الرئيسية » ملفات » نزهة في شوارع مهجورة مع القاص والروائي العراقي احمد خلف
حاورته : افراح شوقي (ملف/22)

نزهة في شوارع مهجورة مع القاص والروائي العراقي احمد خلف
حاورته : افراح شوقي (ملف/22)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن المبدع الكبير “أحمد خلف” الذي اثرى السرد العراقي والعربي بالكثير من الأعمال القصصية واالروائية المهمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء هذا الملف بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير أحمد خلف وهو يواصل مسيرته السردية بثبات وتصاعد بارز.

نزهة في شوارع مهجورة مع القاص والروائي العراقي احمد خلف
حاورته : افراح شوقي

– النقد الادبي العراقي عانى كثيرا من عقدة الخواجة وتأثر بالنقد الادبي العربي كثيراً
– بالامس كانا نخشى رقيبا واحدا الان اصبح لدينا اكثر من رقيب!
– الانقلابات العسكرية والسياسات المتخبطة عطلت استكمال المشروع الثقافي للمبدع العراقي
منذ ان اطلقته مجلة “الاداب” اللبنانية اواخر الستينات من القرن الماضي عندما نشرت قصته الشهيرة ” خوذة لرجل نصف ميت” في عام 1969 التي صدرت فيما بعد في كتاب مستقل مع قصص اخرى بعنوان ( نزهة في شوارع مهجورة )، والروائي احمد خلف يحتل مكانة متميزة في عالم القصة والرواية في العراق، هو ينتمي الى جيل الستينيات الذي ضم عشرات الكتاب والمبدعين في مختلف حقول القصة والرواية والشعر والنقد مثل محمد خضير وجليل القيسي وموسى كريدي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وموفق خضر وحسب الله يحيى وآخرون.
في هذا الحوار محاولة لاضاءة عالم هذا القاص والروائي الذي عمل في الصحافة الادبية والاذاعية والتلفزيونية , على مدى خمسين عاماً، وتبوء اماكن مسؤوليات ثقافية وادبية بارزة في رحلته الابداعية التي ماتزال متواصلة حتى اليوم، وهو يعكف على كتابة روايته الجديدة( تسارع الخطى) والتي قال عنها انه احبها كثيراً وستكون نتاجاً متميزا له، وانه اضطر ان يتوقف عنها مرغما لاجل تلبية رغبتنا بأجراء حوار معه، وبدأت رحلة الاسئلة…
* انت تنتمي الى جيل يطلق عليه اصطلاحا بجيل الستينيات , وهو امتداد لجيل الخمسينيات وبعدكم جاء جيل السبعينيات ,الذي هو امتداد لجيلكم السؤال هو : كيف تنظر الى مفهوم الاجيال؟ ولماذا اختفت مقولة الاجيال منذ التسعينيات في العراق ؟
-لايمكن اصدار احكام نقدية قاطعة او نهائية تخص مسألة ,مازالت تتسم بالحيوية والجدل الذي يشير الى ان بنية الصراع الادبي والثقافي ذات طبيعه تركيبية ومتداخلة وانها لم تشبع دراسة وتمحيصا للخروج بنتائج مقنعه , فالقول (على سبيل المثال ) ان جيلا ادبيا من الاجيال هو امتداد للجيل الادبي الذي سبقه, عمريا ,هو رأي لا يخلو من عجالة وعدم عناية ذات طابع نقدي , اذ يتطلب منا كهذا القول دراسة مستفيضة ,لكلا الجيلين , بدء من الخلفية السياسية والفكرية التي شكلت بنية وخصائص كل جيل على انفراد,ولكي لا يقال اننا نلغي السمات التاريخية والاجتماعية لتلك المراحل, ولامتداد وتداخل حلقات التاريخ وكذلك الاستفادة والاستثمار منها , فاننا ندعو والحالة هذه الى تبيان ما تركه ذنون ايوب او عبدالله نيازي او جعفر الخليلي بالسرديات العراقيه الحديثه ؟ وهذا يمكن له ان ينطبق على الاجيال اللاحقة, واعتقد ان سبب ضعف التأثير هو عدم تمتع الادب العراقي بامتداد زمني يمتازبالتعايش واستقرار القيم وتثبيت الخصائص الاسلوبية المبتكرة والحفاظ على التطور الذي قد يحصل في مجال السرديات والنصوص التي تهتم بقيم الحداثة، وهي قيم تجسدت في القصيدة الحديثة , ( التي برع فيها دعاة التفعيلة , السياب والبياتي ونازك الملائكه ), في تلك المرحله لم يكن للقصة والروايةمن بارعين في مجال السرد سوى فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري كقاصين اتجهوا في نصوصهم منحى حداثوي حتى اذا جاء جيل الستينيات ( من القرن العشرين ), انتهت روح القبيله والالتزام بالاطروحه الايديولوجيه وما سمي في حينه بالرساله الاجتماعيه للفنان والكاتب , واستبدلت باطروحة البحث عن الحريه والدفاع عن العداله المفقوده سواء في العراق او الوطن العربي ( والتزام البحث عن الحريه وقضية العداله المفقوده هو نهج وجودي اكدت عليه كتابات سارتر والبير كامو ومورياك وسيمون دي بوفوار وغيرهم ), وتجسدت الاطروحتان في اغلب النصوص السرديه الحديثه , واتسمت اغلبها بعدم الرضا عن الذي كان سائدا انذاك خلال المرحله الستينية وما بعدها حتى مرحلة الاحتلال التي سادها الكثير من الفوضى والخراب في العراق، وقبل المجئ على هذه المرحله التي دخلت فيها الثقافه الوطنية في صراع حقيقي مع ثقافة الاحتلال , فان التشخيص الذي لامفر من الاشارة له هو تورط العراق في جمله من الحروب التي اكلت الكثير من الفرص التي كان يحلم بها المبدع العراقي لاستكمال مشروعه الثقافي الذي ازدردته السياسه المتخبطه والانقلابات العسكريه المغامره بمصير البلد ثم جاءت مهزلة الحروب التي دامت قرابة العشرين عاما وربما اكثر , اذن من اين للمبدع العراقي (والذي امتاز بجديته وتجديده ) ان يخلق ما يمكن ان اسميه مجازا بالقاعده التراكميه للنوع الادبي, وامكانية الاستفاده من تلك القاعده لفرز السمات النوعيه للنص , ونحن نعلم ان ذلك يتطلب المزيد من العنايه والاهتمام بالفن والادب والثقافه من قبل الدولة والجماعات المؤثرة كالمنظمات والاتحادات الادبية والجمعيات والنقابات والشخصيات الوطنية الفاعلة في التشكيلات الاجتماعية والثقافية والفكرية في بلد يزخر بالطاقات والمواهب الفنية والادبية.
* انت ثاني أثنين من القصاصين العراقين بشرت بهم مجلة الأداب اللبنانية .. انت من خلال قصتك (خوذة لرجل نصف ميت) عن حرب حزيران والثاني هو محمد خضير عن قصته “الارجوحة”.. والعراق خاض حروبا كثيرة وكتبت عنها اعمال كثيرة .. أين تضع تجربتك تلك مع ما تلاها من تجارب ابداعية في هذا المجال؟
-اذا نظرنا الى الحرب على اعتبار انها ظاهرة اجتماعية منحرفة ولاانسانية , فان المؤلفين الجادين لايفضلون الخوض في مضمار الكتابة التي تعنى بادب الحرب الا من باب الادانة لهذه الظاهرة المنحرفة اللاانسانية , ولقد كتب العديد من المؤلفين العراقين ادب, قصصي وروائي اتسم اغلبه بالعجاله اوبدافع نفعي واخر بدوافع عدة , غير ان الرأي الذي طرح بعد الاحتلال والذي يقول ان معظم ما كتب او تصدى لظاهرة قصة الحرب في العراق على المستوى النقدي هي اراء متعجلة وغير منصفة بل قيل ايضا عن الذين كتبوا ضد قصة الحرب في العراق هم اصحاب نزعات ايديولوجية او هم بطبيعة تفكيرهم الثقافي سياسيون اصلا , وعليه ينبغي لدارس ظاهرة ادب الحرب الا يتورط في الاذعان الى الاراء الجاهزة , لان وراء تلك الاراء دوافع شتى ايضاً , وبالطبع ظهرت بعض الكتابات ٍالقصصية والروائية كانت تطمح ان تتجاوز الاطروحات الاعلامية , بالطبع , اشير هنا في كلامي الى قصة الحرب – العراقية الايرانية , اما تجارب الكتاب في العراق عن الحرب الاخيرة لا اعتقد ثمة مجال كاف للتصدي لها فهي مازالت تترك اثارها المؤلمه عليهم وعلى الناس الاخرين في العراق , ولا يمكن تجاوز او نسيان ما يقوم به الارهاب من قتل وتدميرللناس في هذا البلد الا جزء مما تركته هذه الحرب , وعليه فان الخوض في ادب الحرب الاخيرة او الفعالية الحربية التي اسقطت النظام, يتطلب منا جملة من الملاحظات الحاسمه لعل من ابرزها هي : ان معظم ما كتب عن الحرب اي حرب وبدون دوافع ايديولوجيه او نفعيه او غايات يراد منها ارضاء المسؤول الاداري , ان ادبا خالص النوايا هو جدير بالدراسة وقبلها القراءة الجاده لفرزه عن سواه , ان القاصين العراقيين الذين كتبوا عن حرب حزيران عام 1969جاءت كتاباتهم صادقة وحقيقية وعلى هذا يمكن وضعها كقياس فني للنص القصصي والروائي الذي ينوي التصدي لظاهرة الحرب.

*ـ لقد شكلت تجربتك القصصية بالنسبة لك اهمية خاصة من خلال التطور الملموس لها , وما تركته من عناصر فنية وجمالية تم تشخيصها نقديا , ثم جاءت تجربتك في كتابة الرواية , وقد اصدرت عددا منها , اين تتجسد تجربتك السرديه في القصة ام الرواية؟
– بدأت تجربة كتابتي للقصة القصيرة منذ اواخر الستينيات من القرن العشرين وقد كان لي نص سمي في حينه ( وثيقة الصمت ) قد نشر في ملحق الجمهورية عام 1966 وبالطبع كانت ثمة محاولات قد سبقت هذه القصة , اريد القول : منذ ذلك الوقت وانا لااكف عن كتابتها وهي في الحقيقة , لديها قوة جذب كبيرة للمبدعين الذين يجيدون كتابتها , وهي ايضا تمنح مؤلفها حرية واسعة للتصرف في صياغتها والعزف على اوتار مختلف النغمات والالوان الممتعة وباستطاعتنا الان ان نستمر في مديحها ودبلجة العديد من عبارات الاعتراف بها كفن نادر في صياغته , وقليلون هم الذين برعوا في تشييد كاتدرائيتها الميمونة , فهي صاحبة فضل على الكتاب الذين تحولوا الى كتابة الرواية , ولا يوجد روائي لم يتشرف بكتابتها فهي في تصوري يمكن ان نعتبرها من الفنون الجميله , شانها في ذلك شان فن الرسم والموسقى والشعر والنحت وينقل لنا ناقد عربي عن سيجموند فرويد قوله : ((يمتلك كاتب القصص قوه موجهه خاصة يسيطر بها علينا , وهويمتلكها من خلال تلك الوسائل الانفعاليه التي يستطيع ان يدخلنامن خلالها الى عالمه )), وهذا الذي قلناه بحق القصه القصيره لايمكن ان نقوله بالنسبة للرواية على النحو ذاته , انما الروايه حقل شاسع يمكنه ان يتلقف المزيد من العنايه والتجويد فيها يكشف عن نوع المهارات التي نضعها في صفحاتها الطوال , وهي تواقه الى المزيد من الاستعارات والمجازات والكنايات لتبدو في افضل حال , وهي ايضا تمنح مؤلفها المزيد من الحرية لكشف مهاراته الدفينه وعلى هذا الاعتقاد , فالروايه عمل ينطوي على مخاطر كثيره , لعل من ابرزها : الاعتقاد انها فن ميسور للجميع وهذا اشاعه عدد محدود من النقاد , على اساس ان الكم الملموس من النصوص الروائية سوف يخلق المزيد من عمليات الفرز فيها وايضاً يقدم للناقد والدارس نماذج مختلفه ومتعددة , ولكن ومن خلال التجربة تأكد للمتابع والقارئ والمؤلف انها تتطلب معرفه فائقة بالمهارات الجمالية والفنيه اضافه الى العنايه بتاريخها عبرالمراحل المختلفة , وبهذا يكون المؤلف الذي يروم الكتابة الروائية قد استند الى خلفية ثقافية وفنية قد تؤهله (اذا امتلك الموهبة التي يتحدث عنها النقاد في بعض الاحيان ) لكتابة الرواية والتي لا نفي حقها مهما تكلمنا عن خصائصها , سريعة التطور , . والان علي , ان احدد حسب السؤال اين اجد تجربتي ؟ في القصه ام في الروايه ؟ وهو سؤال اغراني في الافاضه عن النوعين او الفنين اللذين امضيت في متابعتهما وقراءتهما ثم كتابتهما قرابة الخمسين عاما, فلم استطع التفاضل بينهما , ان لهما حظوه وسطوه علي لايمكن نكرانهما ابدا.
* في مجموعتك القصصية “خريف البلدة” انتقلت الى الرمزية في التعبير عن مكنونات نفسك الى الحد الذي بدت فيه ادانة للنظام السابق والغريب ان المجموعة نشرت في زمن النظام السابق .!!. بماذا تفسرهذه الاشكالويه في التعامل مع النصوص التي تنطوي على موقف مغاير؟ هل كان هناك قدر من الحرية ام عدم تدقيق او لماذا؟
-امتازت (خريف البلدة )عن سواها من مجموعاتي القصصية الاخرى , في انها اخضعت العديد من الاساليب السرديه الاخرى لصالحها , والحق , لم تقتصر نصوصها على النهج الرمزي كما اشار السؤال بل نستطيع ان نعثر على اتجاهات متعدده اذ لم يغفل ناقدها الادبي حيازة الاسطوره مثلا على مساحه بينه من مساحة القصص , وكذلك نجد التاريخ قد لعب دورا بارزا جدا في قصة( لعبة شطرنج) وهي اطول القصص في المجموعه وانا احسب ان الدوافع الخفيه للاستخدام متعددة الاساليب , هي دوافع هيئتها تباين الرؤى والرغبه الحقيقيه للتجديد في طرح نماذج مغايره للذي كان سائدا في تلك السنوات ,من قصص وروايات , لذا اعطى المؤلف اهميه خاصه للتقنيه والتجويد وبالوقت نفسه جاء المضمون موازيا للفن , واننا نكون مجافين للحقيقه اذا قلنا بما اسماه السؤال بـ ( عدم تدقيق ) والمراد به الرقيب الادبي في ذلك العهد , فقد كان الرقيب الادبي وهو نفسه رقيب سياسي ايضا , يتمتع بوعي خاص والرقيب في ذلك الوقت , كان نوعان الاول سياسي وربما كان حزبيا اورسميا وملكيا اكثرمن الملك وهذا الرقيب لا حوار معه , اما النوع الثاني فقد كان بينهم شعراء بارزون وقاصون وروائيون يتمتعون بوعي تجاه النص , يهمهم , ليس بدافع وجود قدر من الحريه بل لانهم ايضا وفي احيان اخرى , يرغبون ان يقرأوا نصوصا يتباهون بها امام الكتاب العرب دائمي المجئ الى بغداد , وخريف البلده التي وصف النقد الادبي قصصها بالشجاعه والمتميزه , ظهرت في ذلك الظرف العصيب وقد تم تجاوز منعها اولا لتمتع المؤلف بحظور ادبي لايمكن نكرانه , ثم كان رقيبها خبيرا ثقافيا وليس رقيبا مما جعلها في حماية وصيانة من التفسير المتعجل الذي اساء للثقافة والادب في العراق .
*مر الادب العراقي بمرحلتين فاصلتين هما مرحلة الاحتلال ومرحلة مابعد الاحتلال وانت كتبت اعمالا في كلتا المرحلتين .. ما هي خصائص المغايره بين المرحلتين ؟
اذا اردنا محاذاة الجانب الموضوعي , والتخلي عن الدفع العاطفي في تفسير وتوضيح العديد من الظواهر الادبيه والابداعيه , ينبغي لنا ان نقر ان لكل عهد من العهود التي مرت على العراق وقد عاشها الاديب ودفع ثمنا لبقائه هنا ولم يغادر , فاننا سنقر ان لكل عهد من هذه العهود جوانب سلبيه واخرى ايجابيه وعلى سبيل المثال , فيما يخص الكتابه الابداعيه , فان هذا العهد ينطوي على قدر ملموس من حرية التعبير , كنا نحلم بذلك القدر المطلوب التعامل به انذاك , ولكن كنا نتعامل مع رقيب واحد وقد يبدو متشددا دائما لكنك تستطيع اللجوء الى من يجيز النص ولو بالواسطة اما اليوم فاننا قد نواجه اكثر من رقيب واحد , ورقيب الامس يمكن ان تراه اما اليوم حيث لارقيب رسمي على النصوص القصصيه والروائيه فنحن لانراه لانك تستطيع ان تكتب (خلاف فيما سبق ) في السياسه والجنس والدين ايضا ( ولو بنسبه معينه لم تكن موجوده فيما سبق هذه الحريه النسبيه) فان الكثير من الاساليب اختفت وبرز الاسلوب الواقعي وحده تقريبا لان المبدع لم يعد يجد ثمة ضروره الى التواري خلف الاستعارات والمجازات, وبقدر ما أضرت هذه الحريه النسبيه اليوم , لكن المبدع بات لايخشى الرقيب الذي كان بمثابة تهديد دائم لحرية التعبير التي كان يفتقدها انذاك.
*هل تؤمن بمقولة ادب الخارج وادب الداخل وماهي نظرتك للمقولتين, علما انهما سادتا بعد عام 2003؟
– اعتقد ان من اشاع مقولة ادب الداخل وادب الخارج , هو النقد الادبي المولع بالمصطلحات والعبارات الرنانه – الطنانة وقد وجدت لها صدى مناسبا لدى جمهور المثقفين العراقين (هنا او هناك ) ولكن حتى اليوم لم يتفق النقد الادبي او من هو معني , بالتاريخ الادبي للمثقفين والكتاب في العراق على تعريف شاف وكاف لمعنى المقولتين , وظل المعنى موزعا بل يمكن القول انه الان يعتبر من المقولات المستهلكه , والذين اشاعوها في فترة ما كانوا مستفيدين منها , اما الان فلم يعد لها اي تأثير لان اغلب ادباء الخارج اصبح باستطاعتهم المجئ الى هنا بكل يسر وسهوله , اذن هي من حيث وجود ملموس قد ضعفت جدا جدا , وعليه ماعاد باستطاعة مستثمريها الترويج لها كما كانوا من قبل ولقد سبق للمتحدث هنا ان طرح رايا لقي الكثير من العنايه والاهتمام لجدية هذا الراي الذي يقول بضرورة الاحتكام الى النص الادبي وعدم النظر الى الجوانب الاخرى، فالاحتكام هذا يمكن ان يعتبر محكا وايضا اساسا للتعامل مع الادب والثقافه , التي تنتج داخل البلد او خارجه .
*هل انصفك النقد الادبي؟ وكيف تنظر الى العلاقة بين الناقد والمبدع الان؟

– يطلب البعض من المبدعين قصاصين وشعراء من النقد الادبي , اشتراطات فوق طاقة النقد اي انهم يريدون من الناقد ان يتحول الى داعيه لهم من خلال ما ينتجه المبدع , وهذا امر ينطوي على عدم انصاف للناقد , لان الاخير لابد ويكون له مشاريع ثقافيه اخرى وعليه ينبغي على المبدع ان يتفهم طبيعة العلاقه التي من الضروري ان تتشكل بينهما , اعني بين الناقد والمبدع , وان هذه العلاقه ستظل نسبيه في العديد من جوانبها يحكمها قانون الجدل المعروف في الفلسفات الحديثه والتي تؤكده النظره العلميه للاشياء , واذا توصلنا الى استنتاج من هذا النوع اعتقد اننا سنوفر على انفسنا المزيد من راحة البال وهدوء النفس الذي نحن بحاجه ماسه له , هذا هو فهمي للعلاقه بين المبدع وزميله الناقد , ولا ينكر ان النقد الادبي في العراق قد عانى كثيرا من تبعيه غير معلنه للنقد الادبي العربي ( سميت في حينه بعقدة الخواجه ) الا ان النقد الادبي , تجاوز الكثير من فوضاه وقد تخلص العديد منهم من تلك الفوضى ,وكان للدور الذي لعبه الراحل الدكتور علي جواد الطاهر ومجموعه من مجايليه كعناد غزوان وجلال الخياط ثم جاء الدور المهم للنقاد الحديثين امثال فاضل ثامر وباسم حمودي وعبدالجبار عباس وناجح المعموري وفاضل التميمي وحسين سرمك , وجميل الشبيبي وعبد علي حسن وغيرهم اخرون كثيرون وهؤلاء قد تيسرت لهم فرصة الكتابه وشرفوني بدراسة معظم ما كتبت من قصص وروايات , وبعضهم تناول ابداعي السردي بكتب مستقله وهذا وحده يؤكد صحة وجهة نظري التي ترى من الضروري ان يعمل المبدع بصمت , وسوف يجد الكثير من الاراء تقف الى جانبه.
*أي عمل قصصي او روائي من اعمالك له قصة معينة او يمثل حالة واقعية مررت بها؟
– معظم ما كتبت من قصص وروايات , يحمل حصة كبيرة من الواقع اي ينطوي النص الذي انتهي من انتاجه السردي على حكايه قد اكون انا صانعها او شاهد عليها او رويت لي بالمصادفه العفويه , غير المخطط لها والكثير من هذه النصوص الروائيه والاخرى القصصيه , لعب فيها الخيال دورا ملموسا ومؤشرا , على سبيل المثال في اخرروايه لي : الحلم العظيم والتي هي تؤرخ لاحدى المراحل التاريخيه التي مر بها العالم العربي وكذلك العراق , وهو الحذو حذو الثوره الكوبيه وما انتجته من نظريه خطيره في مفهوم الثوره العالميه وهي نظرية الكفاح المسلح , والغايه من هذه النظريه هو اسقاط السلطه , وعلى غرار كاسترو وجيفارا سلك فريق من الحزب الشيوعي العراقي في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين , وكنت احد الشهود القريبين من هذه الحركه التي قام بقيادتها مجموعه من الطلبه والعمال والشباب ولعل من ابرزهم هو المناضل العراقي المعروف خالد احمد زكي , سكرتير براند رسل , هذه الحركه التي واجهت اشرس هجمه رجعيه انذاك وجدت نفسي اكتب عنها روايتي (الحلم العظيم ), وبعد اكثر من ثلاثين عاما , ولنا ان نسال : ماذا بقي في ذاكرة المبدع وما هي نسبة الواقع وكذلك الخيال , هذا امر اتركه الى ما تقدمه الروايه من قناعات لقارئها , غير ان الروايه في الاخير انطوت على قصه معروفه للكثير من ابناء جيلنا.
* كيف تنظر الى واقع الادب العراقي في مجال القصه والروايه الان؟ وهل هناك اسماء في القصة والرواية يمكن ان تمثل امتدادا لجيلكم؟

-لايمكن اعطاء توصيف متكامل لواقع الادب العراقي , وذلك لسببين اولهما : عدم اكتمال الشرط الموضوعي لهذه المرحله, التي اتسم طابعها العام بالفوضى والشراسه وغياب ,الاستقرار الامني الذي يعلق عليه الدارس والمبدع اهميه خاصه للفرز والتشخيص , وثانيهما : بروز العديد من الكتاب في المجالات كافة , في القصة والرواية وغيرهما من ادب وثقافة , غير ان ما ينبغي الاشارة اليه هو ان الاجيال الجديدة من الكتاب , يستندون الى تراث عراقي وعربي في مجال الابداع السردي , لذا برزت اسماء مهمه بعد مرحلة الاحتلال ,لعل من الضروري الاشاره لها مثل احمد السعداوي وعلي بدر وسعد محمد رحيم وضياء الخالدي وناظم العبيدي وخالد ناجي ناصر وايضا حميد الربيعي وخضير فليح الزيدي وخضير ميري وعبد الزهره علي وغيرهم كثيرون تطول القائمه جدا اذا قررنا ذكر كل الاسماء الجديده فكيف الحال اذا اردنا المرور على الاجيال السابقه من ستينيين وسبعينيين وثمانينيين وتسعينيين , كل هؤلاء وغيرهم من الذين لم يتيسر لي تذكرهم , يشكلون خارطة مصغرة لظاهرة القصة والرواية في المرحله التي اشار اليها السؤال لكنها مازالت خارطه تعتمد على الكثير من الدراسات المتفرقه او المقالات التي لايمكن لها ان تحدد ملامح مرحله يعتمدها الدارس في عمله كما هو الحال مع المراحل السابقه والتي استكملت تجربتها واشتراطات دراستها بموضوعية وعمق مطلوب في هذه المرحله الصاخبة.
بعض سطور من سيرة ذاتية للروائي احمد خلف…
عمل الروائي احمد خلف رئيسا للقسم الثقافي في تلفزيون العراق في نهاية ثمانينيات القرن العشرين ,وعمل في مجلة الاقلام العراقيه اكثر من عشرين عاما بدرجة سكرتير تحرير ,كما انتخب رئيسا لنادي القصة والرواية في الاتحاد العام للادباء والكتاب ( 2010 ) وايضا اختير رئيسا لتحرير مجلة الاديب العراقي (المجله الناطقه باسم اتحاد الادباء ) لدورة كامله , متفرغ للكتابه منذ عام2005 حتى الان, اصدراكثر من عشرين كتابا بين الروايه والمجموعه القصصيه والسيره الثقافيه وحضرعددا من المؤتمرات الثقافيه والادبيه في الوطن العربي لعل من ابرزها ملتقى الابداع للروايه العربيه في مصر ولدورتين وكذلك المؤتمر الخامس للروايه العربيه في سوريه , ,حظي ادبه باهتمام النقاد العراقيين والعرب على السواء ,مستمر في الكتابه الثقافيه الابداعية
أ‘تقد هناك جزء ثاني

في مجموعتك القصصية “خريف البلدة” انتقلت الى الرمزية في التعبير عن مكنونات نفسك الى الحد الذي بدت فيه ادانة للنظام السابق والغريب ان المجموعة نشرت في زمن النظام السابق .!!. بماذا تفسر هذه الاشكالوية في التعامل مع النصوص التي تنطوي على موقف مغاير؟ هل كان هناك قدر من الحرية ام عدم تدقيق او لماذا؟
– امتازت (خريف البلدة )عن سواها من مجموعاتي القصصية الأخرى, في أنها أخضعت العديد من الأساليب السردية الأخرى لصالحها , والحق , لم تقتصر نصوصها على النهج الرمزي كما اشار السؤال بل نستطيع ان نعثر على اتجاهات متعدده اذ لم يغفل ناقدها الادبي حيازة الاسطورة مثلا على مساحة بينة من مساحة القصص , وكذلك نجد التاريخ قد لعب دورا بارزا جدا في قصة (لعبة شطرنج) وهي أطول القصص في المجموعة وانا احسب ان الدوافع الخفية للاستخدام متعددة الاساليب , هي دوافع هيئتها تباين الرؤى والرغبة الحقيقية للتجديد في طرح نماذج مغايرة للذي كان سائدا في تلك السنوات ,من قصص وروايات, لذا اعطى المؤلف اهمية خاصهة للتقنية والتجويد وبالوقت نفسه جاء المضمون موازيا للفن, وأننا نكون مجافين للحقيقة اذا قلنا بما اسماه السؤال بـ ( عدم تدقيق ) والمراد به الرقيب الأدبي في ذلك العهد, فقد كان الرقيب الادبي وهو نفسه رقيب سياسي ايضا , يتمتع بوعي خاص والرقيب في ذلك الوقت, كان نوعان الاول سياسي وربما كان حزبيا اورسميا وملكيا اكثرمن الملك وهذا الرقيب لا حوار معه , اما النوع الثاني فقد كان بينهم شعراء بارزون وقاصون وروائيون يتمتعون بوعي تجاه النص , يهمهم, ليس بدافع وجود قدر من الحرية بل لانهم ايضا وفي احيان اخرى , يرغبون ان يقرأوا نصوصا يتباهون بها امام الكتاب العرب دائمي المجئ الى بغداد, وخريف البلدة التي وصف النقد الأدبي قصصها بالشجاعة والمتميزة, ظهرت في ذلك الظرف العصيب وقد تم تجاوز منعها اولا لتمتع المؤلف بحظور ادبي لايمكن نكرانه, ثم كان رقيبها خبيرا ثقافيا وليس رقيبا مما جعلها في حماية وصيانة من التفسير المتعجل الذي اساء للثقافة والادب في العراق .
مر الأدب العراقي بمرحلتين فاصلتين هما مرحلة الاحتلال ومرحلة ما بعد الاحتلال وأنت كتبت اعمالا في كلتا المرحلتين.. ما هي خصائص المغايرة بين المرحلتين؟
اذا اردنا محاذاة الجانب الموضوعي, والتخلي عن الدفع العاطفي في تفسير وتوضيح العديد من الظواهر الأدبية والإبداعية, ينبغي لنا ان نقر ان لكل عهد من العهود التي مرت على العراق وقد عاشها الاديب ودفع ثمنا لبقائه هنا ولم يغادر, فاننا سنقر ان لكل عهد من هذه العهود جوانب سلبية واخرى ايجابية وعلى سبيل المثال , فيما يخص الكتابة الابداعية, فان هذا العهد ينطوي على قدر ملموس من حرية التعبير, كنا نحلم بذلك القدر المطلوب التعامل به انذاك, ولكن كنا نتعامل مع رقيب واحد وقد يبدو متشددا دائما لكنك تستطيع اللجوء الى من يجيز النص ولو بالواسطة اما اليوم فاننا قد نواجه اكثر من رقيب واحد, ورقيب الامس يمكن ان تراه اما اليوم حيث لارقيب رسمي على النصوص القصصية والروائية فنحن لا نراه لأنك تستطيع أن تكتب (خلاف فيما سبق ) في السياسة والجنس والدين أيضا ( ولو بنسبة معينة لم تكن موجودة فيما سبق هذه الحرية النسبية) فان الكثير من الاساليب اختفت وبرز الاسلوب الواقعي وحده تقريبا لان المبدع لم يعد يجد ثمة ضرورة الى التواري خلف الاستعارات والمجازات, وبقدر ما أضرت هذه الحريه النسبيه اليوم , لكن المبدع بات لايخشى الرقيب الذي كان بمثابة تهديد دائم لحرية التعبير التي كان يفتقدها انذاك.
هل تؤمن بمقولة أدب الخارج وأدب الداخل وماهي نظرتك للمقولتين, علما انهما سادتا بعد عام 2003؟
– أعتقد أن من أشاع مقولة ادب الداخل وادب الخارج, هو النقد الادبي المولع بالمصطلحات والعبارات الرنانة الطنانة وقد وجدت لها صدى مناسبا لدى جمهور المثقفين العراقيين (هنا او هناك ) ولكن حتى اليوم لم يتفق النقد الادبي او من هو معني, بالتاريخ الادبي للمثقفين والكتاب في العراق على تعريف شاف وكاف لمعنى المقولتين, وظل المعنى موزعا بل يمكن القول انه الان يعتبر من المقولات المستهلكة, والذين أشاعوها في فترة ما كانوا مستفيدين منها, اما الآن فلم يعد لها اي تأثير لأن أغلب أدباء الخارج أصبح باستطاعتهم المجيء الى هنا بكل يسر وسهولة, اذاً هي من حيث وجود ملموس قد ضعفت جدا جدا, وعليه ماعاد باستطاعة مستثمريها الترويج لها كما كانوا من قبل ولقد سبق للمتحدث هنا ان طرح رايا لقي الكثير من العناية والاهتمام لجدية هذا الراي الذي يقول بضرورة الاحتكام الى النص الادبي وعدم النظر الى الجوانب الاخرى، فالاحتكام هذا يمكن ان يعتبر محكا وايضا اساسا للتعامل مع الادب والثقافة, التي تنتج داخل البلد او خارجه .
هل انصفك النقد الادبي؟ وكيف تنظر الى العلاقة بين الناقد والمبدع الان؟
– يطلب البعض من المبدعين قصاصين وشعراء من النقد الادبي, اشتراطات فوق طاقة النقد اي انهم يريدون من الناقد ان يتحول إلى داعية لهم من خلال ما ينتجه المبدع, وهذا أمر ينطوي على عدم إنصاف للناقد, لان الأخير لابد ويكون له مشاريع ثقافية اخرى وعليه ينبغي على المبدع ان يتفهم طبيعة العلاقة التي من الضروري ان تتشكل بينهما, اعني بين الناقد والمبدع, وان هذه العلاقة ستظل نسبية في العديد من جوانبها يحكمها قانون الجدل المعروف في الفلسفات الحديثة والتي تؤكده النظرة العلمية للأشياء, وإذا توصلنا إلى استنتاج من هذا النوع اعتقد اننا سنوفر على انفسنا المزيد من راحة البال وهدوء النفس الذي نحن بحاجه ماسة له, هذا هو فهمي للعلاقة بين المبدع وزميله الناقد , ولا ينكر ان النقد الادبي في العراق قد عانى كثيرا من تبعية

الصحفية المحاورة أفراح شوقي

غير معلنة للنقد الادبي العربي ( سميت في حينه بعقدة الخواجه) الا ان النقد الادبي, تجاوز الكثير من فوضاه وقد تخلص العديد منهم من تلك الفوضى , وكان للدور الذي لعبه الراحل الدكتور علي جواد الطاهر ومجموعة من مجايليه كـ عناد غزوان وجلال الخياط ثم جاء الدور المهم للنقاد الحديثين أمثال فاضل ثامر وباسم حمودي وعبدالجبار عباس وناجح المعموري وفاضل التميمي وحسين سرمك, وجميل الشبيبي وعبد علي حسن وغيرهم اخرون كثيرون وهؤلاء قد تيسرت لهم فرصة الكتابه وشرفوني بدراسة معظم ما كتبت من قصص وروايات, وبعضهم تناول ابداعي السردي بكتب مستقله وهذا وحده يؤكد صحة وجهة نظري التي ترى من الضروري ان يعمل المبدع بصمت, وسوف يجد الكثير من الاراء تقف الى جانبه.
أي عمل قصصي أو روائي من اعمالك له قصة معينة او يمثل حالة واقعية مررت بها؟
– معظم ما كتبت من قصص وروايات, يحمل حصة كبيرة من الواقع اي ينطوي النص الذي انتهي من انتاجه السردي على حكاية قد اكون انا صانعها او شاهد عليها او رويت لي بالمصادفة العفوية , غير المخطط لها والكثير من هذه النصوص الروائية والاخرى القصصية , لعب فيها الخيال دورا ملموسا ومؤشرا , على سبيل المثال في آخر رواية لي: الحلم العظيم والتي هي تؤرخ لإحدى المراحل التاريخية التي مر بها العالم العربي وكذلك العراق, وهو الحذو حذو الثورة الكوبية وما أنتجته من نظرية خطيرة في مفهوم الثورة العالمية وهي نظرية الكفاح المسلح, والغاية من هذه النظرية هو إسقاط السلطة, وعلى غرار كاسترو وجيفارا سلك فريق من الحزب الشيوعي العراقي في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين , وكنت احد الشهود القريبين من هذه الحركة التي قام بقيادتها مجموعة من الطلبة والعمال والشباب ولعل من ابرزهم هو المناضل العراقي المعروف خالد احمد زكي , سكرتير براند رسل , هذه الحركة التي واجهت أشرس هجمة رجعية انذاك وجدت نفسي اكتب عنها روايتي (الحلم العظيم), وبعد اكثر من ثلاثين عاما , ولنا أن نسأل: ماذا بقي في ذاكرة المبدع وما هي نسبة الواقع وكذلك الخيال, هذا أمر اتركه إلى ما تقدمه الرواية من قناعات لقارئها, غير أن الرواية في الأخير انطوت على قصة معروفة للكثير من أبناء جيلنا.

*عن موقع الحزب الشيوعي العراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *