ما هو دورك كمثقف في خلق حوار موضوعي ومتزن في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها العراق اليوم؟

في الواقع، إن أراد مثقف ما في بلادنا أن يكون فاعلا، عليه أن يعيد قراءة حاله وتموضعه المعرفي، بمعنى أوضح، لابد من التحرر من القيود الثقافية، التي فرضها الاستشراق عبر تموجاته الارتدادية المستمرة، والمسيطرة على مناهج التعليم وطرق التفكير ومجالات المعرفة والإبداع بشتى تنوعاتها.

إن مبدعينا ومثقفينا في غالبيتهم ليسوا أكثر من نسخ شاحبة لأساتذتهم المستشرقين، وإن لم يلتقوا بهم مباشرة، أو لنقل إنهم مستغربون لا يعيشون واقعهم ولا يفهمون مجتمعاتهم، وهم موضع شك وريبة، لذا تجدين الفجوة مخيفة بين القارئ العربي إن وجد، وبين المبدع العربي إن صحت تسميته بمبدع.

أما عن دوري كمثقف، أرى أن التغيير هو من صعاب المهام في أي مجال، لكنه الأصعب في مجال الفكر والمعرفة، لانعدام الثقة بين طرفي العملية الثقافية، المنتج والمستهلك.

إذن لابد من تفعيل الثقافة الوطنية المتشبعة بالهويات والثقافات الفرعية والصغيرة كي تكتنز الهوية والثقافة الوطنية بكل مكوناتها من دون مركزية قومية أو دينية، ومن دون استلاب مرضي أمام ثقافة الغرب المهيمنة، إلى درجة أن تتحكم المغريات كالجوائز وغيرها بمضمون المنجز الأدبي العربي فتكثر الكتابة عن الاقليات ( جائزة البوكر مثالا) أو عن اليهود العراقيين.

كذلك كسر القيم والأطر التي تتخلل البنى الاجتماعية بكسرها، وفي مقابل هذا يغيب التعرف حتى على المكونات الثقافية للوطن نفسه، ففي العراق يندر أن تتناول رواية أو عمل مسرحي مهم أو غيره ثقافة أقلية ما أو حتى أكثرية، وكل ذلك بسبب هيمنة الطوق الاستشراقي الذي يجر رقاب وأقلام المبدعين، علموا بذلك أم لم يعلموا، وكلا الاحتمالين مبعث للأسف.

*عن موقع العراق اليوم 

شاهد أيضاً

في الذكرى الثانية عشر لرحيل شاعر فلسطين محمود درويش
*قصيدة رثاء لمحمود درويش، نشرها سالم جبران باسم سعيد حيفاوي*
نبيل عودة (ملف/26)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

مشتهياتُ الحبّ في حياة محمود درويش وشعره
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

في الذكرى المائة لثورة العشرين الخالدة . الثورة العراقية الكبرى (ملف/8)

القيادة والتنظيم كانت قيادة ثورة العشرين، تتكون من مجموعة من شيوخ الدين، وشيوخ العشائر، وبعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *