الرئيسية » مقالات » حميد الربيعي : صدمة ” البوكر “

حميد الربيعي : صدمة ” البوكر “

?

صدمة ” البوكر ”
حميد الربيعي

إشارة :
في هذه المقالة المهمة ، يضع الروائي العراقي البارع إصبعه على القروح التي تسبّبت بها جائزة البوكر في الجسد السردي العربي عموما والعراقي خصوصا، ويثير بجرأة معضلة “الإفساد الثقافي النفطي” التي سيعالجها في المقالة التالية الناقد د. حسين سرمك حسن. تحية للروائي حميد الربيعي.

المقالة : 
” والله يا حميد ، القائمة الطويلة هذا العام شكلت صدمة للمثقفين العراقيين “، ما صرح به ،في حوار خاص ، الناقد نجم عبد الله كاظم ، وهو عضو محكم في جائزتي البوكر وكتارا . كنت قد تابعت ، بعدما أعلنت البوكر عن قائمتها الطويلة لعام 2018 ، بعض ما كتب في الصحافة العربية و ما نشر في شبكات التواصل الاجتماعي ، في الأيام الأخيرة ، كقراءة لتلك القائمة .
قبلها كنت قد قرأت للأستاذ عبد العظيم رمضان في جريدة ” الحياة ” نقلا عن صديق له ، كان أيضا عضوا محكما في ” البوكر ” ما قاله :
) نحن نعمل وفق مبادئ وضعها الآباء الأوائل الراعون للجوائز، :
1- أن نتجنب كل ما يؤدي إلى تعدد التأويل والقراءات، 2- أن نتجنب السماح للقارئ بالتحرر والخروج على النص، 3- أن نتجنب الخيال الخلاق واللغة الخلاقة 4- أن نحذر السياسة الغامضة لأنها ذات طبقات بعضها معلوم وبعضها مجهول 5- أن نؤيد الروايات التي يفهمها كل القراء بطريقة واحدة، ثم نعمل وفق تعليمات طارئة أخرى تتناسب مع زمن الجائزة، كأن نستبعد اسم فلان ونتواطأ مع أسماء تقال لنا شفاهة من دون قصد، أو تقال لنا صراحة وبقصد، ونراعي أحياناً بعض دور النشر ذوات النفوذ.)
هذا المقطع يقشر المعلن وصولا إلى الوجه الحقيقي لما ترسمه هذه الجوائز من توجهات وبما تريده من ثقافة أو أدب ، يتسيد المرحلة القادمة في المنطقة .
أيضا قال ، منذ فترة ، الروائي الجزائري أمين الزاوي ، عبر مقالة للأستاذ جمال الدين طالب في جريدة ” القدس” : ( أن المال الخليجي أصبح خطراً يتربص بالرواية والثقافة العربية وكذا المثقف العربي.. وأن هذا المال حاصر النخب المثقفة في الجزائر وتونس والمغرب بعد أن فعل الأمر نفسه في لبنان وسوريا ومصر .
ومضى الزاوي بالقول، في تلميح إزاء واسيني الأعرج ، إن: «دول البتر ودولار، بلعت ألسنة المثقفين العرب وقطعتها»، مضيفا: «عندنا روائيون جزائريون ألقوا بأنفسهم في أحضان البتر ودولار فضيعوا هيبة المثقف ودوره التنويري وتحول بعضهم إلى بيدق وعبد في يد أصحاب المال في الخليج ).
يبدو لي أن الاقتباسات السابقة تغني عن الخوض في السياسة التي تتبعها البوكر في طريقة اختيار الأعمال المرشحة في السنوات الماضية ، وان الوصول إلى قائمة عام 2018 سيكون خلاصة لتراكمات تلك الطريقة المتبعة في الترشيح ، علما بان لجان التحكيم وان اختلفت بين سنة وأخرى ، إلا أنها في المجمل العام تبقى ضمن الإطار المرسوم سلفا لها ، عدا التدخل المزاجي أو الذائقي في القراءة ، ما بين هذا المحكم وذاك ، وان كنت اعد الخلفيات الفكرية لهؤلاء المحكمين واحدة من المؤشرات المهمة الخطيرة في الاختيار، وبوضوح استطيع أن أتلمس هذه الخلفية الفكرية في لجنة هذا العام ، خصوصا إزاء منتجي الرواية العراقية .
حسب علمي أن ثمة سبعة من أصحاب الباع الطويل والمقتدر في الكتابة السردية ، من العراقيين ، قد اشتركوا في مسابقة البوكر لعام 2018 ، وحسب نتائج القائمة الطويلة فقد تم استبعادهم بفجاجة ، مقابل صعود رواية لشابة ، هي الأولى لها في الكتابة السردية ، ولا تمتلك المران الكافي بهذا المجال ، وان كان العمل وراءه ماكنة إعلامية وشخوص ، لمدة سنة ماضية، قد طبلوا له .
ليس المجال هنا في أحقية كاتبة مبتدئة في المشاركة والفوز، أنما في استبعاد السبعة الآخرين ، دون وجه حق، مقابل عمل مبتدئ ، إلا ضمن أطار ما قيل في توجهات الجائزة ، وهذه إحدى اخطر أسس الهدم للثقافة ، حين يتم الاختيارات ، وفق منظور خاص مقابل العملية الإبداعية .
على شبكات التواصل الاجتماعي قيل الكثير ، لكني سأورد مقاله الأستاذ امجد نجم الزيدي إزاء هذه الرواية وما تمثله من نكوص في مسيرة الرواية العراقية (أن ترشيح – ساعة بغداد- إساءة ضمنية للرواية والأدب العراقي ، فهو منتج سُمِي جزافا رواية ، ولا يمت بأي صلة ، وهو إشاعة للرداءة والاستسهال بالكتابة ، رأيي الشخصي كناقد أن هذا العمل يمثل أي شيء عدا الرواية العراقية ) .
لا عيب من صعود روائية شابة في المجال السردي، لكن القارئ العربي ، حين يطالع هكذا عمل، فانه سوف يحمل على مستوى الرواية العراقية ، بينما الحقيقة شكل أخر ، فلقد حققت الرواية العراقية ، خاصة بعد عام 2010 ، طفرة نوعية في الكتابة السردية وأصبحت منافسة بقوة في الساحة العربية ، وان اختيار هذه الرواية المبتدئة ، أنما هي إساءة للتطور النوعي في الرواية العراقية .
هل الإساءة كانت مقصودة ، بنوعية الاختيار ، أم أنها جاءت ضمن سياقات التحكيم الجارية ؟؟ هذا السؤال يحيلني إلى التراكم الذي جنيناه ، نحن العراقيين ، من التغيرات السياسية بعد عام 2003 ، كأن ثمة حصار مفروض عنوة على الثقافة العراقية أو هو قصاص بموجب شبح “صدام حسين” ، الذي مازال رابضا بقوة في عقول أهل البداوة والصحراء ، عددهم بلجنة هذه السنة أكثر من النصف ، مما يدفعني حقا إلى القول أن الاختيار تم بموجب الخلفية الفكرية للمحكمين ، البعض أو الكل ، وهذا بحد ذاته جناية بحق الثقافة أولا والرواية العراقية ثانيا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *